د. مصطفى عيد إبراهيم
خبير في الشئون الدولية
شهد مفهوم الأمن خلال العقود الماضية تحولًا جوهريًا في الفكر السياسي والاستراتيجي. فبعد أن كان الأمن يُقاس تقليديًا بمدى قدرة الدولة على حماية حدودها وسيادتها من التهديدات الخارجية فقط، برز منذ تسعينيات القرن العشرين مفهوم جديد يتمثل في الأمن الإنساني، الذي يركز على حماية الإنسان من الفقر والجوع والمرض والعنف وانتهاكات الحقوق الأساسية. وقد شكل تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1994 نقطة تحول رئيسية عندما أكد أن الأمن يجب أن يرتبط بالإنسان أكثر من ارتباطه بالإقليم، وبالتنمية أكثر من ارتباطه بالعمليات العسكرية.
وتعد أفريقيا من أكثر مناطق العالم ارتباطًا بتطور هذا المفهوم، نظرًا لما تواجهه من تحديات متشابكة تشمل النزاعات المسلحة والإرهاب والفقر والتغير المناخي والأوبئة وضعف المؤسسات الحكومية. فبينما نجحت غالبية الدول الأفريقية في الحفاظ على استقلالها السياسي وحدودها الوطنية منذ مرحلة التحرر الوطني، إلا إن ملايين المواطنين ما زالوا يواجهون تهديدات يومية تتعلق بالحصول على الغذاء والرعاية الصحية وفرص العمل والأمن الشخصي والتعرض للنزوح والهجرة داخل أو خارج القارة.
ومن هنا برزت الأهمية نحو الانتقال من مفهوم الأمن التقليدي الذي يركز على العمليات العسكرية إلى مفهوم أوسع وأكثر شمولًا يركز على “حماية الإنسان” باعتباره محور التنمية وغايتها النهائية.
أولًا: الإطار النظري لمفهوم الأمن الإنساني
خلال مرحلة ما بعد الاستقلال في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ركزت الحكومات الأفريقية بصورة أساسية على حماية الدولة الوطنية الجديدة والحفاظ على وحدة الأراضي ومواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. وقد ارتبط الأمن آنذاك بعدة اعتبارات رئيسية مثل حماية الحدود الموروثة عن الاستعمار ومنع الانفصال والحيلولة دون اندلاع الحروب الأهلية وتعزيز سلطة الدولة المركزية وبناء المؤسسات العسكرية والأمنية. إلا أن العقود التالية أظهرت عدم قدرة هذا التصور على تعزيز الأمن. فرغم زيادة الإنفاق العسكري في عدد من الدول الأفريقية، استمرت النزاعات المسلحة وانتشرت الأزمات الاقتصادية وتفاقمت معدلات الفقر والبطالة.
ومع نهاية الحرب الباردة بدأت منظمات إقليمية مثل الاتحاد الأفريقي في تبني رؤية أكثر شمولًا للأمن، تقوم على الربط بين السلم والتنمية والحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان. لذلك برز اتجاه جديد يدعو إلى إعادة تعريف الأمن انطلاقًا من احتياجات الإنسان نفسه. وقد تجسد هذا التحول في مفهوم الأمن الإنساني الذي طرحه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير التنمية البشرية لعام 1994، والذي اعتبر أن أمن الأفراد لا يقل أهمية عن أمن الدول، بل إن استقرار الدول أصبح مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرتها على توفير الأمن الاقتصادي والاجتماعي والصحي والسياسي لمواطنيها. ويعرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الأمن الإنساني بأنه حماية الأفراد من التهديدات المزمنة مثل الجوع والمرض، ومن الاضطرابات المفاجئة التي قد تعطل حياتهم اليومية. ويقوم المفهوم على سبعة أبعاد رئيسية: الأمن الاقتصادي والأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن البيئي والأمن الشخصي والأمن المجتمعي والأمن السياسي. ويمثل هذا المفهوم تحولًا من التركيز على حماية الحدود والسيادة إلى التركيز على حماية حياة الإنسان وكرامته وحقوقه الأساسية.
