محمد حسن النبوي
باحث في وحدة الدراسات ومتخصص في الشأن الإيراني – مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
يُشكل النظام الصاروخي أحد أبرز ركائز القوة العسكرية الإيرانية، بل يُمثل العمود الفقري لعقيدتها الدفاعية والهجومية على حد سواء وذلك منذ نجاح الثورة في عام 1979. ففي ظل الحصار والقيود الصارمة التي فرضتها العقوبات الدولية المتعاقبة، وجد صُناع القرار في طهران أنفسهم أمام معضلة تكنولوجية وعسكرية تتمثل في تقادم سلاح الجو وصعوبة الحصول على طائرات قتالية ومنظومات دفاعية حديثة. وهذا الواقع دفع القيادة الإيرانية إلى الاعتماد على استراتيجية “الحرب غير المتناظرة”، والتركيز الكامل على بناء وتطوير قوة صاروخية محلية قادرة على سد الفجوات في القدرات العسكرية الجوية، وتحقيق الردع الاستراتيجي أمام الخصوم الإقليميين والدوليين.
وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، مر البرنامج الصاروخي الإيراني بتحولات نوعية وضعت طهران في مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال. فقد بدأت المرحلة الأولى خلال حرب الخليج الأولى بالاعتماد على استيراد صواريخ “سكود” قصيرة المدى، ثم تحولت عبر الهندسة العكسية ونقل التكنولوجيا إلى مرحلة التصنيع الذاتي والتطوير المحلي. ولم يعد الأمر مقتصرًا في الوقت الحالي على الصواريخ الباليستية التقليدية، بل توسعت الترسانة لتشمل صواريخ كروز دقيقة التوجيه، والطائرات المسيرة الانتحارية بعيدة المدى، وصولًا إلى الإعلان عن إنتاج صواريخ فرط صوتية قادرة على المناورة واختراق أعقد منظومات الدفاع الجوي الحالية.
ولم تكتفِ إيران بتطوير الصواريخ ذاتها، بل عملت على تأمين عقيدتها العسكرية عبر إنشاء شبكة معقدة من القواعد والمنشآت المحصنة في أعماق الجبال وتحت الأرض، والتي باتت تُعرف إعلاميًا باسم “مدن الصواريخ”. وهذه المدن المحصنة لا تضمن فقط حماية ترساناتها العسكرية من الضربات الاستباقية أو الغارات الجوية، بل توفر أيضًا منصات إطلاق غير مرئية تمنح القوات المسلحة الإيرانية القدرة على المناورة وتوجيه ضربات عسكرية مفاجئة في أي مواجهة محتملة.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن هذه القوة الصاروخية تحولت بمرور الوقت من مجرد سلاح دفاعي تعويضي إلى أداة أساسية لإسقاط النفوذ وبناء المعادلات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. وقد تجلى هذا الدور الحاسم بشكل واضح في المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة؛ حيث أصبحت الصواريخ الإيرانية الرقم الصعب في معادلات الردع المتبادل، وهو ما جعل من دراسة وتحليل هذه القدرات محورًا رئيسًا لا غنى عنه في مراكز الدراسات المهتمة بتحليل القدرات العسكرية.
