محمود سامح همام
باحث في الشئون الأفريقية
تشهد منطقة الساحل وغرب أفريقيا تحولًا متسارعًا في طبيعة التهديدات الأمنية المرتبطة بنشاط الجماعات المسلحة؛ حيث لم تعد هذه التنظيمات تعتمد على الهجمات المباشرة ضد الأهداف العسكرية والأمنية، بل اتجهت بصورة متزايدة إلى استهداف البنية الاقتصادية وشبكات النقل والتجارة باعتبارها أدوات ضغط استراتيجية على الحكومات المحلية. وفي هذا السياق، برزت الهجمات الأخيرة التي شهدتها مالي وما تبعها من فرض حصار على عدد من المحاور البرية الحيوية باعتبارها مؤشرًا على تطور تكتيكات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نحو نمط أكثر تعقيدًا يقوم على تعطيل حركة الإمداد والتبادل التجاري وتهديد النشاط الاقتصادي للدولة. ويطرح هذا التطور تساؤلات مهمة حول قدرة الجماعات المسلحة على التأثير في الممرات التجارية الإقليمية، واحتمالات امتداد هذا التهديد مستقبلًا إلى الممرات البحرية الحيوية المرتبطة بمنطقة غرب أفريقيا.
أولًا: توظيف الحصار والسيطرة على الممرات التجارية كأداة لتعزيز النفوذ المسلح
لم يعد الهدف الرئيسي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين يقتصر على السيطرة الميدانية أو تنفيذ هجمات ضد القوات الحكومية، بل باتت الجماعة تسعى إلى استخدام الممرات التجارية وطرق النقل الاستراتيجية كورقة ضغط سياسية وأمنية واقتصادية. ويعكس الحصار المفروض على بعض الطرق الحيوية في مالي توجهًا متناميًا لدى الجماعة نحو التحكم في حركة التجارة والإمدادات، بما يسمح لها بإضعاف سلطة الدولة وفرض معادلات جديدة على الأرض دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة على المدن الرئيسية.
1. استهداف شرايين التجارة الداخلية
يمثل استهداف الطرق الرابطة بين المدن المالية الكبرى أحد الإجراءات لتعطيل حركة البضائع والسلع الأساسية، خاصة في ظل اعتماد العديد من المناطق على النقل البري في تأمين احتياجاتها اليومية. ويؤدي هذا النمط من العمليات إلى خلق ضغوط اقتصادية متزايدة على الحكومة والسكان، بما يعزز من حالة عدم الاستقرار ويضعف الثقة في قدرة الدولة على إدارة المجال العام.
2. تعطيل خطوط الربط بين الساحل والموانئ البحرية
تكتسب الطرق المؤدية إلى الموانئ الواقعة على سواحل غرب أفريقيا أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة لمالي باعتبارها دولة حبيسة تعتمد بصورة كبيرة على هذه المنافذ في تجارتها الخارجية. ومن ثم، فإن استهداف محاور مثل كايس–باماكو وكوناكري–باماكو يعكس إدراك الجماعة لأهمية هذه الممرات في التأثير على الاقتصاد الوطني والإقليمي، ومحاولة استغلالها كورقة ضغط على الحكومة المالية وشركائها الإقليميين.
3. فرض ضغوط اقتصادية تتجاوز الحدود الوطنية
لا تقتصر تداعيات الحصار على الداخل المالي فحسب، بل تمتد إلى شبكة التجارة الإقليمية الأوسع؛ إذ ترتبط دول الساحل بسلسلة من الممرات البرية التي تصلها بالموانئ الساحلية في غينيا وساحل العاج والسنغال. وبالتالي فإن أي اضطراب في هذه المسارات ينعكس على حركة السلع والاستثمارات وتكاليف النقل في المنطقة بأكملها.
4. الانتقال من السيطرة العسكرية إلى النفوذ الاقتصادي
تكشف هذه التحركات عن تحول استراتيجي في منهج الجماعة والمتمثل في السعي من نمط السيطرة الجغرافية المباشرة إلى محاولة امتلاك أدوات التأثير الاقتصادي. فكلما ازدادت قدرة التنظيم على تعطيل التجارة والتحكم في طرق الإمداد، ازدادت قدرته على فرض نفسه كفاعل مؤثر في البيئة الأمنية والسياسية، حتى دون امتلاك سيطرة فعلية على المراكز الحضرية.
ثانيًا: التداعيات الاقتصادية والإقليمية لاستهداف الممرات التجارية في غرب أفريقيا
لم تعد استراتيجية جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مقتصرة على تهديد الأوضاع الأمنية داخل مالي، بل تحولت إلى تهديد مباشر لشبكات التجارة الإقليمية التي تربط دول الساحل بالموانئ الساحلية في غرب أفريقيا. فمنذ سبتمبر 2025، تبنت الجماعة سياسة تقوم على استهداف خطوط الإمداد وقوافل النقل والوقود، وهو ما أدى إلى تعطيل حركة التجارة وفرض ضغوط اقتصادية متزايدة على الدول المرتبطة بالاقتصاد المالي.
1. تهديد سلاسل الإمداد بين الساحل والدول الساحلية
تمثل الموانئ الواقعة على السواحل الأطلسية لغرب أفريقيا المنفذ الرئيسي لدول الساحل الحبيسة، وفي مقدمتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ولذلك فإن استهداف الطرق البرية التي تربط هذه الموانئ بالعمق الأفريقي يهدد أحد أهم الشرايين الاقتصادية في المنطقة، ويؤثر بصورة مباشرة على حركة السلع والبضائع الأساسية.
