محمود ناصر جويدة
باحث في العلوم السياسية

في عالم تغلب عليه التحليلات الجيوسياسية الدقيقة والعمليات الاستخباراتية المعقّدة، قد يبدو من الغريب أن تتحوّل طلبات البيتزا إلى أداة استشعار مبكر للتوترات والصراعات الدولية. إلا أن ما يُعرف اليوم بـ”نظرية بيتزا البنتاغون” يبرهن على أن التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية قد تكشف أحيانًا ما تعجز الأقمار الصناعية والتقارير الاستخباراتية عن رصده مبكرًا.
فمع كل أزمة كبرى تهدد الأمن القومي الأمريكي، يسجَّل ارتفاع مفاجئ في طلبات البيتزا من المطاعم القريبة من مراكز القرار في واشنطن، في ظاهرة تكررت مرارًا وأثارت اهتمامًا واسعًا بين المحللين، وخلال الأيام القليلة الماضية، ومع اشتداد التوتر الإيراني-الإسرائيلي، أعاد هذا المؤشر غير التقليدي نفسه إلى الواجهة، بعد أن سبق الهجوم الجوي الأكبر لإسرائيل على إيران بساعات، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول مدى القدرة على قراءة السياسة من خلال عدّاد توصيل الطعام؟
مؤشرات الحرب: البيتزا تكشف الهجوم الإسرائيلي على إيران
منذ الأول من يوليو 2025، رصد مراقبون زيادة غير معتادة في طلبات البيتزا من فرع “دومينوز” القريب من مبنى البنتاغون في العاصمة الأمريكية واشنطن. ويُظهر موقع Pentagon Pizza Report تصاعدًا ملحوظًا في عدد الطلبات، كما توضح الصور الملتقطة مساء أمس، مع استمرار الازدحام حتى صباح اليوم، 13 يونيو. وهذه الظاهرة، التي اعتاد بعض المحللين قراءتها كمؤشر غير مباشر على تصاعد النشاط الأمني أو العسكري داخل وزارة الدفاع الأمريكية، تكررت هذا الأسبوع بصورة لافتة. فقد أفاد عدد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، خلال اليومين الماضيين، بوجود حركة توصيل نشطة وغير اعتيادية للبيتزا في محيط البنتاغون ووزارة الدفاع، وهو ما أثار سلسلة من التكهنات بشأن تطورات محتملة تجري خلف الأبواب المغلقة.[1]

وبالفعل، لم يمر وقت طويل حتى ظهرت الأنباء عن تطورات جسيمة: صباح اليوم، 13 يونيو، شنّت إسرائيل أكبر هجوم جوي في تاريخها على الأراضي الإيرانية، مستهدفة مواقع في العاصمة طهران ومحيطها، وأسفرت الغارات عن سقوط 78 قتيلًا و329 مصابًا، معظمهم من المدنيين في مناطق سكنية. لكن الأثر الأكبر للضربة الإسرائيلية كان على المستوى العسكري والاستراتيجي؛ إذ أعلن الجيش الإسرائيلي أن الهجوم أسفر عن مقتل عدد من كبار قادة الأجهزة العسكرية والأمنية والعلمية في إيران.
ويعكس الهجوم تصعيدًا غير مسبوق في الصراع الإيراني – الإسرائيلي، ويطرح تساؤلات حول ردود الفعل الإيرانية، والموقف الأمريكي الذي تشير بعض المؤشرات إلى تورطه أو معرفته المسبقة، خاصة في ظل الحراك غير المعتاد في أروقة البنتاغون.[2]
لم يكن هذا التوقع الأول من نوعه. في أبريل 2024، رصد مستخدمو الإنترنت ازدحامًا غير معتاد في بعض مطاعم البيتزا القريبة من منشآت حكومية في العاصمة الأميركية واشنطن، وذلك قبيل إعلان إسرائيل عن شنّ هجوم صاروخي على إيران في 18 من الشهر نفسه. وقد استند مؤيدو ما يُعرف بـ”نظرية عداد البيتزا” إلى لقطات شاشة من خرائط “جوجل” تُظهر توصيف المطاعم بأنها “مزدحمة للغاية” أو “أكثر ازدحامًا من المعتاد” خلال تلك الفترة.[3]
ورغم الاهتمام الذي أثارته هذه النظرية على مواقع التواصل، فإنها تبقى مثارًا للشك والتهكم. فلا توجد أي دراسات علمية تؤكد وجود علاقة سببية بين زيادة الطلب على البيتزا ووقوع أحداث جيوسياسية كبرى. كما أشار كثيرون إلى أن بعض لقطات الشاشة المتداولة قد تكون معدّلة أو منتقاة بشكل انتقائي لدعم هذه الفرضية.
