محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الإيرانية
لم تعد ثقافة البازار في إيران ظاهرة اقتصادية مرتبطة بالأسواق التقليدية، بل أصبحت إطارًا أوسع لفهم حركة الدولة والمجتمع الإيراني في أوقات الاستقرار والأزمات معًا. فالبازار الإيراني عبر تاريخه الطويل لم يكن مساحة للتبادل التجاري لحركات البيع والشراء، وإنما مركزًا لصناعة النفوذ الاجتماعي والسياسي؛ حيث تشكلت شبكات العلاقات بين التجار ورجال الدين وطبقات المجتمع المختلفة، وهو ما جعله أحد المكونات المؤثرة في القرار والحراك الداخلي الإيراني، وهو ما عزز من دوره سواء خلال الثورة الإيرانية أو أثناء موجات الاحتجاج والعقوبات الاقتصادية.
ومع تصاعد الضغوط الغربية على طهران، تطورت داخل البازار الإيراني ثقافة اقتصادية خاصة تقوم على المرونة والقدرة على الالتفاف على العقوبات وإدارة الأزمات عبر الاقتصاد غير الرسمي، كما لم تساعد هذه الثقافة على استمرار الحركة التجارية فقط، بل ساهمت في إيجاد نموذج إيراني للصمود الاقتصادي يعتمد على العلاقات الاجتماعية أكثر من اعتماده على المؤسسات الرسمية.
وفي ظل الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة، عاد البازار ليلعب دورًا محوريًا داخل المجتمع الإيراني، مع تصاعد المخاوف الاقتصادية وارتفاع أسعار العملات والذهب واتجاه المواطنين نحو التخزين والاعتماد على الأسواق التقليدية. ومن هنا ظهر البازار باعتباره مساحة لإدارة المخاوف المجتمعية والتكيف مع أجواء الحرب، وليس مجرد سوق اقتصادي.
كما انعكست هذه العقلية على السياسة الخارجية الإيرانية؛ حيث اعتمدت طهران على بناء الشبكات والتحالفات والاقتصاد الموازي كجزء من أدواتها الإقليمية في مواجهة الضغوط الدولية. لذلك أصبحت ثقافة البازار مدخلًا مهمًا لفهم كيفية تفكير إيران في إدارة الصراع؛ إذ تمتزج فيها المصالح الاقتصادية بالنفوذ السياسي والقدرة على التكيف طويل المدى مع الأزمات والحروب.
أولًا: دور البازار في تحولات السوق وإدارة الأزمات
يعتبر البازار الإيراني (السوق التقليدي) على مر التاريخ المعاصر لإيران عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتحول من مجرد مركز للتبادل التجاري إلى شبكة نفوذ معقدة قادرة على التأثير في الأحداث السياسية الكبرى. يعود هذا النفوذ إلى التركيبة الهيكلية للبازار؛ حيث يجمع تحت سقفه شبكة مترابطة من التجار والحرفيين، والمقرضين، الذين يمتلكون قوة مالية مستقلة عن السلطة الحاكمة. كما إن هذه الاستقلالية مدعومة بالتنظيم الذاتي والانتشار الجغرافي في قلب المدن الكبرى مثل طهران واصفهان وتبريز، وهو ما جعل من البازار قوة ضغط حقيقية لا يمكن لأي تيار سياسي تجاوزها أو تهميشها دون مواجهة العواقب والتداعيات السلبية.
ويمكن القول إن النفوذ السياسي للبازار يرتبط بشكل عضوي بتحالفه التاريخي مع المؤسسة الدينية الشيعية (رجال الدين أو الحوزة العلمية). وهذا التحالف يستند على مجموعة من المصالح المتبادلة؛ فمن ناحية، عمل على توفير الدعم المالي المستقل من جانب التجار لرجال الدين من خلال دفع أموال الزكاة والخمس مباشرة إليهم بعيدًا عن رقابة الدولة، وهو ما منح المؤسسة الدينية استقلالية تامة. ومن ناحية أخرى، منح رجال الدين للبازاريين الغطاء الشرعي والأخلاقي، وعملوا على حماية مصالحهم التجارية، كما ساهم هذا الترابط في جعل المساجد والحسينيات المنتشرة داخل البازار مراكز لحشد الجماهير والتحكم في الحركات الاحتجاجية.
