مصطفى أيمن قاسم
باحث في العلوم السياسية
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2 أغسطس 2026 وقف الهجمات العسكرية التي كان يعتزم توجيهها إلى إيران، مُرجعًا القرار إلى طلبات من إيران وبعض الحلفاء الإقليميين لعدم تنفيذها، كما صرح ترامب بإن الضربة لم يتم إلغاؤها نهائيًا بل تم تأجيلها وربطها ترامب بالتوصل إلى اتفاق، وهو ما يُبقي خيار العودة لتنفيذ الهجمات العسكرية قائم.
وتشير هذه الخطوة إلى إن الولايات المتحدة لا ترغب في تصعيد الأعمال العدائية مع إيران، فعلى الرغم من أن الرئيس دونالد ترامب هدد بتصعيد الصراع مع إيران ثم تراجع عن ذلك (للمرة التاسعة)، إلا أن هناك مؤشرات تدل على أن الجيش الأمريكي كان يخطط لاستهداف البنية التحتية للطاقة في إيران. ومن المرجح أن تشمل هذه الأهداف استهداف شبكة الكهرباء الإيرانية ومصافي النفط، بهدف إعادة إحياء هدف الإدارة الأمريكية الأولي المتمثل في تغيير النظام من خلال منع الحكومة الإيرانية من تقديم الخدمات للسكان.
على الجانب الآخر، عززت إيران نطاق الحرب وأظهرت قدرتها على التأثير، بشكل مباشر أو عبر وكلاء، على أسعار الطاقة العالمية من خلال شن هجمات على منشآت الطاقة في دول الخليج، وهجمات أخرى بالوكالة في مضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر وقناة السويس، وهو ممر مائي حيوي آخر لنقل النفط. ولم يكتفِ الأمر بذلك؛ حيث تثبت إيران قدرتها على الرد عالميًا على أي تصعيد أمريكي يهدف إلى تغيير النظام من خلال هجمات تستهدف بنيتها التحتية للطاقة.
وتقوم معادلة الردع على أساس إن اتجاه الولايات المتحدة لاستهداف أهداف الطاقة الإيرانية لن يؤدي إلى إسقاط النظام الحاكم، بل سيؤدي بدلًا من ذلك إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بشكل كبير بسبب الهجمات الإيرانية الانتقامية على أهداف الطاقة في المنطقة.
أولًا: التسلسل الزمني لمواقف الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران
اتسم خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واستراتيجيته العسكرية تجاه إيران خلال الأشهر الخمسة الماضية بنمط متكرر مثل التصعيد في مستوى التهديد، والتراجع المفاجئ أو تعليق العمليات العسكرية، ثم استئناف الضربات بعد فشل المفاوضات. ويوضح الجدول التالي أبرز هذه المحطات:
| بداية الهجمات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران | 28 فبراير 2026 |
| إعلان وقف إطلاق النار لأسبوعين بعد الوساطة الباكستانية. | 7 أبريل 2026 |
| تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى بطلب من الوسطاء، وعودة الحرب مجددًا في 8 مايو إثر ضربات أمريكية لناقلات إيرانية. | 21 أبريل 2026 |
| تراجع ترامب عن شن مجموعة من الهجمات العسكرية لبدء “مفاوضات جادة”، لكنه يستأنف الضربات في 27 مايو. | 18 مايو 2026 |
| تهديد ترامب باستهداف إيران والسيطرة على قطاع النفط، ثم التراجع قبل ساعات معلنًا عن إمكانية إجراء مفاوضات. | 11 يونيو 2026 |
| توقيع مذكرة تفاهم أولية تشمل إعادة فتح مضيق هرمز وتعليق بعض العقوبات الاقتصادية. | 17 يونيو 2026 |
| توقف 13 يومًا من الضربات اليومية عقب استهداف واشنطن لمواقع عسكرية وتجارية رئيسية؛ لإتاحة فرصة أخرى لإجراء المفاوضات بشروط جديدة. | 27 يوليو 2026 |
| اتصال هاتفي مباشر من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس ترامب، يعترض فيه على خطط الضربة الجديدة ويطالب بإعطاء الأولوية للحوار. | 1 أغسطس 2026 |
| ترامب يعلن رسميًا تعليق الهجمات العسكرية نتيجة جهود الوساطة من دول المنطقة. | 2 أغسطس 2026 |
ثانيًا: محددات تراجع ترامب عن الاستهداف العسكري لإيران
هناك مجموعة من المحددات والعوامل التي ساهمت في تشكيل رؤية ترامب لوقف الهجمات العسكرية الأمريكية على إيران، وذلك على النحو الآتي:
1. المحدد الداخلي الأمريكي وتصاعد الضغوط الشعبية
يُشكل المشهد الداخلي الأمريكي المحرك الأول والأكثر تأثيرًا. فقد كشف استطلاع Politico/Public First الصادر في 22 يوليو 2026 أنّ تأييد قاعدة “ماجا” التي تمثل القاعدة الشعبية الداعمة لترامب لخيار الحرب مع إيران تراجع من 50% إلى 33% خلال شهرين فقط، فيما لا يتجاوز الدعم العام بين المواطنين الأمريكيين ككل 37% فقط لمقاربة ترامب تجاه إيران. كما ظهرت مجموعة من استطلاعات الرأي الغربية التي تُشير إلى أنّ 75% من الأمريكيين لا يرغبوا في استمرار الحرب.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مؤشرات أخرى تتعلق بارتفاع أسعار البنزين ومظاهر الاستهداف الإيراني التي أدت إلى مقتل عدد من الجنود الأمريكيين والمخاوف من خسارة سيطرة الجمهوريون على الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي. وقد تلخّصت هذه الأزمة في اعتراف مدير The American Conservative كيرت ميلز بأنّ “المواطنين الأمريكيين لا يعرفون لماذا نحن في هذه الحرب”.
