مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
شهدت التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تراجعًا مؤقتًا لإفساح المجال لجولات المفاوضات غير المباشرة بين الوفود الإيرانية والأمريكية في ظل الزخم الدبلوماسي الذي تقوده الدول الإقليمية لمنع اندلاع الحرب التي قد تمتد تداعياتها السلبية على دول المنطقة والعالم، إلا إن المطالب التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي توصف بالمتشددة يمكن أن تعزز من احتمالات التدخل الأمريكي العسكري كأحد الخيارات المرجحة في حال الرفض الإيراني لهذه الشروط.
وعلى الرغم من إن سياسة الضغط التي مارستها واشنطن تجاه طهران ساهمت في دفعها نحو الدخول في محادثات وصفتها واشنطن وطهران بإنها محطة انطلاق نحو التوافق مع إمكانية عقد المزيد من المباحثات، إلا إن هذه الاجتماعات تتم في ظل سياسات موازية من التصعيد العسكري الأمريكي وسياسة الحشد للقطع العسكرية والأسطول البحري، وهو ما يعني إن المواجهة بينهما غير مستبعدة.
وفي ضوء ذلك، يصعب تحديد ما إذا كان الحشد العسكري الأمريكي مقدمة للحرب أم محاولة محسوبة لإجبار إيران على تقديم تنازلات، ففي ظل استراتيجية الرئيس ترامب، فمن الصعوبة بمكان الجزم باتجاهات تعامله مع هذا الملف، كما إن الدخول في جولات مفاوضات لا يقلل من صعوبة التنبؤ بأهداف ترامب بين الرغبة في الاستهداف أو المساومة أو كليهما خاصة إن السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب لا تتبع مسارًا خطيًا؛ بل غالبًا ما يتم تنفيذها وفقًا لرغبة الرئيس، ومع ذلك، فإن غياب استراتيجية واضحة لا يعني غياب البنية المؤثرة. فهناك بعض الاتجاهات المحيطة بالرئيس، والتي قد تدفعه نحو الصراع أو ضبط النفس.
وضمن هذا السياق يمكن القول إن هناك مجموعة من الاتجاهات المؤثرة على سياسة الرئيس ترامب تجاه التعامل مع إيران، على سبيل المثال يُنظر إلى المعسكر المؤيد للحرب على إيران في واشنطن على إنه أكثر تنظيمًا سواء على المستوى المؤسسي أو من خلال المغتربين الإيرانيين الذين يرغبون في تغيير النظام وإن كان بعضهم يرغب في العودة للنظام الملكي، ولعل هذه التوجهات تحظى باهتمام كبير في عهد ترامب. والتي يدعمها المحافظون الجدد المؤيدين لإسرائيل الذين يرون في إيران العقبة الأخيرة أمام تطبيق النظام الرؤية الأمريكية الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
وضمن السياق ذاته، يتمتع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهامش كبير للتأثير على الرئيس إذ زاره 7 مرات وفي كل مرة يحاول فيها تصوير كل تحرك إيراني على أنه تهديد وجودي لهذا التحالف، وإنه لا جدوى من الدبلوماسية إلا إذا أدت إلى استسلام إيران.
في مقابل هذه الاتجاهات، هناك قاعدة أخرى مؤثرة في اتجاهات ترامب وإن كانت أقل تنظيمًا، تمتد عبر مختلف أطياف المشهد السياسي الأمريكي. فبعد عقدين من الحروب التي أثرت على الولايات المتحدة، لم يعد لدى معظم الناخبين رغبة في انخراط الولايات المتحدة في حرب أخرى، بل تتصاعد الرغبة لاتجاه الإدارة الأمريكية التركيز على مجموعة من القضايا الداخلية الملحة، لا على إعادة تشكيل النظام السياسي في إيران. وقد ساهم هذا الاتجاه في عودة ترامب مرة أخرى إلى البيت الأبيض، إلا إنه تخلى عن هذا التوجه تدريجيًا بعد قراره بالتدخل العسكري ضد إيران في يونيو 2025 والتي جاءت على عكس شعار حركة لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا (MAGA)وأطلق العنان لمجموعة قوية من المعارضين الشعبويين اليمينيين لرفض هذه السياسات.
ومع ذلك، من الواضح أن استعراض القوة العسكرية الأمريكية ساهمت في دفع ترامب نحو الاعتماد على هذا النهج، فالعمليات المحدودة ذات المكاسب السريعة كالضربات التي شُنّت في يونيو 2025 على المنشآت النووية الإيرانية، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير 2026، والتي تُتيح لترامب الظهور بمظهر القوة مع تجنب التدخل العسكري ونموذج الاحتلال كما حدث من قبل في العراق وأفغانستان. وبالنسبة لإيران فإنها ليست كالحالة الفنزويلية، كما إنها ليست هدفًا يُمكن إخضاعه من خلال الضربات العسكرية الجوية، كما إن تغيير النظام يتطلب وجود قوات أمريكية على الأرض، كما ستفرض هذه الخطوة تحمل الولايات المتحدة مسئولية إدارة عملية انتقال معقدة وفوضوية وهو احتمال يعزز من المخاوف الأمريكية.