أولًا: نشأة وتطور النظام الصاروخي الإيراني
تعود جذور البرنامج الصاروخي الإيراني إلى عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وتحديدًا في عام 1977 عندما وقعت طهران مع إسرائيل اتفاقية سريّة عُرفت باسم مشروع “خيار الصخرة” بهدف تطوير صاروخ باليستي قصير المدى يعتمد على صاروخ “جيريكو”، إلا أن انتصار الثورة الإسلامية في عام 1979 عمل على وقف هذا المشروع، في حين كانت الحرب العراقية الإيرانية وتحديدًا مرحلة “حرب المدن” القاسية التي بلغت ذروتها بين عامي 1985 و1988، نقطة التحول التاريخية في مسار تطور هذا البرنامج، فمع تعرض العاصمة طهران لقصف مكثف بصواريخ “الحسين” العراقية المعدلة، كشفت الحرب عن عجز سلاح الجو الإيراني – المكون من طائرات “إف-4″ و”إف-14” الأمريكية – عن الاستمرار والمواجهة بسبب العقوبات الدولية الصارمة ونقص قطع الغيار الحاد. وهو ما دفع القيادة الإيرانية العليا، وبتوجيه مباشر من رئيس مجلس الدفاع الأعلى آنذاك علي خامنئي، إلى اتخاذ قرار استراتيجي بالبحث عن وسيلة ردع بديلة غير متناظرة، وأقل تكلفة في مجال أنظمة النظام الصاروخي.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن إيران اعتمدت في البداية على قنوات دبلوماسية وعسكرية سرية قادها رفيق دوست، وزير سپاه پاسداران (الحرس الثوري) آنذاك، للحصول على أولى شحنات صواريخ “سكود-بي” (Scud-B) من ليبيا في عام 1985، ثم تنفيذ صفقات مع كوريا الشمالية للحصول على صواريخ “هواسونغ”. ومع استلام هذه الشحنات، أسس الحرس الثوري “وحدة حديد الصاروخية” بقيادة الشاب اللواء “حسن طهراني مقدم”، الذي يُلقب في الأدبيات العسكرية الإيرانية بـ “أبو البرنامج الصاروخي”؛ حيث لم تكتفِ إيران بإطلاق الصواريخ ردًا على القصف العراقي، بل اتجهوا إلى تفكيك الصواريخ المستوردة ودراستها وتأسيس بنية تحتية لنقل التكنولوجيا وتوطينها. وهذا المجهود الهندسي المبكر أثمر في أواخر الثمانينات عن إنتاج أولى الصواريخ المحلية قصيرة المدى العاملة بالوقود الصلب مثل سلسلة صواريخ “نازعات” و”زلزال”، والتي وضعت اللبنة الأولى للاكتفاء الذاتي من هذه الأسلحة.
وبحلول تسعينيات القرن الماضي والألفية الجديدة انتقل البرنامج الصاروخي من مرحلة سد الفجوات الجوية القريبة إلى مرحلة الردع الإقليمي بعيد المدى عبر تطوير عائلات صواريخ تعمل بالوقود السائل، وكان الإنجاز الأبرز هو الإعلان عن صاروخ “شهاب-3” في عام 1998 ودخوله الخدمة رسميًا في عام 2003 بمدى يصل إلى 1300 كيلومتر، وهو ما وضع الخصوم الإقليميين لأول مرة في مرمى النيران الإيرانية، وتوالت بعد ذلك النسخ المطورة مثل صاروخ “قدر-110” وصاروخ “عماد” في عام 2015، وهو أول صاروخ إيراني مزود برأس حربي ذكي قابل للتوجيه والمناورة بعد الانفصال (MARV) لإحباط الدفاعات الصاروخية، ولم تتوقف القوة الجوفضائية عند الوقود السائل، بل أحدثت قفزة نوعية بتطوير صاروخ “سجيل” في عام 2008، وهو أول صاروخ باليستي إيراني بعيد المدى يعمل بالوقود الصلب بالكامل على مرحلتين، وهو ما يمنحه ميزة الإطلاق السريع دون الحاجة للتزود بالوقود قبل الهجوم.
وفي العقد الأخير ركزت الهيئة الصناعية العسكرية الإيرانية على ترسيخ معادلة “الدقة والمدى المدمر”، وهو ما ظهر بعد الكشف عن صاروخ “خرمشهر” في عام 2017 بمدى 2000 كيلومتر ورأس حربي يزن 1800 كيلوجرام، وجيل “خيبر” (خرمشهر 4) في عام 2023، وبالتوازي مع الصواريخ الباليستية، طورت إيران قدرات عسكرية هجومية في إنتاج صواريخ كروز الهجومية البرية مثل سلسلة “سومار” وعائلة “باوه” التي تحلق على ارتفاعات منخفضة لتجنب الرادارات. وقد شهد عام 2023 الإعلان عن صاروخ “فتاح” الذي تصنفه إيران كصاروخ فرط صوتي، بينما لا يزال هذا التصنيف محل نقاش بين عدد من مراكز الدراسات العسكرية الغربية، بهدف إبطال عمل منظومات الدفاع الجوي المتقدمة مثل “آيجيس” و”آرو”.
