هشام قدري أحمد
باحث في العلوم السياسية
شهدت جمهورية الرأس الأخضر، الدولة الجزرية الصغيرة الواقعة قبالة السواحل الغربية لإفريقيا، انتخابات برلمانية في 17 مايو 2026، لاختيار ممثلي المجلس التشريعي (الجمعية الوطنية)، وتحديد هوية المرشح الذي سيرأس الحكومة خلال السنوات الخمس القادمة؛ حيث يقوم النظام السياسي في جمهورية الرأس الأخضر على تقاسم أعباء السلطة التنفيذية بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، والحزب الذي يحصد أكبر عدد من الأصوات يتولى تشكيل الحكومة ويختار رئيسها. وقد جاءت نتائج الانتخابات هذه المرة مغايرةً تمامًا لنتائج الاستحقاقين الماضيين اللذين شهدتهما البلاد عامي 2016 و2021؛ حيث تكبّد الحزب الحاكم (حركة الديمقراطية)، الذي هيمن على المشهد السياسي لعقد كامل، هزيمةً واضحة، بينما تمكن الحزب المنافس، الحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر، من تحقيق الأغلبية المطلقة التي ستمكنه من تشكيل الحكومة الجديدة والعودة إلى السلطة بعد عشر سنوات من المعارضة، وتعكس هذه النتائج رغبة الكثير من الناخبين في التغيير، وتؤسس لمرحلة جديدة من التطلعات السياسية في بلد يوصف بأنه أكثر الديمقراطيات الإفريقية رسوخًا واستقرارًا، لكنه يواجه الكثير من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما سيجعل الحكومة الجديدة تواجه العديد من التحديات منذ اليوم الأول.
من هنا، يتناول هذا المقال الانتخابات البرلمانية في جمهورية الرأس الأخضر لعام 2026، من خلال أربعة محاور رئيسية. يقدم المحور الأول التعريف بدولة الرأس الأخضر، ويستعرض المحور الثاني كيف تحوَلت الرأس الأخضر من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الديمقراطية، أما المحور الثالث فيعرض السياق العام للانتخابات البرلمانية، وأخيرًا يناقش المحور الرابع سياق الانتخابات البرلمانية الأخيرة ونتائجها.
أولًا: جمهورية الرأس الأخضر: الديموقراطية الراسخة
تعد جمهورية الرأس الأخضر دولةً أرخبيليةً صغيرة، تقع في المُحيط الأطلسي قبالة السواحل الغربية لإفريقيا؛ حيث تبعد عن السنغال بحوالي 620 كيلو مترًا، وتتألف من عشرة جزر بركانية مأهولة، باستثناء جزيرة واحدة، وتغطي هذه الجزر مساحةً قدرها 4033 كم2 فقط، وهو ما يجعلها خامس أصغر دولة إفريقية من حيث المساحة، ويبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة، يعتنق غالبيتهم المسيحية الكاثوليكية، وبحسب تقديرات البنك الدولي، بلغت قيمة الناتج المحلي الإجمالي لدولة الرأس الأخضر 3.4 مليار دولار عام 2025، ويعتمد اقتصاد البلاد بشكل أساسي على السياحة، والقطاعات الخدمية كالنقل.
ولأكثر من خمسة قرون، ظلت الرأس الأخضر خاضعةً للحكم الاستعماري البرتغالي؛ حيث وصل البرتغاليون إلى الأرخبيل وشرعوا في استيطانه منذ منتصف القرن الخامس عشر، وبقيت الرأس الأخضر جزءًا من الأقاليم البرتغالية فيما وراء البحار حتى نالت استقلالها في عام 1975 بعدما أنهت ثورة القرنفل، التي شهدتها البرتغال عام 1974، الحقبة السلطوية وأسست لظهور نظام ديمقراطي في لشبونة، وفي العام نفسه انضمت الرأس الأخضر إلى الأمم المتحدة، بعدما أوصى مجلس الأمن الدولي بالإجماع بقبول طلب عضويتها.