ثانيًا: التحول في مفهوم الأمن
أدى التحول في الخطاب والممارسة الأمنية من الاهتمام بأمن الدول بالمفهوم التقليدي إلى الأمن البشري في العمل على تعزيز دخول مجموعة من القضايا مثل الاهتمام بحقوق الإنسان في نطاق الخطاب والممارسة الأمنية، وأصبح من الشائع الآن استخدام حقوق الإنسان كإطار معياري ومفهوم عملي لتعزيز أهداف الأمن البشري. ونتيجة لذلك، تحتل حقوق الإنسان مكانة بارزة في الخطاب والممارسة الأمنية وقد أرسى نظام حقوق الإنسان مجموعة من المعايير والإجراءات الرقابية.
وفي أفريقيا؛ حيث تهدد ظروف متعددة الأمن البشري بشكل شامل، من الضروري استخدام جميع الآليات المؤسسية والسياسية والقانونية المتاحة لمواجهة هذه التهديدات والمساهمة في العمل على تعزيز الأمن البشري لجميع الأفراد والمجتمعات. لا شك أن نظام حقوق الإنسان الأفريقي يُعدّ أحد الآليات التي يُمكن أن تُسهم إسهامًا كبيرًا في حماية وتعزيز الأمن البشري في القارة. وفي هذا الصدد، يمكن دراسة دور هيئات حقوق الإنسان الأفريقية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والشعوب، ومساهمتها في حماية الأمن البشري.
اعتمدت العديد من الدول الأفريقية بعد الاستقلال على مفهوم الأمن التقليدي الذي ركز على حماية النظام السياسي ووحدة الدولة. غير أن التجارب أثبتت أن امتلاك الجيوش القوية لا يضمن بالضرورة أمن المواطنين. ففي كثير من الحالات، استمرت النزاعات والفقر والتهميش رغم الإنفاق العسكري المرتفع، وهو ما دفع الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية إلى انتهاج مقاربة أكثر شمولًا تركز على الإنسان باعتباره محور السياسات الأمنية والتنموية. وأصبح تحقيق الأمن الإنساني يتطلب مجموعة من الإجراءات مثل تعزيز الحكم الرشيد ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة وحماية حقوق الإنسان وتوفير فرص العمل وتعزيز المشاركة السياسية.
كما بات هناك علاقة وثيقة بين الأمن الإنساني والتنمية المستدامة؛ فالمجتمعات التي تتمتع بمستويات أفضل من التعليم والصحة والدخل تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والصراعات. ولقد تبنى الاتحاد الأفريقي “أجندة أفريقيا 2063” بوصفها رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة والاستقرار في القارة. وتقوم هذه الرؤية على عدة أهداف رئيسية مثل القضاء على الفقر، وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وتعزيز التكامل الإقليمي، وترسيخ الديمقراطية والحكم الرشيد، وتمكين المرأة والشباب، وتحقيق السلم والأمن. وتؤكد الأجندة أن التنمية المستدامة والأمن الإنساني عنصران متلازمان لا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر.
ثالثًا: تشخيص حالة الأمن الإنساني في أفريقيا
رغم ما تمتلكه أفريقيا من موارد طبيعية هائلة وإمكانات بشرية كبيرة، فإنها لا تزال تواجه تحديات معقدة تؤثر على الأمن الإنساني وفق التعريف الذي أوردناه في السابق.
1. النزاعات المسلحة والإرهاب
تشهد مناطق عديدة في القارة نزاعات وحروب، كما أدى انتشار الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية إلى تهديد حياة الملايين وتعطيل جهود التنمية، ووفقًا لمعهد أفريقيا للدراسات الاستراتيجية ومركز SIPRI (معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام) ومركز ACLED (مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة ومؤشر النزاعات لعام 2026)، فإن عدد الدول الأفريقية التي تشهد نزاعات مسلحة تصل إلى نحو عشرين دولة، منها نزاعات كبرى وحروب أهلية مثل ما يحدث في السودان والتي وصل ضحايا الى ما يفوق 60 ألف. والنزاع في جمهورية الكونغو ووصول الضحايا الى نحو عشرة الاف وكذلك الصراعات في بوركينا فاسو ومالي والنيجر؛ حيث يعد إقليم غرب أفريقيا أحد الأقاليم الأكثر دموية؛ حيث تصل إجمالي الوفيات المرتبطة بالجماعات الإرهابية لنحو أربعين بالمائة. وكذلك المواجهات بالصومال وفي حوض بحيرة تشاد وما تشهده إثيوبيا ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى من حروب ونزاعات.