2. تأثر الممرات التجارية الاستراتيجية
برز ممر داكار–باماكو باعتباره أحد أكثر الممرات تضررًا من الهجمات المتكررة في مناطق غرب مالي، خاصة في ظل أهمية مالي كشريك تجاري رئيسي للسنغال. وقد أدى تدهور الوضع الأمني إلى تعطيل حركة الحاويات والشاحنات ورفع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما انعكس سلبًا على حجم التبادل التجاري بين البلدين.
3. انعكاسات اقتصادية على الأسواق المحلية والإقليمية
أدى تعطيل الممرات التجارية إلى تقليص تدفقات الوقود والمواد الغذائية والسلع الأساسية إلى الأسواق المالية، كما أثر على أنشطة النقل والخدمات اللوجستية والتجارة الحدودية. ولم تقتصر هذه التداعيات على مالي وحدها، بل امتدت إلى الدول الساحلية التي تعتمد على حركة العبور التجاري مع دول الساحل باعتبارها مصدرًا مهمًا للعائدات الاقتصادية.
4. اتساع نطاق التهديد إلى ممرات إقليمية أخرى
تكشف الهجمات التي استهدفت محيط ممر أبيدجان–باماكو والطرق الرابطة بين بوركينا فاسو وغانا عن اتجاه الجماعة نحو توسيع نطاق الضغط على شبكات التجارة الإقليمية. وهو ما يثير مخاوف متزايدة من انتقال حالة عدم الاستقرار إلى ممرات أخرى تربط موانئ ساحل العاج وغانا وتوغو وبنين بدول الساحل، بما قد يهدد المنظومة التجارية لدول غرب أفريقيا بأكملها.
ثالثًا: تحديات الاستجابة الإقليمية وفرص بناء تعاون مشترك لحماية الممرات التجارية
أظهرت التطورات الأخيرة أن مواجهة التهديدات التي تستهدف الممرات التجارية لم تعد مسئولية دولة واحدة، بل أصبحت قضية أمن إقليمي ترتبط باستقرار الاقتصاد وحركة التجارة في غرب أفريقيا ككل. ورغم الجهود التي اتخذتها الحكومات المتضررة، فإن استمرار الهجمات يكشف عن ضرورة العمل على إيجاد مقاربة جماعية أكثر شمولًا وفاعلية لمواجهة هذه التهديدات وذلك على النحو الآتي:
1. لجوء الحكومات إلى إجراءات احتواء مؤقتة
سعت السلطات المالية إلى الحد من آثار الحصار عبر تنظيم قوافل وقود وتوفير القوات العسكرية لحمايتها، وتبسيط الإجراءات الجمركية، ومكافحة السوق السوداء، إلى جانب محاولة تنويع المنافذ التجارية وتقليل الاعتماد على بعض الممرات الأكثر تعرضًا للتهديد. إلا أن هذه الإجراءات تظل ذات طبيعة دفاعية ولا تعالج جذور المشكلة الأمنية.
2. محدودية وضعف المقاربة العسكرية التقليدية
تعكس الهجمات الواسعة التي شهدتها مالي استمرار قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات منسقة رغم الضغوط العسكرية. كما تكشف عن صعوبة الاعتماد على الأدوات العسكرية وحدها في تأمين مساحات جغرافية واسعة وشبكات نقل تمتد عبر عدة دول وحدود مفتوحة.
3. الحاجة إلى حماية جماعية للممرات التجارية
تفرض التداعيات العابرة للحدود ضرورة تطوير آليات مشتركة لحماية طرق التجارة الاستراتيجية، سواء من خلال التنسيق الأمني والاستخباراتي أو عبر إنشاء ترتيبات إقليمية لتأمين حركة النقل والبضائع. فاستمرار استهداف هذه الممرات لا يهدد دولة بعينها، وإنما يطال المصالح الاقتصادية المشتركة لدول الساحل والدول الساحلية على حد سواء.
4. مكافحة الإرهاب كمدخل لتعزيز التعاون الإقليمي
قد تدفع التهديدات المتزايدة للممرات التجارية الفاعلين الإقليميين إلى تجاوز الخلافات السياسية وتفعيل أطر التعاون القائمة. فالمؤسسات الإقليمية في غرب أفريقيا أصبحت مطالبة بتبني رؤية مشتركة تجمع بين الأبعاد الأمنية والاقتصادية، بهدف منع تحول الممرات التجارية إلى ساحات نفوذ للجماعات المسلحة وضمان استمرار تدفق التجارة والاستثمارات داخل الإقليم.
في الختام: تكشف التطورات الأخيرة في مالي أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم تعد تعتمد فقط على العنف المسلح التقليدي، بل باتت توظف الممرات التجارية وشبكات الإمداد كأدوات استراتيجية لفرض الضغوط على الحكومات وإعادة تشكيل البيئة الأمنية والاقتصادية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا. ويعكس استهداف الطرق الحيوية الرابطة بين الموانئ الساحلية ودول الساحل تحولًا نوعيًا في طبيعة التهديدات التي تواجهها المنطقة؛ حيث أصبح الأمن الاقتصادي والتجاري جزءًا لا يتجزأ من معادلة مكافحة الإرهاب. وفي ظل الترابط المتزايد بين اقتصادات دول غرب أفريقيا، فإن استمرار هذه التكتيكات يهدد بتوسيع نطاق عدم الاستقرار إلى ما هو أبعد من مالي، الأمر الذي يفرض على الفاعلين الإقليميين تبني مقاربة جماعية تتجاوز الاستجابات العسكرية التقليدية نحو بناء منظومة متكاملة لحماية الممرات التجارية وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، بما يضمن الحفاظ على استقرار الإقليم ومنع الجماعات المسلحة من تحويل طرق التجارة إلى أدوات نفوذ واستنزاف للدول.