تعتمد الرأس الأخضر نظامًا ديمقراطيًّا تمثيليًّا، وهو نظام هجين يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني؛ حيث يتم تقاسم السلطة التنفيذية بين رئيس الدولة الذي يتم انتخابه عن طريق الاقتراع الشعبي المباشر لولايتين كحد أقصى، ورئيس الوزراء والذي عادةً ما يكون زعيم حزب الأغلبية في البرلمان (الجمعية الوطنية)، ويتولى تنفيذ السياسات العامة والنظر في القضايا والشئون اليومية التي تخص حياة المواطنين، فيما يحظى رئيس الدولة بسلطات وامتيازات واسعة نسبيًا، فهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ويتمتع بحق النقض (الفيتو) لعرقلة بعض التشريعات والقوانين، والدعوة إلى حل الجمعية الوطنية في حالة وقوع أزمات سياسية حادة، فضلًا عن دوره كوسيط لتحقيق التوافق في الآراء، وسلطته في تعيين رئيس الوزراء، بعد إجراء الانتخابات والتشاور مع ممثلي الأحزاب السياسية.
وبخلاف الكثير من الدول الإفريقية التي واجهت بعد استقلالها فترات من الاضطرابات والأزمات السياسية، سواء تلك المتعلقة بالحروب الأهلية، أو الانقلابات العسكرية والصراع حول السلطة، فإنَّ جمهورية الرأس الأخضر تعد من بين الدول القليلة التي لم تشهد أي اضطرابات سياسية كبيرة أو نزاع على السلطة منذ استقلالها عن البرتغال قبل خمسة عقود، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر الدول استقرارًا على المستويين السياسي والأمني في إفريقيا.
ثانيًا: تحولات النظام السياسي من الحزب الواحد إلى التعددية السياسية
بعد استقلالها عن البرتغال في عام 1975، تبنت الرأس الأخضر، على غرار الكثير من البلدان الإفريقية جنوب الصحراء، نظامًا سياسيًّا يهيمن عليه حزب سياسي واحد، ومع ذلك لم يكرس هذا الوضع نوعًا من السلطوية الشمولية أو ما يعرف بديكتاتورية الحزب الواحد، بل على النقيض من ذلك، تمكن الحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر (PAICV)، خلال السنوات الأولى، من تلبية مصالح مختلف فئات المجتمع على قدم المساواة، لكن مع نهاية الثمانينيّات تصاعدت الدعوات التي نادت بتطبيق التعددية الحزبية، واستجابةً لهذه الدعوات دعت الجمعية الوطنية، عام 1990، إلى إجراء تعديلات دستورية مهّدت لظهور قوى سياسية جديدة، كالحزب الديمقراطي الحر (MDP)، وحزب التقارب الديمقراطي (PCD) المنشق عنه، وفي عام 1991 شهدت البلاد أول انتخابات حرة قائمة على التعددية الديمقراطية، تمكَّن خلالها الحزب الديمقراطي من الفوز بنسبة 78% من الأصوات.
وقد مثلت انتخابات عام 1991 نقطة تحول تاريخية في المسار السياسي لجمهورية الرأس الأخضر، فمن ناحية تجاوزت البلاد حقبة الحزب الواحد وأرست دعائم النظام الديمقراطي الذي يقوم على المشاركة واستيعاب كافة القوى والأطياف السياسية باختلاف توجهاتها وأيديولوجياتها، ومن ناحية أخرى مهدت لإقرار تعديلات دستورية جديدة، تضمنت تأكيد مبادئ التعددية الحزبية، والفصل بين السلطات، إلى جانب حماية الحريات العامة، وهو ما أوجد نظامًا ديمقراطيًّا مستقرًا وساهم في تعزيز مكانة الرأس الأخضر وتحولها إلى أكثر الديمقراطيات الإفريقية رسوخًا واستقرارًا.
