محمود سامح همام
باحث في الشئون الأفريقية
تشهد منطقة وسط أفريقيا تحولات متسارعة في بنية المشهد الأمني؛ حيث تتداخل أدوار الجيوش الوطنية مع الميليشيات وبعض الجماعات المسلحة المحلية في ظل ضعف قدرة مؤسسات الدولة على ملء الفراغات الأمنية. وقد أفرز هذا الواقع تحالفات أمنية هجينة أعادت تشكيل موازين القوة، وربطت بين اعتبارات مكافحة التمرد والمصالح السياسية والاقتصادية، وهو ما جعل الصراع أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتسوية. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري: هل تمثل هذه التحالفات ضرورة أمنية مؤقتة، أم أنها أصبحت نموذجًا جديدًا يعيد إنتاج الصراع ويقوض مسارات بناء الدولة والاستقرار في وسط أفريقيا؟
أولًا: أنماط التحالفات الأمنية بين الجيوش الوطنية والجماعات المسلحة
تشهد منطقة وسط أفريقيا تحولًا هيكليًا في اتجاهات تعزيز الأمن؛ حيث لم تعد الجيوش الوطنية وحدها التي تحتكر استخدام القوة، بل اتجهت الحكومات إلى بناء تحالفات ميدانية مع بعض الجماعات المسلحة والميليشيات المحلية لسد العجز في قدراتها العسكرية والأمنية، خاصة في المناطق الحدودية والنائية التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة. وقد أدى ذلك إلى ظهور نموذج ما يعرف بــ “الأمن الهجين”، الذي تتقاسم فيه المؤسسات الرسمية وغير الرسمية مسئولية فرض الأمن وإدارة الصراع، بما أعاد تشكيل البيئة الأمنية في الإقليم. ويمكن تصنيف هذه التحالفات إلى ثلاثة أنماط رئيسية:
1. التحالفات العسكرية المباشرة
يتمثل هذا النمط في مشاركة الجماعات المسلحة بصورة مباشرة في العمليات القتالية إلى جانب الجيوش الوطنية ضد جماعات متمردة أو تنظيمات إرهابية. وهو ما يظهر بوضوح في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث اعتمد الجيش الكونغولي منذ عام 2023 على قوات وازاليندو (Wazalendo) في مواجهة حركة M23، مستفيدًا من معرفتها بالتضاريس ونفوذها داخا شبكاتها الاجتماعية داخل المجتمعات المحلية. ويأتي ذلك في ظل وجود أكثر من 120 جماعة مسلحة تنشط في شرق البلاد، بينما تجاوز عدد النازحين داخليًا 6.3 ملايين شخص في عام 2024، وهو ما جعل الحكومة غير قادرة على الاعتماد على الجيش النظامي وحده.
كما تبنت جمهورية أفريقيا الوسطى نموذجًا مشابهًا منذ عام 2018، عندما عززت الحكومة تعاونها مع بعض الميليشيات المحلية بالتوازي مع الاستعانة بعناصر مجموعة فاجنر الروسية لاستعادة السيطرة على المدن والمناطق التي كانت خاضعة للجماعات المتمردة.
2. التحالفات المجتمعية
برز هذا النموذج في المناطق التي تعاني من غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة؛ حيث لجأت الحكومات إلى الاعتماد على ما يعرف بلجان اليقظة وجماعات الحراسة الأهلية باعتبارها خط الدفاع الأول ضد التنظيمات المسلحة. ويعد حوض بحيرة تشاد أبرز مثال على ذلك؛ إذ اعتمدت تشاد والكاميرون ونيجيريا والنيجر على هذه الجماعات في جمع المعلومات الاستخباراتية وتأمين القرى والمشاركة في ملاحقة عناصر جماعة بوكو حرام الإرهابية، التي تسببت منذ عام 2009 في مقتل أكثر من 35 ألف شخص ونزوح ما يزيد على 3 ملايين نسمة.
3. التحالفات المحلية المؤقتة
تتشكل هذه التحالفات بصورة مؤقتة كاستجابة لتهديدات محددة، ثم تتفكك أو يعاد تشكيلها وفقًا لتغير موازين القوى والمصالح المحلية. ولعل ما شهدته جنوب السودان أحد الأمثلة على ذلك؛ حيث برزت جماعات الدفاع المجتمعي والميليشيات القبلية باعتبارها شريكًا مؤقتًا للحكومة أو لبعض فصائل المعارضة بحسب طبيعة الصراع، بينما احتفظت هذه الجماعات بقياداتها وهياكلها العسكرية بعيدًا عن سيطرة مؤسسات الدولة.