2. الفقر وعدم المساواة
لا يزال الفقر أحد أكبر التحديات أمام الأمن الإنساني في أفريقيا. فمئات الملايين من الأفارقة يفتقرون إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والمياه النظيفة، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية والاجتماعية. ووفقًا للإحصاءات الصادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومختبر عدم المساواة العالمي. (غيرت المؤسسات الدولية من خط الفقر الدولي ليصبح ثلاث دولارات يوميًا اعتمادًا على تعادل القوة الشرائية لعام 2021.)؛ حيث تشير التقديرات الحالية الى ان أكثر من 75٪ من فقراء العالم يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء وان معدل الفقر الإجمالي يصل الى نحو 10٪ مع اختلاف هذه النسبة من دولة أخرى، فقد تصل في أنجولا لنحو أربعين بالمائة. ووفقًا لتقرير مؤشر الفقر متعدد الأبعاد فان مئات الملايين يعيشون تحت وطأة الفقر بأفريقيا؛ حيث يعاني الفقراء من عدم توافر الماء النظيف والسكن الملائم والصرف الصحي والمرافق العامة.
كما يشير معامل جيني الى وجود عدم مساواة في الدخول بالقارة الأفريقية؛ حيث يعيش نحو تسعين بالمائة من السكان الأفارقة جنوب الصحراء عند مستويات دخل منخفضة للغاية. فضلًا عن وجود عدم مساواة بناءً على النوع؛ حيث تبلغ حصة النساء من إجمالي دخل العمل في أفريقيا جنوب الصحراء نحو الربع فقط في ظل عدم قدرة الأسواق على استيعاب القوة البشرية القادرة على العمل.ولا يمثل الفقر مجرد مشكلة اقتصادية، بل يعد تهديدًا مباشرًا للاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني؛ حيث يؤدي إلى ضعف فرص التعليم وتراجع الخدمات الصحية وارتفاع معدلات سوء التغذية وزيادة احتمالات التجنيد في الجماعات المسلحة وتصاعد الهجرة غير النظامية.
3. التغير المناخي
على الرغم من إن أفريقيا لا تساهم الا بنحو 4% أو أقل من إجمالي الانبعاثات الكربونية في العالم، إلا أنها تتعرض لآثار متزايدة للتغير المناخي تشمل الجفاف والتصحر والفيضانات، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي ويزيد من احتمالات النزاعات على الموارد الطبيعية. ووفق ما ترصده المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقريرها عن المناخ بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي ومنظمة المناخ العالمي والمركز الأفريقي للاقتصاد الأخضر لتقرير آفاق المناخ والتنمية المستدامة في أفريقيا، يمكن القول إن القارة الأفريقية ودولها جنوب الصحراء تشهد سلسلة من التغيرات المناخية مثل الفيضانات التي حدثت في موزمبيق ومدغشقر وملاوي وزيمبابوي وهطول أمطار غزيرة في فترات قصيرة على هذه الدول. في المقابل تعاني مناطق في غرب ووسط أنجولا وزامبيا والكونغو الديموقراطية من عجز في سقوط الأمطار. ولأن أفريقيا تعتمد على الزراعة المطرية، فإن التقلبات المناخية تؤدي الى خفض انتاج بعض المحاصيل الاستراتيجية. وأخيرًا من الصعوبة بمكان مواجهة التغيرات المناخية دون مساعدات دولية والعمل الجماعي؛ حيث تحتاج القارة إلى نحو 365 مليار دولار سنويًا لتنفيذ مشروعات التكيف المناخي وحماية الشواطئ والمراعي.
4. الهجرة والنزوح
أدت الحروب والكوارث الطبيعية إلى نزوح ملايين الأفارقة داخليًا وخارجيًا، مما يفرض ضغوطًا كبيرة على الدول المضيفة ويزيد من التحديات الإنسانية.
وتظهر إحصاءات المنظمة الدولية للهجرة ومركز رصد النزوح الداخلي أن عدد الأشخاص النازحين قسرًا داخل بلدانهم تجاوز عددهم نحو 35 مليون شخص وفق إحصاءات عام 2023، كما تصل الهجرة الذين يتحركون داخل حدود القارة تستحوذ على أكثر نصف العدد الإجمالي للهجرة، في حين أن الباقي يتجهون إلى أوروبا وبعض الدول الأخرى.