لذلك ليس مستغربًا أن توصف الرأس الأخضر كأحد الدول الأكثر استقرارًا والحكم الديمقراطي وسيادة القانون في إفريقيا، ويعود ذلك بشكل رئيس إلى تاريخها الحافل بالانتخابات الحرة والنزيهة، والتداول السلمي للسلطة بين الحزبين الرئيسيين، حركة الديمقراطية والحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر، فضلًا عن نموذج تقاسم السلطة الذي يعتمد على علاقات تعاونية بين السلطات التنفيذية المعنية، والأهم من ذلك ما تتمتع به البلاد من مؤسسات مستقلة، توفر الأساس لاستدامة الديمقراطية السياسية. نتيجةً لذلك، تُصنف الرأس الأخضر كأكثر الدول الإفريقية ديمقراطيةً في العديد من المؤشرات والتقارير الدولية المعنية بهذا الشأن، مثل الاستطلاع السنوي «الحرية في العالم» الذي تجريه منظمة فريدوم هاوس Freedom House؛ حيث تتمتع الرأس الأخضر بوضع دولة حرة وفقًا لهذا الاستطلاع، كما تحظى بمرتبة متقدمة في مؤشر إبراهيم للحوكمة الإفريقية (IIAG) مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.
ثالثًا: السياق العام للانتخابات البرلمانية في جمهورية الرأس الأخضر
تمثل الانتخابات البرلمانية أو التشريعية في الرأس الأخضر إحدى صور العملية الديمقراطية، إلى جانب الانتخابات الرئاسية المعنية باختيار رئيس الدولة، والانتخابات البلدية التي تهدف إلى انتخاب ممثلي المجالس البلدية والمحلية واختيار ممثلي المجلس التشريعي، الذي يُعرف بالجمعية الوطنية، لولاية مدتها خمس سنوات؛ حيث تقوم الجمعية الوطنية بسن التشريعات والقوانين الوطنية، فضلًا عن دورها الرقابي المتمثل في الإشراف ومراقبة أداء الحكومة ومساءلة الوزراء.
يتألف المجلس التشريعي (الجمعية الوطنية) من 72 نائبًا يتم انتخابهم بنظام التمثيل النسبي، على أن يخصص 6 مقاعد لأفراد الشتات ومواطني الرأس الأخضر المُقيمين في الخارج (مقعدان لإفريقيا، ومقعدان للأمريكتين، ومقعدان لأوروبا وبقية العالم)، وبحسب قانون الانتخابات، تقسم جمهورية الرأس الأخضر إلى 13 دائرةً انتخابية، من بينها ثلاث دوائر انتخابية لأفراد الشتات في الخارج، ويلاحظ أن جزيرة سانتياغو Santiago، التي تعد أكبر جزر الأرخبيل والأكثر اكتظاظًا بالسكان، تقسم إلى دائرتين انتخابيتين، وهما سانتياغو الشمالية وسانتياغو الجنوبية، وتخصص لهما الحصة الأكبر من المقاعد الانتخابية، بإجمالي 33 مقعدًا موزعةً بينمها.
