عزالدين أبو المجد
باحث بوحدة الدراسات الدولية – مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
أدخلت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران منذ نهاية فبراير 2026 الشرق الأوسط في مرحلة استراتيجية مختلفة عن أنماط التصعيد التقليدية التي حكمت العلاقة بين الأطراف الثلاثة خلال العقود الماضية. فالمواجهة لم تعد تقتصر على البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران، بل تحولت إلى أزمة استنزاف ممتدة من خلال الربط بين الأمن والاقتصاد والسياسة الداخلية داخل كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وخلال الأسابيع الأولى من الحرب، بدا أن واشنطن وتل أبيب تراهنان على فرض معادلة ردع جديدة عبر الهجمات العسكرية التي تستهدف البنية العسكرية والنووية الإيرانية، على أساس أن هذه الآلية ستؤدي إلى إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية على المناورة ويدفع طهران إلى التراجع والاستسلام. غير أن تطور العمليات كشف أن المشكلة لم تعد مرتبطة بقدرة الأطراف على توجيه الضربات العسكرية، وإنما بقدرتها على تحمل التداعيات على الأوضاع الداخلية للدول نتيجة الحرب.
فإيران، التي تدرك محدودية قدرتها على خوض مواجهة عسكرية طويلة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، نقلت مركز الصراع إلى المجال الاقتصادي من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز واستهداف البنية المرتبطة بالطاقة والشحن والتأمين البحري في دول المنطقة. وهو ما أدى إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية، وانعكاسه على معدلات التضخم وأسعار الوقود في الأسواق داخل الولايات المتحدة، بينما فرض في إسرائيل ضغوطًا متزايدة على الاقتصاد والجبهة الداخلية ومستقبل الائتلاف الحاكم.
وتزداد أهمية تأثير المحددات الداخلية في الولايات المتحدة وإسرائيل خاصة إنهما يستعدان لخوض انتخابات تشريعية خلال عام 2026. ففي الولايات المتحدة، ستجرى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في 3 نوفمبر 2026، والتي ينظر إليها كاستفتاء على الأداء السياسي والاقتصادي للإدارة الأمريكية. أما في إسرائيل، فتتجه الساحة السياسية نحو انتخابات تشريعية في 27 أكتوبر 2026، وسط تصاعد الانقسامات داخل الائتلاف الحاكم وتراجع الثقة الشعبية في قدرة الحكومة على إدارة الحرب والاستنزاف العسكري متعدد الجبهات. وفي هذا السياق، لم تعد الحرب مع إيران مجرد قضية إقليمية ودولية، بل أصبحت عاملًا داخليًا مؤثرًا في إعادة تشكيل التوازنات الحزبية والانتخابية داخل البلدين.
ومن ثم، فإن التحول التدريجي في الخطاب الأمريكي والإسرائيلي من استراتيجية الحسم الكامل إلى سياسة التحكم في الاستنزاف وإعادة فتح قنوات التفاوض بما يعيد تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية الداخلية التي تهدد الاستقرار الداخلي.
أولًا: المحددات السياسية والانتخابية
1. الولايات المتحدة: الحرب تحت ضغط انتخابات التجديد النصفي
لا يمكن فهم التحول في السلوك الأمريكي تجاه إيران خلال 2026 دون ربطه بالسياق الانتخابي الداخلي. فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخلت الحرب وهي تراهن على استعادة صورة القوة الأمريكية بعد سنوات من الجدل حول تراجع قدرة الردع الأمريكي عالميًا. وكان التصور السائد داخل البيت الأبيض أن الضربات الواسعة ضد إيران ستعيد تعبئة القاعدة الجمهورية المحافظة، خصوصًا التيار القومي المرتبط بخطاب استعادة الهيمنة الأمريكية.
غير أن هذه الحسابات تغيرت مع تحول الحرب من عملية ردع محدودة إلى حالة استنزاف ممتدة ذات تكلفة اقتصادية عالية؛ حيث ظهرت الانقسامات داخل الحزب الجمهوري بين ثلاث اتجاهات رئيسية هم التيار المحافظ التقليدي المدعوم من المؤسسة الأمنية والعسكرية والذي يرى أن استمرار الضغط على إيران ضرورة استراتيجية لمنع صعود قوة إقليمية معادية لواشنطن وتل أبيب، والتيار القومي الشعبوي المرتبط بخطاب “أمريكا أولًا” والذي يعتبر أن الحروب الخارجية تستنزف الاقتصاد الأمريكي وتوثر على الأولويات الداخلية، إلى جانب تيار مؤسسي يتخوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى إعادة إنتاج نموذج العراق وأفغانستان.
