مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
ساهمت الحرب الإيرانية الأمريكية في إضعاف محور المقاومة الإيرانية الممتد في لبنان والعراق واليمن وغزة، وقد أثارت العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على القيادة الإيرانية العليا، وتغير هياكل القيادة والسيطرة، والاستنزاف العسكري الذي أصاب وكلائها سؤالًا محوريًا حول التأثيرات المحتملة على استراتيجية إيران الإقليمية القائمة على شبكة الوكلاء، وما إذا كانت هذه الحرب تمثل مرحلة أخرى في تطورها وإمكانية العمل على إيجاد مسارات بديلة للتكيف مع هذه التطورات؟
وتستند هذه الإشكالية ضمن إطار فرضية تقوم على إن مستقبل هذا المحور الإقليمي لا تقوم على الانهيار الكامل أو العودة بنفس المستوى الذي كانت عليه قبل الحرب خاصة في ضوء ضعف المحور هيكليًا، وهو ما سيعتمد على مدى قدرته على عدة عوامل مترابطة مثل المرونة التنظيمية داخل هذه الجماعات، ومدى قدرة إيران على إعادة بناء قيادتها وشبكات إمدادها، بالإضافة إلى التغيرات الداخلية التي تشهدها الدول التي يتواجد بها الوكلاء.
ويمكن الإشارة هنا إلى إنه محور المقاومة لم يتشكل كتحالف رسمي، بل كشبكة تتميز بالمرونة محورها الحرس الثوري الإيراني، ويربط جماعات مثل حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، وحركة حماس في غزة -وإن كانت بشكل غير مشابه- وهو ما تعتبره إيران بنية دفاعية متقدمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد اتجهت إيران إلى بناء هذا الهيكل لتعزيز نفوذها ضمن نمط التحالف العسكري غير المركزي القادر على استيعاب الصدمات وفق طبيعة كل طرف، بما يعني إن الخسائر في جبهة ما لا تعني بالضرورة انهيارًا في جبهات أخرى. ويبقى هذا الافتراض قائمًا بعد الهجمات العسكرية الأمريكية على إيران؛ فبينما تم استهداف إيران بشكل مباشر في حملة عسكرية تهدف إلى تغيير النظام، احتفظ حلفائها الإقليميين بدرجات مختلفة من الاستقلالية والشرعية المحلية والقدرة على تنفيذ عمليات. بالإضافة إلى ذلك اعتمدت الاستراتيجية الإيرانية على وجود الوكلاء، وخطوط إمداد متداخلة، وعلاقات قيادة غير مركزية، بما يهدف إلى تعزيز استمرارية تنفيذ العمليات تحت الضغط العسكري، وهو النموذج الذي يخضع للاختبار خلال الأزمة الحالية.
حزب الله: حدود التراجع واتجاهات العودة
من بين جميع أطراف المحور، يظل حزب الله الأكثر قدرةً وارتباطًا بإيران، وعلى الرغم من تعرضه لخسائر كبيرة منذ عام 2023، شملت اغتيال قياداته، وتراجع نفوذه، وتصاعد الانتقادات الداخلية في لبنان. مع ذلك، فإن تدمير إسرائيل واحتلالها لجنوب لبنان، وعجز الدولة اللبنانية أمام الانتهاكات الإسرائيلية لسيادتها، سيعمل على تعزيز نفوذ حزب الله، الذي بات يُنظر إليه بشكل متزايد من جانب السكان باعتباره القادر على توفير قدر من الأمن والإغاثة لهم.
بالإضافة إلى ذلك، احتفظ حزب الله بقدرته على إعادة بناء قدراته العسكرية والاستمرار في تنفيذ العمليات في ظل الهجمات الإسرائيلية المستمرة. ولعل رفضه نزع سلاحه يشير إلى حقيقة إن بقاء التنظيم لا يتطلب الهيمنة على ساحة المعركة. فما دام حزب الله يحتفظ بقدرة عسكرية وموطئ قدم سياسي، فإنه يبقى عنصرًا حيويًا في المحور. ومع ذلك، يشير مسار حزب الله إلى الانكفاء وليس التوسع. فمن المرجح أن يعزز حزب الله قدراته تكتيكيًا باستعادة بعض القدرات العسكرية لكنه سيتراجع على المستوى الاستراتيجي، من خلال التركيز على البقاء داخل لبنان بدلًا من التوسع الإقليمي في مناطق أخرى خارج لبنان مثل سوريا وغيرها.
حماس: حدود التوظيف في مواجهة المتطلبات المحلية
تحتل حماس موقعًا متميزًا ضمن المحور الإيراني، وعلى عكس حزب الله، فهي حركة إسلامية سنية ذات إرث أيديولوجي خاص بها وأولويات سياسية متجذرة في القومية الفلسطينية. ولذلك، اتسمت علاقتها بإيران بطابع براجماتي أكثر منه عقائدي، وشهدت فترات من التوتر والتعاون على حد سواء. وقد تسبب احتلال إسرائيل لغزة في حدوث دمار كبير والتطهير العرقي بجانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية العسكرية لحماس، وكوادرها القيادية، وقدرتها على الحكم. ومع ذلك، وكما هو الحال مع غيرها من الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تعتمد على شبكات محلية، فإنه من الصعوبة بمكان القضاء عليها خاصة إنها أظهرت قدرة على تجديد قيادتها، وإعادة وضع خططها، والحفاظ على قدر من الاستمرارية العملياتية حتى في ظل الضغوط العسكرية الإسرائيلية.