على الرغم من أنَّ المشهد السياسي في الرأس الأخضر يهيمن عليه، تاريخيًّا، حزبان رئيسيان وهما: حزب حركة الديمقراطية الذي ينتمي إلى يمين الوسط، والحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر الذي ظل يحكم البلاد كحزب وحيد حتى عام 1990، فإن هناك أحزابًا وقوى سياسيةً أخرى تتنافس في هذه الانتخابات التشريعية لضمان تمثيلها في الجمعية الوطنية، ومن أبرز هذه القوى السياسية: حزب التقارب الديمقراطي (PCD) الذي تأسس في عام 1994 بعد انشقاقه عن الحركة الديمقراطية، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (PSD) الذي تأسس في عام 1992، وحزب العمل والتضامن (PTS)، الذي يعود تاريخ ظهوره إلى أواخر تسعينيَّات القرن العشرين، وأيضًا اتحاد الرأس الأخضر الديمقراطي المستقل (UCID) الذي تأسس في المنفى عام 1975 وكانت لجهوده دورًا محوريًا في انتقال البلاد نحو التعددية الحزبية، ومنذ الانتخابات التشريعية لعام 2006، حافظ الحزب على تمثيل دائم في الجمعية الوطنية إلى جانب الحزبين الرئيسيين.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن حزب الحركة الديمقراطية (MDP) يهيمن على الساحة السياسية في الرأس الأخضر منذ الانتخابات البرلمانية لعام 2016، باعتباره الحزب الحاكم، بعد أن تمكّن من الفوز بأغلبية مقاعد الجمعية الوطنية؛ فخلال انتخابات عام 2016 فاز الحزب بـ 40 مقعدًا، بينما انتزع الحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر (PAICV) المركز الثاني بحصوله على 29 مقعدًا، وفي انتخابات عام 2021، التي أجريت في ظل أزمات اقتصادية وتفشي جائحة كوفيد- 19، في حين حافظ حزب الحركة الديمقراطية على هيمنته، بفوزه بـ 38 مقعدًا، متفوقًا على منافسه الحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر بثمانية مقاعد، أما المقاعد الأربعة المتبقية فقد فاز بها اتحاد الرأس الأخضر الديمقراطي المستقل (UCID).

رابعًا: الانتخابات البرلمانية لعام 2026: صعود المعارضة والتطلع نحو مرحلة سياسية جديدة
أجريت الانتخابات البرلمانية الأخيرة بجمهورية الرأس الأخضر في 17 مايو 2026، وهي الانتخابات التشريعية الثامنة منذ إقرار التعددية الديمقراطية في بداية العقد الأخير من القرن العشرين، بعد أعوام: 1991، 1995، 2001، 2006، 2011، 2016، و2021، وإلى جانب الحزبين الرئيسيين، تنافست أيضًا ثلاثة أحزاب صغيرة للحصول على مقاعد في الجمعية الوطنية، وهي: اتحاد الرأس الأخضر الديمقراطي المستقل (UCID)، وحزب العمل والتضامن (PTS)، بالإضافة إلى حزب الشعب (PP) الذي تأسس في عام 2015، وهو حزب يساري ينادي بزيادة تدخل الدولة في الشئون الاقتصادية، ويسعى وفق برنامجه الانتخابي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.
وبحسب الأرقام الرسمية التي أعلنت عنها اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات (CNE)، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد في العاصمة برايا في 30 مايو الماضي، فقد جاءت نسبة المشاركة في هذا الاستحقاق متدنيةً للغاية؛ حيث أدلى نحو 193,000 ناخبًا فقط بأصواتهم من إجمالي الناخبين المسجلين البالغ عددهم 416,000 ناخبًا، أي ما يقارب 46% فقط، وهي نسبة أقل بنحو 11% مقارنةً بالانتخابات الماضية التي عقدت في أبريل 2021.
وطبقًا للنتائج النهائية التي اعتمدتها اللجنة الوطنية للانتخابات، فقد حصل الحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر (PAICV) المعارض على 47% من إجمالي الأصوات، أي ما يعادل 37 مقعدًا من أصل 72 من مقاعد الجمعية الوطنيةـ متقدمًا بذلك على الحركة الديمقراطية (MPD) التي حلّت ثانيًا بحصولها على 43.6 من الأصوات، ورغم حصوله على مقعدين فقط، مقابل 4 مقاعد في الانتخابات الماضية، حافظ اتحاد الرأس الأخضر الديمقراطي المستقل (UCID) على ترتيبه كثالث أكبر قوة سياسية داخل المجلس التشريعي، بينما لم يحقق أي من الحزبين الآخرين، حزب العمل والتضامن (PTS) وحزب الشعب (PP)، أي مقاعد. وستهيئ هذه النتيجة عودة حزب الاستقلال إلى السلطة مرةً أخرى بعد عشر سنوات ظل فيها بين صفوف المعارضة، فوفقًا للنظام السياسي للرأس الأخضر، فإنَّ الحزب الحائز على أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات التشريعية هو المسئول عن اختيار من يشغل منصب رئاسة الحكومة.

