محمود ناصر جويده
باحث في العلوم السياسية
ظهر الدمج الاجتماعي للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المجتمعات كأحد أهم أهداف التنمية، وكحق أصيل ومشروع لجميع الأفراد دون تمييز. وينطلق هذا التوجه من اعتبار أن الإعاقة لا تكمن في الاختلافات الفردية، بل في الظروف والسياقات الاجتماعية غير المهيأة التي تفرض قيودًا غير مبررة أمام مشاركة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في مختلف مجالات الحياة؛ إذ إن المشكلات الحياتية التي يواجهها ذوي الاحتياجات الخاصة لا تعود إلى الإعاقة نفسها، بقدر ما ترتبط بالظروف المجتمعية المحيطة بهم.
وهذا لا يعني تجاهل الفروق الفسيولوجية أو الخصائص الفردية المرتبطة بذوي الاحتياجات الخاصة، وإنما معالجة آثارها من خلال دراسة الجوانب المجتمعية القابلة للتغيير والتطوير. ومن هذا المنطلق، يقوم مفهوم المشاركة والاندماج الاجتماعي على رفض التصنيف والعزل والإقصاء على أساس الإعاقة، وتعزيز الاتجاهات المجتمعية الداعمة للمساواة وقبول التنوع، بما يسهم في الحد من التداعيات السلبية للوصم الاجتماعي الذي يتعرض لها الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
أولًا: الإطار المفاهيمي
تعرف الأمم المتحدة دمج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع بأنه حق أساسي يكفل لهم العيش داخل مجتمعاتهم على قدم المساواة مع الآخرين، مع تمتعهم بحرية اختيار مكان إقامتهم ونمط حياتهم دون أي تمييز أو فرض ترتيبات معيشية محددة عليهم. كما يشمل الدمج ضمان حصولهم على خدمات الدعم المنزلي والمجتمعي والمساعدة الشخصية اللازمة لتعزيز استقلاليتهم ومشاركتهم الفاعلة في المجتمع، فضلًا عن إتاحة الخدمات والمرافق العامة لهم بصورة متكافئة تستجيب لاحتياجاتهم المختلفة، بما يمنع عزلهم أو فصلهم عن محيطهم الاجتماعي ويعزز اندماجهم الكامل في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.[1]
ويُعرِّف القانون المصري رقم (10) لسنة 2018 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في مادته الثانية، الشخص ذي الإعاقة بأنه كل شخص لديه قصور أو خلل كلي أو جزئي، بدني أو ذهني أو عقلي أو حسي، متى كان هذا القصور أو الخلل مستقرًا، ويؤدي عند تفاعله مع مختلف العوائق والحواجز إلى الحد من مشاركته الكاملة والفعالة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين.[2]
ثانيًا: الإطار المؤسسي الداعم لحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر
أولت الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال إنشاء وتفعيل مؤسسات متخصصة تُعنى بحماية حقوقهم وتعزيز دمجهم في المجتمع. وفي هذا الإطار، أُنشئ المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة بموجب القانون رقم 11 لسنة 2019 الصادر في 3 مارس 2019، باعتباره الجهة الوطنية المختصة بمتابعة أوضاع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ورصد مدى تمتعهم بحقوقهم المختلفة. كما تم إنشاء صندوق دعم الأشخاص ذوي الإعاقة بموجب القانون رقم 200 لسنة 2020 الصادر في 29 سبتمبر 2020 بهدف توفير الدعم المالي والاقتصادي اللازم لهم وتمويل البرامج والمبادرات الموجهة لتحسين جودة حياتهم.[3]
وتتعاون هاتان المؤسستان في إعداد التقارير السنوية الخاصة بأوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة وتقدمها إلى رئاسة الجمهورية والحكومة المصرية ومجلس النواب، فضلًا عن إعداد أوراق السياسات وصياغة الاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بقضايا الإعاقة. وقد دعمت الدولة المصرية جهودها التشريعية والمؤسسية من خلال عدد من المبادرات الوطنية، من أبرزها المبادرة الرئاسية “الإدماج… التمكين… المشاركة” التي أُطلقت في عام 2016، والتي استهدفت تعزيز دمج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، بما يسهم في تحقيق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وتعزيز مشاركتهم الفاعلة في المجتمع.[4]
كما عززت مصر التزامها بحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2006، والتي انضمت إليها 184 دولة حول العالم. وتؤكد الاتفاقية على ضمان تنفيذ المشاركة الكاملة والفعالة للأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين، واحترام القدرات المتطورة للأطفال ذوي الإعاقة، وتوفير بيئة داعمة تكفل لهم التمتع بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية دون تمييز. كما تمثل الاتفاقية إطارًا دوليًا شاملًا لتعزيز مبادئ الإدماج وتكافؤ الفرص وإزالة العوائق التي تحول دون المشاركة المجتمعية الكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة.[5]
ثالثًا: مؤشرات الإعاقة وعمليات الدمج المجتمعي
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2025 إلى أن الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يمثلون نحو 3.1% من إجمالي عدد الأطفال في مصر[6]، البالغ عددهم حوالي 39.7 مليون طفل في بداية عام 2025[7] كما يوضح الشكل رقم (1)، بما يعادل نحو 1.25 مليون طفل مصري من ذوي الاحتياجات الخاصة. كما تُظهر البيانات أن الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة يشكلون نحو 10.64% من إجمالي سكان مصر، وهو ما يعكس الحجم الديموجرافي الكبير لهذه الفئة داخل المجتمع المصري.[8] وعلى الرغم من التطورات التشريعية والمؤسسية التي شهدتها السنوات الأخيرة، لا يزال العديد من الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وخاصة الأطفال، يواجهون تحديات تتعلق بالحصول على فرص متكافئة للوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.