وتزايدت حساسية هذا الانقسام مع تصاعد التأثيرات الاقتصادية للحرب. فبحلول أبريل 2026، ارتفع معدل التضخم الأمريكي إلى 3.3%، بينما تجاوز متوسط أسعار البنزين 4 دولارات للجالون في ولايات رئيسية مثل ميشيجان وبنسلفانيا وويسكونسن، وهي ولايات تتمتع بأهمية انتخابية كبيرة. كما تراجع مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ عامين، وسط تصاعد المخاوف من الدخول في حالة من الركود التضخمي نتيجة الجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، أعادت المعارضة الديمقراطية النظر إلى الحرب باعتبارها عبئًا اقتصاديًا وانتخابيًا أكثر منها قضية أمن قومي، مركزة على الربط بين الحرب وارتفاع أسعار الوقود والتضخم وتراجع القوة الشرائية للطبقة الوسطى. كما تصاعد الجدل داخل الكونجرس بشأن صلاحيات الرئيس العسكرية، بينما شهدت مدن أمريكية مثل نيويورك وواشنطن وفيلادلفيا احتجاجات مناهضة للحرب أعادت إلى الواجهة ما يعرف بظاهرة إرهاق الحروب التي تشكلت بعد العراق وأفغانستان.
وبحلول مايو 2026، بدأت استطلاعات الرأي تُظهر تقدمًا نسبيًا للديمقراطيين في معظم استطلاعات الرأي بفارق تراوح بين 5% و10%، وهو ما عزز المخاوف داخل الإدارة الجمهورية من أن تتحول الحرب إلى عبء انتخابي مباشر قبل إجراء انتخابات التجديد النصفي. كما ظهرت مخاوف متزايدة بشأن نزاهة العملية الانتخابية واحتمالات التأثير على التصويت، في ظل اتهامات متبادلة بين الحزبين حول تصاعد دور الحكومة الفيدرالية في إدارة الانتخابات.
وفي ضوء ذلك، بدأت الإدارة الأمريكية تدريجيًا في تغيير خطابها. فبعد أن كان الحديث يدور حول الاستسلام غير المشروط والحسم العسكري للملف الإيراني، تحولت واشنطن نحو الحديث عن هدنة مؤقتة، وقنوات تفاوض غير مباشرة، ووضع مجموعة من الترتيبات الانتقالية لاحتواء التصعيد باعتبار إن هذا التحول يرتبط بحسابات تعزيز الاستقرار الداخلي والفوز في الانتخابات.
بالإضافة إلى ذلك، حاول ترامب العمل على التلاعب في تقسيم الدوائر الانتخابية ضمن استراتيجيته لاحتواء التداعيات السلبية للحرب على مستقبل شعبية الحزب الجمهوري، وهو ما أدى إلى حدوق خلافات مع الحزب الديموقراطي فيما يتعلق بقواعد التصويت والانقسام الشعبي حول الحرب.
- عمل ترامب على إعادة رسم خرائط التصويت من خلال استخدام المحكمة العليا في إبطال خريطة التصويت في ولاية فرجينيا والتي وافق عليها الناخبين والتي من المحتمل أن تمنح الديموقراطيين أفضلية في الانتخابات. وقد أعلن رئيس مجلس مندوبي فرجينيا دون سكوت إن الناخبين صوتوا على هذا التعديل لأنهم أرادوا مواجهة استيلاء ترامب على السلطة، في حين اتهم رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن القضاة غير المنتخبين بتقديم السياسة الحزبية على إرادة الناخبين.
- اتجه ترامب إلى تعديل خرائط التصويت في ولايات تينيسي وألاباما وفلوريدا ولويزيانا وساوث كارولاينا والتي قد تمنح الحزب الجمهوري ما بين 6 و7 مقاعد إضافية في مجلس النواب قبل توجه الناخبين إلى الصناديق، في حال فشلت محاولات الديمقراطيين لمواجهة هذه الإجراءات. كما تهدف إدارة ترامب إلى الحصول على تدخل من المحكمة العليا لتجاوز قيود قضائية قائمة على الخرائط الجديدة، في وقت فتحت فيه ولايات أخرى الباب لتحركات مشابهة.
- هناك خلافات داخل الحزب الجمهوري نفسه خاصة المتشددين من نواب الدوائر المتأرجحة بشأن خفض الإنفاق، والخلاف بين حركة ماجا والمدافعين التقليديين عن تخفيف القيود على الشركات، وخلافات بين بعض الجمهوريين في الكونجرس حول إيجاد أدوات لكبح سلطة ترامب في مواصلة الحرب على إيران، مع ارتفاع أسعار الوقود، وعجز كبار مسؤولي الإدارة عن تحديد مخرج واضح، وتجاوز النزاع مهلة الستين يوما المرتبطة بقانون صلاحيات الحرب لعام 1973.