واستنادًا إلى هذه النتائج، سيتولى فرانسيسكو كارفاليو Francisco Carvalho، مهمة تشكيل الحكومة الجديدة ورئاستها، باعتباره زعيمًا لحزب استقلال الرأس الأخضر والذي يشغل في الوقت نفسه منصب عمدة العاصمة برايا، وسيقود كارفاليو الحكومة خلفًا لرئيس الوزراء المنتهية ولايته، أوليسيس كوريا إي. سيلفا Ulisses Correa e. Silva، الذي اعتبر أن الانتخابات لم تحقق أهداف حزبه في مواصلة حكم الرأس الأخضر ودفع البلاد نحو التقدم، ومع ذلك لم يخف إشادته بالنتيجة المُعلنة باعتبارها دعوةً للتغيير.
أحد الأسباب الرئيسية التي يُعزى إليها هزيمة الحزب الحاكم (الحركة الديمقراطية) في هذا الاستحقاق الانتخابي، يتمثل في استياء الناخبين وسخطهم المتزايد تجاه سياسات الحزب الداخلية، واخفاقه في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، كارتفاع مستويات الفقر والبطالة، وزيادة تكاليف المعيشة، وهو ما ظهر في انخفاض نسبة المشاركة في العملية الانتخابية، والتي بلغت نحو 46% فقط من إجمالي الناخبين المسجلين.
في المقابل، استغل حزب المعارضة، الحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر (PAICV)، هذا الاستياء لتعزيز حضوره السياسي باعتباره الخيار الأفضل لقيادة البلاد في المرحلة القادمة، وإيجاد الحلول المناسبة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة من خلال تقديم مشروع انتخابي بعنوان “الرأس الأخضر للجميع” الذي أعلن عنه فرانسيسكو كارفاليو، منذ انتخابه زعيمًا جديدًا للحزب في مايو 2025، والذي تضمّن رؤية كارفاليو السياسية التي تستهدف خفض تكاليف النقل الداخلي، وتوسيع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم، فضلًا عن تعزيز الشفافية في الإدارة العامة، وهو ما اعتبره كثير من الناخبين برنامجًا طموحًا يمكن أن يحقق نوعًا من التغيير الإيجابي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
وبحسب مراقبين، فإنَّ نتائج الانتخابات البرلمانية التي شهدتها الرأس الأخضر لم تشكل مفاجئةً كبيرةً، على الرغم من النتائج التي عملت على تغيير المشهد السياسي، وتقويضها لسيطرة حركة الديمقراطية وإقصائها بعد عقد من الهيمنة على السلطة، ويمكن إرجاع ذلك إلى النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات المحلية التي أجريت قبل أقل من عامين، وتحديدًا في ديسمبر 2024، والتي حقق خلالها حزب استقلال الرأس الأخضر (PAICV) الفوز في 14 بلديةً، بما في فيها العاصمة برايا، من أصل 22 بلديةً. وهي المرة الأولى التي يحقق فيها الحزب فوزًا في الانتخابات البلدية منذ عام 2000، وهو ما اعتبر مؤشرًا قويًا على رغبة الناخبين في التغيير والتوجه نحو دعم المعارضة.
