محمد حسن النبوي
باحث في الشؤون الإيرانية
في إطار الارتباط بين السياسة والرموز الثقافية والدينية داخل الألعاب الرياضية، يبرز تحرك الاتحاد الإيراني لكرة القدم الساعي للحصول على موافقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لارتداء لاعبيه شارات سوداء خلال مباراة إيران ومصر في بطولة كأس العالم 2026، تزامنًا مع ذكرى عاشوراء، باعتباره أحد المؤشرات على توظيف الرمزية الدينية داخل الأحداث الرياضية. ويكتسب هذا التحرك دلالته الأكثر أهمية في ضوء إقامة بعض مباريات كأس العالم داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وما يفرضه ذلك من سياق سياسي يرتبط بالتوترات المستمرة بين طهران وواشنطن، بما يجعل من أي تعبير رمزي أحد المداخل للتأويل السياسي والإعلامي، وليس مجرد دلالة دينية أو إنسانية. ومن ثم، لا يقتصر الحدث باعتباره طلبًا تنظيميًا داخل إطار لوائح الفيفا، بل يتجاوز ذلك ليعكس تفاعلات أوسع تتعلق بإدارة الهوية الرمزية، وحدود التعبير الديني في المجال الرياضي، وتداخل الاعتبارات السياسية مع الفعاليات العالمية الكبرى، وهو ما يستدعي قراءة تحليلية للموقف من حيث دلالاته، وسياقاته، والسيناريوهات المحتملة لتطوره.
أولًا: خلفية الحدث
تأتي رغبة الاتحاد الإيراني لكرة القدم في ارتداء لاعبيه شارات سوداء خلال مواجهة منتخب مصر في بطولة كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة لتضع أبعادًا عقائدية وسياسية معقدة في قلب الحدث الرياضي الأبرز عالميًا، وتكتسب هذه الخطوة حساسية استثنائية من ناحية التوقيت؛ إذ يتداخل جدول مباريات البطولة مباشرة مع ذكرى عاشوراء، وهي مناسبة ذات أهمية دينية في الوجدان العام والسياسة الإيرانية، كما أن إقامة المباراة على أراضي الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا تجمعها علاقات دبلوماسية مباشرة مع طهران، يضع أي تحرك أو رمزية إيرانية في قلب التطورات الأمنية والسياسية والإعلامية.
من الناحية القانونية، يواجه الطلب الإيراني مجموعة من التحديات مع لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، فالمادة الرابعة من قوانين اللعبة تحظر بشكل قاطع استخدام أو استعراض أي شعارات، أو رسائل، أو ملابس تحمل طابعًا سياسيًا، أو دينيًا، أو شخصيًا، وتظهر السوابق التاريخية أن الفيفا تميل عادةً لرفض هذه الطلبات لتجنب تحويل الملاعب إلى ساحات استقطاب مذهبي أو سياسي، وعلى الرغم من عدم تطبيق هذه القواعد بعد أن امتلأت أرجاء وملاعب أوروبا بدعوات وقف الحرب على أوكرانيا من قبل روسيا حينها، والتي أدت إلى اتهام الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” بأنه لا يطبق القانون، باعتباره لا يمنح استثناءات الشارات السوداء إلا في حالات الحداد الوطني المرتبطة بوفاة شخصيات كبرى أو وقوع كوارث طبيعية، ومن ثم، فإن الإصرار الإيراني على الخطوة دون موافقة رسمية قد يعرض الفريق لعقوبات مخالفة اللوائح والتي تتراوح بين الغرامات المالية وخصم النقاط.
على المستوى الإقليمي، تحمل هذه المواجهة ضد منتخب مصر أبعادًا رمزية ودبلوماسية دقيقة، بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين القاهرة وطهران والتي تمر بمراحل من التقييم في السنوات الأخيرة. وإن إقحام الرموز المرتبطة بالمناسبات الدينية في لقاء كروي جماهيري قد يُفسر من قِبل وسائل الإعلام والمحيط الإقليمي كنوع من الاستعراض الرمزي أو محاولة لتسييس الرياضة، وهو ما قد يلقي بظلاله على الأجواء الدبلوماسية بين البلدين ويعمل على إيجاد مناخ طائفي بين الجماهير.