- يحاول ترامب إضعاف بعض المؤسسات التي كانت مكلفة بحماية نزاهة الانتخابات، من خلال التغييرات التي تم إقرارها في وزارة العدل والأمن الداخلي، وتقليص دور وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، وإغلاق وحدات في مكتب التحقيقات الفيدرالي التي كانت تتابع الفساد العام يوم الانتخابات والتدخل الأجنبي.
2. إسرائيل: الحرب كأزمة شرعية وانقسام داخلي
إذا كانت الحرب تحولت في الولايات المتحدة إلى أزمة انتخابية، فإنها في إسرائيل تحولت إلى أزمة تمس مستقبل الدولة والحكومة معًا، فقد دخلت إسرائيل عام 2026 وهي تعاني من انقسام داخلي مرتبط بالتعديلات القضائية، والحرب الممتدة في غزة، وأزمة تجنيد الحريديم، إلى جانب تراجع الثقة في حكومة بنيامين نتنياهو وتصاعد الخلافات بين المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية والعسكرية.
ومع اندلاع الحرب ضد إيران، حاول نتنياهو إعادة إنتاج صورته باعتباره القادر على حماية إسرائيل من التهديد الإيراني، مقدمًا الحرب باعتبارها معركة بقاء وطنية تتطلب تجاوز الانقسامات الداخلية. غير أن تطورات الحرب كشفت سريعًا حدود تأثير هذه الرواية. فعلى الرغم من الضربات الواسعة التي استهدفت المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، نجحت إيران في مواصلة استهداف العمق الإسرائيلي بالصواريخ والطائرات المسيرة، وتعرضت تل أبيب وحيفا والمناطق الصناعية ومنشآت الطاقة لهجمات متكررة، بينما استمرت حالة التعبئة وانتشار الخوف لأسابيع.
وقد أدى ذلك إلى اهتزاز مفهوم الردع الإسرائيلي بصورة غير مسبوقة. فالعقيدة الأمنية الإسرائيلية قامت تاريخيًا على الحسم السريع ونقل المعارك إلى الخارج وحماية الجبهة الداخلية، لكن الحرب الحالية أدخلت إسرائيل في سلسلة من الاستنزاف المتبادل، حيث أصبح العمق الإسرائيلي نفسه جزءًا من ساحة المعركة. ومع استمرار القصف وتوقف القطاعات الاقتصادية عن العمل وارتفاع الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، بدأ الشعور الجمعي بالأمن يتراجع داخل المجتمع الإسرائيلي.
وفي الوقت نفسه، تصاعدت الخلافات بين المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية. فالتيار اليميني الديني داخل الحكومة دفع نحو استمرار التصعيد باعتباره ضرورة وجودية وفرصة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة، بينما بدأت قطاعات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية تتخوف من حرب استنزاف طويلة قد تؤدي إلى إنهاك قوات الاحتياط واستنزاف الدفاعات الجوية وتآكل الردع بما يهدد الجبهة الداخلية. وهنا ظهر تناقض واضح بين سياسة البقاء السياسي الذي يحكم بعض حسابات الائتلاف الحاكم، والقدرة على الاستمرار في المواجهة العسكرية الذي بدأت تتبناه بعض الدوائر الأمنية.
كما أعادت الحرب تفجير أزمة الحريديم وملف التجنيد الإجباري، فمع توسع العمليات العسكرية واحتياج الجيش إلى مزيد من قوات الاحتياط، تصاعد الاحتقان داخل المجتمع الإسرائيلي تجاه استمرار إعفاء عشرات الآلاف من الحريديم من الخدمة العسكرية. وقد أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 84.5% من الإسرائيليين يؤيدون فرض التجنيد على الحريديم، بينما رأى أكثر من 75% أن نتنياهو يجب أن يستقيل بعد الحرب، وأيد نحو 64% إجراء انتخابات مبكرة فور انتهائها. وفي السياق ذاته، أظهرت استطلاعات الرأي تراجع معسكر نتنياهو وصعود قوى المعارضة، خصوصًا تحالف “Together” بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، إلى جانب صعود غادي آيزنكوت باعتباره أحد أبرز الشخصيات المنافسة. وهو ما يعكس تصاعد الغضب الشعبي من إدارة الحكومة للحرب ومن عجزها عن تحقيق حسم واضح رغم التكلفة الأمنية والاقتصادية المرتفعة.
