مصطفى كمال
باحث في شئون الأمن الإقليمي

في السادس من مايو 2025 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف مفاجئ لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وجماعة الحوثيين، مستثنيًا إسرائيل صراحةً من بنوده، الأمر الذي أوقف التصعيد في البحر الأحمر وفرض معادلة جديدة في المشهد الإقليمي. وقد مثّل هذا التطور تحولًا جوهريًا في موقع الحوثيين على الخارطة السياسية؛ إذ انتقلوا من كونهم ميليشيا استهدفت الممرات البحرية الدولية إلى طرف تفاوضي ضمن ترتيبات دولية، الأمر الذي منحهم، وفق قراءات تحليلية، مكاسب دبلوماسية لا تتناسب مع سجلهم العسكري والحقوقي.
وتعكس هذه النقلة الجزئية في التعامل مع الحوثيين نتيجة تفاعل مركب بين الإرهاق الدولي من التصعيد المستمر، والتحولات في الرؤية الجيوسياسية للقوى الكبرى، فضلًا عن الحملات الإعلامية الممنهجة التي قادتها بعض الوسائل الموالية لروسيا وإيران لإعادة تقديم الجماعة في ثوب مغاير، بعيدًا عن صورتها التقليدية كجماعة عقائدية مسلحة. ويُعد هذا التحول جزءً من مسار أوسع يعيد تعريف أطراف النزاع في اليمن ضمن أطر تقاطع المصالح الإقليمية والدولية.
1. الحوثيين وإعادة إنتاج السردية الإعلامية
في هذا السياق، لعبت وسائل إعلامية دولية دورًا محوريًا في إعادة تأطير السردية الخاصة بالحوثيين. ففي مقالة نُشرت في مارس 2025، اعتبر المعلق الروسي سيرغي ستروكان أن الضربات الجوية الأمريكية ضد الحوثيين ساهمت في خلق صورة “عدو مُفتعلة”، مقدّمًا الجماعة كفاعل سياسي عقلاني يتفاعل مع البيئة الإقليمية، لا كتنظيم عسكري يتبنى العنف كوسيلة لتحقيق أهدافه.
تُعد هذه المقالة مثالًا على الخطاب الإعلامي الموازي الذي يهدف إلى تطبيع الجماعة عبر دمجها ضمن منظومة الخطاب المناهض للهيمنة الغربية، وهو خطاب يحظى بقبول لدى بعض التيارات الفكرية والسياسية في الغرب، لكنه يغفل الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها الجماعة بحق المدنيين والمعارضين داخل مناطق سيطرتها، كما يتجاهل دورها كأداة استراتيجية لإيران ضمن محور إقليمي أكثر اتساعًا.
في الوقت ذاته، سعت الجماعة إلى الاستثمار في الرمزية السياسية من خلال تنظيم مؤتمر دولي رفيع المستوى في صنعاء في أبريل 2025، للتضامن مع القضية الفلسطينية. وهذا الحدث، الذي جاء في خضم الضربات الجوية الأمريكية المتكررة، استقطب شخصيات من خلفيات سياسية وأكاديمية متنوعة، وعمل على إعادة تقديم الحوثيين كحركة مقاومة ذات بعد إقليمي ودولي، في محاولة لتحييد السرديات الغربية الرسمية التي تصنفهم كجماعة مسلحة خارجة عن الشرعية.
وقد حظي المؤتمر بحضور عدد من الشخصيات الدولية، من بينها رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي، والنائب الجنوب أفريقي زويليفيلي مانديلا، وبرلمانيون أوروبيون سابقون من أيرلندا، إضافة إلى ما شياولين، الأكاديمي الصيني المرتبط بمؤسسات رسمية في بكين. وهذا التنوّع في المشاركين لم يكن عشوائيًا، بل جاء انعكاسًا لتوجه الجماعة نحو بناء شرعية دولية بديلة تستند إلى مناهضة الإمبريالية والغرب، بدلًا من الانتظام في المنظومة القانونية والسياسية الدولية التقليدية.