وبناءً على المعطيات السابقة، يُتوقع أن يتحرك هذا الموقف ضمن مسارات محددة، تبدأ باحتمالية رفض “فيفا” للطلب رسميًا وامثتال الجانب الإيراني للقوانين تجنبًا للعقوبات مع الاكتفاء ببيانات موجهة للاستهلاك المحلي، وفي مسار آخر قد تحاول الأطراف الوصول إلى تسوية رمزية تضمن ارتداء شارات سوداء عامة دون الإشارة لرمزية عقائدية في الخطاب الرسمي، أما المسار الأكثر تعقيدًا فيتمثل في إصرار طهران على تحدي اللوائح الدولية وارتداء الشارات دون موافقة، وهو ما سيخلق أزمة بروتوكولية وإعلامية واسعة النطاق تواجه فيها إيران المؤسسة الرياضية الدولية والدولة المستضيفة على حد سواء خلال البطولة.
ثانيًا: الأبعاد الجيوسياسية والأمنية المصاحبة للمشاركة الإيرانية
تتجاوز الترتيبات اللوجستية والأمنية لمنتخب إيران لكرة القدم في كأس العالم 2026 الحدود الرياضية المألوفة، لتتحول إلى مرآة تعكس ذروة التصعيد العسكري والدبلوماسي بين طهران وواشنطن، وتأتي هذه الممارسات في أعقاب الغارة الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، والتي استهدفت مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية في مدينة ميناب بمحافظة هرمزغان، وأسفرت عن مقتل 168 طفلة و14 معلمًا؛ وهي الحادثة التي تبادلت فيها الدولتان الاتهامات؛ حيث نسبتها طهران مباشرة إلى ضربة أمريكية متزامنة ضد قاعدة بحرية مجاورة للحرس الثوري، في حين تمسكت إدارة الرئيس دونالد ترامب ووزارة الدفاع بالرواية المضادة التي تُحمل الذخائر الإيرانية “غير الدقيقة” المسؤولية عن هذه الكارثة.
وقد ألقت تداعيات هذه الحادثة بظلالها على السلوك الدبلوماسي والرمزي للبعثات الإيرانية؛ حيث بات “رقم 168” يمثل رمزية وطنية للمظلومية والاحتجاج ضد السياسات الأمريكية، وظهر ذلك جليًا في اعتماد الوفود الرسمية والرياضية للدبابيس والشعارات التي تحمل هذا الرقم كأداة للإدانة الرمزية في المنصات الدولية. وضمن هذا السياق جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب لتزيد من تعقيد المشهد؛ فبرغم إعلانه عدم الممانعة المبدئية لمشاركة إيران التزامًا بالمواثيق الأولمبية الدولية، فإنه اعتبر إقامة الوفد الإيراني داخل الأراضي الأمريكية أمرًا “غير ملائم” لاعتبارات أمنية تخص سلامتهم وسلامة البطولة، وهو ما دفع السلطات الأمريكية إلى فرض ترتيبات لوجستية استثنائية بالتنسيق مع الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وبناءً على هذه القيود الأمنية والسياسية، أُجبر المنتخب الإيراني على نقل مقر إقامته ومعسكره التدريبي الرئيسي إلى مدينة تيخوانا المكسيكية، مع منحه استثناءً بروتوكوليًا يتيح له الدخول والخروج من الأراضي الأمريكية في اليوم السابق والموالي لكل مباراة من مبارياته الثلاث في دور المجموعات فقط. كما إن هذه القيود على الحركة، والاضطرار للمغادرة الفورية فور انتهاء اللقاءات، يحول التواجد الرياضي الإيراني في البطولة إلى ما يشبه “العبور الأمني المؤقت”، ويجعل من أي بادرة رمزية داخل الملعب سواء كانت ارتداء شارات الحداد بمناسبة عاشوراء أو إبراز شارات تحمل عدد ضحايا مدرسة ميناب بمثابة خطوة للتصعيد السياسي، ومحركًا محتملًا لأزمات بين طهران والمؤسسة الرياضية الدولية والدولة المستضيفة.