ولضمان استدامة هذه الترسانة وحمايتها من الهجمات العسكرية القائمة على الضربات الاستباقية وتجنب شلل القيادة، قامت إيران بنقل ثقلها الصاروخي إلى باطن الأرض. ومنذ أواخر التسعينيات وبسرية تامة أشرف الحرس الثوري على حفر شبكات الأنفاق داخل سلاسل الجبال، وفي عام 2015 تم الكشف علنًا لأول مرة عما يُعرف بـ “مدن الصواريخ” تحت الأرض والتي خضعت لتطوير مستمر حتى عام 2024، وأصبحت تضم مصانع إنتاج متكاملة، ومخازن وقود، ومنصات إطلاق عمودية وآلية تُعرف بـ “المقالع الصاروخية” ، وهي منظومة شبيهة بالقطارات تحت الأرض تقوم بتلقيم وإطلاق الصواريخ بشكل متتابع وسريع، وهو ما يضمن لإيران قدرة عالية على توجيه “الضربة الثانية” المدمرة حتى لو تعرضت المنشآت والمطارات العسكرية لشلل كامل، لتتحول القوة الصاروخية بذلك إلى الركيزة الأولى الذي تصيغ عبره طهران معادلات الردع والاشتباك في المنطقة.
ثانيًا: الهيكل التنظيمي والشخصيات المؤثرة في البرنامج الصاروخي الإيراني
يقوم البرنامج الصاروخي الإيراني على هيكلية مؤسسية مزدوجة تم تصميمها لتدمج بين الذراع التشغيلي العسكري ذي العقيدة العقائدية، والذراع الصناعي التكنولوجي. وتُعد القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني (AFAGIR) هي الجهة المسئولة عن تحديد الاحتياجات العسكرية، والإشراف على بنك الأهداف، وإدارة العقيدة القتالية للصواريخ الباليستية والمسيرات والمجهود العسكري الفضائي، وقد شهدت هذه القوة تحولًا هيكليًا جوهريًا في أكتوبر من عام 2009 عندما صدر مرسوم من المرشد الأعلى علي خامنئي بتغيير مسمى هذه المؤسسة من “القوة الجوية للحرس الثوري” إلى “القوة الجوفضائية”، بهدف دمج قطاعات الصواريخ الباليستية والدفاع الجوي وبرامج استكشاف الفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية مثل عائلة صواريخ “سفير” و”قاصد” و”قائم” تحت قيادة مركزية واحدة، وفي المقابل، يضطلع الجناح المدني والتكنوقراطي المتمثل في وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية بالشق التصنيعي والبحثي عبر مظلة عملاقة تُعرف باسم “منظمة صناعات الطيران والفضاء” (AIO). وتضم هذه المنظمة مجمعات صناعية مثل “مجموعة صنيع خاني الصناعية” المسئولة عن تطوير الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل، و”مجموعة همت الصناعية” التي تركز على هياكل الصواريخ، و”مجموعة باقري الصناعية” المتخصصة في تكنولوجيا الوقود الصلب المعقدة. وهذا التكامل المؤسسي عمل على تمكين طهران من عزل برنامجها عن الصراعات السياسية الداخلية، وحمايته من الاختراقات الأمنية عبر توزيع المهام، وتحقيق اكتفاء ذاتي مرن نجح في الالتفاف على عقود من العقوبات الدولية الصارمة المفروضة من مجلس الأمن والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وتاريخيًا، يُعتبر اللواء “حسن طهراني” مقدم الشخصية المحورية والروحية والأبرز في إرساء هذا البنيان الهندسي، وهو الذي يحمل رسميًا في الأدبيات العسكرية الإيرانية لقب “أبو البرنامج الصاروخي”. فمنذ تكليفه بتأسيس أول وحدة صاروخية للحرس الثوري عُرفت باسم “وحدة حديد” في عام 1985 إبان الحرب مع العراق، قاد طهراني مقدم جهودًا استثنائية لنقل التكنولوجيا الصاروخية عبر قنوات سرية مع كوريا الشمالية وتوطينها محليًا؛ حيث أسس “منظمة جهاد الاكتفاء الذاتي” التابعة للحرس الثوري، والتي ركزت على تطوير محركات الصواريخ محليًا. واستمر طهراني مقدم في إدارة هذا الملف الحيوي المعقد بعيدًا عن الأضواء وبتفويض كامل من القيادة العليا، حتى مقتله في الثاني عشر من نوفمبر عام 2011، إثر انفجار هائل وغامض وقع في مستودع للصواريخ بقاعدة “مدرس” العسكرية في منطقة بيدغنة غرب العاصمة طهران، وتسبب الحادث في مقتل نحو 36 من رفاقه العلماء والمهندسين من النواة الصلبة للبرنامج الصاروخي، ورغم إعلان السلطات حينها أنه كان حادثًا عرضيًا أثناء اختبار صاروخ باليستي جديد، إلا أن التقارير الاستخباراتية الدولية وأصابع الاتهام الإيرانية اللاحقة أشارت إلى عملية تخريبية سيبرانية وميدانية معقدة قادها جهاز “الموساد” الإسرائيلي لتحجيم القفزة التكنولوجية الإيرانية في مجال الصواريخ بعيدة المدى.
ولم يتوقف البرنامج الصاروخي بوفاة مؤسسه؛ إذ برهنت العقيدة المؤسسية الإيرانية على قدرتها على تفريغ القيادات ومواصلة النهج الاستراتيجي بذات الزخم دون التأثر بغياب الأفراد، وهنا برز اسم العميد “أمير علي حاجي زاده”، الذي تولى قيادة القوة الجوفضائية للحرس الثوري في أكتوبر 2009 تزامنًا مع إعادة هيكلتها، ليصبح المهندس الفعلي والوجه الإعلامي والعملياتي للبرنامج في العقدين الأخيرين، وتحت قيادة حاجي زاده تحولت القوة الصاروخية من مرحلة الردع النظري والتجارب المخبرية إلى الاستخدام العملياتي المكثف والدقيق؛ حيث أشرف مباشرة على أولى الضربات الصاروخية العابرة للحدود ضد تنظيم داعش في دير الزور السورية عام 2017 ضمن عملية “ليلة القدر”، والضربة الصاروخية الشهيرة ضد قاعدة “عين الأسد” الأمريكية في الأنبار بالعراق في يناير 2020 ردًا على اغتيال قاسم سليماني، وصولًا إلى الهجمات الصاروخية الواسعة والمباشرة المنسقة التي شُنت في السنوات اللاحقة والتي وضعت المنظومات الدفاعية الإقليمية والدولية في اختبارات ميدانية غير مسبوقة، وبما جعل حاجي زاده أحد أهم المطلوبين على قوائم العقوبات والاستهداف الغربية.
وإلى جانب القيادة العسكرية، لعبت الشخصيات العلمية والتكنوقراطية أدوارًا بالغة الأهمية في تطوير الجوانب الدقيقة والفيزيائية للبرنامج الصاروخي وبرامج التوجيه؛ حيث يبرز اسم العالم الدفاعي والنووي البارز “محسن فخري زاده” ، الذي اغتيل في نوفمبر 2020 في عملية اغتيال معقدة بمنطقة أبسرد بريف طهران. فلم يكن فخري زاده مجرد عالم نووي بل أدار لسنوات طويلة “منظمة الأبحاث الدفاعي” (SPND) التابعة لوزارة الدفاع، والتي ساهمت بشكل حثيث في الأبحاث المتعلقة بديناميكيات الغلاف الجوي، وتطوير أجهزة الطرد المركزي، وتصميم الرؤوس الحربية الذكية، وأنظمة التوجيه بالأقمار الصناعية والقصور الذاتي لصالح الصواريخ الباليستية لزيادة دقتها إلى أقل من عشرة أمتار، ويعكس هذا البناء التنظيمي المتكامل المعزز بجامعات تكنولوجية كبرى مثل “جامعة شريف للتكنولوجيا” و”جامعة الإمام الحسين”، كيف أن البرنامج الصاروخي الإيراني قد تحول من مشروع يعتمد على كاريزما وخبرة أفراد، إلى مؤسسة دولة راسخة تمتلك دورة إنتاجية وعلمية كاملة ومتوارثة بين أجيال المهندسين، وهو ما يضمن استمرارية التطوير الهندسي والتكنولوجي بمعزل عن خسارة القيادات أو تبدل الظروف السياسية الدولية.