كما إن هناك احتمالات لاتجاه الكنيست إلى حل لنفسه على خلفية إقرار قانون تجنيد الحريديم؛ حيث تنتهي ولاية الكنيست في أكتوبر 2026، ويفترض أن تجرى الانتخابات العامة في 27 من ذلك الشهر، ولكن ثمة مشاورات لإجراء الحل إلى 15 سبتمبر 2026، وإن الزعيم الديني للحريديم الليتوانيين الحاخام دوف لاندو أوعز لنواب حزب “ديغل هتوراه” بدعم حل البرلمان.
ثانيًا: المحددات الاقتصادية
1. الاقتصاد الأمريكي: التضخم الاقتصادي وضعف القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي
شكّل البعد الاقتصادي أحد أهم المحددات الحاكمة للتحول التدريجي في الموقف الأمريكي تجاه الحرب والمفاوضات مع إيران خلال 2026، خاصة بعد نجاح طهران في نقل مركز الصراع من المجال العسكري المباشر إلى المجال الاقتصادي والاستراتيجي. فبدلًا من الدخول في مواجهة عسكرية ممتدة مع الولايات المتحدة، ركزت إيران على استهداف سلاسل الامداد والتوريد المؤثرة في الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها الطاقة والملاحة الدولية. وفي هذا السياق، برز مضيق هرمز باعتباره نقطة الارتكاز في استراتيجية الضغط الإيرانية. فالمضيق يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، بما يتراوح بين 17 و18 مليون برميل يوميًا، وهو ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة كافيًا لإحداث اضطراب واسع التأثير في الأسواق الدولية. ومع تصاعد التهديدات الإيرانية واستهداف بعض منشآت الطاقة والبنية الاقتصادية المرتبطة بالشحن والتأمين البحري، ارتفع خام برنت من متوسط يقارب 78 دولارًا في فبراير إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل بحلول أواخر مارس 2026، كما ارتفعت تكاليف التأمين البحري بأكثر من 60% خلال أسابيع قليلة.
لكن التأثير الأهم لم يكن في أسواق الطاقة العالمية بحد ذاتها، وإنما في انتقال تداعيات الحرب إلى الداخل الأمريكي. فارتفاع أسعار النفط انعكس مباشرة على أسعار الوقود والنقل والطاقة والغذاء، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدل التضخم إلى 3.3% في أبريل 2026، كما تراجع مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ عامين، وسط تصاعد المخاوف من دخول الاقتصاد في حالة ركود مع ارتفاع الأسعار.
ولذلك ركز الديمقراطيون بصورة متزايدة على ربط الحرب بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية للطبقة الوسطى، بينما بدأ جزء من التيار الجمهوري الشعبوي يطرح تساؤلات حول جدوى استمرار استنزاف الاقتصاد الأمريكي في صراع مفتوح في الشرق الأوسط.
ومن ثم، تحولت المفاوضات بالنسبة لواشنطن من مجرد أداة لإدارة الملف النووي الإيراني إلى جزء من إدارة الاستقرار الاقتصادي والانتخابي الداخلي، خاصة مع تزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى إعادة تشكيل المزاج الانتخابي ضد الجمهوريين.
2. الاقتصاد الإسرائيلي: الاستنزاف وتراجع القدرة على الاستمرار
إذا كانت الولايات المتحدة تأثرت بالحرب بصورة غير مباشرة عبر الطاقة والتضخم، فإن إسرائيل واجهت تأثيرًا اقتصاديًا أكثر حدة ومباشرة نتيجة انتقال المعركة إلى الداخل الإسرائيلي نفسه. فاستمرار الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية دفع إسرائيل إلى الحفاظ على تعبئة عسكرية واسعة شملت مئات الآلاف من قوات الاحتياط، وهو ما تسبب في تعطيل قطاعات اقتصادية رئيسية، خصوصًا التكنولوجيا والسياحة والطيران والخدمات اللوجيستية. كما ارتفعت تكاليف الدفاع الجوي بصورة كبيرة نتيجة الاستخدام المكثف لمنظومات القبة الحديدية والدفاعات متعددة الطبقات لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة. وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن بعض الاعتراضات المكثفة تجاوزت تكلفتها مئات الملايين من الدولارات يوميًا، وهو ما فرض ضغطًا متزايدًا على الموازنة العامة وحجم الإنفاق العسكري.
وفي الوقت نفسه، تعرضت المنشآت الصناعية ومرافق الطاقة في حيفا ومحيطها لهجمات متكررة، بينما تراجعت الاستثمارات الأجنبية وارتفعت تكاليف التأمين والحماية المدنية. كما أدى استمرار التعبئة العسكرية إلى تراجع الإنتاجية الاقتصادية نتيجة سحب أعداد كبيرة من العاملين، خصوصًا في القطاعات التكنولوجية التي يعتمد جزء كبير منها على قوات الاحتياط.