وقد برز البازار كطرف سياسي مؤثر لأول بعد “ثورة التبغ” في عام 1891، عندما منح الشاه ناصر الدين أحد الشركات البريطانية صلاحية إنتاج وبيع التبغ الإيراني لشركة، وهو ما اعتبره البازاريون تهديدًا مباشرًا لتجاراتهم وسيادة بلادهم الاقتصادية، فتحالفوا مع المرجع الديني آية الله ميرزا حسن الشيرازي، الذي أصدر فتوى شهيرة بتحريم التنباك. واستجاب البازار فورًا وأغلق أبوابه وتوقفت حركة التجارة، وهو ما أجبر الشاه في النهاية على إلغاء الامتياز البريطاني في موقف أثبت أن تحالف السوق والمسجد أقوى من الإرادة الملكية.
استمر البازار في قيادة حركات التغيير؛ حيث كان الممول الرئيسي والمحرك الأساسي للأحداث التي أدت إلى الثورة الدستورية الإيرانية في عام 1905؛ حيث تمثلت شرارة الاحتجاجات عندما قام حاكم طهران بجلد عدد من تجار البازار البارزين بسبب ارتفاع أسعار السكر، وهو ما اعتبره مجتمع البازار إهانة لكرامته وتعديًا على حقوقه. ردًا على ذلك، أغلقت الأسواق أبوابها، واعتصم التجار ورجال الدين في المساجد وفي مقر السفارة البريطانية، وطالبوا بإنشاء “العدالة خانة” (دار العدل) وصياغة أول دستور للبلاد يحد من الصلاحيات المطلقة للشاه، وهو ما تحقق بعد الضغط الاقتصادي والاجتماعي.
وخلال فترة حكم محمد رضا شاه بهلوي، تعرض البازار للتهميش المتعمد لصالح الشركات الحديثة ومحاولات التغريب الاقتصادي، بالإضافة إلى حملات الشاه لشن حرب ضد التضخم من خلال معاقبة تجار البازار وسجنهم. دفع هذا التهديد الوجودي البازاريين إلى إلقاء ثقلهم المالي والتنظيمي خلف آية الله روح الله الخميني في سبعينيات القرن الماضي؛ حيث تولى تجار البازار تمويل الإضرابات العامة، ودعم عائلات العمال المضربين (خاصة في قطاع النفط الحيوي)، وطباعة وتوزيع المنشورات وخطابات الخميني، وكان إغلاق البازار الطويل بمثابة العامل الأكثر تأثيرًا الذي أسقط النظام الملكي عام 1979.
بعد قيام الجمهورية الإسلامية، حصل البازاريون على بعض الامتيازات من خلال توليهم مناصب سياسية واقتصادية، وتأسيس “جمعية المؤتلفة الإسلامية” التي مثلت جناحهم السياسي داخل هيكل السلطة الجديد. ومع ذلك، شهدت العقود الأخيرة تحولًا في نفوذ البازار التقليدي؛ حيث ظهرت قوى اقتصادية جديدة تشمل الشركات التابعة للحرس الثوري الإيراني والمجمعات التجارية الحديثة. ورغم هذه التحولات، لا يزال البازار يحتفظ بخصوصيته الرمزية وقدرته على قيادة الشارع؛ إذ يظل إغلاق البازار جزئيًا أو كليًا في الأزمات الاقتصادية الحالية مؤشرًا على مدى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في إيران.
ثانيًا: اقتصاد الظل الإيراني وثقافة مواجهة العقوبات
فرضت عقود من العقوبات الدولية على إيران واقعًا اقتصاديًا استثنائيًا، دفع بالدولة والمجتمع نحو البحث عن آليات بديلة للبقاء والصمود. وفي هذا السياق، برزت “ثقافة البازار” ليس فقط كإرث ثقافي وتجاري، بل كركيزة أساسية لإدارة ما يُعرف بـاقتصاد المقاومة؛ حيث تحول السوق التقليدي بشبكاته العميقة وعلاقاته العابرة للحدود إلى القناة الحيوية الأولى لمواجهة الحصار المالي والتجاري المفروض عليها. كما إنه مع تصاعد فرض العقوبات الشاملة التي عزلت إيران عن النظام المصرفي العالمي (مثل نظام “سويفت” SWIFT) وحظر صادراتها النفطية، توقفت القنوات الرسمية للتجارة. هنا دخل البازار بثقافته المرنة ليعوض هذا النقص عبر تنشيط “اقتصاد الظل” أو الاقتصاد غير الرسمي. يمتلك تجار البازار شبكات عائلية وتجارية تمتد إلى دول الجوار والخليج العربي، وآسيا الوسطى، وشرق آسيا. هذه الشبكات مكنت البازار من تأمين السلع الأساسية والمواد الخام للمصانع المحلية بعيدًا عن الرقابة الدولية، وهو ما حافظ على الحد الأدنى من استمرار عجلة الإنتاج الداخلي ومنع الانهيار الكامل للسوق الاستهلاكية.