وضمن السياق ذاته، تميزت المنصة التي أقامها المؤتمر بتنوّع الأصوات الأيديولوجية؛ إذ شارك فيها ممثلون عن الحزب الشيوعي الأمريكي، ومراسلون من قنوات مدعومة من الكرملين، ومؤثرون رقميون من تيارات اليسار الراديكالي، وهو ما يعكس تطلع الحوثيين إلى لعب دور مركزي ضمن شبكة رمزية مناهضة للغرب تجمع بين خطاب التحرر ومقاومة النيوليبرالية والاستعمار الجديد.
وتُعد هذه الاستراتيجية الإعلامية والسياسية امتدادًا لتكتيكات الحوثيين خلال السنوات الماضية، والتي تمثلت في استخدام الوساطات الأممية والاتفاقات الدولية، مثل اتفاق ستوكهولم عام 2018، لتكريس مواقعهم العسكرية والسياسية. وقد استفادوا من انكفاء مؤسسات الأمم المتحدة تدريجيًا عن مناطق سيطرتهم، ما سمح لهم بملء الفراغ السياسي والمؤسسي، وتقديم أنفسهم كممثلين حصريين للشعب اليمني في المحافل الدولية.
بالتوازي مع ذلك، حافظت الجماعة على نمط قمعي ممنهج في الداخل، شمل اعتقال الصحفيين والمعارضين السياسيين والبهائيين، فضلًا عن توجيه اتهامات أمنية مفبركة ضد موظفين في الأمم المتحدة، ما أجبر الأخيرة على تعليق جزء كبير من عملياتها في مناطق الحوثيين منذ فبراير 2025، وهو مؤشر على تصاعد النزعة الأمنية والانغلاق السياسي في هذه المناطق.
2. الحوثيون واستراتيجية البقاء
في السياق ذاته، أظهرت إدارة ترامب توجهًا لتقويض القدرات البحرية للحوثيين، عبر سلسلة من الضربات المحدودة، إلا أن هذا النهج اتسم بطابع تكتيكي لا يعالج السياق البنيوي الأوسع، المتمثل في استغلال الجماعة للروايات الإقليمية والدولية لإعادة إنتاج شرعيتها. إن تجاهل هذا البعد يهدد بإرساء واقع استراتيجي جديد يمنح الحوثيين موقعًا دائمًا كذراع إيرانية في شبه الجزيرة العربية، ويقوّض الشراكات الأمريكية في الخليج.
من الأبعاد الأكثر أهمية في هذا السياق هو الدور المتزايد للحوثيين في توظيف مفاهيم دينية وقومية لبناء قاعدة اجتماعية مؤدلجة، تستند إلى تلقين أيديولوجي ممنهج، وهو ما يُهدد النسيج الاجتماعي اليمني على المدى البعيد، ويخلق جيلاً مشبعًا بثقافة عدائية تجاه الآخر المحلي والدولي، في إطار مشروع تعبوي ذي طابع استراتيجي طويل المدى.
تُظهر تحركات الجماعة كذلك براعة في بناء شبكات تأثير إعلامية، تقوم على استخدام منصات مؤدلجة تربط بين خطاب المقاومة والسرديات العابرة للحدود، وتتجنب التركيز على الانتهاكات الحقوقية في الداخل. وتعمل هذه المنصات على تجنيد دعم رمزي من شخصيات بارزة في الخطاب اليساري العالمي، كما حدث في المؤتمر الذي استُخدمت فيه كلمات مسجلة لرموز مثل أليدا جيفارا وألكسندر دوغين وجورج غالاوي.
ويُلاحظ أن هذه الاستراتيجية تُميّز الحوثيين عن جماعات مثل القاعدة أو تنظيم الدولة، التي تعتمد على عزلة أيديولوجية وعداء مباشر مع الغرب. ففي حين ترفض تلك الجماعات التفاعل مع المؤسسات الغربية، يسعى الحوثيون إلى اختراقها من الداخل، عبر تقديم صورة معتدلة نسبيًا تُمكّنهم من الحصول على تعاطف غير متوقع في بعض الأوساط السياسية والأكاديمية الغربية.
