مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
ساهمت الخسائر البشرية التي تعرضت لها روسيا في عملياتها العسكرية ضد أوكرانيا في دفع الكرملين إلى استقطاب النساء للانضمام إلى الجيش، ووفق تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في يناير 2026، فقد زعم إن الخسائر الروسية تجاوزت مليون قتيل منذ بدء التدخل العسكري في أوكرانيا، وهو ما دفع الكرملين إلى إيجاد مصادر جديدة للتجنيد دون اللجوء إلى تعبئة واسعة من خلال الاعتماد على النساء.
وإلى جانب أدوارهم في دعم العملية العسكرية الروسية؛ حيث خدمت النساء في الجيش الروسي، ولكن في وظائف الدعم بدلًا من القيام بأدوار القتال في الخطوط الأمامية، أعلن وزير الدفاع الروسي السابق سيرجي شويخو في مارس 2023، بأن حوالي 1100 امرأة يشاركن في العمليات القتالية في أوكرانيا، بينما يبلغ إجمالي عدد النساء العاملات في القوات المسلحة الروسية ما يقارب 39000 امرأة. وفي ضوء تعزيز أدوارهن في العمليات العسكرية ظهرت حملات التجنيد الأخيرة التي تشير إلى أن روسيا تسعى إلى تعزيز دمج النساء في الخدمة العسكرية القتالية، لا سيما في مجال إطلاق الطائرات بدون طيار والتخصصات التقنية الأخرى.
وقد تعززت هذه الفرضية من خلال الاتجاه إلى تجنيد النساء المعتقلات في السجون الروسية لإرسالهن إلى القتال في أوكرانيا؛ حيث تقوم روسيا بمحاكاة نموذج الجيش الإسرائيلي الذي يخدم فيه الرجال والنساء في الخطوط الأمامية للقتال، ولكن الاختلاف هنا يتعلق بتوزيع المهام عليهم. من ناحية أخرى برز اتجاه آخر يتعلق بالتأثيرات الناتجة عن نقص العمالة في القطاعات غير العسكرية، من التصنيع إلى النقل والبناء؛ حيث انخرط ملايين العمال في الصناعات الدفاعية، أو تم تجنيدهم في الخدمة العسكرية.
اتجاهات الحشد
غيرت حرب الطائرات المسيرة تطورات المعارك العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما رفع من تكلفة الهجمات التقليدية لسلاح المشاة. وقد تكيّفت القوات الروسية مع هذه التطورات من خلال الاعتماد على مجموعات هجومية أصغر تتألف من عدد قليل من الجنود، في محاولة للتسلل إلى المواقع الأوكرانية، وعلى الرغم من ذلك، أفادت بعض التقارير إلى إن الخسائر البشرية لا تزال مرتفعة، وهو ما يُشكل ضغطًا مستمرًا على الكرملين لإيجاد مصادر جديدة لتعزيز قواته. وفي الوقت نفسه، استثمرت روسيا بصورة كبيرة في وحدات الطائرات المسيرة وغيرها من التخصصات العسكرية التي تُولي اهتمامًا أكبر للمهارات التقنية على حساب القوة البدنية. وقد تُتيح هذه التغييرات فرصًا إضافية للنساء للقيام بأدوار عملياتية لم تكن متاحة في الماضي.
وتشير بعض التقارير إن هناك اتجاه داخل روسيا لزيادة استخدام بعض النساء في أدوار القتال على الخطوط الأمامية. ففي أكتوبر 2025، زعمت حركة “أتيش” الأوكرانية المقاومة أن فوج البنادق الآلية 506 الروسي بدأ بتجنيد النساء في وحدات الهجوم قرب بوكروفسك لتعويض الخسائر المتزايدة في الأفراد. وفي الوقت نفسه، نشر اللواء الآلي 110 الأوكراني لقطات مصورة تُظهر جنديتين روسيتين تشاركان في عملية هجوم قبل أن تُقتلا في غارات جوية بطائرات مسيرة. ومن ثم بدأت النساء بالمشاركة في القيام بأدوار كان يهيمن عليها الرجال سابقًا، لا سيما مع بحث القادة الروس عن طرق لتعويض الخسائر في القوات العسكرية داخل ساحة المعركة. على الجانب الآخر، فإن قوات وقدرات الطائرات بدون طيار المتنامية التابعة للجيش الروسي عملت على إيجاد ضرورة لحشد المجندين؛ حيث يرغب الجيش الروسي في استقطاب أفضل الكفاءات وأكثرها تميزًا في مجال التكنولوجيا للخدمة في قوات الأنظمة غير المأهولة.