نظرية بيتزا البنتاغون: من فرضية طريفة إلى أداة استخباراتية غير تقليدية
في مشهد يعكس التداخل الغريب بين الحياة اليومية والمقاربات الاستخباراتية، تعود للواجهة ما تُعرف بـنظرية بيتزا البنتاغون وهي فرضية غير رسمية تُشير إلى أن الارتفاع المفاجئ في طلبات البيتزا من مطاعم العاصمة الأميركية واشنطن قد يكون مؤشرًا مبكرًا على اقتراب حدث جلل، لا سيما في سياق الأمن القومي أو العمليات العسكرية.
تعتمد النظرية، التي تعود جذورها إلى عقود مضت، على منطق بسيط: عندما تندلع الأزمات الكبرى أو تتخذ قرارات مصيرية في البيت الأبيض أو البنتاغون، يُجبر المسئولون رفيعو المستوى، من ضباط وقادة سياسيين ومحللي استخبارات، على البقاء في مكاتبهم لساعات طويلة دون مغادرتها، الأمر الذي يدفعهم إلى طلب الطعام، وفي مقدّمته البيتزا، كخيار سريع وعملي.
ورغم طرافة الفرضية في ظاهرها، إلا أنها لاقت اهتمامًا متزايدًا مؤخرًا، بعد أن بدأت مواقع متخصصة في رصد البيانات، ومجتمعات استخباراتية غير رسمية، بتعقّب أنماط الطلبات وربطها بأحداث واقعية. ففي الآونة الأخيرة، ومع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، لاحظ بعض المراقبين تزايدًا ملحوظًا في حركة طلبات البيتزا في محيط البنتاغون، ما اعتُبر من قبل البعض إشارة ضمنية على تحضيرات طارئة أو اجتماعات غير معلنة مرتبطة بتطورات أمنية في الشرق الأوسط.[4]
هذه الظاهرة تسلط الضوء على تحوّلات أعمق في أدوات التحليل الجيوسياسي، حيث باتت البيانات غير التقليدية من أنماط استهلاك الطعام، إلى حركة الطيران الخاصة، وحتى إشارات الهاتف المحمول تُستخدم جنبًا إلى جنب مع التقارير الدبلوماسية والمصادر المفتوحة، لبناء تصوّرات مستقبلية حول ما قد يحدث في كواليس السياسة العالمية.
من حرب الخليج إلى كلينتون: شواهد تاريخية تدعم المؤشر
تزايدت طلبات توصيل البيتزا بشكل غير معتاد عشية حرب الخليج، وتحديدًا في الليلة السابقة لغزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990، حين سُجِّل رقم قياسي لعدد الطلبات المُرسلة إلى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وهذا التوقيت لم يكن مصادفة، بل كان مؤشرًا على حالة الاستنفار السري داخل أجهزة الأمن القومي الأمريكية.
يرتبط هذا النمط الغريب من الطلبات برجل الأعمال فرانك ميكس، الذي امتلك عشرات فروع دومينوز بيتزا في منطقة واشنطن العاصمة. ففي تصريح لصحيفة لوس أنجلوس تايمز في يناير 1991، حينما كان يدير 43 فرعًا، قال: “وسائل الإعلام لا تعلم دائمًا متى سيقع حدث مهم، لأنها تكون في حالة سكون، لكن موصلي البيتزا يجوبون الشوارع حتى الثانية صباحًا.”[5]
في عام 1998، بدأ اسم فرانك ميكس يتصدر عناوين الصحف الأمريكية، ليس بصفته رجل أعمال ناجحًا فحسب، بل كمصدر غير تقليدي لمؤشرات الأحداث السياسية الكبرى في واشنطن. فميكس، الذي كان يمتلك آنذاك 59 فرعًا من فروع “دومينوز بيتزا” في العاصمة الأمريكية ومحيطها، لاحظ نمطًا متكررًا في ارتفاع غير معتاد لطلبات البيتزا، خصوصًا من مقارّ المؤسسات السيادية.