ثالثًا: قراءة في الدلالات متعددة الأبعاد للموقف
تشير انعكاسات هذا الموقف إلى مجموعة من المؤشرات التي تتجاوز التنافس الرياضي، لتدخل في نطاق نظريات الدبلوماسية الناعمة، والتعبئة الرمزية، وذلك على النحو الآتي:
1. تُبرز هذه الأزمة بوضوح آليات “تسييس المجال الرياضي داخل بيئة الخصم”؛ حيث تتحول الملاعب من مساحات للتنافس البدني إلى منصات لإدارة الصراع الرمزي واستعراض الهوية باعتبار إن إقامة البطولة على أراضي الولايات المتحدة تعيد صياغة أي تعبير رمزي إيراني حتى وإن كان يحمل أبعادًا ثقافية أو دينية كذكرى عاشوراء، فالبيئة السياسية والأمنية الأمريكية تجاه طهران تنظر إلى هذه الرموز باعتبارها أدوات “اختراق” أو رسائل لمواجهة واشنطن داخليًا وخارجيًا على حد سواء، وهو ما يسقط فرضية الفصل بين الرياضة والسياسة التي يروج لها الفيفا.
وفي سياق متصل، يعكس هذا التحرك نمطًا شائعًا في العقيدة الإيرانية “لتوظيف الرموز الدينية كأداة للدبلوماسية الناعمة” وبناء الشرعية العابرة للحدود، فمنظور العلوم السياسية يشير إلى أن طهران تعتمد على ما يُعرف بـالقوة الناعمة القائمة على دمج الهوية العقائدية بالمظلومية التاريخية والسياسية، ويأتي السعي لارتداء شارات الحداد في توقيت عاشوراء، بالتزامن مع إبراز دبابيس ضحايا مدرسة ميناب التي ارتداها لاعبو المنتخب الايراني في المباريات الودية الأخيرة وعند وصولهم مقر الإقامة، كمحاولة لتدويل قضايا الهوية الإيرانية ونقلها من أبعادها الداخلية إلى الرأي العام العالمي؛ وهي استراتيجية تهدف إلى تثبيت صورة الدولة المتمسكة بمبادئها العقائدية والوطنية في مواجهة الضغوط الدولية، ومخاطبة الوجدان الشعبي المؤيد لها عبر رسائل بصرية تفوق في تأثيرها خطابات المنابر السياسية التقليدية.
2. يمثل هذا الملف “اختبارًا جديدًا لتقاطع الصلاحيات بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والدولة المضيفة”؛ حيث يضع الولايات المتحدة في معضلة تنظيمية وسياسية تتعلق بحدود التعبير والسيادة على أراضيها خلال حدث عالمي، فبينما تعمل “الفيفا” على الحفاظ على استقلالية قرارها الرياضي وحظر الشعارات العقائدية والسياسية بموجب المادة الرابعة، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام بروتوكولات دولية تُلزمها بضمان حرية الحركة للمنتخبات المشاركة دون تدخل سياسي مباشر، وبالتالي فإن إدارة هذا الملف يختبر مرونة المؤسسات الرياضية الدولية ومدى قدرة الدولة المضيفة على التعامل مع الدول المشاركة حتى في أوقات الحرب.
3. يظهر “البعد الإعلامي والتفاعلي” للحدث كأحد أبرز مكاسب المناورة الرمزية الإيرانية؛ فمن زاوية تحليل الخطاب الإعلامي، يُعد مجرد تقديم الطلب وإثارة الجدل حوله انتصارًا إستراتيجيًا بصرف النظر عن قرار “الفيفا” النهائي بالقبول أو الرفض، كما إن طرح المسألة يخلق مساحة نقاش واسعة في وسائل الإعلام تعيد إنتاج صورة إيران من زاوية “الهوية والمظلومية والرمز”، ويجبر المنصات الغربية على تفسير الدلالات الثقافية لعاشوراء والسياسية لرقم 168، وبذلك تنجح طهران في فرض رؤيتها على التغطية الإعلامية للبطولة، محولةً الرفض المتوقع إلى مظلومية إضافية تُستثمر في الدعاية الداخلية، والقبول إلى اعتراف دولي بحقها في التعبير عن هويتها فوق الأراضي الأمريكية، وحتى إن لم تنجح إيران بفعل هذا فقد تستفيد دعائيًا وترويجيًا من حادثة الرفض.