بجانب ذلك، يعاني نحو 24% من بين الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من أمراض مزمنة، بينما لا يحصل بعضهم على متابعة صحية منتظمة، الأمر الذي يتطلب مزيدًا من التوسع في تقديم الخدمات الصحية الداعمة والمتخصصة لهم. كما أن نسبة ملحوظة من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لا تزال خارج المنظومة التعليمية؛ إذ تشير البيانات إلى أن نحو 21% منهم لم يلتحقوا بالتعليم، سواء المدمج أو مدارس التربية الخاصة، وهو ما يبرز أهمية تعزيز سياسات الدمج التعليمي وتوفير بيئات تعليمية أكثر إتاحة وشمولًا بما يساعد في دمجهم مجتمعيًا.[9]

يوضح الشكل (2) أن نسبة الأمية بين الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بلغت نحو 57.6%، مقارنة بحوالي 25% فقط بين الأفراد غير ذوي الإعاقة، بما يعني أن معدل الأمية بين ذوي الاحتياجات الخاصة يزيد على الضعف للأشخاص العاديين. كما ترتفع هذه النسبة بصورة أكبر لدى بعض فئات الإعاقة، لتصل إلى 68.8% بين ذوي صعوبات التذكر والتركيز، و67.8% بين ذوي صعوبات العناية بالنفس، و65% بين ذوي صعوبات المشي، و64% بين ذوي صعوبات الفهم والتواصل.
وتشير البيانات أيضًا إلى أن نحو 60.8% من الأشخاص ذوي الاحتياجات – أطفال وكبار- لم يلتحقوا بالتعليم مطلقًا، وترتفع هذه النسبة بين الإناث لتصل إلى 68.5% مقابل 53.9% بين الذكور، بما يكشف عن تداخل الإعاقة مع الفجوات النوعية في فرص التعليم. وأن نحو 10% من الأشخاص ذوي الإعاقة التحقوا بالتعليم ثم تسربوا منه، وهي ظاهرة ترتبط بعدة عوامل، أبرزها الإعاقة نفسها التي مثلت السبب الرئيس للتسرب بنسبة 36.9%، إلى جانب ضعف الرغبة في استكمال التعليم بنسبة 19.3%، والظروف الاقتصادية للأسر بنسبة 13.7%، فضلًا عن تكرار الرسوب وصعوبة التكيف مع البيئة المدرسية؛ إذ يشعر الأطفال من ذوي الاحتياجات بالتهميش، إلى جانب تكرار حوادث التنمر من أقرانهم.