وضمن السياق ذاته، يعد نظام “الحوالة” القائم في البازار الإيراني أحد السمات الأبرز على قدرة الآليات التقليدية على التغلب على التكنولوجيا الحديثة عند حصارها؛ حيث يعتمد هذا النظام المالي على “الثقة المتبادلة” والروابط الشخصية بين التجار في طهران ونظرائهم في مراكز مالية إقليمية وعالمية مثل (دبي، وإسطنبول، وبيروت). من خلال الحوالة، يتم نقل ملايين الدولارات يوميًا لتمويل التجارة الخارجية دون الحاجة إلى أي تحويل بنكي رقمي يمر عبر النظام المالي الأمريكي، وهو ما جعل البازار بمثابة “البنك المركزي الموازي” الذي يعتمد عليه القطاع الخاص، وحتى بعض مؤسسات الدولة، لتوفير العملة الصعبة وتسيير الأعمال.
لم تكن أزمة العقوبات الأخيرة أول عهد البازار بالحروب والأزمات؛ فخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، لعب البازار دورًا مهمًا في تثبيت الجبهة الداخلية وتوفير السلع التموينية للمواطنين في وقت كانت فيه ميزانية الدولة موجهة بالكامل للمجهود الحربي. وقد تكرر هذا الموقف بعد عام 2012 (مع تشديد العقوبات البنكية) وعام 2018 (سياسة الضغوط القصوى الأمريكية). ففي الوقت الذي عجزت فيه الشركات الحديثة والتوكيلات العالمية عن الصمود وغادرت البلاد، أثبت البازار قدرته على التكيف؛ حيث استبدل البضائع الأوروبية والأمريكية ببدائل آسيوية ومحلية، وأعاد تدوير سلاسل الإمداد بمرونة لا تمتلكها البيروقراطية الحكومية.
وقد استغلت إيران هيكل البازار لتطبيق مفهوم “اقتصاد المقاومة” الذي أقره المرشد الأعلى علي خامنئي لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخارج؛ حيث ساعد البازار في إنقاذ وتحفيز الصناعات الصغيرة والمتوسطة داخل إيران؛ فبسبب غياب الاستيراد وارتفاع أسعار العملات الأجنبية، زاد الطلب على المنتجات اليدوية والتقليدية والصناعات المحلية التي يشرف عليها البازار (مثل المنسوجات، الجلود، الأدوات المنزلية، والأغذية). وهذا التحول لم يحمِ السوق من نفاذ السلع فحسب، بل أسهم أيضًا في امتصاص جزء من البطالة الناتجة عن إغلاق بعض المصانع الكبرى المرتبطة بالخارج.
وعلى الرغم من أن البازار يمثل أداة صمود للدولة ضد الضغوط الخارجية، إلا أن هذه العلاقة تظل محكومة ببعض القيود؛ فالتجار يتحملون تكلفة التضخم المرتفع وتذبذب أسعار الصرف، وعندما تتجاوز الضغوط الاقتصادية الحد المحتمل، يتحول البازار من أداة صمود إلى أداة ضغط داخلي. ويشهد التاريخ الحديث (مثل إضرابات البازار الجزئية في طهران عامي 2018 و2022 احتجاجًا على تدهور الريال الإيراني) على أن البازار يدعم “اقتصاد الحرب” ما دامت مصالحه محمية، لكنه يظل يمتلك القدرة على إرسال رسائل تحذيرية للنظام السياسي عبر إغلاق أسواقه، وهي الخطوة التي تقرأها السلطة دائمًا كإنذار بضرورة مراجعة السياسات الاقتصادية.