الأهم أن الحرب كشفت عن قدرة النموذج الاقتصادي–الأمني الإسرائيلي القائم على فرضية الحسم السريع ومنع انتقال المعركة إلى الداخل. لكن الحرب الحالية أدخلت إسرائيل في نمط استنزاف طويل ومتعدد الجبهات، بما يعجز الاقتصاد الإسرائيلي عن التعامل معه. ومع تزايد التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للحرب، بدأت قطاعات داخل إسرائيل تتحدث بصورة متزايدة عن اقتصاد حرب مفتوح يهدد الاستقرار الداخلي ويقوض الثقة بقدرة الحكومة على إدارة الصراع دون إنهاك الدولة والمجتمع.
ثالثًا: المحددات العسكرية والأمنية
1. الولايات المتحدة: الردع دون الانزلاق إلى حرب طويلة
كشفت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران خلال عام 2026 أن واشنطن ما تزال تمتلك قدرة عسكرية قادرة على شن هجمات واستهداف البنية العسكرية الإيرانية، سواء عبر القدرات الجوية أو البحرية أو الاستخباراتية، إلا أن الأزمة الحقيقية لم تكن في القدرة على بدء الحرب، وإنما في القدرة على إدارتها دون الانزلاق إلى نموذج استنزاف طويل شبيه بما حدث في العراق وأفغانستان. فمنذ الأسابيع الأولى، تعرضت القواعد الأمريكية في العراق والخليج لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، بينما اضطرت البحرية الأمريكية إلى توسيع انتشارها بصورة كبيرة لحماية الملاحة في الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز، عبر الدفع بحاملات طائرات إضافية، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، وتوسيع الانتشار الاستخباراتي والاستطلاعي.
ورغم أن هذه التحركات عززت قدرة واشنطن على احتواء التصعيد ومنع انهيار الردع، فإنها فرضت في المقابل تكلفة مالية وعسكرية متزايدة. فالحفاظ على الانتشار البحري والجوي في الخليج والبحر الأحمر يتطلب مليارات الدولارات شهريًا، خاصة مع ارتفاع تكلفة تشغيل حاملات الطائرات، واستهلاك الذخائر الاعتراضية، وتوسيع الإنفاق على حماية القواعد والقوات المنتشرة في المنطقة. كما أن نمط الحرب غير المتماثلة الذي اعتمدته إيران خلق معادلة استنزاف مكلفة؛ إذ اضطرت الولايات المتحدة إلى استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن لاعتراض طائرات مسيّرة وصواريخ منخفضة التكلفة، وهو ما أدى إلى ارتفاع متسارع في الإنفاق الدفاعي المرتبط بالحرب.
وهنا ظهرت المعضلة الاستراتيجية الأساسية لواشنطن؛ فالولايات المتحدة أرادت استعادة الردع ومنع إيران من فرض معادلة إقليمية جديدة، لكنها في الوقت نفسه لم تكن مستعدة سياسيًا أو اقتصاديًا لتحمل حرب مفتوحة وطويلة في الشرق الأوسط. ولهذا تبنت الإدارة الأمريكية نموذج الردع المحدود، القائم على استهداف القدرات الإيرانية، وحماية الملاحة والطاقة، ومنع إعادة بناء البرنامج النووي، دون الانجرار إلى احتلال بري أو حرب شاملة. غير أن إيران نجحت في تحويل هذا النموذج إلى حالة استنزاف اقتصادي وسياسي ممتد، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الداخل الأمريكي.
فمع ارتفاع الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب، وتزايد تكاليف الانتشار البحري والدفاعي، بدأ قطاع متزايد من الرأي العام الأمريكي يطرح تساؤلات حول جدوى استمرار التدخل العسكري في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التضخم وارتفاع أسعار الوقود وتراجع الثقة الاقتصادية. كما أعادت الحرب إلى الواجهة ذاكرة العراق وأفغانستان داخل المجتمع الأمريكي، خصوصًا مع تصاعد الحديث في الإعلام والكونجرس عن الحرب بلا نهاية واضحة. ومن هنا، لم يعد الإنفاق العسكري يُنظر إليه فقط باعتباره ضرورة أمن قومي، بل باعتباره عبئًا اقتصاديًا يأتي على حساب أولويات داخلية مثل الرعاية الصحية والبنية التحتية والإنفاق الاجتماعي، وهو ما ساهم تدريجيًا في زيادة الضغوط السياسية والشعبية المطالبة باحتواء الحرب وفتح مسارات تفاوضية مع إيران.