أما فيما يتعلق بأسباب عدم الالتحاق بالتعليم، فقد جاءت الإعاقة في مقدمة العوامل المؤثرة بنسبة 64.4%، إلى جانب مجموعة من العوامل الأخرى مثل صعوبة الوصول إلى المدرسة، وعدم رغبة الأسرة، والظروف المادية، وعدم رغبة الفرد في الالتحاق بالتعليم، وهي عوامل تعكس استمرار وجود عوائق اجتماعية واقتصادية تحد من فرص الدمج التعليمي الفعال. وتشير هذه المؤشرات إلى أن نجاح سياسات الدمج لا يقاس فقط بزيادة أعداد الملتحقين بالتعليم، وإنما بقدرتها على ضمان الاستمرار في الدراسة وتحقيق تكافؤ الفرص والحد من التسرب والأمية بين الأشخاص ذوي الإعاقة.[10]
رابعًا: تطور سياسات الدمج التعليمي للأطفال ذوي الإعاقة في مصر وآليات تنفيذها
أصدرت الحكومة المصرية عددًا من التشريعات والقرارات المنظمة لعملية الدمج التعليمي لذوي الاحتياجات الخاصة؛ حيث بدأ الإطار التشريعي المنظم لهذه العملية في عام 2008، ثم توالت التشريعات والقرارات التنفيذية خلال السنوات اللاحقة لتعزيز نطاق الدمج وتحسين آلياته. ومن أبرز هذه التشريعات القرار الوزاري رقم 252 لسنة 2017 بشأن قبول الطلاب ذوي الإعاقة في مدارس التعليم العام بنظام الدمج، والذي لا يزال معمولًا به حتى الآن، إلى جانب القانون رقم 10 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذي رسخ الحق في التعليم باعتباره أحد الحقوق الأساسية لذوي الاحتياجات الخاصة.[11]

يوضح الشكل رقم (3) أن هذه الجهود انعكست على معدلات التحاق الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بالتعليم؛ إذ ارتفع عدد الطلاب المستفيدين من نظام الدمج التعليمي في مختلف مراحل وأنواع التعليم إلى نحو 160 ألف طالب وطالبة خلال العام الدراسي 2023/2024، مقارنة بنحو 3.5 ألف طالب فقط خلال العام الدراسي 2012/2013، ونحو 38 ألف طالب وطالبة خلال العام الدراسي 2017/2018. ويمكن أن يشير هذا النمو الملحوظ إلى نجاح السياسات الحكومية في زيادة فرص الالتحاق بالتعليم المدمج، وإن كانت هذه الجهود لا تزال تتطلب مزيدًا من التطوير لضمان رفع جودة الدمج وتحقيق الاستفادة الكاملة من العملية التعليمية.
وفي ضوء ذلك، توفر وزارة التربية والتعليم الفني في مصر مسارين رئيسيين لتعليم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. يتمثل المسار الأول في الالتحاق بمدارس التربية الخاصة، التي تستهدف توفير بيئة تعليمية مناسبة للأطفال ذوي الإعاقات المتوسطة والشديدة، وتشمل مدارس الإعاقة الذهنية والمتلازمات المصاحبة، ومدارس الإعاقة السمعية، ومدارس الإعاقة البصرية، إلى جانب فصول مزدوجي الإعاقة التي بلغ عددها 14 فصلًا على مستوى الجمهورية.[12] وقد بلغ عدد معلمي التربية الخاصة نحو 9,934 معلمًا خلال العام الدراسي 2021/2022، فيما بلغ متوسط كثافة فصول التربية الخاصة نحو 8.9 تلميذًا لكل فصل خلال العام نفسه، بما يوضح توجه الدولة نحو توفير بيئة تعليمية أكثر ملاءمة لاحتياجات الطلاب.
في المقابل، يُدمج الأطفال ذوي الإعاقات البسيطة في مدارس التعليم العام أو الفني، بما يتيح لهم فرصًا أكبر للتعلم والتفاعل الاجتماعي مع أقرانهم داخل البيئة التعليمية العادية. ويُعد هذا التوجه أحد الركائز الأساسية لسياسات التعليم الدامج التي تتبناها الدولة المصرية، نظرًا لما يحققه من فوائد تربوية واجتماعية وتنموية على المدى الطويل. وفي هذا السياق، تشير ورقة سياسات صادرة عن ملتقى السياسات العامة عام 2018 برعاية منظمة اليونيسف إلى أن التعليم الشامل أو الدامج يمثل خطوة أساسية نحو إعمال حقوق جميع الأطفال، بغض النظر عن قدراتهم أو احتياجاتهم المختلفة، من خلال ضمان حصولهم على فرص تعليمية متكافئة داخل بيئة تعليمية واحدة. وتؤكد الورقة أن برامج التعليم والطفولة المبكرة الشاملة قادرة على إحداث تأثير إيجابي في مسار نمو الأطفال وتطورهم المعرفي والاجتماعي.[13]
خامسًا: قانون 10 لسنة 2018 وتعزيز الحقوق الشاملة للأشخاص ذوي الإعاقة
يعتبر القانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تحولًا جوهريًا في رؤية الدولة المصرية تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة؛ إذ انتقل من التركيز على الرعاية والمساعدة الاجتماعية إلى تبني مقاربة قائمة على الحقوق والتمكين والاندماج المجتمعي. وقد نصّ القانون صراحةً علىخمسة حقوق أساسية هي[14]:
1. الحق في الرعاية الصحية وإعادة التأهيل: قبل سن قانون 10 لسنة 2018 كانت الرعاية الصحية لذوي الاحتياجات الخاصة تقتصر على العلاج الأساسي والتأهيل الخاضع لإجراءات معقدة، إلا أن هذا القانون عمل على تعزيز هذا الحق من خلال استحداث بطاقة تعريف الإعاقة، وهو ما يُتيح الحصول على خدمات الرعاية الصحية حتى بدون تأمين صحي. وتحدد المادة 7 أن وزارة الصحة تُناط بمهمة وضع برامج الكشف المبكر عن الأمراض التي قد تُسبب الإعاقة، واتخاذ جميع التدابير الوقائية اللازمة للحد من آثارها. كما أنها مُلزمة بتوفير العلاج الطبي والتأهيل الطبي.
