محمود سامح همام
باحث في الشئون الأفريقية
في تطور سياسي مفاجئ أثر على المشهد السنغالي، قام الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي بإقالة رئيس الوزراء عثمان سونكو وحل الحكومة بالكامل، بعد أشهر من التوترات والخلافات المتصاعدة بينهما بعدما وصلا إلى السلطة معًا عقب انتخابات عام 2024. وجاء القرار في ظل تصاعد الخلافات حول إدارة الملف الاقتصادي، والتعامل مع أزمة الديون، والعلاقة مع صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى وجود مؤشرات على صراع النفوذ داخل دوائر الحكم بين الرئيس وحليفه السابق الذي يتمتع بشعبية ونفوذ حزبي كبير. كما سبقت الإقالة تصريحات متبادلة عكست عمق الانقسام داخل معسكر السلطة، وهو ما جعل قرار ديوماي فاي تتويجًا لأشهر من التجاذبات السياسية والصراع على مراكز التأثير.
ويطرح هذا التطور تساؤلات جوهرية حول ما جرى داخل أروقة الحكم في دكار، وحقيقة التوازنات السياسية التي حكمت العلاقة بين الرئيس ورئيس وزرائه، فضلًا عن دلالات هذا التحول على مستقبل حزب “باستيف” الحاكم، واستقرار النظام السياسي السنغالي، واتجاهات إعادة توزيع السلطة والنفوذ داخل مؤسسات الدولة خلال المرحلة المقبلة.
أولًا: خلفيات الأزمة السياسية بين ديوماي فاي وعثمان سونكو
يمكن تفسير التطورات الأخيرة في السنغال من خلال مجموعة من العوامل السياسية والمؤسسية التي تفاعلت تدريجيًا داخل بنية السلطة منذ وصول تحالف “باستيف” إلى الحكم، وذلك على النحو التالي:
1. إشكالية ازدواجية الشرعية داخل النظام الحاكم
منذ إجراء الانتخابات الرئاسية لعام 2024، تشكلت معادلة سياسية استثنائية تمثلت في امتلاك الرئيس باسيرو ديوماي فاي للشرعية الدستورية والمؤسسية كرئيس للدولة، مقابل احتفاظ عثمان سونكو بالشرعية الشعبية والحزبية باعتباره الزعيم التاريخي لحزب “باستيف” وصاحب الدور الأبرز في بناء المشروع السياسي الذي أوصل التحالف إلى السلطة. وقد أوجد هذا الوضع حالة من التداخل بين مراكز النفوذ داخل الدولة والحزب، كما مهّد لظهور تنافس غير معلن حول قيادة المرحلة الجديدة.
2. اختلاف الرؤى حول مركز السلطة وصناعة القرار
ظهرت الخلافات بين الجانبين بشأن إدارة السلطة داخل الدولة. ففي حين سعى ديوماي فاي إلى ترسيخ مركزية مؤسسة الرئاسة بوصفها الفاعل الرئيسي في صناعة القرار السياسي، حافظ سونكو على حضور سياسي مؤثر داخل الحكومة والحزب الحاكم، الأمر الذي أفرز حالة من الازدواجية في عملية اتخاذ القرار وأثار تساؤلات حول من يقود فعليًا المشروع السياسي الحاكم.
3. تفاقم الأزمة الاقتصادية
جاءت التحديات الاقتصادية التي واجهتها السنغال خلال العامين الماضيين لتكشف عن الصراعات بين الطرفين فيما يتعلق بأولويات الإصلاح الاقتصادي. فبينما اتجه الرئيس نحو الاعتماد على مقاربات أكثر براغماتية للتعامل مع المؤسسات المالية الدولية واستعادة الثقة الخارجية، تبنى سونكو خطابًا أكثر تشددًا يرتكز على تعزيز السيادة الاقتصادية وإعادة النظر في عدد من الترتيبات الاقتصادية القائمة، وهو ما انعكس على اختلاف الرؤى بشأن إدارة الملفات المالية والاستثمارية.