فخلال ديسمبر من ذلك العام، وفي خضم جلسات الاستماع لعزل الرئيس بيل كلينتون، بالتزامن مع حرب كوسوفو، صرّح ميكس لصحيفة واشنطن بوست قائلًا: “الأمور بلغت حد الجنون”. وجاء تصريحه على خلفية تضاعف الطلبات بشكل لافت؛ إذ ارتفع عدد طلبات البيتزا في البنتاغون من نحو 50 بيتزا يوميًا إلى ما يقارب 300، معظمها كانت تُطلب في ساعات متأخرة من الليل. وفي الوقت ذاته، سجلت وزارة الخارجية تضاعفًا في حجم الطلبات أيضًا.[6]
وبحسب بيانات “دومينوز” التي نشرتها واشنطن بوست، فقد بلغت قيمة طلبات البيتزا من البيت الأبيض نحو 3100 دولار أمريكي خلال ثلاثة أيام فقط من ذلك الأسبوع — وهو مبلغ يتجاوز ما تم طلبه خلال الأيام الثلاثة التالية لانفجار قضية مونيكا لوينسكي، ويعادل تقريبًا ستة أضعاف المعدل الطبيعي لتلك الفترة. أما مبنى الكابيتول، فقد بلغت قيمة طلباته 11,600 دولار أمريكي في نفس الأسبوع، أي أكثر بسبع مرات من حجم الطلبات خلال فترة إغلاق الحكومة في نوفمبر 1995.
في الختام: على الرغم من طرافة الفرضية، فإن تكرار هذا النمط في لحظات مفصلية يجعل من الصعب تجاهله تمامًا. وبينما تبقى “نظرية بيتزا البنتاغون” خارج إطار التحليل الرسمي، فإنها تذكّرنا بأن البيانات غير التقليدية قد تحمل أحيانًا مؤشرات مبكرة على قرارات كبرى تُطبخ في الخفاء وربما تصلنا أولًا عبر طلبات البيتزا.
[1] Why Is the ‘Pentagon Pizza Index’ Trending on Social Media.” The Times of India (ETimes Trending), June 13, 2025, 18:30 IST. Accessed June 13, 2025. https://timesofindia.indiatimes.com/etimes/trending/why-is-the-pentagon-pizza-index-trending-on-social-media/articleshow/121829309.cms.
[2] The Wall Street Journal. 2025. “Here’s Who Iran Says Israel Killed in Strikes.” The Wall Street Journal, June 13, 2025. Live coverage card. Accessed June 13, 2025.https://www.wsj.com/livecoverage/israel-iran-strike-conflict/card/here-s-who-iran-says-israel-killed-in-strikes-b47uFcgP56SXBIrKL5fR
[3] Joshua Roberts, Alejandro Cañas, and David Nelson, “What Is the Pizza Meter? The Signal That Spiked on Saturday during Iran’s Attack on Israel,” AS USA, April 16, 2024 https://en.as.com/latest_news/what-is-the-pizza-meter-the-signal-that-spiked-on-saturday-during-irans-attack-on-israel-n/
[4] Clarendon, Dan. “Do Pizza Orders Portend War? Pizza Meter Explained.” Distractify, May 13, 2024 https://www.distractify.com/p/pizza-meter-explained
[5] Tiberti, Federico، و Esteban Actis. “El Pizzómetro, una señal de momentos de crisis que se remontaría a la Guerra Fría.” Infobae, 14 de abril de 2024. https://www.infobae.com/economia/2024/04/14/el-pizzometro-una-senal-de-momentos-de-crisis-que-se-remontaria-a-la-guerra-fria/
[6] Chicago Tribune. 1991. “Washington at War.” Chicago Tribune, February 17, 1991. https://www.chicagotribune.com/1991/02/17/washington-at-war/.

