محمود كامل البهنساوي
باحث في العلوم السياسية
شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، في إطار مساعي تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وخفض احتمالات العودة إلى المواجهة العسكرية على الحدود الجنوبية اللبنانية. وانتهت الجولة بإعلان عن وجود تفاهمات أولية تمهد لتوقيع “إعلان نوايا” يتضمن آلية مرحلية لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي الجزئي من بعض المناطق، مقابل توسيع انتشار الجيش اللبناني في هذه المناطق يتم من خلالها تقييم قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الأمنية.
وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي رافقت ختام الجولة، إلا إن المفاوضات كشفت عن استمرار الخلافات بين الطرفين بشأن ثلاث قضايا رئيسية؛ تتمثل في تحديد مواقع المناطق المستهدفة، وتسلسل مراحل الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل دور حزب الله في الجنوب اللبناني. وقد لعبت الولايات المتحدة دور الوسيط الرئيسي، معتمدة على آلية مراقبة ميدانية جديدة بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، بهدف متابعة تنفيذ أي تفاهمات وتقليل فرص انهيار وقف إطلاق النار.
ويمكن الإشارة إلى إنهذه المفاوضات جاءت في ظل واقع ميداني يتسم بالهدوء الحذر؛ حيث تراجعت وتيرة العمليات العسكرية المباشرة، مع استمرار إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية محدودة تحت مزاعم منع التهديدات الأمنية، بينما يواصل حزب الله مراقبة التحركات الإسرائيلية مع التزامه النسبي بوقف إطلاق النار، وهو ما يجعل الوضع الميداني قابلًا للتصعيد في أي لحظة إذا فشلت المسارات السياسية.
أولًا: الموقف اللبناني
ينطلق الموقف اللبناني في المفاوضات من هدف استراتيجي يتمثل في استعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية، انطلاقًا من اعتبار أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق الحدودية يمثل انتقاصًا من سيادة الدولة ويحول دون بسط سلطتها على كامل أراضيها. ومن هذا المنطلق، تسعى الحكومة اللبنانية إلى أن تكون أي تفاهمات جديدة مدخلًا لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي وإعادة تثبيت سلطة الدولة في الجنوب. ويستند هذا الموقف إلى مجموعة من الدوافع السياسية والأمنية، يأتي في مقدمتها استعادة السيطرة على الأراضي التي لا تزال خاضعة للوجود الإسرائيلي، وتعزيز شرعية الدولة اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة الملف الأمني والدفاعي داخل البلاد. كما تسعى بيروت إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية الناجمة عن استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، فضلًا عن تحقيق مكسب سياسي داخلي يعزز من مكانة الحكومة ويؤكد قدرتها على استعادة الحقوق السيادية عبر المسار الدبلوماسي. إلا أن الموقف اللبناني يواجه عددًا من المحددات التي تؤثر في هامش الحركة التفاوضية، أبرزها استمرار وجود حزب الله بوصفه قوة عسكرية مؤثرة في الجنوب، وما يثيره ذلك من انقسام داخلي بشأن مستقبل سلاحه ودوره الأمني. كما تحد محدودية القدرات العسكرية والاقتصادية للدولة اللبنانية من قدرتها على فرض سيطرتها الكاملة بصورة مستقلة، الأمر الذي يجعلها تعتمد بدرجة كبيرة على الوساطة الأمريكية والدعم الدولي لضمان تنفيذ أي اتفاق محتمل.
وفي ضوء هذه الاعتبارات، يتمسك لبنان بأن تبدأ المناطق التجريبية داخل الأراضي التي لا تزال تنتشر فيها القوات الإسرائيلية، باعتبار أن ذلك يمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية إسرائيل في تنفيذ الانسحاب، وخطوة عملية نحو استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة على أراضيها، بما ينسجم مع أهداف المفاوضات الجارية.