4. تصاعد الصراع داخل حزب “باستيف”
لم تقتصر الخلافات على مؤسسات الدولة فقط، بل امتدت إلى داخل الحزب الحاكم نفسه؛ حيث بدأت تظهر مؤشرات على وجود تيارين رئيسيين؛ أحدهما يدعم توسيع صلاحيات الرئاسة، والآخر يتمسك بالدور المحوري لسونكو في قيادة المشروع السياسي. ومع اتساع هذا الانقسام، تحولت الخلافات التنظيمية إلى عامل ضغط إضافي على تماسك السلطة الحاكمة.
5. الرئيس وإعادة التحكم في توازنات الحكم
في ضوء تراكم هذه التوترات، يمكن النظر إلى قرار إقالة رئيس الوزراء باعتباره محاولة لإعادة هيكلة مراكز النفوذ داخل النظام السياسي، والتخلص من حالة الازدواجية التي حددت العلاقة بين الرئاسة والحكومة منذ عام 2024. ومن ثم، فإن القرار يعكس انتقال الأزمة من مرحلة التنافس إلى مرحلة إعادة رسم التوازنات داخل السلطة التنفيذية.
وبالتالي، تكشف الأزمة السنغالية الراهنة عن أن جوهر الخلاف لم يكن شخصيًا بين ديوماي فاي وعثمان سونكو، بل ارتبط بصراع سياسي أعمق حول توزيع السلطة، وحدود النفوذ داخل الحزب الحاكم، وطبيعة القيادة التي ستتولى توجيه المشروع السياسي خلال المرحلة المقبلة. وهو ما يجعل هذه الأزمة واحدة من أهم الاختبارات التي تواجه التجربة السياسية الجديدة في السنغال منذ وصول المعارضة إلى الحكم.
ثانيًا: السنغال على مفترق طرق
لا يمكن النظر إلى إقالة رئيس الوزراء عثمان سونكو باعتبارها مجرد تعديل حكومي أو خلاف سياسي محدود داخل السلطة التنفيذية، بل تعكس في جوهرها تحولات أعمق ترتبط بطبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد انتخابات 2024، ومستقبل التوازنات الحاكمة داخل السنغال. فالأزمة الراهنة تحمل مجموعة من الدلالات السياسية والاستراتيجية التي قد تسهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي في السنغال خلال السنوات المقبلة، وذلك على النحو التالي:
1. نهاية مرحلة الشراكة السياسية وبداية مرحلة تركيز السلطة
تشير التطورات الأخيرة إلى أن السنغال تشهد نهاية مرحلة سياسية استثنائية قامت على تقاسم غير معلن للنفوذ بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو. فمنذ وصول المعارضة إلى الحكم، بدا أن الدولة تُدار وفق معادلة تجمع بين الشرعية الدستورية التي يمثلها الرئيس والشرعية الشعبية والحزبية التي يمتلكها سونكو. إلا أن إقالة الأخير تعكس رغبة واضحة في إنهاء هذه الازدواجية وإعادة تركيز عملية صنع القرار داخل مؤسسة الرئاسة، بما يعزز من قدرة الرئيس على إدارة الدولة بعيدًا عن الضغوط والتوازنات التي فرضتها المرحلة الانتقالية السابقة.
2. اختبار حاسم لقدرة حزب “باستيف” على البقاء موحدًا
تكشف الأزمة الراهنة أن التحدي الأكبر أمام الحزب الحاكم لم يعد يتمثل في الوصول إلى السلطة، وإنما في كيفية إدارة السلطة والحفاظ على وحدة النخبة السياسية التي أوصلته إلى الحكم. فمع تصاعد الخلافات بين أبرز رموز الحزب، تبرز احتمالات ظهور تيارات متباينة داخل “باستيف”، بعضها يدعم تعزيز سلطة الرئيس ومؤسسات الدولة، بينما يتمسك البعض الآخر بالدور المحوري الذي لعبه سونكو في تأسيس المشروع السياسي للحزب. ومن ثم، فإن مستقبل الحزب سيعتمد إلى حد كبير على قدرته في احتواء هذه التناقضات ومنع تحولها إلى انقسامات تنظيمية أوسع.
