مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
وقعت السعودية وباكستان وتركيا في السادس من أغسطس 2026 اتفاقية دفاعية (اتفاقية مكة للدفاع المشترك) لانتهاج مسار جديد في مواجهة التهديدات الإقليمية وإيجاد فرص لتعزيز التعاون الدفاعي والأمني. كما لم تأتي هذه الاتفاقية لملء الفراغ الناتج عن تراجع الاستراتيجية الأمريكية، بل ضمن اتجاه تعزيز الشراكات القائمة بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة. ومن المحتمل إن تكون التداعيات الدبلوماسية والعسكرية لهذا التحالف كبيرة وسيتم مناقشتها خلال الفترة القادمة؛ وخاصة تلك المتعلقة بمدى القدرة على تعزيز الصناعات الدفاعية الإقليمية.
ويمكن الإشارة إلى إن القوة الاقتصادية للسعودية وتصاعد القدرات التكنولوجيا التركية المتقدمة للطائرات المسيرة والصناعات الدفاعية، بالإضافة إلى قدرات باكستان النووية وخبراتها في إنتاج المركبات القتالية والأسلحة والذخائر، بجانب قدرتها في قطاع الخدمات اللوجستية؛ حيث تُعد باكستان قوة صاعدة في سوق الصناعات العسكرية؛ إذ تُقدم مجموعة متكاملة من الأنظمة البرية والبحرية والجوية القابلة للتصدير، مع التركيز على الحجم والتكلفة. وبالتالي من المرجح أن يسعى تحالف مكة الثلاثي إلى تطوير قاعدة تصدير مشتركة بالاستفادة من التمويل السعودي، والمعدات التركية المتطورة، ومزايا باكستان في الجودة والحجم والتكلفة. كما يمتلك هذا التحالف القدرة على دعم خطط واستراتيجيات بعض الدول التي تقع ضمن نطاق اهتمام الحلف، لا سيما في المنافسة على تعزيز قاعدة الإنتاج العسكري في الدول الصغيرة ذات الميزانيات المحدودة. ومن ثم فإن تحالف مكة لا يزال بإمكانه الاستحواذ على حصة كبيرة من سوق التصدير العسكري منخفضة التكلفة.
على الجانب الآخر، قد تسعى بعض الدول الكبرى إلى الاستفادة من وجود هذه التحالفات في تعزيز استراتيجيتها مثل الولايات المتحدة التي قد تستثمر مثل هذا التحالف في مواجهة نقاط ضعفها المالية ومواجهة التهديدات القادمة من الصين؛ حيث قد يُشكل هذا التحالف إضافة للقوى الكبرى المنسحبة من بعض المناطق. وفيما يتعلق بالتحالف نفسه؛ يُمثل اتفاق مكة فرصةً لكل من السعودية وباكستان وتركيا لتأسيس تحالف جديد في مجال تصنيع وتوريد الأسلحة والأمن أيضًا. ولعل هذا المسار يتطلب الاتفاق على برامج التصنيع المشترك، وميزانيات البحث العلمي، والتطوير التكنولوجي ووجود هياكل مؤسسية قادرة على الاستمرار.
فالتساؤلات الكبرى حول طبيعة النظام الدولي وإمكانية تغيره يمكن تناولها من خلال هذه الفرضيات خاصة إن النظم الفرعية المكونة للنظام الدولي تكون في بعض الأحيان هي مدخل التغيير؛ حيث لم يعد النظام الدولي يقوم على هيمنة قوة واحدة قادرة على إدارة جميع الأزمات كما كان الحال في مراحل سابقة، بل يتجه تدريجيًا نحو تعددية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مع أدوار متنامية للقوى الإقليمية. وفي هذا السياق، أصبحت التحالفات الإقليمية إحدى الأدوات الرئيسة لإعادة توزيع النفوذ وإدارة التوازنات الدولية.
وفي ضوء ذلك، فإن أهمية التحالف لا تتوقف على قدرات الدول السياسية والاقتصادية والعسكرية ولكنها تقوم على توفير الأمن وتحقيق الاستقرار ومواجهة التهديدات الحالية والناشئة، فإلى جانب العمل على تعزيز القدرات العسكرية للدول داخل التحالف، سيتم العمل على وضع استراتيجيات تتوافق مع الأزمات التي تواجهها هذه الدول، كما قد تعزز هذه التحالفات في بعض الأحيان الوصول إلى القيام بأدوار لا تستطيع الدول الكبرى تنفيذها، كما يمكن أن يتم التنسيق مع هذه الدول في بعض الملفات دونما الاصطدام بالأطراف الأخرى.
إن النظام الإقليمي يشهد تطورات متسارعة ولعل أهم التداعيات تتمثل في وجود فراغات أمنية لم تعد الاستراتيجيات الكبرى التعامل معها نتيجة التنافس الإقليمي والدولي، كما إن رغبة التحالف الثلاثي في وضع استراتيجيات إقليمية تتناسب مع القضايا التي تقع ضمن نطاق نفوذهم ومصالحهم، وهو ما قد يساهم في إمكانية تسويتها بعيدًا عن التدخلات الخارجية والتنسيق الثلاثي لإيجاد حلول إقليمية للأزمات، ولعل ما يدفعهم في ذلك تراجع الثقة في استراتيجيات الدول الكبرى داخل المنطقة، بجانب ذلك فإن المنافسة الإقليمية واتساع نطاق الحرب الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية ساهموا في اتجاههم نحو وضع معادلة أمنية جديدة لمواجهة التداعيات السلبية لهذه التوترات باعتبار إن لا يمكن لدولة بمفردها التعامل مع هذه التداعيات.
ويمكن الإشارة هنا إلى طبيعة الاتفاق وأهدافه، فالاتفاقية ذات طبيعة دفاعية، ولا تهدف إلى الصدام مع الترتيبات الأمنية الموجودة، بالإضافة إلى إنها وبرغم إنه تم الإعلان عنها في ظل الحرب وتصاعد عدم الاستقرار في المنطقة إلا إنها لم تستهدف أي دولة أو تحالفات أخرى، ولكن يتمثل الهدف في تعزيز التعاون بين الدول الثلاثة في مواجهة التحديات الإقليمية، والمساهمة في تعزيز السلام والاستقرار.
كما إن الدول الثلاث لديها سياسات مختلفة تجاه الكثير من القضايا وقد يكون هناك أولوية لتوحيد الأهداف في التعامل مع بعض القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما يفرض مجموعة من التحديات حول إمكانية استغناء هذه الدول عن استراتيجيتها الفردية، فكل دولة من هذه الدول تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف في مناطق مختلفة، ولكن السمة المشتركة بين مكونات هذا التحالف هو إن السعودية وتركيا وباكستان يمتلكون مقومات القوى الإقليمية الكبرى باعتبارهم قادرين على التأثير في مجريات الأوضاع الإقليمية والدولية. وفي ضوء ذلك من المحتمل إن يُعزز هذا الاتفاق الترتيبات الأمنية بين الدول والعمل على إيجاد سياقات داعمة لتحركاتهم مع الاستفادة من الترتيبات الأمنية التي قد تدعم أهدافهم من خلال استثمار شبكة العلاقات الإقليمية والدولية للدول الثلاث.