ثالثًا: النظام الصاروخي الإيراني في الحروب والأزمات الأخيرة
شهدت السنوات الأخيرة اختبارًا عمليًا لمنظومة الصواريخ الإيرانية؛ حيث انتقلت طهران من استراتيجية الردع القائم على الاستعراض إلى الاستخدام العملياتي المباشر في مسارح قتال إقليمية معقدة. كما كشفت هذه الأزمات عن التحول في العقيدة العسكرية الإيرانية التي باتت تعتمد على الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز كأدوات رئيسية لفرض قواعد الاشتباك وتغيير موازين القوى. وقد مثل هذا الانتقال اختبارًا حقيقيًا لمدى دقة المنظومات المصنعة محليًا، وقدرتها على اختراق الأجواء المحصنة، فضلًا عن كونه كشفًا لطبيعة التحديات اللوجستية والفنية التي تواجهها خطوط الإنتاج الإيرانية تحت وطأة الاستهداف المباشر.
وقد بدأت ملامح هذا التحول العملياتي تتبلور في يونيو 2017 خلال عملية “ليلة القدر”، حينما أطلق الحرس الثوري صواريخ باليستية من غرب إيران استهدفت مقرات لتنظيم “داعش” في دير الزور بسوريا. استخدمت إيران في هذه الضربة صاروخ “ذو الفقار”، وهو صاروخ باليستي قصير المدى (SRBM) يعمل بالوقود الصلب ويصل مداه إلى 700 كم، ويتميز بتقنية انفصال الرأس الحربي عن جسم الصاروخ لتضليل الدفاعات الجوية، وه ما شكل إعلانًا أوليًا عن دخول الترسانة الإيرانية عصر التوجيه الدقيق، في حين تعمق هذا المسار في يناير 2020 خلال عملية “الشهيد سليماني”، ردًا على اغتيال قائد فيلق القدس؛ حيث شنت طهران هجومًا صاروخيًا مكثفًا استهدف قاعدة “عين الأسد” الجوية الأمريكية في العراق بعدما اعتمد الهجوم على مزيج من صواريخ “فاتح-313” العاملة بالوقود الصلب بمدى 500 كم، وصواريخ “قيام-1” العاملة بالوقود السائل والمطورة برؤوس حربية موجهة توجيهًا دقيقًا؛ حيث أظهرت الضربات دقة غير متوقعة في إصابة حظائر الطائرات والمخازن المحصنة، وهو ما أثبت انتقال الترسانة الإيرانية عمليًا إلى فئة الأسلحة الدقيقة التوجيه.
ومع تصاعد التوتر المباشر مع إسرائيل دخل البرنامج الصاروخي مرحلة من المواجهة المفتوحة خلال عام 2024 عبر موجات هجومية واسعة النطاق، ففي عملية “الوعد الصادق 1” في أبريل 2024، أطلقت إيران هجومًا مركبًا من خلال الطائرات المسيرة الانتحارية من طراز “شاهد-136” وصواريخ كروز لإنهاك شبكات الرادار واستنزاف الصواريخ الاعتراضية للدفاعات الجوية الإسرائيلية والأمريكية، وتزامن مع هذا الإشغال إطلاق صواريخ باليستية متوسطة المدى (MRBM) مثل صاروخ “عماد” الذي يعمل بالوقود السائل ويبلغ مداه 1700 كم والمزود برأس حربي مناور (MaRV) لإعادة التوجيه في المرحلة النهائية، وصاروخ “خيبر شكن” المزود بالوقود الصلب وبمدى 1450 كم، والذي يتميز بتصميمه الانسيابي الخفيف وقدرته العالية على المناورة أثناء الهبوط للإفلات من المنظومات الاعتراضية، وهو ما سمح لعدد من الرؤوس الحربية باختراق الطوق الدفاعي والقدرة على استهداف المواقع العسكرية كقاعدة “نيفاتيم” في النقب.