رابعًا: التقدير العام للتحرك وانعكاساته المحتملة
يمثل التحرك الإيراني في جوهره محاولة استراتيجية لاختبار حدود التعبير الرمزي داخل الفضاء الرياضي الدولي، ومحاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة في الدبلوماسية العامة، ومع ذلك، فإن إقامة البطولة فوق الأراضي الأمريكية، وفي ظل أجواء التوتر، يمنح هذه الشارة السوداء والرموز المصاحبة لها (مثل رقم 168) أبعادًا تتجاوز في تفسيرها السياق الديني والثقافي، لتتحول في أدبيات العلوم السياسية وتحليل النزاعات إلى أدوات “لإدارة الصراع”. ومن ناحية أخرى، تندرج هذه الحالة المعقدة تحت مفهوم “تسييس الرياضة القسري”؛ حيث تعجز المؤسسات الدولية مثل “فيفا” عن عزل أحداثها عن ارتدادات العلاقات الدولية، خاصة عندما تتقاطع لوائح اللعبة مع التزامات السيادة وقوانين الأمن القومي للدولة المضيفة، وفي ضوء هذا التعقيد، وربطًا بنمط إقامة المنتخب الإيراني المقيد في المكسيك، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تنتهي إليها هذه الحادثة خلال البطولة:
1. السيناريو الأول: الامتثال للوائح والاحتواء الدبلوماسي
يتلخص هذا السيناريو في إصدار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) رفضًا حاسمًا ومسبقًا للطلب الإيراني استنادًا إلى المادة الرابعة من لوائحه، لتجنب فتح الباب أمام قضايا سياسية أو مذهبية أخرى. وفي المقابل يمتثل الاتحاد الإيراني للقرار تجنبًا لفرض عقوبات رياضية قاسية قد تصل إلى شطب النتائج أو الحرمان من المشاركة، مع لجوء طهران إلى استثمار هذا الرفض إعلاميًا في الداخل وعبر قنواتها الدبلوماسية لتعزيز سردية “المظلومية والتحيز الغربي ضد الرموز الإسلامية والوطنية”، خاصةً بعد تصريح وزير الرياضة الايراني بالتهديد بالانسحاب من البطولة حال توجيه أي هتافات عنصرية للمنتخب الايراني خلال المباريات القادمة.
2. السيناريو الثاني: الصدام وتحدي القوانين
يتمثل في إصرار الوفد الإيراني على تحدي قرار “فيفا” والنزول إلى أرض الملعب بالشارات السوداء أو دبابيس ضحايا مدرسة ميناب دون موافقة رسمية. وهذا السيناريو سيؤدي إلى تفجير أزمة قد تجبر حكام اللقاء على اتخاذ إجراءات صارمة (مثل تأخير انطلاق المباراة أو إلغائها)، وستدفع بـ “فيفا” لفرض عقوبات انضباطية ومالية، وهو ما سينعكس سلبًا على الأجواء الأمنية المحيطة بالبعثة أثناء عبورها المؤقت للأراضي الأمريكية، ويضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مباشرة مع التغطية الإعلامية العالمية للحدث.
3. السيناريو الثالث: التسوية البصرية غير المباشرة
يقوم هذا السيناريو على إعادة إنتاج الموقف من خلال السماح للمنتخب الإيراني بارتداء شارات سوداء تقليدية مجردة من أي شعارات أو أرقام، وهو ما يمنح طهران نصرًا رمزيًا جزئيًا أمام جمهورها، ويحفظ لـ “فيفا” هيبة لوائحه، ويجنب واشنطن حرج الصدام التنظيمي على أراضيها، لكنه يبقى السيناريو الأقل حظوظًا في نسب الوقوع.
في الختام: يخلص التقدير العام إلى أن التحرك الإيراني، وإن بدا في ظاهره طلبًا بروتوكوليًا رياضيًا، إلا إنه يمثل مناورة مدروسة لإحراج الخصم السياسي في عقر داره وإجباره على التفاعل مع سردية الهوية الإيرانية. وسيتوقف المآل النهائي لهذه الأزمة على مدى قدرة الفيفا على تطبيق القانون من جهة، وقدرة الجانب الإيراني على تحقيق التوازن بين مكاسبه الرمزية الإعلامية مع تكلفة العقوبات الرياضية.
ومن ثم يتضح أن التحرك الإيراني بشأن ارتداء شارات سوداء خلال بطولة كأس العالم 2026 لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً بروتوكوليًا أو رمزيًا محدود الأثر، بل بوصفه جزءًا من تفاعل أوسع بين الدين والسياسة والرياضة في الفضاء الدولي، فالتزامن مع ذكرى عاشوراء يضفي بعدًا دينيًا على الموقف، بينما يضيف انعقاد البطولة في الولايات المتحدة مستوى آخر من التعقيد السياسي المرتبط بسياقات التوتر الإيراني – الأمريكي، وهو ما يجعل من الحدث مساحة محتملة لإعادة إنتاج الرسائل الرمزية وتعدد قراءاتها.