2. الحق في التأهيل والتدريب المهني والعمل: أكد القانون رقم 10 لسنة 2018 على مبدأ المساواة في الأجور والحقوق الوظيفية والترقيات بين الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم، وألزم جهات العمل التي تضم 20 عاملًا فأكثر بتخصيص ما لا يقل عن 5% من وظائفها للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. كما أقر تخفيض ساعات العمل للأشخاص ذوي الإعاقة ومقدمي الرعاية لهم دون المساس بالأجر.
3. الحق في الحماية الاجتماعية: ألزم القانون رقم 10 لسنة 2018 الدولة بتقديم مساعدات مالية شهرية لذوي الاحتياجات الخاصة، مع حمايتهم من الحجز القضائي، وأجاز الجمع بين أكثر من معاش أو بين المعاش والدخل الناتج عن العمل، كما خصص لهم نسبة 5% من الوحدات السكنية التي تنشئها أو تدعمها الدولة، وأقر معاملة خاصة في إجراءات الخدمة العسكرية، وأوجب مراعاة احتياجاتهم في سياسات مكافحة الفقر. وفي إطار تفعيل هذه الحقوق، أطلقت الدولة بطاقة الخدمات المتكاملة[15] باعتبارها الأداة الرئيسة لإثبات الإعاقة والاستفادة من مختلف الخدمات والامتيازات؛ حيث توفر لحامليها خدمات الرعاية الصحية والتأهيل، وفرص التمكين الاقتصادي والتعليمي، فضلًا عن الاستفادة من نسبة الـ5% المخصصة للتوظيف، وغيرها من المزايا. وحتى بداية عام 2026، بلغ عدد بطاقات الخدمات المتكاملة الصادرة نحو 1.3 مليون بطاقة، الأمر الذي يعكس توسع الدولة في إتاحة خدمات الحماية الاجتماعية.
4. الحق في إمكانية الوصول: عمل القانون على إتاحة إعفاءات جمركية وضريبية للأجهزة المساعدة والمركبات المجهزة طبيًا. كذلك امتد نطاق الإتاحة إلى المجال الإعلامي من خلال إلزام وسائل الإعلام بتوفير محتوى يسهل وصول الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة إليه ويعزز صورتهم الإيجابية.
5. الحق في التعليم: أكد القانون على حق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم الشامل من خلال إلزام المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة بتوفير بيئة تعليمية دامجة تتيح لهم المشاركة الكاملة في العملية التعليمية، وحظر أي شكل من أشكال التمييز في القبول على أساس الإعاقة، وفرض عقوبات على المؤسسات التي ترفض تسجيل الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة. وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المؤسسات التعليمية بتخصيص نسب محددة لقبول الطلاب ذوي الإعاقة وتوفير أماكن لهم في السكن الجامعي عند تجاوز نسبة المتقدمين حدودًا معينة.