2. إسرائيل: الحرب متعددة الجبهات وتراجع الردع
في إسرائيل، كانت التداعيات العسكرية والأمنية أكثر حدة وتعقيدًا، نتيجة التأثيرات المباشرة على جوهر العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فإسرائيل أسست نموذجها الأمني على فرضية التفوق العسكري النوعي، ونقل المعركة إلى خارج الحدود، ومنع تعرض الجبهة الداخلية لحرب استنزاف طويلة. لكن الحرب الحالية أثبتت عدم صحة هذه الفرضيات، بعدما استمرت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية في استهداف تل أبيب وحيفا ومناطق صناعية ومنشآت طاقة بصورة متكررة، وهو ما كشف أن العمق الإسرائيلي لم يعد بمنأى عن الحرب، وأن منظومات الدفاع الجوي، رغم فعاليتها، غير قادرة على توفير حماية كاملة في ظل الهجمات متعددة الجبهات.
كما أن تعدد ساحات الاشتباك ضد إيران وحزب الله وغزة والحوثيين فرض ضغطًا هائلًا على الجيش الإسرائيلي ومنظومات الدفاع الجوي وقوات الاحتياط، وأجبرت إسرائيل على الحفاظ على تعبئة عسكرية واسعة لفترات طويلة. كما لم تتوقف آثار الحرب عند الجانب المالي، بل امتدت إلى البنية الاجتماعية والسياسية الداخلية. فاستمرار استدعاء قوات الاحتياط أدى إلى تعطيل قطاعات اقتصادية وإنتاجية واسعة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والخدمات والصناعة، بينما بدأ الشعور العام بالأمن يتراجع مع استمرار القصف وتعطل الحياة اليومية والشعور بالاستنزاف. وهنا بدأت تظهر أزمة أكثر عمقًا تتعلق بثقة المجتمع في قدرة الدولة على توفير الحماية، وهي الفكرة التي شكّلت أحد أهم مصادر الشرعية الداخلية للنظام الإسرائيلي لعقود.
وفي الوقت نفسه، بدأت قطاعات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية تعلن عن مخاوفها من أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى تآكل الردع بدلًا من تعزيزه، وإنهاك الجبهة الداخلية، واستنزاف قوات الاحتياط، وتراجع الثقة بالمؤسسة السياسية. كما برزت خلافات بين المستوى السياسي، الذي حاول توظيف الحرب لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية، وبعض الدوائر الأمنية التي بدأت ترى أن استمرار الحرب متعددة الجبهات قد يتجاوز قدرة الدولة والمجتمع على التحمل.
وقد انعكس ذلك على اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي؛ حيث بدأت قطاعات متزايدة تتساءل حول قدرة الحكومة على إدارة الحرب، وحدود القدرة الاقتصادية للدولة على تحمل استنزاف طويل الأمد، وجدوى استمرار العمليات دون تحقيق حسم واضح. ومن ثم، لم يعد المحدد العسكري والأمني في إسرائيل مرتبطًا فقط بإدارة الصراع مع إيران، بل أصبح عاملًا مؤثرًا بصورة مباشرة في الاستقرار السياسي والاجتماعي وثقة المجتمع في الدولة ومؤسساتها.
رابعًا: مستقبل العلاقات والتفاوض: إلى أين تتجه الأطراف الثلاثة؟
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مايو ٢٠٢٦ إصدار أوامر للجيش الإسرائيلي بتكثيف الضربات ضد حزب الله، في مؤشر واضح على أن إسرائيل لا تنظر إلى وقف إطلاق النار القائم باعتباره نهاية للصراع، بل كمرحلة مؤقتة ضمن استراتيجية أوسع تقوم على استمرار الضغط العسكري والأمني على المحور الإيراني في المنطقة. وفي اليوم نفسه، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات “دفاعية” ضد أهداف إيرانية، مؤكدة في الوقت ذاته أن وقف إطلاق النار ما يزال قائمًا، بينما أشارت مصادر إيرانية إلى أن الهجمات الأمريكية جاءت عقب استهداف القوات الإيرانية لسفينة في البحر. وتعكس هذه التطورات أن الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم تبنيهم خطاب التهدئة، إلا إنهما لا يزالان يتحركان وفق سياسة الردع من خلال الحفاظ على مسار التفاوض ومنع الحرب الشاملة، مع الاستمرار في توجيه ضربات عسكرية محدودة لمنع إيران وحلفائها من إعادة فرض معادلات ردع جديدة.