بجانب ذلك، تطورت التكتيكات الإيرانية بشكل ملحوظ في عملية “الوعد الصادق 2” في أكتوبر 2024؛ حيث ألغت طهران عنصر المسيرات البطيئة واعتمدت كليًا على الصواريخ الباليستية السريعة لتقليص زمن الإنذار المبكر إلى أقل من 15 دقيقة. كما شهدت هذه العملية التدشين العملياتي الأول لصاروخ “فتاح-1″، الذي تصنفه إيران كصاروخ فرط صوتي (Hypersonic) قادر على السير بسرعة تفوق 13 ضعف سرعة الصوت ومزود بفوهة متحركة للدفع الموجه تتيح له المناورة خارج وداخل الغلاف الجوي لتجنب منظومات الاعتراض بعيدة المدى مثل “أرو-3″ و”ثاد”. وإلى جانب “فتاح-1″، أطلقت إيران كثافة نارية عالية من صواريخ “قدر” و”عماد” و”خيبر شكن” استهدفت من خلالها النطاقات الحيوية في تل أبيب ومحيط القواعد الجوية مثل “تل نوف”، وهو ما أدى إلى حدوث اختراقات وعزل أكثر منظومات الدفاع الجوي تعقيدًا في العالم، لكن رغم نجاح عدد من الصواريخ في الوصول إلى أهدافها، فإن معظم المقذوفات اعترضتها منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية وفق تقديرات متعددة.
وقد أظهرت هذه المواجهات نقاط قوة لوجستية وفنية بارزة للنظام الصاروخي الإيراني، وفي مقدمتها المرونة العالية في إدارة عمليات الإطلاق من خلال شبكة “مدن الصواريخ” المحفورة في أعماق الجبال، واعتماد منصات الإطلاق المتحركة (TEL) المموهة التي تتيح إطلاق موجات متتابعة قبل رصدها. كما شكلت عملية دمج صواريخ كروز ذات المسار المنخفض والموازي لسطح الأرض، مثل عائلة صواريخ “باوة” بمدى 1650 كم التي تحلق بارتفاعات منخفضة لتجنب الرادارات، مع الصواريخ الباليستية ذات القوس المرتفع، معضلة اشتباك حقيقية بزاوية 360 درجة لمنظومات الدفاع الجوي الحليفة لإسرائيل.
وعلى الجانب الآخر وضعت هذه الحروب البرنامج الصاروخي الإيراني أمام تحديات جسيمة وثغرات فنية كشفتها الضربات الإسرائيلية والأمريكية المضادة التي استهدفت العمق الإيراني، فقد تركزت الهجمات الحيوية المضادة على منشآت خلط الوقود الصلب اللازمة لصناعة صواريخ “خيبر شكن” و”فتاح”، فضلًا عن مصانع المحركات ومستودعات التخزين، وهو ما يفرض قيودًا صارمة على قدرة طهران على الاستبدال السريع للمخزون ويقلل من معدل الإنتاج الكمي. بالإضافة إلى ذلك واجهت أنظمة التوجيه الإيرانية التي تعتمد على الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GNSS) والقصور الذاتي (INS) مجموعة من التحديات نتيجة الحرب الإلكترونية المكثفة وعمليات التشويش وتزييف الإشارات (GPS\ Spoofing) في أجواء شرق المتوسط، وهو ما أثر نسبيًا على دقة بعض الرؤوس الحربية وهبوطها بعيدًا عن أهدافها.