ثانيًا: الموقف الإسرائيلي
ينطلق الموقف الإسرائيلي في المفاوضات من أولوية تتمثل في الحفاظ على الأمن القومي، باعتباره المحدد الرئيسي لسياسته تجاه الحدود اللبنانية. وترى إسرائيل أن أي انسحاب من المناطق الحدودية يجب أن يسبقه توفير ضمانات أمنية كافية تحول دون إعادة انتشار حزب الله أو استئناف أي أنشطة عسكرية قد تهدد أمنها، وهو ما يعكس التحول الذي طرأ على العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد أحداث السابع من أكتوبر، والتي دفعت صناع القرار إلى تبني نهج أكثر تشددًا في التعامل مع التهديدات الحدودية.
ويستند هذا الموقف إلى مجموعة من الدوافع الأمنية والاستراتيجية، أبرزها منع عودة حزب الله إلى المناطق القريبة من الحدود، وإنشاء بيئة أمنية مستقرة تقلل من احتمالات اندلاع مواجهات مستقبلية، إلى جانب اختبار قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته الأمنية ومنع أي فراغ قد تستغله الجماعات المسلحة. كما تسعى إسرائيل إلى الحصول على ضمانات عملية وموثوقة قبل الإقدام على أي انسحاب، بما يضمن عدم تكرار التهديدات التي واجهتها خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، يخضع الموقف الإسرائيلي لمجموعة من المحددات التي تؤثر في مسار المفاوضات، والتي يأتي في مقدمتها استمرار امتلاك حزب الله قدرات عسكرية كبيرة، وما يمثله ذلك من تهديد للأمن الإسرائيلي وفق الرؤية الإسرائيلية. كما تستند الحكومة الإسرائيلية إلى الدعم السياسي والعسكري الأمريكي، الذي يمنحها هامشًا واسعًا في التمسك بمطالبها الأمنية، فضلًا عن الضغوط الداخلية التي تواجهها الحكومة، والتي تدفعها إلى تجنب أي خطوات قد تُفسر على أنها تنازل يمس أمن الدولة أو يضعف قدرتها على الردع.
وانطلاقًا من هذه الاعتبارات، ترفض إسرائيل الالتزام بالانسحاب الكامل من المناطق الحدودية، وتتمسك بأن يبدأ تنفيذ المناطق التجريبية في مناطق لا تنتشر فيها قواتها حاليًا، على أن يتم تقييم أداء الجيش اللبناني وقدرته على فرض الأمن ومنع عودة حزب الله قبل الانتقال إلى مراحل أوسع من الانسحاب. ومن ثم، ترى إسرائيل أن أي اتفاق لا يتضمن ضمانات أمنية واضحة وقابلة للتنفيذ لن يحقق الاستقرار المنشود، بل قد يفتح المجال أمام تجدد التوترات في المستقبل.
ثالثًا: العوامل المؤثرة في مسار المفاوضات
يتأثر مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بمجموعة من العوامل السياسية والأمنية والإقليمية التي قد تدفع نحو إنجاح المفاوضات أو تعثرها. ويأتي في مقدمة هذه العوامل الدور الأمريكي؛ إذ تمثل الولايات المتحدة الوسيط الرئيسي بين الطرفين، وتسعى إلى تقريب وجهات النظر من خلال طرح مجموعة من الحلول المرحلية التي تحقق التوازن بين المطالب اللبنانية المتعلقة باستعادة السيادة، والهواجس الأمنية الإسرائيلية. كما تعتمد واشنطن على آليات رقابة ومتابعة ميدانية بهدف ضمان تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها، بما يعزز فرص الحفاظ على وقف إطلاق النار. ويُعد مستقبل سلاح حزب الله العامل الأكثر تأثيرًا في مسار التفاوض، نظرًا لاختلاف رؤية الطرفين تجاهه. فبينما تعتبره إسرائيل التهديد الأمني الرئيسي الذي يحول دون تنفيذ أي انسحاب، يرى لبنان أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم في إطار سيادته الوطنية ووفق اعتبارات داخلية، الأمر الذي يجعل هذه القضية تمثل إحدى أكثر نقاط الخلاف تعقيدًا.
من ناحية أخرى، تؤثر قدرة الجيش اللبناني على بسط سيطرته في الجنوب بصورة مباشرة على فرص نجاح المفاوضات؛ حيث تربط إسرائيل أي انسحاب تدريجي بمدى قدرة الجيش على فرض الأمن ومنع أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة. وفي المقابل، يسعى لبنان إلى إثبات جاهزية مؤسساته الأمنية للقيام بهذا الدور بما يعزز موقفه التفاوضي ويدعم مطالبته بانسحاب إسرائيلي كامل.