وتعكس هذه الأنماط أن التحالفات الأمنية في وسط أفريقيا لم تعد مجرد ترتيبات استثنائية فرضتها ظروف الحرب، وإنما أصبحت أحد المرتكزات الأساسية لتعزيز الأمن في الإقليم، بما يعكس التحول من نموذج الدولة المحتكرة للقوة إلى نموذج تتقاسم فيه السلطة الأمنية مع فاعلين غير رسميين.
ثانيًا: دوافع التحالفات بين الجيوش والميليشيات: الضرورات الأمنية والمصالح الاقتصادية
لا يمكن تفسير انتشار هذه التحالفات الهجينة باعتبارها استجابة للتهديدات الأمنية فقط، بل ترتبط بمجموعة من الدوافع العسكرية والسياسية والاقتصادية التي جعلت استمرارها أكثر فائدة لجميع الأطراف، وفيما يلي أبرز هذه الدوافع:
1. العجز العسكري وضعف مؤسسات الدولة
تعاني معظم جيوش وسط أفريقيا من نقص في الأفراد والتسليح والقدرة على الانتشار الجغرافي، فضلًا عن ضعف البنية اللوجستية وصعوبة الوصول إلى المناطق الجبلية والغابات الكثيفة، وهو ما يدفع الحكومات إلى الاستعانة بالجماعات المسلحة التي تمتلك خبرة محلية واسعة وقدرة على الحركة داخل البيئات المعقدة.
2. الاستفادة من المعرفة المحلية
تمتلك الميليشيات معرفة كبيرة بالتركيبة القبلية، ومسارات التهريب، والطرق غير الرسمية، وهو ما يمنحها قدرة استخباراتية لا تتوافر في كثير من الأحيان للقوات النظامية، ويجعلها عنصرًا مهمًا في مواجهة الجماعات المتمردة.
3. المصالح السياسية
تستخدم بعض الحكومات هذه الجماعات لتعزيز نفوذها في المناطق الهشة دون تحمل التكلفة السياسية أو العسكرية لنشر قوات نظامية كبيرة، كما تلجأ بعض النخب السياسية إلى دعم ميليشيات محلية لتعزيز نفوذها أو لمواجهة خصومها، وهو ما يخلق شبكات ولاء موازية لمؤسسات الدولة.
4. الحوافز الاقتصادية
أصبحت الموارد الطبيعية أحد أهم دوافع استمرار هذه التحالفات، خاصة في ظل سيطرة الجماعات المسلحة على مناجم الذهب والكولتان والألماس والأخشاب. وتبرز جمهورية الكونغو الديمقراطية باعتبارها المثال الأوضح؛ إذ تمتلك نحو 70% من الاحتياطي العالمي من معدن الكولتان، إلى جانب احتياطيات ضخمة من الذهب والكوبالت والقصدير، وهو ما جعل السيطرة على مناطق التعدين وطرق النقل مصدرًا رئيسيًا لتمويل العمليات العسكرية. كما تعتمد بعض الجماعات المسلحة في جنوب السودان والمناطق الحدودية على فرض الضرائب والإتاوات وإقامة نقاط التفتيش، في حين ترتبط بعض شبكاتها بعمليات تهريب الأسلحة والماشية والبشر عبر الحدود، وهو ما يجعل استمرار الصراع يحقق بعض المميزات الاقتصادية.
ويكشف ذلك أن التحالفات الأمنية في وسط أفريقيا لم تعد قائمة فقط على مواجهة التهديدات المسلحة، وإنما أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية التي تعيد إنتاج الصراع بصورة مستمرة.
ثالثًا: انعكاسات التحالفات الأمنية على بنية الدولة واحتكار استخدام القوة
لم تؤدِ التحالفات بين الجيوش الوطنية والجماعات المسلحة إلى إعادة تشكيل موازين القوى العسكرية فقط، بل أحدثت تحولًا في أدوار الدولة ووظائفها الأمنية داخل وسط أفريقيا. فمع توسع الاعتماد على الفاعلين المسلحين من غير الدول، تراجعت قدرة الحكومات على احتكار استخدام القوة، وظهرت أنماط جديدة من السلطة المحلية تتقاسم فيها الميليشيات والجيوش إدارة الأمن والموارد والنفوذ السياسي، وهو ما أضعف مفهوم الدولة المركزية وأوجد هياكل أمنية موازية يصعب إخضاعها للمؤسسات الرسمية.