رابعًا: الإحصائيات والتقييم الاستراتيجي ومستقبل البرنامج
تشير التقديرات الاستخباراتية والأبحاث العسكرية الدولية على أن إيران تمتلك الترسانة الصاروخية الأكبر والأكثر تنوعًا في منطقة الشرق الأوسط، ورغم التباينات في عددها، فإن المؤشرات التقديرية قبيل ذروة المواجهات الأخيرة كانت تشير إلى حيازة طهران مخزونًا يتراوح ما بين 2,500 إلى 3,000 صاروخ باليستي جاهز للإطلاق العملياتي (باستثناء آلاف الصواريخ التكتيكية وقصيرة المدى). وتتوزع هذه القدرة الهجومية عبر نطاقها الجغرافي المعقد؛ حيث يعتمد الحرس الثوري على شبكة واسعة من القواعد الصاروخية تحت الأرض ومنصات الإطلاق الرأسية المحصنة في سلاسل جبال زاگروس، وهو ما يمنح المنظومة قدرة عالية على امتصاص الضربات الاستباقية، ويوفر منصات آمنة لتنفيذ استراتيجيات دفاعية عبر إطلاق قذائف باليستية متزامنة من اتجاهات جغرافية متعددة.
ومع ذلك خضعت هذه الترسانة الضخمة لمعدلات استهلاك غير مسبوقة وضغوط عملياتية نتيجة جولات القتال والمواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث تشير البيانات الميدانية إلى أن طهران أطلقت مئات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز وآلاف الطائرات المسيرة الانتحارية عبر موجات “الوعد الصادق” وما تلاها من عمليات اشتباك إقليمي، وهذا الاستهلاك الكثيف تزامنًا مع الضربات الدقيقة التي نفذها التحالف الإسرائيلي-الأمريكي ضد العمق الإيراني، أدى إلى تقليص حجم المخزون الجاهز إلى نحو 1,000 إلى 1,500 صاروخ باليستي قادر على الوصول إلى مدى 1,500 كم بحسب تقديرات غربية، ولم تكن المعضلة الحقيقية لطهران في أعداد الصواريخ المستهلكة بقدر ما تمثلت في نجاح الهجمات الغربية المضادة في إصابة العصب التكنولوجي والصناعي للمنظومة؛ إذ ركزت الضربات الاستراتيجية على استهداف منشآت “بارجين”، “خوجير”، وقاعدة “شاهرود” التابعة للحرس الثوري، وهو ما أسفر عن تدمير ما لا يقل عن 12 من منصات الاطلاق المعقدة والمستخدمة في مزج وقود الصواريخ الصلبة، إلى جانب مصانع صب المحركات؛ وهي تكنولوجيا دقيقة وحساسة تستوردها طهران عبر شبكات التفافية (خاصة من الصين) ويشكل غيابها عقبة فنية تبطئ من قدرة المجمع الصناعي على الإنتاج السريع.
وعلى الرغم من هذا الانكشاف والضرر البنيوي الذي أصاب هذه المنصات، يُظهر التقييم الاستراتيجي أن إيران تمتلك مرونة صناعية ذاتية مبنية على “الهندسة العكسية المتراكمة” والخبرات البشرية المحلية التي يصعب تصفيتها بضربات جوية؛ حيث سارعت طهران إلى تدشين خطط إعادة بناء متسارعة، مرتكزة على استيراد الشحنات الكيميائية الحيوية، مثل “بيركلورات الصوديوم” اللازم للمادة الدافعة الصلبة، كما عملت على حفر منشآت تصنيع بديلة في أعماق أشد تحصينًا تحت الأرض لتجنب القنابل الخارقة للمخابئ. وهذه التحركات تمنح البرنامج مؤشر لإعادة البناء؛ حيث تُقدر الأوساط العسكرية قدرة طهران على تعويض مخزونها بوتيرة إنتاج تقارب 100 صاروخ باليستي شهريًا بمجرد استعادة عمل خطوط الوقود الصلب، وهو ما يعني إمكانية ضغط الجدول الزمني للتعافي الكامل والعودة لمستويات الترسانة الأصلية في غضون عامين إلى ثلاثة أعوام.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن مستقبل البرنامج الصاروخي الإيراني يتجه نحو تركيز استراتيجي يبتعد عن زيادة المدى الجغرافي –المكتفي حاليًا بعتبة 2,000 كيلومتر لتغطية النطاق الإقليمي والقواعد الأمريكية كاملة دون استثارة القوى الأوروبية– ليتمحور حول ترقية “الكفاءة النوعية” عبر ثلاث مسارات أساسية؛ أولها، الانتقال الشامل نحو عائلات الوقود الصلب (مثل أجيال خيبر شكن وفتاح) لتقليص زمن التحضير للإطلاق من ساعات إلى دقائق معدودة تفاديًا للرصد الفضائي الاستباقي. وثانيها، من خلال دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعرف البصري الرقمي على الأهداف في الرؤوس الحربية والمناورة لزيادة دقة الإصابة إلى أقل من 5 أمتار، وتجنب أجهزة التشويش الإلكتروني وحرب الإشارات الموجهة (GPS\ Spoofing) في البحر المتوسط والخليج العربي. أما المسار الثالث، فيركز على تطوير أجيال صواريخ كروز الطوافة فائقة الانخفاض والسرعات الفوق-صوتية لتجاوز جدران الدفاع الجوي متعددة الطبقات (مثل منظومات ثاد وآرو)، وهو ما يضمن لطهران الحفاظ على سلاحها الصاروخي باعتباره ذراع الردع القومي الأساسي، والورقة السياسية الأقوى في حسابات التفاوض الإقليمي والدولي.