1. سيناريو الاحتواء التفاوضي حتى انتهاء الانتخابات
تشير المؤشرات حتى نهاية مايو 2026 إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا تدريجيًا في إعادة تعريف أهداف الحرب. فبعد مرحلة اتسمت بانتهاج خطاب الحسم العسكري وإعادة فرض الردع بالقوة، تتجه الأطراف بصورة متزايدة نحو إدارة الصراع بأدوات الاحتواء والبعد عن الاستنزاف العسكري لقدراتهم. ويعكس قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق عملية “Project Freedom” وربط استئناف العمليات العسكرية بمسار التفاوض مع إيران إدراك الإدارة الأمريكية بأن استمرار الحرب المفتوحة يحمل تكلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة، خصوصًا مع تصاعد الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة والتضخم واقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وفي هذا الإطار، تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى تثبيت تهدئة ممتدة نسبيًا مع إيران، دون الذهاب إلى اتفاق شامل أو تسوية نهائية. فالأولوية الأمريكية باتت تتركز حول منع توسع الحرب، وتأمين الملاحة الدولية، واحتواء انعكاسات الصراع على الاقتصاد العالمي، لا سيما في أسواق الطاقة. لذلك من المرجح أن تدفع واشنطن خلال المرحلة المقبلة نحو ترتيبات غير مباشرة تتعلق بأمن مضيق هرمز، والتحكم في مستويات التصعيد، وربما العمل على الوصول إلى تفاهمات مؤقتة مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سلاح العقوبات وأدوات الضغط العسكري المحدود.
في المقابل، تبدو إسرائيل أقل اقتناعًا بإمكانية تحويل التهدئة إلى الاستقرار. فتل أبيب تنظر إلى أي تخفيف للضغط على إيران على إنه فرصة محتملة لإعادة بناء القدرات العسكرية وشبكات النفوذ الإقليمي، خصوصًا في لبنان وسوريا. ولهذا من المتوقع أن تتعامل إسرائيل مع التهدئة بصورة تكتيكية وليس استراتيجية، من خلال الاستمرار في سياسة الاستنزاف الأمني والاستخباراتي، سواء بشن الهجمات العسكرية ضد حزب الله، أو استهداف البنية العسكرية المرتبطة بالمحور الإيراني في المنطقة. ويعكس استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان خلال مايو 2026 تمسك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بسياسة الضغط المستمر لمنع استعادة الردع الإيراني.
أما إيران، وعلى الرغم من نجاحها في فرض تداعيات سلبية ذات تكلفة اقتصادية وأمنية على الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب، فإنها تبدو أكثر ميلًا إلى انتهاج سياسة خفض التصعيد المشروط؛ حيث تدرك أن استمرار الحرب المفتوحة يهدد استقرارها الداخلي ويزيد من الضغوط الاقتصادية والأمنية، خاصة بعد التوترات الداخلية المرتبطة بأزمة قطع الإنترنت والاضطرابات الاقتصادية. لذلك من المرجح أن تسعى القيادة الإيرانية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتخفيف الضغوط الاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أدوات الردع الأساسية المرتبطة بالصواريخ والنفوذ الإقليمي والقدرات النووية الكامنة. وبذلك، يصبح السيناريو الأقرب هو استمرار حالة التهدئة المسلحة، والتفاوض تحت سقف الردع المتبادل وليس التسوية النهائية.
2. سيناريو التهدئة الهشة والعودة للحرب
يقوم هذا السيناريو على استمرار وقف إطلاق النار بوصفه إطارًا للتحكم في مستوى التصعيد العسكري، دون النجاح في إنهاء حالة التصعيد بين الأطراف المختلفة. فقد كشفت تطورات مايو 2026 أن التهدئة القائمة لم تؤدّ إلى توقف العمليات العسكرية المحدودة، سواء من خلال الضربات الأمريكية ضد أهداف إيرانية، أو عبر استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان وغزة، وهو ما يعكس أن المنطقة تتجه نحو الهدنة الهشة مع احتمالية استمرار جولات تصعيد غير منتظمة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
وفي ظل هذا المسار، يُتوقع أن تواصل إسرائيل سياسة الضغط العسكري والأمني ضد حزب الله والشبكات المرتبطة بإيران، انطلاقًا من إدراك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن أي تراجع في مستوى الضغط يمكن أن يمنح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها الردعية وتعزيز نفوذها الإقليمي. وفي المقابل، قد تتجه إيران إلى استثمار أدوات الضغط السياسي والتفاوضي بصورة أكبر، سواء عبر إبطاء مسار التفاوض مع الولايات المتحدة، أو التمسك بشروط تفاوضية في مستويات مرتفعة تتعلق بالعقوبات والبرنامج النووي والترتيبات الأمنية الإقليمية. ومن شأن ذلك أن يضع واشنطن في معادلة معقدة بين الحفاظ على أهدافها المرتبطة بمنع التصعيد وحماية الاستقرار الاقتصادي، وبين الاستجابة للرؤية الإسرائيلية التي تدفع نحو استمرار الضغط على إيران وعدم منحها مساحة لإعادة بناء قدراتها العسكرية.