1. تآكل احتكار الدولة لاستخدام القوة
يعد احتكار استخدام القوة أحد أهم مقومات الدولة الحديثة، إلا أن هذا المبدأ يواجه تحديات متزايدة في منطقة وسط أفريقيا؛ حيث تعتمد الحكومات هذه الدول على جماعات مسلحة تمتلك قيادات مستقلة، وتسليحًا خاصًا، ومصادر تمويل منفصلة عن مؤسسات الدولة. وفي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، لم يعد الجيش الوطني هو الفاعل العسكري الوحيد، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على تحالف وازاليندو في مواجهة حركة M23، بينما احتفظت هذه الجماعات باستقلالها التنظيمي وقدرتها على اتخاذ القرار بعيدًا عن القيادة العسكرية الرسمية. كما أن استمرار نشاط أكثر من 120 جماعة مسلحة داخل شرق الكونغو يعكس محدودية قدرة الدولة على فرض سيادتها الأمنية بصورة كاملة. وفي جنوب السودان، تجاوزت بعض الميليشيات الدور العسكري لتصبح سلطات محلية قادرة على إدارة مناطق نفوذها بصورة شبه مستقلة، وهو ما يعكس انتقال جزء من الوظائف السيادية من الدولة إلى الفاعلين المسلحين.
2. تحول الميليشيات إلى فاعلين في إدارة الحكم المحلي
تجاوزت الجماعات المسلحة في أدوارها على تنفيذ المهام القتالية، وإنما أصبحت تقوم بأدوار ترتبط بإدارة الشأن العام، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه ضعف مؤسسات الدولة. ففي ولايتي شرق الاستوائية والوحدة بجنوب السودان، تولت بعض الميليشيات إدارة نقاط التفتيش، وجمع الرسوم والإيرادات المحلية، وتنظيم حركة المرور بين المدن والقرى، كما أصبحت مرجعًا لحل بعض النزاعات المحلية، وهو ما منحها شرعية فعلية داخل المجتمعات المحلية، حتى وإن كانت خارج الإطار القانوني للدولة.
كما ارتبطت شبكات الولاء في العديد من المناطق بالزعماء المحليين وقادة الجماعات المسلحة أكثر من ارتباطها بالحكومات المركزية، وهو ما أدى إلى ظهور أنماط من “الحكومة غير الرسمية” تعتمد على القوة المسلحة أكثر من اعتمادها على المؤسسات الدستورية.
3. تصاعد الانتهاكات وضعف آليات المساءلة
أدى تداخل الأدوار بين القوات النظامية والميليشيات إلى إيجاد بيئة يصعب فيها تحديد المسئولية القانونية عن الانتهاكات التي تقع ضد المدنيين، خاصة في ظل مشاركة هذه الجماعات في العمليات العسكرية دون خضوعها الكامل للقوانين العسكرية أو الرقابة القضائية. وفي العديد من مناطق شرق الكونغو وجمهورية أفريقيا الوسطى، ارتبطت بعض الجماعات المسلحة المتحالفة مع الحكومات بالحصول غير القانوني على الأموال من المدنيين، وإقامة نقاط التفتيش، وارتكاب أعمال ابتزاز وعنف ضد السكان المحليين. كما أدى هذا التداخل إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، بعدما أصبح من الصعب التمييز بين القوات النظامية والجماعات المسلحة العاملة إلى جانبها. وتشير هذه التطورات إلى أن التحالفات الأمنية، على الرغم من مساهمتها في تحقيق مكاسب ميدانية مؤقتة، أدت في المقابل إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتعزيز نفوذ الفاعلين المسلحين، وإيجاد منظومة أمنية يصعب إخضاعها للرقابة أو المساءلة.
رابعًا: مستقبل التحالفات الأمنية وسيناريوهات الاستقرار في وسط أفريقيا
تكشف التطورات الأمنية في وسط أفريقيا أن التحالفات بين الجيوش الوطنية والجماعات المسلحة أصبحت واقعًا يصعب تجاوزه في المدى القريب، إلا أن استمرارها يطرح مجموعة من التحديات الخاصة بمستقبل الدولة والاستقرار الإقليمي. فبينما توفر هذه التحالفات حلولًا تكتيكية لمواجهة التهديدات الأمنية، إلا إنها قد تتحول على المدى البعيد إلى أحد أبرز معوقات بناء الدولة الوطنية وإعادة احتكارها لاستخدام القوة.