وللتأكيد على مبدأ التداول السلمي للسلطة الذي يمثل حجر الزاوية في النظام الديمقراطي لجمهورية الرأس الأخضر، وإقرارًا منه بنزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها، اعترف رئيس الوزراء المنتهية ولايته، أوليسيس إي سيلفا، في أول تصريح له بعد الانتخابات، بالهزيمة وإخفاق حزبه في الفوز ومواصلة حكم البلاد، وهو أمر قلما تشهده الانتخابات داخل دول القارة الإفريقية، والتي غالبًا ما تسودها التجاذبات السياسية والاتهامات المتبادلة بين الأحزاب والقوى السياسية التي دائمًا ما تسعى إلى إيجاد ذرائع لتبرير اخفاقاتها بعيدًا عن النتائج التي تؤكدها صناديق الاقتراع.
في الختام: تؤسس الانتخابات البرلمانية التي شهدتها الرأس الأخضر في 17 مايو 2026، لمرحلةٍ سياسيةٍ جديدةٍ، بعد أن وضعت حدًا لهيمنة حركة الديمقراطية (MPD) ومهّدت لعودة الحزب الإفريقي لاستقلال الرأس الأخضر (PAICV) إلى السلطة، والأهم من ذلك، أنها تعكس رغبةً شعبيةً واسعة في التغيير، وتكرس استمرار النموذج الديمقراطي الذي تتبناه جمهورية الرأس الأخضر، والذي يقوم على التوافق المؤسسي وتعزيز التعايش السياسي بين مختلف أطياف القوى السياسية. لكن الحكومة الجديدة ستواجه منذ اليوم لتشكيلها الكثير من التحديدات الاجتماعية والاقتصادية، التي يفرضها ارتفاع تكلفة المعيشة، والفقر، وانتشار البطالة، فضلًا عن الهشاشة الاقتصادية، وبينما يواجه حزب استقلال الرأس الأخضر هذه التحديات، سيتعين عليه أيضًا الاستعداد للانتخابات الرئاسية المرتقبة، التي ستعقد في نوفمبر القادم، من أجل ترسيخ قبضته على المشهد السياسي، خاصةً وأنَّ الرئيس الحالي، خوسيه ماريا نيفيس José María Neves، والذي أعلن عن نيته الترشح لولاية ثانية، ينتمي إلى الحزب نفسه، وبدوره ستسعى حركة الديمقراطية إلى تعويض هزيمتها في الانتخابات التشريعية، وقد يكون ذلك عبر بوابة الانتخابات الرئاسية، وهو ما لم تؤكده الحركة الديمقراطية حتى اليوم.
المراجع:
[1] محمد عتريس، معجم بلدان العالم وفق آخر التطورات السياسية مع خرائط وأحدث البيانات الإحصائية، الطبعة السادسة (القاهرة: مكتبة الآداب، 2016)، ص418.
[2] Laurent Gachnang, The Political System of Cape Verde: An African Democracy Model, Cabo-Verde.CV, Published on 30 March 2026, available at https://n9.cl/stv1vl
[3] Structure of the state of Cape Verde, the republic, the constitution, and the parties, capeverde.com, available at https://n9.cl/fwss3
[4] Joseph Siegle and Hany Wahila, Cabo Verde: Power Sharing that Delivers Stability and Prosperity, Africa Center for Strategic Studies, Published on 13 January 2026, available at https://n9.cl/n5zs9
[5] Laurent Gachnang, Op. cit.
[6] Structure of the state of Cape Verde, the republic, the constitution, and the parties, Op. cit.
[7] Julio Rodrigues, Cape Verde ruling party unseated in election, partial results show, Internazionale, Published on 18 May 2026, available at https://n9.cl/clqd8
[8] Ruling Party Loses Vote in Cape Verde, Africa-Press, Published on 19 May 2026, available at https://n9.cl/kguk5l
[9] Francisco Carvalho Becomes New PAICV Leader: Cape Verde Enters a New Phase of Political Aspirations, Cesko – Obchodni Komora, Published on 26 May 2025, available at https://n9.cl/jv5g3