وفي هذا السياق، قد تظهر اختلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن حدود التصعيد وآليات التعامل مع إيران. فالولايات المتحدة ستنظر إلى أي توسع عسكري كبير باعتباره تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي والسياسي الداخلي، خاصة في ظل حساسية أسواق الطاقة والضغوط الانتخابية، بينما ستظل إسرائيل أكثر ميلًا إلى الإبقاء على مستوى عالي من الضغط الأمني والعسكري لتعزيز قدرتها على الردع. ومع ذلك، فإن هذه التباينات لن تصل على الأرجح إلى حد الإضرار بجوهر العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين، التي ستظل قائمة على التنسيق الأمني والعسكري، وإن شهدت اختلافات متزايدة في إدارة الصراع وحدود التهدئة مع إيران.
3. سيناريو انهيار التهدئة عبر التصعيد الإيراني المحسوب
يقوم هذا السيناريو على فرضية أن إيران قد تتجه خلال المرحلة المقبلة إلى تقويض التهدئة القائمة بصورة تدريجية ومحسوبة، ليس بهدف الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، وإنما بهدف تحويل حالة اللا حرب واللا سلم إلى أداة لاستنزاف الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. فطهران قد ترى أن استمرار التهدئة الحالية يمنح كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصة لإعادة تقديم نفسيهما داخليًا باعتبارهما نجحا في احتواء إيران وفرض معادلة ردع جديدة، وهو ما قد ينعكس إيجابيًا على وضعهما السياسي في الداخل الأمريكي والإسرائيلي.
ومن هذا المنطلق، قد تسعى إيران إلى منع تحول التهدئة إلى إنجاز سياسي للطرفين، عبر الإبقاء على مستوى التوتر قائمًا، وإظهار أن الولايات المتحدة وإسرائيل غير قادرتين على فرض أجندتهما أو تحقيق حسم استراتيجي رغم التكلفة الكبيرة للحرب. وفي هذا السياق، قد تعتمد طهران على استراتيجية التصعيد المحسوب، أي تنفيذ ضغوط عسكرية وأمنية محدودة ومدروسة واستمرار حالة الاستنزاف دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تهدد استقرار النظام الإيراني نفسه.
وقد يظهر هذا التصعيد في عدة مسارات متوازية، من بينها التوسع في فرض الضغوط على الملاحة الدولية في البحر الأحمر أو الخليج، أو زيادة نشاط الحلفاء الإقليميين لإيران في لبنان والعراق واليمن، أو تنفيذ عمليات غير مباشرة تستهدف المصالح الأمريكية والإسرائيلية بصورة منخفضة الحدة، بما يسمح لطهران بالحفاظ على هامش الإنكار السياسي وتجنب تحميلها مسئولية التصعيد الكامل. كما قد تلجأ إيران إلى تعطيل مسار التفاوض نفسه، سواء عبر رفع سقف شروطها المتعلقة بالعقوبات والبرنامج النووي، أو عبر إطالة أمد المفاوضات بصورة تستنزف الإدارة الأمريكية وتضعها أمام ضغوط داخلية متزايدة.
وفي هذا الإطار، تدرك إيران أن نقطة الضعف الأساسية لدى واشنطن وتل أبيب لا ترتبط فقط بالقدرات العسكرية، وإنما بحساسية الأوضاع الداخلية. ففي الولايات المتحدة، قد يؤدي أي تصعيد جديد إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية، وهو ما يهدد الإدارة الأمريكية انتخابيًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. أما في إسرائيل، فإن استمرار الاستنزاف الأمني وتعدد الجبهات يهددان بصورة مباشرة استراتيجية الردع الإسرائيلي، ويعزز من الضغوط الداخلية على حكومة بنيامين نتنياهو التي تواجه أزمات سياسية ومجتمعية متراكمة.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة أن إيران ستندفع نحو مواجهة عسكرية واسعة. فطهران تدرك بدورها أن الحرب الشاملة تحمل مخاطر مرتفعة على الداخل الإيراني، سواء من حيث الاستقرار الاقتصادي أو الوضع الأمني أو قدرة النظام على تحمل استنزاف طويل الأمد. لذلك، من المرجح أن يبقى التصعيد الإيراني — إذا حدث — ضمن حدود محسوبة تهدف إلى إبقاء التهدئة غير مستقرة، لا إلى إسقاطها بصورة كاملة. وبذلك، يصبح الهدف الإيراني الأساسي هو استنزاف الخصوم سياسيًا وإظهار محدودية قدرتهم على تحقيق نصر استراتيجي أكثر من السعي إلى الحسم العسكري.