ويظهر ذلك جليًا في طريقة تعامل بعض الدبلوماسيين الغربيين مع الجماعة؛ إذ تشير تقارير متفرقة إلى منح الحوثيين مستوى من الاحترام الدبلوماسي يفوق ما يُمنح عادةً للجماعات المسلحة، بل وصل الأمر إلى كتابة مقالات رأي تدافع عن موقفهم، أو التعامل معهم كشركاء تفاوضيين محتملين، رغم سجلهم المتراكم في الانتهاكات.
يُجسد خطاب البرلماني الأيرلندي ميك والاس أحد أبرز مظاهر هذا التحول؛ إذ تضمّن خطابه في مؤتمر صنعاء إدانة صريحة لإسرائيل والغرب، مع تقديم الحوثيين كطليعة المقاومة ضد الإمبريالية. كما أشاد بالصين واعتبرها بديلًا أخلاقيًا للنظام الدولي الغربي. وهذا الخطاب، الذي يدمج بين مناهضة الغرب وتبرير الاستبداد، يُشكّل تهديدًا لمنظومة القيم الحقوقية الدولية؛ إذ يفتح الباب لتبرير ممارسات قمعية تحت شعار مقاومة الهيمنة، ويُشرعن لجماعات تسعى إلى تقويض التعددية السياسية في الداخل، فيما تُقدّم نفسها كقوى تحررية في الخارج.
كما تكشف استراتيجية الحوثيين الإعلامية عن قدرة على توظيف رمزية فلسطين، لا فقط كقضية تضامن، بل كأداة لتبييض سجلهم الداخلي، ما يُثير إشكاليات أخلاقية عميقة تتعلق بتسييس المآسي الإنسانية لخدمة أجندات ضيقة. ويفرض هذا الواقع على المجتمع الدولي ضرورة التمييز بين الدعم للقضية الفلسطينية وبين منح شرعية لجماعات توظفها لأغراض سلطوية.
3. لماذا وافق الحوثيون على السلام مع واشنطن؟
بالمعنى الضيق والجزئي، ربما كانت القوة الجوية الأمريكية غير المصحوبة بهجوم بري قادرة على دفع حسابات الحوثيين نحو نتيجة مقبولة لدى واشنطن، ولكن هذا يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت القوة الجوية أثبتت أنها حاسمة في الحرب البحرية غير النظامية ضد المتمردين اليمنيين.
إن القوة الجوية وغيرها من أشكال الحرب التراكمية العشوائية لا يمكن أن تحسم الصراع المسلح بمفردها وأن السيطرة تضاريس رئيسية أو شيء ما على سطح الأرض هي غاية الاستراتيجية العسكرية، وبالتالي فإن قصف الأهداف من الجو ليس كالسيطرة عليه في حين يمكن للقوات البرية فرض سيطرة دائمة وخانقة. وبالتالي، فإن القوات الجوية والصاروخية هي الذراع الداعم للقوة البرية في أي حملة عسكرية وليست غاية في حد ذاتها. بعبارة أخرى، القوة الجوية مهمة، لكنها غير كافية لتحقيق النصر وإرساء السلام بعد الحرب فبدون قوة برية، لا توجد نتائج مستدامة.
من ناحية أخرى يمكن القول إن وقف إطلاق النار مع جماعة الحوثيين لا يسمى سلامًا الذي يتم تعريفه على المستوى العسكري بأنه الهجوم الاستراتيجي الذي يؤدي مباشرة إلى السلام، لكن الحملة الجوية والصاروخية التي قادتها البحرية الأمريكية ضد الحوثيين لم تُفض إلى السلام بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي الواقع، أشار الحوثيون صراحةً إلى أن الهجمات على إسرائيل -الهدف الأساسي لحملتهم العسكرية- ستستمر ولن تتأثر بوقف إطلاق النار؛ حيث استمروا في إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل.