وضمن السياق ذاته، ساهمت الجهات الفاعلة الإقليمية حتى الآن في كبح جماح اندفاعات ترامب؛ حيث تتخوف من أن تؤدي حرب أمريكية إيرانية إلى إشعال فتيل الصراع في المنطقة بأسرها، ويبدو أن دبلوماسية الدول الإقليمية الهادئة قد ساهمت ولو بصورة جزئية في جماح الرئيس من خلال المخاوف المتعلقة بأسواق النفط وطرق التجارة التي ستوثر على الأمن الإقليمي.
وبالنسبة لإيران، فقد أدركت مجموعة من الدروس خلال العامين والنصف الماضيين، فقد تم تفسير جهودها في توخي الحذر في المواجهات مع إسرائيل والولايات المتحدة على أنها ضعف، وهو ما دفعها إلى التصعيد وبات القادة الإيرانيون يتحدثون عن الردع من خلال استخدام مختلف مكونات القوة العسكرية، وإنه في حال هاجمتها الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يكون الرد الإيراني أقوى بكثير من الجولات السابقة والتي تتضمن استهداف الأصول العسكرية الأمريكية والبنية التحتية الاقتصادية والطاقة في جميع أنحاء المنطقة، وقد حذر المرشد الأعلى علي خامنئي من إمكانية اندلاع حرب إقليمية إذا ما تعرضت إيران للهجوم. والهدف من ذلك هو تدويل الصراع وإجبار القوى الأخرى على التدخل قبل أن يخرج التصعيد عن السيطرة.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن هذه الحسابات تأتي في ظل ضغوط متزايدة ومتعددة الأوجه على النظام الإيراني. فالعقوبات الأمريكية تزداد حدةً أكثر من أي وقت مضى، كما تعاني العاصمة الإيرانية من نقص حاد في المياه، بالإضافة إلى الاضطرابات الداخلية التي باتت تشكل تهديدًا وجوديًا للنظام، وهو ما يشكل فرصة لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية لتغذية هذه الفوضى واستثمارها في الضغط على النظام الإيراني من خلال دعم هذه الاتجاهات حتى ينهار النظام وهو الهدف الذي يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية التي تستهدف إسقاط النظام وتحقيق هدفها المتعلق بإضعاف كل القوى الإقليمية المركزية، إلا إن تحقيق ذلك سينعكس بصورة سلبية على المنطقة بأسرها؛ فاستهداف إيران قد يؤدي إلى حدوث فراغ سياسي وأمني قد يتسبب في حدوث عنف داخلي، وانهيار اقتصادي، وتدفقات لاجئين، واضطراب في إمدادات الطاقة العالمية يفوق أي شيء شهدناه في العقود الأخيرة.
وفي ضوء ذلك، برزت مجموعة من التساؤلات حول مسار المفاوضات الحالي في ظل إصرار الجناح المتشدد في واشنطن على أن يشمل أي اتفاق ليس فقط البرنامج النووي الإيراني، بل أيضًا صواريخها الباليستية وتحالفاتها الإقليمية. وهم يعلمون أن هذه المطالب شبه مستحيلة القبول بالنسبة لطهران، وبالنسبة لإيران فإن التنازل بشأن الصواريخ سيُجرد إيران من قوتها الدفاعية الرئيسية، وهو خط أحمر لا يمكن لأي حكومة إيرانية تجاوزه، لا سيما بعد المواجهة العسكرية مع إسرائيل في يونيو 2025 التي أظهرت أهميتها البالغة. ولذلك، تُصر إسرائيل على تفكيك هذه القدرات.
وبالتالي، فإن هذا التوجه المتشدد يمكن أن يجعل الجولة الأخيرة من المحادثات أكثر عرضة للفشل من النجاح. كما أن الأزمة المتعددة المتفاقمة في إيران تشجع خصومها على تجنب تخفيف الضغوط المتصاعدة عبر إجراءات التسوية وتقديم التنازلات. كما إن إمكانية توجيه ضربة عسكرية أمريكية قد يكون بمثابة اختبار لطهران وقدرتها عبر شن عملية عسكرية محدودة أخرى، لمعرفة ما إذا كان النظام سينهار، وبالرغم من أن الجهود الدبلوماسية جارية، إلا أن إدارة ترامب استخدمت المحادثات النووية السابقة كغطاء لشن هجوم جوي إسرائيلي العام الماضي.
في الختام: ستظهر الفترة القادمة الاتجاهات الأكثر تأثيرًا فيما يتعلق بإمكانية توجيه ضربة عسكرية لإيران وما إذا كان الجناح المتشدد داخل إدارة ترامب يمكن أن يدفع في هذا الاتجاه، أم حذر الرئيس الذي يخشى أن يصبح مسؤولًا عن مستنقع آخر في الشرق الأوسط؟ وبين هذين القطبين يكمن مسار ضيق يمكن للتفاوض من خلاله أن يتجنب التصعيد.