سادسًا: أولويات تطوير منظومة دعم الأشخاص ذوي الإعاقة
شهدت الدولة المصرية شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات دستورية وتشريعية مهمة عززت حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وأسهمت في ترسيخ مبادئ التمكين والدمج والمشاركة المجتمعية. إلا أن هذه التطورات، على أهميتها، لا تزال تواجه بعض العقبات والتحديات العملية التي تستلزم مزيدًا من التبسيط والتطوير لضمان استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة من الحقوق والخدمات المقررة لهم. وذلك على النحو الآتي:
1. تعقيد إجراءات الحصول على الخدمات والمزايا الحكومية: على الرغم من التطورات التشريعية التي شهدتها مصر في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلا إنه لا تزال بعض الإجراءات الإدارية المتعلقة باستخراج بطاقات الخدمات المتكاملة والحصول على المزايا المرتبطة بها تمثل تحديًا أمام العديد من الأسر. وتتطلب هذه الإجراءات مزيدًا من التبسيط والرقمنة، مع التوسع في خدمات الزيارات المنزلية للحالات الحرجة وغير القادرة على التنقل، بما يضمن وصول الخدمات إلى المستحقين بصورة أكثر سرعة وعدالة.[16]
2. محدودية فرص التمكين الاقتصادي والتشغيل: إذ لا تزال الفجوة قائمة بين الضمانات القانونية الخاصة بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل وبين واقع التطبيق الفعلي داخل سوق العمل. فوفق بيانات غير رسمية 49% من الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة لا يعملون، الأمر الذي يستدعي تفعيل آليات الرقابة على تطبيق نسب التوظيف القانونية، وتوفير بيئات عمل أكثر شمولًا واستيعابًا.
3. تفاوت جودة الخدمات الصحية في المناطق النائية والفقيرة: تمثل محدودية الخدمات الصحية المتخصصة في بعض المناطق الريفية والنائية إحدى العقبات الرئيسية التي قد تسهم في زيادة مخاطر الإعاقة أو تأخر اكتشافها، خصوصًا أن مسح غير رسمي يشير إلى أن 80% من الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة تحت خط الفقر. كما أن نقص الكوادر المؤهلة ومحدودية خدمات الرعاية السابقة واللاحقة للولادة قد يؤثران سلبًا في فرص الوقاية والتدخل المبكر، مما يستدعي تطوير البنية الصحية وتوسيع نطاق الخدمات الوقائية والتأهيلية.[17]
4. التأهيل والتدريب للكوادر العاملة: على الرغم من الجهود المبذولة في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، لا تزال الحاجة قائمة إلى تعزيز قدرات العاملين في هذه القطاعات للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة وفق أحدث الأساليب المهنية. فنجاح سياسات الدمج يعتمد بدرجة كبيرة على امتلاك المعلمين والأطباء والأخصائيين للمعارف والمهارات اللازمة لتقديم خدمات فعالة وشاملة.
5. استمرار بعض الممارسات المجتمعية المرتبطة بالوصم الاجتماعي: لا تزال بعض الأسر تتردد في الإفصاح عن وجود طفل ذي إعاقة أو في دمجه بالمؤسسات التعليمية والمجتمعية بسبب مخاوف مرتبطة بالوصم الاجتماعي أو الصور النمطية السائدة. وتؤدي هذه الممارسات إلى حرمان الأطفال من فرص التعليم والتأهيل والاندماج، وهو ما يجعل رفع الوعي المجتمعي وتغيير الاتجاهات السلبية ضرورة أساسية لدعم الدمج الشامل.
في الختام: إن بناء مجتمع أكثر شمولًا لا يقاس بسنِّ القوانين أو بالمبادرات، وإنما بمدى قدرة هذه السياسات على إحداث تغيير في حياة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم. فقد حققت مصر فعلًا خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في تطوير الإطار التشريعي والمؤسسي، والتوسع في برامج الدمج التعليمي والحماية الاجتماعية. إلا أن استكمال هذا التحول يتطلب الانتقال من مرحلة إتاحة الحقوق إلى مرحلة ضمان الاستفادة الفعلية. وبالتالي، يبقى الدمج المجتمعي للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة استثمارًا في مستقبل المجتمع ككل، وليس مجرد سياسة تستهدف فئة بعينها؛ إذ إن كل طفل يحصل على فرصة عادلة في التعليم والرعاية والمشاركة يصبح عنصرًا أكثر قدرة على الإنتاج والإبداع والإسهام في التنمية. ومن ثم، فإن تحقيق تكافؤ الفرص يتطلب شراكة متكاملة بين الدولة وجميع المؤسسات -المجتمع المدني والقطاع الخاص والأسرة والإعلام-، لترسيخ ثقافة تقبل التنوع واحترام الاختلاف، وتحويل الدمج من نص قانوني إلى ممارسة فعلية لقيم المواطنة والمساواة.