لذلك، فإن أقوى ادعاء يمكن الدفاع عنه لصالح القوة الأمريكية الجوية في البحر الأحمر هو أن الضربات الجوية والصاروخية دفعت الحوثيين إلى تقليص جزء من حملتهم، وهي حملة كلفتهم الكثير في البنية التحتية والمعدات العسكرية، بينما لم تُسهم إلا قليلًا في تحقيق هدفهم الرئيسي المتمثل في إجبار إسرائيل على وقف هجومها على غزة.
وبالتالي، ليس من المستبعد أن يُجبر القصف الجوي الحوثيين على الاستسلام، وذلك بتفعيل حساباته المنطقية للتكاليف والفوائد، فإذا لم تر قيادة الحوثيين جدوى كبيرة في مهاجمة الشحن التجاري والبحري، فقد تُختصر هذه المرحلة من الحملة ضد إسرائيل في مقابل إيقاف الهجمات التي تقودها الولايات المتحدة، وإعادة توجيه الذخيرة والموارد إلى الهدف الرئيسي. بهذا المعنى الضيق والجزئي، ربما يكون القصف الجوي، دون هجوم بري، قد دفع حسابات الحوثيين نحو نتيجة تُرضي واشنطن، وإن لم تُحقق السلام الشامل في هذه المنطقة.
في الختام: في ظل هذه التحولات، برزت تساؤلات حيوية حول مستقبل اليمن، ودور الجماعة في المعادلات الإقليمية المقبلة، لا سيما في ضوء استمرار علاقاتها العسكرية والدبلوماسية مع روسيا والصين، وتوسيعها لمجال نفوذها ليشمل الممرات البحرية الحيوية، بما في ذلك باب المندب والبحر الأحمر، وهو ما يعزز قدراتهم في تنفيذ هجمات دقيقة ضد السفن التجارية. باعتبار أن هذا التحول يُمثل نموذجًا معقدًا للحروب الهجينة؛ حيث يتم دمج الأدوات العسكرية مع الحملات الإعلامية والتحركات الدبلوماسية، في إطار سعي الجماعة لتعزيز مكانتها كفاعل إقليمي معترف به، ولو بحكم الأمر الواقع. وتُعد هذه المنهجية متقدمة مقارنةً بالأساليب التقليدية في النزاعات، وهو ما يتطلب استجابات استراتيجية مُكيّفة مع هذا النمط الجديد.
وعليه، فإن المعالجة الفعالة لهذه الظاهرة تتطلب إعادة بناء رواية مضادة متماسكة، تتضمن فضح التناقضات بين الخطاب الحوثي الخارجي وسلوكهم الداخلي، وتعزيز الأصوات اليمنية المستقلة، التي بإمكانها تقديم بدائل سياسية أكثر واقعية وتحظى بالقبول الإقليمي والدولي، بعيدًا عن التجاذبات الإقليمية والأيديولوجية.
وبالتالي، فإن وقف إطلاق النار، رغم ما يحمله من فرص لتخفيف التصعيد العسكري، ألا أن هناك جوانب لا يمكن إغفالها والمتمثلة في الديناميكيات الأعمق التي تُعيد تشكيل المشهد اليمني والإقليمي. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في البحر الأحمر، بل في الفضاء الرمزي والدبلوماسي والإعلامي، حيث يُعاد تعريف من يحق له التحدث باسم الشعب اليمني، ومَن يُمنح صفة “الشرعية” في نظام دولي يشهد تحولات بنيوية متسارعة.
المراجع:
- Financial Times. “Russia Recruits Yemeni Mercenaries to Fight in Ukraine.” November 24, 2024. https://www.ft.com/content/da966006-88e5-4c25-9075-7c07c4702e06.
- Reuters. “US Issues New Houthi-Related Sanctions, Treasury Dept Says.” March 5, 2025. https://www.reuters.com/world/us-issues-new-houthi-related-sanctions-treasury-dept-says-2025-03-05/.
- Strokan, Sergey. “Do Not Make A Houthi For Yourself.” RT, March 2025. https://foreignpolicy.com/2025/05/15/houthis-russia-influencer-campaign/.


تعليق واحد
موفق