3. انتقال النظام السياسي من المعارضة إلى الدولة
تعكس الأزمة كذلك التحول الذي تواجهه الحركات السياسية بعد وصولها إلى الحكم. فخلال سنوات المعارضة كان الخطاب السياسي الموحد كافيًا للحفاظ على تماسك التحالف، لكن متطلبات إدارة الدولة تفرض أولويات مختلفة تتعلق بالاستقرار المؤسسي، وإدارة الاقتصاد، والعلاقات الخارجية، واتخاذ قرارات قد لا تتوافق دائمًا مع الخطاب السياسي الذي سبق الوصول إلى السلطة. ولذلك يمكن اعتبار ما يحدث في السنغال أحد مظاهر الانتقال من منطق المعارضة إلى منطق الدولة، وما يصاحبه من إعادة ترتيب للأدوار ومراكز النفوذ.
4. صعود الاعتبارات المؤسسية على حساب الزعامات السياسية
تحمل الأزمة دلالة مهمة تتعلق بمحاولة تعزيز مركزية المؤسسات الرسمية في مقابل النفوذ الشخصي أو الحزبي. فقرار الإقالة يوحي بأن الرئاسة تسعى إلى تأكيد أن شرعية الحكم وممارسة السلطة يجب أن تمر عبر المؤسسات الدستورية للدولة، وليس عبر التوازنات الحزبية أو الشعبية فقط. ويعكس ذلك توجهًا نحو بناء نموذج حكم أكثر ارتباطًا بمؤسسات الدولة، حتى وإن جاء ذلك على حساب شخصيات تمتلك حضورًا جماهيريًا واسعًا.
5. إعادة رسم الخريطة السياسية في السنغال
من المرجح أن تفتح هذه التطورات الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات السياسية داخل البلاد. فالأزمة الحالية قد تدفع بعض القوى إلى إعادة ترتيب مكانتها داخل المشهد السياسي، سواء داخل الحزب الحاكم أو في صفوف المعارضة، كما قد تؤدي إلى بروز شخصيات وقوى جديدة تسعى للاستفادة من حالة السيولة السياسية الناتجة عن الخلاف بين قطبي السلطة السابقين. وبالتالي، فإن تداعيات الأزمة قد تمتد إلى ما هو أبعد من الحكومة الحالية لتؤثر في شكل المنافسة السياسية خلال الاستحقاقات المقبلة.
وتكشف أزمة ديوماي فاي وسونكو أن السنغال دخلت مرحلة جديدة من إعادة تعريف السلطة وحدود النفوذ داخل الدولة. فبعيدًا عن البعد الشخصي للخلاف، تعبر هذه التطورات عن صراع سياسي ومؤسسي يتعلق بمن يقود المشروع الحاكم، وكيف تُدار الدولة، وأي نموذج للسلطة سيهيمن على المرحلة المقبلة. ومن ثم، فإن ما يجري في دكار لا يمثل مجرد أزمة داخل الحزب الحاكم، بل يعد اختبارًا حقيقيًا لمستقبل التجربة السياسية السنغالية وقدرتها على الحفاظ على الاستقرار في ظل التحولات الجارية.
ثالثًا: السيناريوهات المحتملة لمستقبل المشهد السياسي
في ضوء التطورات المتسارعة التي شهدتها السنغال بإقالة رئيس الوزراء عثمان سونكو وحل الحكومة، تبدو البلاد أمام مرحلة انتقالية جديدة تتسم بقدر كبير من الضبابية السياسية. فالأزمة الحالية لا ترتبط فقط بمستقبل العلاقة بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي وسونكو، وإنما تمتد إلى مستقبل حزب “باستيف” الحاكم وطبيعة التوازنات التي ستشكل النظام السياسي خلال السنوات المقبلة. وفي هذا السياق، يمكن طرح عدد من السيناريوهات المحتملة:
1. سيناريو احتواء الأزمة وترسيخ هيمنة مؤسسة الرئاسة
يقوم هذا السيناريو على نجاح الرئيس ديوماي فاي في إعادة تشكيل الحكومة وتثبيت سلطته داخل مؤسسات الدولة والحزب الحاكم، مع احتواء تداعيات إقالة سونكو ومنع تحولها إلى أزمة سياسية أوسع. ويعزز هذا السيناريو امتلاك الرئيس للصلاحيات الدستورية الكاملة، فضلًا عن سيطرته على مؤسسات الدولة واستمرار الأغلبية البرلمانية التابعة لحزب “باستيف”. كما أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة وحاجة السنغال إلى استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي قد تدفع قطاعات واسعة داخل النخبة الحاكمة إلى تفضيل الاستقرار المؤسسي على الدخول في صراعات داخلية طويلة الأمد. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فمن المرجح أن تشهد السنغال انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج حكم أكثر مركزية، تصبح فيه مؤسسة الرئاسة الفاعل الرئيسي في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية، بينما يتراجع النفوذ المباشر لسونكو داخل دوائر صنع القرار.