ثالثًا: الحرب الإيرانية الإسرائيلية وإحياء العقلية البازارية
انعكست جولات التصعيد العسكري والضربات المتبادلة في الحرب الإيرانية الإسرائيلية المباشرة (التي بلغت ذروتها التاريخية عبر المواجهات الجوية والصاروخية) على بنية المجتمع الإيراني واقتصاده الداخلي. في ظل هذه الأجواء المشحونة باحتمالات الحرب الشاملة، لم يعد البازار مجرد ساحة تجارية، بل تحول إلى وحدة القياس التي تظهر اتجاهات الرأي العام والملاذ الذي يعاد فيه تشكيل آليات البقاء وإدارة الأزمات المعيشية لمواجهة التداعيات النفسية والاقتصادية للحرب.
كما ترتبط فترات التصعيد العسكري بين طهران وتل أبيب مباشرة بقفزات قياسية في أسعار العملات الأجنبية والملاذات الآمنة داخل الأسواق الإيرانية. فمع كل إعلان بتوجيه ضربة عسكرية أو رد متبادل، يسارع مجتمع البازار خاصة في “سوق فردوسي” للصرافة بطهران إلى تعديل أسعار الصرف؛ حيث شهد الريال الإيراني تراجعات حادة لمستويات غير مسبوقة أمام الدولار الأمريكي واليورو فور اندلاع المواجهات. وهذه التقلبات النقدية؛ حيث يتدافع المواطنون والتجار على حد سواء لتحويل مدخراتهم من العملة المحلية إلى الذهب أو العملات الأجنبية، لحماية قدراتهم الشرائية من الانهيار الناجم عن الحرب.
وضمن السياق ذاته، تنتقل التقلبات الاقتصادية سريعًا من لغة الأرقام في البازار إلى السلوك اليومي للمجتمع الإيراني، والتي تتسبب في موجات من قلق الاستهلاك الحربي. فبمجرد الإعلان عن تفعيل الدفاعات الجوية أو توقع هجمات صاروخية، تشهد الأسواق ومحلات التموين التقليدية المرتبطة بالبازار طوابير طويلة وتدافعًا لشراء السلع الأساسية (مثل الأرز، الدقيق، الزيوت، والمعلبات). وهذا السلوك الاجتماعي المدفوع بالخوف من فرض حظر تجول أو انقطاع سلاسل الإمداد جراء استهداف البنية التحتية، يضع ضغطًا هائلًا على المخزون السلعي، ويؤدي بشكل تلقائي إلى قفزات مفاجئة في الأسعار، وهو ما يعمق الفجوة الطبقية ويزيد من الأعباء النفسية على الأسر ذوي الدخل المحدود.
في المقابل، تتجلى ثقافة البازار وتاريخه الطويل في إدارة الأزمات خلال هذه الفترات الحرجة عبر تفعيل شبكات الإمداد الأهلي؛ حيث يمتلك كبار تجار البازار (المعنيين باستيراد وتوزيع الأغذية والأدوية) مخازن ضخمة وقنوات توزيع مستقلة وقادرة على العمل في الظروف الصعبة. وفي المواقف التي قد تكون فيها القطاع الاقتصادي الرسمي غير قادر على تلبية احتياجات السوق، ومن ثم يتدخل البازار لتأمين تدفق السلع الأساسية إلى المحافظات المختلفة ومنع حدوث مجاعات أو شح حاد في الأسواق. وهذا الدور اللوجستي يعتمد على علاقات الثقة المتبادلة والتنسيق بين الغرف التجارية التقليدية، وهو ما يجعل البازار بمثابة الضامن الأول الذي يمنع انهيار الجبهة الداخلية معيشيًا.
على الصعيد الاجتماعي، ساهمت الحرب الإيرانية الإسرائيلية في حدوث حالة من الانقسام داخل المجتمع؛ فبينما تحاول المجموعات المحافظة والتيارات القريبة من النظام الحاكم إلى استخدام التصعيد كأداة للتعبئة الوطنية وبث روح المقاومة، تسود حالة من الإنهاك والإحباط بين قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والشباب في المدن الكبرى؛ حيث يرى الكثيرون أن تكلفة المغامرات الجيوسياسية الإقليمية تُدفع مباشرة من جيوب المواطنين، وتنعكس على أوضاعهم الاقتصادية، والتراجع فرص العمل، والعزلة الدولية، وهو ما يحول الشعور السائد من الخوف الوجودي من القصف إلى الخوف اليومي من الموت البطيء تحت وطأة الغلاء.