[1] United Nations. Convention on the Rights of Persons with Disabilities: Article 19—Living Independently and Being Included in the Community. New York: United Nations, 2006. https://www.un.org/development/desa/disabilities/convention-on-the-rights-of-persons-with-disabilities/article-19-living-independently-and-being-included-in-the-community.html
[2] القانون المصري رقم 10 لسنة 2018. قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، رقم 10 لسنة 2018، المادة 2، مجلس النواب المصري. https://www.yahyadhshan.com/2024/01/10-2018.html
[3] Lawyer Egypt. “قانون رقم 200 لسنة 2020 بإصدار قانون إنشاء صندوق دعم الأشخاص ذوي الإعاقة.” آخر تعديل 21 فبراير 2024. https://lawyeregypt.net/%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%B5%D9%86%D8%AF%D9%88%D9%82-%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B4%D8%AE%D8%A7%D8%B5-%D8%B0%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D9%82%D8%A9/
[4] بوابة الأهرام. “إطلاق المبادرة الرئاسية لدمج وتمكين متحدي الإعاقة.. إسماعيل: توفير فرص عمل وتهيئة المرافق العامة تيسيرًا لهم.” الأهرام اليومي، 10 مايو 2016. https://gate.ahram.org.eg/daily/News/181897/136/510811/
[5] مجموعة البنك الدولي، “إدماج منظور الإعاقة،” آخر تعديل 3 أبريل 2023، https://www.albankaldawli.org/ar/topic/disability
[6] بوابة الأهرام. القومي للإعاقة يشارك بمناقشة سياسات الاندماج المجتمعي للأطفال ذوي الإعاقة، نشر في 21 مايو 2026، على الرابط https://gate.ahram.org.eg/News/5659248.aspx
[7] الهيئة العامة للاستعلامات. “الطفل في أرقام.” دراسات في حقوق الإنسان. على الرابط: https://hrightsstudies.sis.gov.eg/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9/%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%84/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%84-%D9%81%D9%89-%D8%A3%D8%B1%D9%82%D8%A7%D9%85/
[8] الهيئة العامة للاستعلامات. “الأشخاص ذوو الإعاقة.” دراسات في حقوق الإنسان.. https://hrightsstudies.sis.gov.eg/الحق-في-الحياة-الكريمة/حقوق-ذوي-الإعاقة-وكبار-السن/الأشخاص-ذوي-الإعاقة/.
[9] المرجع نفسه رقم 3
[10] هبه الله أحمد وأخرون، رؤية تطويرية لدور معلم ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة (القاهرة: مجلس الوزراء المصري، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، 2024)، ص 16 و 17.
[11] Special Egypt. “قرار دمج الطلاب ذوي الإعاقة بمدارس التعليم العام رقم 252 لسنة 2017.” آخر تحديث 22 مايو 2025. https://www.specialegypt.com/2022/08/Inclusion-resolution-no-252-2017.html.
[12] وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني. “وزارة التربية والتعليم تستعرض الخدمات المقدمة لطلاب نظام الدمج التعليمي.” 2 نوفمبر 2024. على الرابط: https://mediadr.sis.gov.eg/bitstream/handle/123456789/78554/MOE20241102_1030.pdf?sequence=1&isAllowed=y
[13] منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف). دمج الأطفال ذوي الإعاقة في التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة. مركز المعرفة لتنمية الطفولة المبكرة. https://knowledge.unicef.org/resource/dmj-alatfal-dhwy-alaaqt-fy-altlym-fy-mrhlt-altfwlt-almbkrt
[14] Scandinavian Journal of Disability Research. “Article 10.16993/sjdr.1357.” https://sjdr.se/articles/10.16993/sjdr.1357 على الرابط:
[15] كونتنت كارز “كارت الخدمات المتكاملة: دليلك الشامل لكل المعلومات”، على الرابط: https://www.contactcars.com/ar/media/articles/481e7d802f16-%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9
[16] Information and Decision Support Center (IDSC). Egypt’s Efforts to Address Challenges Facing Persons with Disabilities: Enhancing Progress and Exploring Barriers. Cairo: Information and Decision Support Center, n.d. https://idsc.gov.eg/upload/DocumentLibraryIssues/AttachmentA/9139/Egypt%E2%80%99s%20Efforts%20to%20Address%20Challenges%20Facing%20Persons%20with%20Disabilities%20%20%20Enhancing%20Progress%20and%20Exploring%20Barriers%20%281%29.pdf
[17] Human Rights Watch. “مصر: العوائق تحول دون عمل الأشخاص ذوي الإعاقة.”. https://www.hrw.org/ar/news/2026/06/01/egypt-barriers-to-work-for-people-with-disabilities