2. سيناريو الانقسام داخل حزب “باستيف” وإعادة تشكيل التحالفات السياسية
يُعد هذا السيناريو من أكثر السيناريوهات ترجيحًا على المدى المتوسط، خاصة في ظل استمرار الشعبية السياسية التي يتمتع بها عثمان سونكو داخل القواعد الحزبية والشبابية. فقد أظهرت الأشهر الماضية وجود تباينات داخل الحزب الحاكم بشأن طبيعة القيادة وأولويات المرحلة المقبلة، كما ظهرت تحذيرات من الرئيس نفسه بشأن خطر انهيار الحزب إذا استمرت الخلافات الداخلية. وبموجب هذا السيناريو، قد يتجه الحزب إلى انقسام غير رسمي بين تيار داعم للرئيس وتيار موالٍ لسونكو، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف التماسك الداخلي للحزب الحاكم وإعادة رسم خريطة التحالفات السياسية داخل البلاد، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
3. سيناريو عودة سونكو إلى المعارضة وتشكيل مركز ضغط سياسي جديد
يفترض هذا السيناريو أن يختار سونكو الانتقال من موقع الشريك في السلطة إلى موقع المنافس السياسي للرئيس، مستفيدًا من رصيده الشعبي الواسع ومن حضوره القوي داخل قواعد “باستيف”. وتزداد احتمالات هذا المسار في ظل سوابق سابقة لوّح خلالها سونكو بإمكانية انسحاب الحزب من الحكومة إذا ما ابتعدت السلطة عن الرؤية التي تأسس عليها المشروع السياسي للحركة. وفي هذه الحالة، قد تشهد السنغال ظهور معارضة جديدة تنطلق من داخل المعسكر الذي وصل إلى الحكم عام 2024، وهو ما قد يخلق حالة من الاستقطاب السياسي بين أنصار الرئيس وأنصار سونكو، ويؤثر على قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها الإصلاحية.
4. سيناريو التسوية السياسية وإعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين
على الرغم من حدة التطورات الأخيرة، لا يمكن استبعاد احتمال التوصل إلى صيغة تفاهم أو تسوية سياسية بين الطرفين، خاصة أن كليهما ينتمي إلى المشروع السياسي نفسه، كما إن الانقسام قد يهدد المكاسب التي حققها حزب “باستيف” منذ وصوله إلى السلطة. ويقوم هذا السيناريو على إعادة توزيع الأدوار والنفوذ داخل الحزب والدولة بما يسمح بخفض حدة التوتر والحفاظ على الحد الأدنى من التوافق السياسي. إلا أن فرص تحقق هذا السيناريو تبدو أقل مقارنة بالفترات السابقة، خاصة بعد انتقال الخلاف من مرحلة التلميحات السياسية إلى قرارات تنفيذية مباشرة تمثلت في إقالة رئيس الوزراء وحل الحكومة بالكامل.
في الختام: تشير المؤشرات المرتبطة بالأزمة السياسية الراهنة في السنغال إلى أن البلاد دخلت مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها وحدّتها عن تلك التي أعقبت انتخابات 2024؛ حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على خلاف داخل دائرة الحكم، بل تطور إلى إعادة تعريف أوسع لمراكز السلطة داخل الدولة. وبينما يبدو أن سيناريو تعزيز مركزية مؤسسة الرئاسة هو الأقرب في المدى القريب، فإن مستقبل المشهد السياسي سيظل مرهونًا بقدرة السلطة على احتواء تداعيات خروج عثمان سونكو من الحكومة، وإدارة التوازنات الدقيقة داخل حزب “باستيف”، ومنع تحول الخلاف إلى انقسام بنيوي داخل المعسكر الحاكم. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت السنغال ستنجح في إعادة إنتاج الاستقرار السياسي ضمن إطار مؤسسي أكثر تماسكًا، أم أنها ستدخل في مسار جديد من إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي بكل ما يحمله ذلك من تداعيات على مستقبل الحكم في دكار.