في الختام: على مدار أكثر من أربعة عقود، قطع البرنامج الصاروخي الإيراني رحلة تحول من مشروع دفاعي محدود فرضته ظروف العزلة وحرب الخليج الأولى، ليصبح المنظومة الهجومية والردعية الأكثر تعقيدًا وتنوعًا في الشرق الأوسط. ولم تعد هذه الترسانة مجرد أداة لاستعراض القوة؛ بل أثبتت الأزمات والحروب الأخيرة انتقالها إلى مرحلة “الاستخدام العملياتي المكثف”؛ حيث أصبحت الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الدقيقة الركيزة الأساسية للعقيدة العسكرية الإيرانية، والذراع العسكرية الأقوى لطهران في فرض قواعد اشتباك مباشرة مع خصومها الإقليميين والدوليين.
وفي المقابل، وضعت هذه المواجهات الشاملة التكنولوجيا العسكرية الإيرانية أمام ميزان التقييم؛ إذ نجحت الكثافة النارية ومنصات الإطلاق المتحركة في “إشباع” طبقات الدفاع الجوي واختراقها في محطات عدة، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن ثغرات استراتيجية تمثلت في انكشاف البنية التحتية الصناعية وضرر منشآت الوقود الصلب الحيوية، فضلًا عن تأثر أنظمة التوجيه والملاحة التقليدية بالحرب الإلكترونية المكثفة في مسارح القتال. وتؤكد هذه المعطيات الميدانية أن التحدي الحقيقي أمام طهران لم يعد يكمن في الحجم العددي للمخزون، بل في تأمين سلاسل الإمداد التكنولوجية وضمان مرونة التصنيع الذاتي تحت وطأة الاستهداف المستمر.
وبناءً على ذلك، يتجه مستقبل البرنامج نحو إعادة تأهيل يركز على الكيف لا الكم، من خلال دمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتطوير الرؤوس الحربية ذات المناورة عالية المقاومة للتشويش، والتحول الكامل نحو محركات الوقود الصلب السريعة لتقليص زمن الإنذار المبكر. وسيبقى هذا البرنامج الصاروخي المتطور مرتبطًا بمدى قدرة طهران على التكيف التكنولوجي وإعادة بناء مفاصلها الصناعية في أعماق الأرض، ليظل هذا السلاح المحدد الأبرز لموازين القوى الإقليمية، والورقة الاستراتيجية المهمة في صياغة أي معادلات أمنية أو تفاوضية مستقبلية في الشرق الأوسط، ومن ثم فإن فاعلية النظام الصاروخي الإيراني مستقبلًا لن تقاس فقط بعدد الصواريخ أو مداها، وإنما بقدرته على الاستمرار في الإنتاج والتطوير تحت ظروف الاستهداف والعقوبات، وهو ما سيحدد مكانته في معادلات الردع الإقليمية خلال السنوات المقبلة.