التغير في العقيدة
لطالما تمسك الرئيس فلاديمير بوتين بالقيم التقليدية والأدوار الجندرية النمطية باعتبارها ركيزة أساسية للهوية الروسية، إلا إن متطلبات الحرب الاستنزافية أجبرت مسئولي التجنيد العسكري على البحث عن الكفاءات من شريحة أوسع من المجتمع، بما في ذلك الفئات التي كانت تاريخيًا ممثلة تمثيلًا محدودًا في القيام بالأدوار المتعلقة بالقتال. وعلى الرغم من أن النساء لا يزلن يشكلن أقلية صغيرة من مشغلي الطائرات بدون طيار في روسيا، إلا أن وسائل الإعلام الحكومية الروسية سلطت الضوء بشكل متزايد على الإناث، وبرامج تدريب الطائرات بدون طيار، وحملات التجنيد الموجهة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك إنشاء وحدة “ساحرات الليل 2.0″، وهي وحدة طائرات بدون طيار نسائية بالكامل تابعة لتشكيل BARS-SARMAT التطوعي. والتي تأسست هذه الوحدة في عام 2024، وتستقطب النساء للعمليات المتعلقة بالطائرات بدون طيار وغيرها من الأدوار المتعلقة بالأنظمة غير المأهولة. بالإضافة إلى ذلك تتجاوز العقيدة الروسية العملياتية هذا التوجه فيما يتعلق بمسارات التجنيد العسكري التقليدية. ففي يونيو 2026، تم إطلاق مشروع “أرخانجيل” لتطوير الطائرات المسيرة، وتنظيم مسابقة “جمال” تضمنت نساءً يعملن في مجال الطائرات المسيرة. وسلطت الحملة الضوء على تزايد حضور المرأة في منظومة الطائرات المسيرة الروسية المتنامية، وعلى الجهود المبذولة لجذب مجندات ذوات مهارات تقنية عالية.
من ناحية أخرى، فإن حملة تجنيد مشغلي الطائرات المسيرة تهدف أيضًا إلى تمييز هذه القوات عن مختلف قوات الجيش الذي لطالما عانى من مزاعم التحرش وسوء المعاملة وسوء معاملة الأفراد. ومع ذلك، قد يكون تجنيد المزيد من النساء صعبًا أيضًا بسبب مزاعم نشر بعض التقارير الغربية بسوء سمعة الجيش الروسي في إساءة المعاملة والانتهاكات.
وقد زعمت بعض التقارير الغربية إن حياة الأفراد وحقوقهم تخضع للأهداف الروسية المتمثلة في النصر والتوسع الإمبراطوري. ومع ذلك، يلعب الفساد دورًا في مسار العمليات العسكرية الميدانية، أو على الأقل في تحديد من يُرسل إلى الموت، فالجنود الضعفاء يُرسلون إلى بعض المهمات التي ترتفع بها نسبة الفشل. كما يعكس الاستعداد لتوسيع نطاق جهود التجنيد ضرورة عسكرية وتقليدًا راسخًا في التعامل مع القوى البشرية العاملة كمورد استراتيجي. وقد لجأت القوات الروسية بشكل متزايد إلى إعادة الجنود الجرحى إلى القتال، بمن فيهم من يعانون من الإصابات الخطيرة. في حين قد يشير الاتجاه الروسي نحو تجنيد النساء إلى مستوى الضغوط الناجمة عن حرب الاستنزاف طويلة الأمد. ففي ظل استمرار العمليات الهجومية، تواجه روسيا احتياجات مستمرة لتعزيز قواتها العسكرية.