1. استمرار نموذج الأمن الهجين
يفترض هذا السيناريو استمرار اعتماد الحكومات على الميليشيات المحلية والجماعات المسلحة باعتبارها شريكًا رئيسيًا في مواجهة الجماعات المتمردة والتنظيمات الإرهابية، خاصة في ظل محدودية الموارد العسكرية والمالية التي تعاني منها معظم دول الإقليم. وهو ما يعني استمرار تقاسم الأدوار الأمنية بين المؤسسات الرسمية والفاعلين غير الحكوميين، بما يؤدي إلى ترسيخ نموذج الأمن الهجين كأحد السمات الدائمة للبيئة الأمنية في وسط أفريقيا.
2. دمج الجماعات المسلحة داخل المؤسسات الرسمية
تتجه بعض الحكومات إلى دمج الميليشيات داخل الجيوش النظامية أو أجهزة الشرطة باعتبارها وسيلة لتقليل عدد الفاعلين المسلحين، إلا أن هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، أبرزها احتفاظ هذه الجماعات بقياداتها وشبكات مصالحها الاقتصادية، بما قد يؤدي إلى انتقال الولاءات غير الرسمية إلى داخل المؤسسات الأمنية نفسها، بدلًا من إنهاء نفوذها. كما أن الدمج غير المنظم قد يكرس ممارسات غير قانونية داخل أجهزة الدولة، ويضعف مبدأ الانضباط العسكري، ويزيد من تعقيد عملية إصلاح القطاع الأمني.
3. بناء مؤسسات أمنية قادرة على احتكار استخدام القوة
يمثل هذا السيناريو الخيار الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار واستدامته؛ إذ يقوم على إعادة بناء الجيوش الوطنية، وتعزيز قدرات الشرطة وأجهزة إنفاذ القانون، وتعزيز قدرة الدول على السيطرة على المناطق الحدودية والنائية، بالتوازي مع تنفيذ برامج فعالة لنزع السلاح، وتسريح المقاتلين، وإعادة دمجهم في المجتمع. كما يتطلب هذا المسار معالجة الأسباب البنيوية التي دفعت المجتمعات إلى الاعتماد على الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها ضعف الحوكمة، وانتشار الفقر، والتهميش السياسي، وغياب الخدمات العامة، بما يسهم في استعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وتقليص الحاجة إلى الفاعلين المسلحين.
في الختام: ، تكشف التحولات الأمنية في وسط أفريقيا أن التحالفات بين الجيوش الوطنية والجماعات المسلحة لم تعد مجرد ترتيبات ميدانية فرضتها ظروف الصراع، بل أصبحت جزءًا من معادلة الأمن وإدارة النفوذ داخل العديد من دول الإقليم. ورغم ما توفره هذه التحالفات من مكاسب عسكرية مؤقتة في مواجهة الجماعات المتمردة والتنظيمات المسلحة، فإنها في المقابل تُضعف احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتُعزز نفوذ الفاعلين غير الحكوميين، وتُكرس اقتصادات الصراع، بما يهدد جهود بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار. ومن ثم، فإن مستقبل الأمن في وسط أفريقيا يظل مرهونًا بقدرة الحكومات على الانتقال من إدارة الأزمات عبر التحالفات المؤقتة إلى بناء مؤسسات أمنية وطنية قوية، وتعزيز الحوكمة وسيادة القانون، وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة، بما يرسخ احتكار الدولة للقوة ويؤسس لسلام مستدام في الإقليم.
وبالتالي،لا يمكن تحقيق استقرار مستدام في وسط أفريقيا من خلال المقاربة العسكرية وحدها؛ إذ يتطلب الأمر تبني استراتيجية شاملة تجمع بين الإصلاح الأمني، وتعزيز الحوكمة، وتنمية المناطق الحدودية، وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي لضبط الحدود ومكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة. وفي ضوء ذلك، فإن مستقبل الاستقرار في وسط أفريقيا سيظل مرهونًا بقدرة الحكومات على الانتقال من إدارة الأزمات عبر التحالفات المؤقتة إلى بناء دولة قادرة على احتكار استخدام القوة وتوفير الأمن والخدمات لمواطنيها، بما يقلص نفوذ الفاعلين المسلحين ويؤسس لبيئة أكثر استقرارًا على المستويين الوطني والإقليمي.