5. أزمة الغذاء والصحة
على الرغم من امتلاك القارة نحو 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، فإن ملايين الأفارقة يعانون من انعدام الأمن الغذائي نتيجة التغيرات المناخية والنزاعات المسلحة وضعف البنية التحتية الزراعية والاعتماد على الواردات الغذائية. وقد ساهمت الحرب الروسية الأوكرانية في زيادة الضغوط الغذائية على العديد من الدول الأفريقية التي تعتمد على استيراد الحبوب.
كما أظهرت جائحة كوفيد-19 أهمية الأمن الصحي كجزء أساسي من الأمن الإنساني؛ حيث واجهت أفريقيا تحديات صحية مزمنة تشمل الملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية والسل والأوبئة الموسمية وايبولا. ويؤدي ضعف الأنظمة الصحية في بعض الدول إلى زيادة هشاشة المجتمعات أمام الأزمات الصحية.
رابعًا: التحديات المستقبلية
رغم التقدم الذي أحرزته بعض الدول الأفريقية، إلا إن معظم دول القارة تواجه مجموعة من التحديات المستقبلية المهمة التي تؤثر سلباً على تحقيق الأمن الإنساني، ومن أهمها:
1. النمو السكاني السريع: من المتوقع أن يتضاعف عدد سكان أفريقيا تقريبًا بحلول عام 2050، لتصبح القارة موطنًا لأكثر من ربع سكان العالم، ويمثل ذلك فرصة كبيرة من حيث الموارد البشرية، لكنه يفرض تحديات تتعلق بالتعليم والتوظيف وجودة الخدمات العامة.
2. البطالة بين الشباب: تشكل فئة الشباب غالبية السكان في أفريقيا، إلا أن محدودية فرص العمل قد تؤدي إلى زيادة معدلات الهجرة وارتفاع مستويات الجريمة وسهولة استقطاب الشباب من قبل الجماعات المتطرفة.
3. تحديات متنوعة: مثل تحديات المناخ وعدم الاستقرار السياسي والأمني والتحديات الاقتصادية والإرهاب، التي تعد جميعها امتداد للأوضاع الحالية في ظل غياب سياسات حازمة وجادة للنهوض بمفهوم الأمن الإنساني.
في الختام: أثبتت التجارب الأفريقية خلال العقود الأخيرة أن تبني المفهوم النظري للأمن الإنساني، لم يكن كافيًا لتحقيق؛ حيث لا تزال الدول الأفريقية جنوب الصحراء، تعاني من انعدام الحقوق الأساسية مثل الأمن الاقتصادي والاجتماعي والصحي والسياسي. وبات على الدول الأفريقية وهي تسعى لتحقيق الأمن الإنساني لمواطنيها أن ترتبط سياستها بمستوى تنفيذ وتطبيق الحوكمة الرشيدة وكفاءة المؤسسات الحكومية. وتشير الحوكمة إلى سيادة القانون والشفافية والمساءلة والمشاركة السياسية ومكافحة الفساد وكفاءة الإدارة العامة، كما إن تراجع جودة الحوكمة غالبًا ما يرتبط بارتفاع معدلات العنف السياسي وتدهور الخدمات العامة وزيادة معدلات الفقر. وتتجلى أهمية الحوكمة في أن المواطن لا يشعر بالأمن فقط من خلال غياب الحرب، وإنما من خلال قدرته على الحصول على الخدمات الأساسية والعدالة والفرص الاقتصادية في إطار مؤسسات موثوقة. فالدول التي نجحت في بناء مؤسسات فعالة وتحقيق مستويات أعلى من الشفافية والمساءلة كانت أكثر قدرة على تعزيز الاستقرار السياسي وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنهوض بالفعل بالأمن الإنساني لمواطنيها. ولعل تجربة رواندا التنموية والاهتمام بالأمن الإنساني بمفهومه الواسع تعد الأكثر نجاحًا في القارة الأفريقية.
الهوامش
- United Nations Development Programme (1994). Human Development Report 1994: New Dimensions of Human Security.
- United Nations Development Programme (2025). Advancing Human Security for a Resilient and Prosperous Africa.
- United Nations Economic Commission for Africa. Economic Report on Africa.
- sciencedirecthttps://www.sciencedirect.com › science › article › pii › S2589471424000214
- African Union. Agenda 2063: The Africa We Want.
- World Bank. Africa’s Pulse Reports.
- Mo Ibrahim Foundation. Ibrahim Index of African Governance (IIAG).
- https://www.amnesty.org/en/location/africa/report-africa/
- researchgatehttps://www.researchgate.net › publication › 272238940_Human_security_in_the_horn_of_Afric