2. المحدد الإقليمي الخليجي واتجاهات الاعتراض
برزت خلال الفترة الأخيرة تحولات في اتجاهات تعامل بعض الدول الخليجية؛ حيث تغيرت المعادلة وانتقلت دول الخليج من موقع الحليف إلى موقع المُعترض، خاصة بعدما كشفت أكسيوس على اتصال الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي بالرئيس ترامب يوم 1 أغسطس 2026 الذي أكد على “أهمية الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى صراع إقليمي أوسع”، فيما نقلAxios أن السعودية طلبت توضيحات حول الخطط العملياتية ودعا إلى الامتناع عن تنفيذها.
ويمكن الإشارة إلى إن خلف هذا الاعتراض مجموعة من الحسابات مثل عدم الثقة السعودية في وجود استراتيجية عسكرية أمريكية ناجعة بعد خمسة أشهر من الصراع، بالإضافة إلى إدراك أن الرد الإيراني سيستهدف البنية التحتية للطاقة الخليجية بوصفها الأهدافَ الأسرع تحقيقًا لتوازن الردع. والاقتناع بإن استمرار الحرب سيُدخل المنطقة في فوضى تُهدد المشاريع الاقتصادية.
3. محدد الردع الإيراني ومسار التهديد المتبادل
يتمثل العامل الثالث في اتجاه إيران إلى تصعيد انتهاج استراتيجية متدرجة لتعزيز معادلة الردع. فحين هدد ترامب بضرب محطات الكهرباء والجسور داخل الأراضي الإيرانية، ردّت طهران بتهديدٍ مضاد بضرب “جميع الشرايين الحيوية في الخليج”، وهو ما فسّره المحلل السياسي الإيراني “علي بيكدلي” بأنه اللحظة التي دفعت ولي العهد السعودي إلى الاتصال بترامب لإيقاف مسار التصعيد.
ثالثًا: الهجمات الأمريكية على إيران: بين التأجيل والتنفيذ
بناءً على الأنماط الأمريكية السابقة، يبدو إن الاستراتيجية الأمريكية المرجحة تتمثل في التأجيل المشروط وليس إلغاء الهجمات بصورة نهائية وذلك من خلال الإشارة إلى مجموعة من المؤشرات من أهمها:
1. صرح ترامب وفق ما نقلت شبكةABC News بإن تعليق الهجمات العسكرية “مشروط بالتوصل إلى اتفاق”، وهي صياغة تحفظ لواشنطن بحق العودة لتنفيذ هذه الهجمات.
2. أكدت مصادر لشبكةAssociated Press إن قرار تعليق الهجمات قابل للعودة إذا لم تلتزم إيران بالمعايير المتفق عليها.
3. إعلان الرئيس الأمريكي ترامب بأنّه “طُلب منه الامتناع عن تنفيذ هذه الهجمات” يُشير ضمنيًا إلى إن الاستعداد العملياتي كان مكتملًا، وأنّ التعليق قرار سياسي وليس تراجع استراتيجي.
بناءً على ذلك، فإنّ التقدير الأرجح هو احتمالية تأجيل الهجمات لتحقيق مجموعة من الأهداف من أهمها احتواء الغضب الشعبي الداخلي، واختبار مدى جدية إيران في التفاوض، ومنح فرصة للوسطاء الإقليميين لصياغة تفاهم يُقدَّم داخليًا بوصفه “انتصارًا دبلوماسيًا”، والاحتفاظ بورقة الهجمات العسكرية كأداةً ضاغطة على طاولة المفاوضات.
وفيما يتعلق بالوضع الميداني الراهن في المضيق، يمكن الإشارة إلى إن هناك مفاوضات ثنائية إيرانية – عُمانية لإنشاء ممر ملاحي مؤقت في وسط المضيق يجمع بين المسار الشمالي (الإيراني) والمسار الجنوبي (العُماني)، ليحلّ محلّ نظام فصل حركة المرور (TSS) القديم. وقد كشف Lloyd’s List أنّ المقترح العُماني مستوحى من نموذج مضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة؛ وهو نموذج يقوم على إدارة ومسئولية متبادلة.