وفي سياق حرب إيران عام 2026، لم يعد دور حركة حماس مقتصرًا على تنسيق العمليات العسكرية، بل أصبح يتمحور حول ترسيخ مكانتها الرمزية والاستراتيجية. ولا تزال القضية الفلسطينية محورية في الخطاب الأيديولوجي للمحور، كما أنها توفر أرضية مشتركة مع الرأي العام العربي في ظل قدرتها على رأب الانقسامات الطائفية. وحتى وإن لم تكن حماس مندمجة بشكل كامل في التخطيط العملياتي، فإن استمرار وجودها يعزز شرعية إطار المقاومة الأوسع نطاقًا في نظر العرب والمسلمين في جميع أنحاء العالم.
ومع ذلك، من المرجح أن يتحدد مسار حماس المستقبلي بناءً على أولوياتها المباشرة، وهي أولويات محلية تتمثل في البقاء في غزة، وإعادة الإعمار، وإدارة العلاقات المعقدة مع بعض الدول، وبينما ستستمر حماس في قبول الدعم الإيراني حيثما كان متاحًا، فمن غير المرجح أن يتم إخضاع عملية صنع القرار تحت السيطرة الإيرانية. وبالتالي، حتى لو تمكنت حماس تنظيميًا من إعادة بناء شبكاتها واستعادة بعض قدراتها العملياتية، إلا إن اندماجها في استراتيجية محورية متماسكة سيظل محدودًا.
الميليشيات العراقية: التحول نحو الاستقلالية
على الجانب الآخر، أظهرت الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، ولا سيما تلك التابعة لقوات الحشد الشعبي، قدرة مستمرة على تنفيذ هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ خلال الحرب. إلا أنها غير قادرة على الاستمرار في تعزيز تماسكها. ويبدو أن إيران تمنح قادة العمليات في العراق مساحة من العمل باستقلالية، وهو ما يُؤدي إلى حدوث نوع من اللامركزية في السيطرة. ورغم أن هذا السلوك قد يُعزز المرونة العملياتية لهذه الجماعات على المدى القصير، إلا أنه على المدى البعيد يمكن إن يضعف قدرة طهران على تنسيق استراتيجيتها الإقليمية، ويعزز من احتمالية اندلاع صراعات فصائلية.
وما يزيد من هذه التعقيدات، البيئة السياسية المتغيرة في العراق؛ فالانقسامات الداخلية وردود الفعل الشعبية الغاضبة ضد أنشطة الميليشيات، والضغوط الخارجية، تمثل العوامل التي تقلص من مساحة عملها، إلا إنها قد تكون قادرة على تنفيذ عمليات، بل وربما تكثف هجماتها على المدى القريب، لكن سيبقى اندماجها في استراتيجية إيران الإقليمية أقل. ومع مرور الوقت، قد تتحول إلى جهات فاعلة شبه مستقلة تسعى لتحقيق أجندات محلية تحت راية المقاومة، بدلًا من أن تكون أدوات سيطرة للسياسة الإيرانية.
الحوثيين: التحول في العلاقات
يحتل الحوثيون في اليمن موقعًا مختلفًا داخل المحور الإيراني، فعلى الرغم من أهمية علاقتهم بإيران، إلا أنهم كانوا تاريخيًا أقل في مستوى الترابط من علاقة حزب الله، وخلال حرب عام 2026، اعتمد الحوثيون على سياسة الحذر. فرغم امتلاكهم القدرة على تعطيل الملاحة الإقليمية وشن ضربات بعيدة المدى، إلا إنهم امتنعوا عن الدخول في الحرب بصورة كاملة لأسباب داخلية بالإضافة إلى مخاوفهم من الهجمات المضادة. ويتناقض هذا الموقف بشكل كبير مع موقفهم في عامي 2023 و2024، حين ردًا على الاحتلال الإسرائيلي لغزة؛ حيث أغلق الحوثيون مضيق باب المندب، وهو ما أدى إلى توقف حركة الملاحة عبر البحر الأحمر. كما إن حساباتهم الاستراتيجية الحالية لا تحركها التوافقات الأيديولوجية مع طهران بقدر ما تحركها الاعتبارات المحلية والسيطرة الإقليمية، والحكم، والاستقرار الاقتصادي، والشرعية الداخلية.
في الختام: يتوقف مستقبل محور الوكلاء على إيران نفسها؛ حيث تمثل حرب 2026 أحد المحاولات لتهديد قيادة النظام الإيراني وبنيته العسكرية والاقتصادية، وفي حال فشلت طهران في إعادة بناء هياكل قيادتها وسلاسل إمدادها، فسيتضرر هذا المحور بكامله. علاوة على ذلك، لا يزال الالتزام الأيديولوجي الذي يقوم عليه المحور قائمًا في ظل الروايات المشتركة المتعلقة بمقاومة الهيمنة الغربية والإسرائيلية وقدرتها على توحيد هذه الأطراف. كما إن النتيجة المحتملة لهذه التطورات لا تتمثل في استعادة المحور الذي كان قائمًا قبل الحرب، بل في تحوله. فالشبكة تتطور من نظام منسق نسبيًا إلى تكتل أقل ترابطًا من الجهات الفاعلة المترابطة ولكنها ليست وثيقة الصلة.
وبالتالي، قد لا يعود محور المقاومة إلى شكله السابق، ولكنه لن يختفي أيضًا. بل من المرجح أن يستمر كشبكة أكثر انتشارًا وأقل تنسيقًا من الفاعلين الذين تربطهم أيديولوجية مشتركة لمقاومة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية ولكنهم سيتأثرون بالاعتبارات الداخلية، فمن المرجح أن يتغير المحور ويتكيف مع التطورات الداخلية والإقليمية والدولية لكنه لن ينهار.