وفي ضوء ذلك، يمتلك تجار البازار القدرة على إيصال رسائلهم لدوائر صنع القرار في طهران. عندما يشعر البازار أن المغامرة العسكرية قد تؤدي إلى تدمير منشآت النفط أو شل الموانئ الحيوية مثل ميناء بندر عباس، تبدأ الأسواق بإرسال مؤشرات تحذيرية عبر الإغلاق الجزئي أو الامتناع عن بيع بعض السلع، وهي خطوات تقرأها السلطة كإشارة واضحة بأن التكلفة الاقتصادية للحرب قد تجاوزت الخطوط الحمراء التي يمكن للجبهة الداخلية تحملها، وهو ما يدفع صانع القرار الإيراني للعمل على تحقيق التوازن بين الردع العسكري والحفاظ على استمرار عمل الأسواق.
رابعًا: البازار كفلسفة سياسية في السلوك الإيراني الإقليمي
لم تكن “ثقافة البازار” في إيران يومًا مجرد نمط لإدارة التجارة المحلية، بل تمثل مجموعة من الاتجاهات الفكرية والفلسفية السلوكية التي أثرت في الثقافة الإيرانية، وانعكست على طريقة إدارة الدولة لملفاتها الاستراتيجية. وتتجلى العقلية البازارية في السياسة الخارجية الإيرانية كنموذج يمزج بين تحقيق المصلحة، والعمل من خلال سياسة الصبر الاستراتيجي، والقدرة الفائقة على التفاوض والمناورة، والاعتماد على الشبكات غير الرسمية للالتفاف على مراكز القوة الدولية؛ وهي ذات المبادئ التي تضمن بقاء التاجر التقليدي وازدهاره في بيئة مليئة بالمخاطر.
وقد انعكست هذه العقلية في الدبلوماسية الإيرانية من خلال ما يُعرف بـ “صناعة السجاد العجمي”، حيث تتطلب حياكة السجادة الواحدة آلاف العقد والصبر لشهور أو سنوات لإنتاج لوحة معقدة وثمينة. وهذا الصبر في إتمام العمل التجاري تحول في السياسة الخارجية إلى مفهوم “الصبر الاستراتيجي”؛ حيث لا تبحث طهران عن الحسم العسكري أو الدبلوماسي السريع، بل تفضل إدارة النزاعات لسنوات طويلة، كما هو الحال في مفاوضات الملف النووي، أو إدارة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتفكيك الضغوط وتراكم النقاط ببطء وهدوء، واستثمار عامل الوقت لإرهاق الخصوم ودفعهم لتقديم تنازلات في نهاية المطاف.
وداخل البازار، لا يعتمد التاجر الكبير على واجهة عرض واحدة، بل يمتلك شبكة ممتدة من السماسرة، والموردين، والصيارفة، والوكلاء المحلبين لضمان تدفق البضائع والأموال، وقد أسقطت طهران هذا النموذج التجاري على عقيدتها الأمنية والإقليمية عبر “محور المقاومة”. من خلال بناء ورعاية شبكات من الفصائل والوكلاء الإقليميين في لبنان، واليمن، والعراق، وسوريا، كما نجحت إيران في خلق “سلاسل إمداد جيوسياسية” تسمح بتعزيز نفوذها، وخوض حروب بالوكالة، والردع الاستراتيجي دون الاضطرار للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة على أراضيها، وهو نفس الأسلوب الذي يدير به البازاري تجارته عبر وكلائه دون أن يغادر مكتبه في طهران.
كما تتميز “المساومة” في الثقافة البازارية بأنها عملية نفسية معقدة؛ يبدأ فيها التاجر بطلب سعر خيالي، ويظهر الزهد في البيع، ويبدي الشكوى من ضيق الحال والخسارة، لينتهي الأمر باتفاق يرضي الطرفين ويضمن مصلحته. كما تظهر هذه العقلية بوضوح في المفاوضات الإيرانية؛ حيث تجيد الدبلوماسية الإيرانية اللعب على حافة الهاوية، ورفع سقف الشروط، واستثمار خطاب “المظلومية التاريخية” والحصار الاقتصادي لانتزاع مكاسب سياسية. وفي الوقت ذاته، تظل هذه العقلية مرنة؛ حيث يمكنها إبرام تفاهمات مفاجئة مع الخصوم العقائديين مثل الاتفاق النووي في عام 2015، أو الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية في عام 2023، وفق متطلبات المصلحة البازارية العليا لحماية النظام وضمان بقائه.