غير أنّ إيران رفضت وفق ما أوردت وكالة Iran International وWall Street Journal الصيغةَ العُمانية القاضية بإدارة مشتركة بنسبة 50–50، كما قدمت مقترحًا بديلًا يسمح لها بالسيطرة الفعلية على الممر. ويُلخّص المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الموقف الرسمي في إعلانه بإنه “يجب توضيح مع من نتفاوض حتى لا يقع لبس. نحن لا نُجري حاليًا أيّ مفاوضات مع الولايات المتحدة؛ المفاوضات مع عُمان، وتدور حول التفاهم بشأن المرور الآمن للسفن في مضيق هرمز، وطالما استمر الحصار البحري والانتهاكات الأمريكية، فلن يطرأ تغيير على وضع المضيق”.
رابعًا: الاستراتيجية الإيرانية: من الردع إلى التفاوض غير المباشر
تنتهج إيران استراتيجية تقوم على تحقيق التوازن بين التصعيد العسكري القائم على الردع والانفتاح على مسار التفاوض، وذلك على النحو الآتي:
1. المسار المزدوج: الردع كأداة تفاوض
لم تتخل إيران عن استخدام أدوات الردع العسكرية في الوقت التي فتحت فيها قناة للتفاوض مع الولايات المتحدة؛ بل استخدمت التهديد باستهداف “الشرايين الحيوية للخليج” كورقةً موازية لمسار مسقط. وهذه المعادلة المتمثلة في التصعيد الميداني والانفتاح الدبلوماسي هي التي أنتجت الضغوط الخليجية على الولايات المتحدة لوقف الهجمات العسكرية.
2. رفض التفاوض المباشر مع واشنطن
أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية في 3 أغسطس 2016 بإنه لا توجد مفاوضات مباشرة قائمة أو مرتقبة مع الولايات المتحدة، وحصر المسار في قناة عُمان الثنائية، ويمكن الإشارة إلى إن هذه التصريحات تؤشر على رغبة إيران لحماية الشرعية الداخلية للنظام وتجنب اتهام النظام بالاستسلام. كما إن الاعتماد على عُمان بوصفها وسيطًا تاريخيًا منذ جولة أبريل 2025 يُتيح لطهران التفاوض مع واشنطن دون الاعتراف بذلك رسميًا، ودون تحمل تكلفة القبول بسياسات واشنطن.
3. التمسك بالسيادة على المضيق
يعكس رفض المقترح العُماني للإدارة المشتركة (50–50) عقيدةً استراتيجيةً راسخة لدى إيران بإن مضيق هرمز خطٌّ أحمر، وإن أي ترتيبات تتعلق به يجب أن يُبقي “السيطرة الفعلية” بيد طهران، دونما الاعتبار للمعايير القانونية.
4. الاستفادة من الانقسام الداخلي الأمريكي
تُدرك القيادة الإيرانية أن انهيار القاعدة الشعبية الداعمة لترامب وخاصة حركة “ماجا” يمنحها هامشًا تفاوضيًا غير مسبوق، وهو ما يدفعها إلى إطالة أمد المفاوضات بدلًا من الوصول إلى اتفاق قد يُقدّم للإدارة الأمريكية انتصارًا مجانيًا.
في الختام: تشير التطورات الأخيرة في الأزمة الأمريكية الإيرانية إن التفاهم حول مضيق هرمز قد يساهم في التوصل إلى ترتيب ملاحي مؤقت خلال المفاوضات مع سلطنة عُمان أزمة المضيق تكتيكيًا، ويفتح الباب لمفاوضات أشمل تشمل الملف النووي، وهو ما يمكن إن يُقدم كانتصار لكلا الطرفين داخليًا. إلا إن تعثر مسار مسقط بسبب الخلاف حول صيغة الإدارة (50–50 مقابل السيادة الإيرانية) يدفع ترامب لتنفيذ بعض العمليات العسكرية، خاصةً إذا قامت إيران باستهداف السفن في المضيق. وبالتالي قد ينعكس ذلك على إمكانية الاستمرار في حالة الاستنزاف المتبادل للطرفين عبر عقوبات مكثّفة وضغط اقتصادي، مع إبقاء قناة عُمان مفتوحة دون تحقيق تقدم.
من ناحية أخرى، فإن تراجع ترامب المتكرر يعكس مواجهة الولايات المتحدة مجموعة من التحديات؛ فالحرب لم تعد قادرة على الحسم ومكلفة داخليًا وخارجيًا، كما إن غياب القنوات الدبلوماسية المباشرة، سيدفع واشنطن إلى التركيز على تصعيد استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والحصار البحري والعمل من خلال الوسطاء الإقليميين (عُمان، باكستان، قطر) لإيجاد مخرج يدعم مصالحها، دون التنازل عن الأهداف الأمريكية وخاصة تلك المتعلقة بحرية الملاحة في مضيق هرمز.