ولا يمكن إغفال تأثير البيئة الإقليمية على مسار المفاوضات؛ إذ ترتبط التطورات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية بالتفاعلات في الشرق الأوسط، ولا سيما العلاقات الإيرانية الإسرائيلية، كما يمكن أن ينعكس التصعيد الإقليمي بصورة مباشرة على استقرار الحدود الجنوبية للبنان. كما تلعب الضغوط الداخلية في كل من لبنان وإسرائيل دورًا مهمًا في تحديد سقف التنازلات الممكنة؛ حيث تواجه الحكومتان اعتبارات سياسية وأمنية داخلية تحد من قدرتهما على تقديم حلول نهائية، وهو ما يجعل خيار التفاهمات المرحلية أكثر واقعية في المرحلة الحالية.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة
1. السيناريو الأول: التوصل إلى اتفاق شامل: يقوم هذا السيناريو على نجاح الوساطة الأمريكية في تقريب وجهات النظر، والتوصل إلى اتفاق شامل يتضمن انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا من الأراضي اللبنانية يعقبه انتشار كامل للجيش اللبناني في المناطق الحدودية، مع إمكانية إنشاء آلية رقابة دولية فعالة لضمان استمرار وقف إطلاق النار بصورة مستقرة.
2. السيناريو الثاني: تطبيق مناطق تجريبية وتفاهمات مرحلية: يُعد السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الحالية؛ حيث يتفق الطرفان على إنشاء مناطق تجريبية تنتقل فيها المسئولية الأمنية تدريجيًا إلى الجيش اللبناني، مع استمرار تقييم الأداء قبل تنفيذ انسحاب إسرائيلي أوسع.ويحقق هذا السيناريو عدة أهداف تتمثل في اختبار قدرة الدولة اللبنانية على فرض الأمن، ومنح إسرائيل ضمانات أمنية تدريجية، والحفاظ على وقف إطلاق النار. واستمرار التفاوض دون الوصول إلى اتفاق نهائي.
3. السيناريو الثالث: فشل المفاوضات وانهيار وقف إطلاق النار: يفترض هذا السيناريو تعثر المفاوضات نتيجة استمرار الخلاف حول الانسحاب، أو تصاعد الخروقات العسكرية، أو حدوث مواجهة بين إسرائيل وحزب الله. وفي هذه الحالة قد تشهد المنطقة تصاعد العمليات العسكرية على الحدود وعودة القصف المتبادل، بالإضافة إلى إمكانية تدخل قوى إقليمية أوسع كإيران التي قد تزيد من تعقيد الأزمة.
في الختام: تشير المعطيات الحالية إلى أن فرص الاحتواء تبدو أكبر من فرص الانهيار الكامل، إلا أن هذا الاحتواء سيظل هشًا وقائمًا على تفاهمات مرحلية أكثر منه على تسوية نهائية. فكل من لبنان وإسرائيل يدركان التكلفة المرتفعة لاستئناف حرب واسعة، لكنهما في الوقت ذاته يتمسكان بمطالب يصعب التوفيق بينها؛ إذ يطالب لبنان بانسحاب إسرائيلي يعزز سيادته، بينما تصر إسرائيل على الحصول على ضمانات أمنية ملموسة تمنع إعادة انتشار حزب الله في الجنوب.
وعليه، فمن المرجح أن تتجه الأحداث خلال الفترة المقبلة نحو تمديد المسار التفاوضي مع تنفيذ خطوات تدريجية واختبارية، مثل إنشاء مناطق تجريبية وانتشار متدرج للجيش اللبناني، مع استمرار الوساطة الأمريكية. وسيبقى وقف إطلاق النار قائمًا لكنه عرضة للاهتزاز، بحيث يمكن لأي تطور ميداني أو إقليمي أن يعيد التوتر إلى الواجهة ويؤخر الوصول إلى اتفاق شامل. وبالتالي، فإن السيناريو الواقعي يتمثل في إدارة الصراع واحتوائه في هذه المرحلة، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة في حال تعثرت المفاوضات أو تراجعت الثقة بين الأطراف.