إن نشأة البازار في بيئة جغرافية وسياسية اتسمت تاريخيًا بالتغيرات الجذرية، جعلت من الالتفاف على القيود الرسمية ثقافة بقاء أصيلة، كما تنعكس هذه العقيدة في كيفية مواجهة إيران للعقوبات الدولية؛ حيث لم تستسلم لسياسة “الضغوط القصوى”، بل عملت من خلال شبكات التهريب، وتجارة النفط في السوق السوداء، وتغيير أعلام الناقلات، والشركات الوهمية العابرة للقارات. وبالتالي، يتضح أن فهم السلوك الإقليمي والدولي لإيران يظل قاصرًا ما لم يُقرأ بعيون “التاجر البازاري” الذي يعرف بدقة متى يرفع صوته ومتى يخفضه، ومتى يقدم التنازلات ومتى يتمسك بالشروط. إن التداخل البنيوي بين “ثقافة البازار” وأروقة صنع القرار في طهران، يؤكد أن العقيدة السياسية الإيرانية ليست مجرد أيديولوجيا ثورية، بل هي منظومة حيوية مرونة، ترى العالم كـسوق كبير محكوم بالمساومة، وتبادل المصالح، وإدارة المخاطر. ومن هنا، تكتمل تفاصيل المشهد الإيراني، فالأسواق التقليدية لم تمد الدولة بالمال والصمود في أوقات الحصار والحروب فحسب، بل أمدتها بالخارطة الجينية والبوصلة الفكرية التي تُدير بها معاركها الدبلوماسية والعسكرية ما وراء الحدود، لتظل العقلية البازارية هي الضامن الأول لبقاء النظام وتوازناته في محيط دائم الاضطراب، وجزء ثابت في أي ثبات أو تغيير سياسي حدث أو سيحدث لدولة إيران.
في الختام: تؤكد ثقافة البازار في إيران أن هذا الكيان التقليدي لم يكن يومًا مجرد سوق اقتصادي، بل كان ولا يزال أحد الأعمدة العميقة التي تتحرك من خلالها الدولة والمجتمع معًا. فمن داخل البازار تشكل النفوذ الاجتماعي والسياسي، وبرز التحالف التاريخي بين التجار والمؤسسة الدينية، وهو ما منح البازار دورًا مؤثرًا في توجيه المزاج العام والتعامل مع الأزمات الكبرى. كما أثبتت العقوبات الممتدة أن ثقافة البازار تمتلك قدرة كبيرة على إنتاج أدوات بديلة للصمود، عبر الاقتصاد غير الرسمي وشبكات العلاقات والثقة التقليدية، وهو ما ساعد إيران على التكيف مع الضغوط الاقتصادية والحفاظ على جزء من استقرارها الداخلي.
ومع اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة، عاد البازار ليكشف عن دوره الحقيقي باعتباره أحد أدوات إدارة الخوف المجتمعي والاضطراب الاقتصادي، في ظل ارتفاع الأسعار والمضاربات والقلق الشعبي؛ حيث ظهرت العقلية البازارية بوصفها وسيلة للتكيف مع أجواء الحرب أكثر من كونها مجرد نشاط تجاري. ولم يقتصر تأثير هذه الثقافة على الداخل الإيراني فقط، بل امتد إلى السياسة الخارجية الإيرانية التي تبنت بدورها فلسفة قائمة على الشبكات والمرونة والالتفاف على الضغوط، بما يعكس حضور البازار كفكرة تحكم أسلوب إدارة الصراع الإيراني إقليميًا ودوليًا.
وهكذا، يبدو أن فهم إيران لا يمر فقط عبر قراءة خطاباتها السياسية أو قدراتها العسكرية، بل أيضًا عبر فهم تلك الأزقة القديمة في البازار، التي ما زالت تدير جانبًا خفيًا من الاقتصاد والسياسة والحرب في آنٍ واحد.

