مرﭬت زكريا
باحثة في الشأن الإيراني

آثار إعلان وزیر التراث الثقافي والسياحة والصناعات الیدوية رضا صالحي أميري في 28 مايو 2025 عن بدء رحلات السياح الإيرانيين والمصريين لكلا البلدين بالمستقبل القريب الكثير من التساؤلات حول أهداف إيران من وراء استئنافها للعلاقات مع مصر وبعض الدول العربية الأخرى مثل البحرين والمغرب. ويتوافق ذلك إلى حد كبير مع تصريح القائم بالأعمال الإيراني في القاهرة محمد سلطانى فرد على هامش زيارة وزير السياحة الإيراني إلى مصر في بداية مايو 2025 والذي أكد فيه على حل غالبية القضايا الخلافية بين طهران والقاهرة وإلى أن العلاقات الثنائية بين البلدين دخلت مرحلة وصفحة جديدة في التعاون الثنائي المشترك، وأن هناك اهتمام مشترك بعودة خطوط الطيران بين طهران والقاهرة.
وتأتي هذه التصريحات بعدما فتحت طهران مسارًا للتقارب مع القاهرة عبر دول عربية للتوسط بينها وبين القاهرة لتقريب وجهات نظر الطرفين تجاه القضايا الخلافية مع إيلاء القاهرة اهتمامًا بالتفاعل مع هذا التوجه والتعامل معه على نحو إيجابي بهدف وضع التصورات المصرية لمسار تطور العلاقات مع إيران سواء في ملفات التعاون أو فيما يتعلق بالتحفظات المصرية على اتجاهات سياسة إيران الإقليمية.
وكان الهدف الأساسي من هذه المحادثات بصورتها المباشرة وغير المباشرة العمل على استكشاف إمكانيات تحسين العلاقات الثنائية ووضع إستراتيجيات تهدف إلى منع أي سوء تفاهم أو اشتباكات محتملة تتعلق بالقضايا الإقليمية. وعلى الرغم من أن هناك حالة من التقارب بين إيران ودول منطقة الخليج العربي، إلا أن مصر انتهجت مسار خاص بها يتسم بالعمل وفق النتائج وليس التصريحات، وهو ما يمنح القاهرة مساحة كبيرة للتقييم والتقدير للمسارات والنتائج في ظل ادراك القاهرة أن إيران دولة لديها مشروع ورغبة في التوسع في المنطقة، وهو ما يتعارض مع ثوابت السياسة الخارجية المصرية.
وعليه، يمكن تفصيل دوافع إيران وراء دعواتها المتكررة للتقارب مع مصر على النحو التالي:
أولًا: محورية البعد الاقتصادي
تسعى طهران إلى كسر الحصار الدولي المفروض عليها والحصول على مكاسب اقتصادية خاصة في محيطها الإقليمي، في الوقت الذي يعاني فيه اقتصادها بسبب العقوبات الغربية. وفي حال نجاح طهران في تطوير علاقاتها مع القاهرة، ستتمتع إيران بمزايا نسبية، نظرًا للمكانة الإقليمية التي تتمتع بها مصر، ووزنها في محيطها العربي، مما يتيح فرصة جيدة لإيران لإفشال سياسة عزلها دوليًا وحشد العداء لها خاصة بين الدول العربية، من خلال تحسين صورتها الذهنية لدى العديد من الأطراف العربية. ترغب الحكومة الإيرانية بقيادة مسعود بزشكيان في تطوير علاقاتها الاقتصادية مع أكبر عدد ممكن من دول المنطقة، على خليفة وضع الاقتصاد الإيراني الذي تدهور للغاية خلال الأونة الأخيرة. وهنا، تعول الحكومة الإيرانية على فرضية مفادها أن استخدام القدرات الجغرافية وإنشاء روابط خاصة مع الجيران يمكن أن يحل العديد من التحديات، لاسيما في مجال توفير موارد النقد الأجنبي، كما إن نشاط قطاعات الصناعة من خلال زيادة الصادرات يخلق فرص عمل ودخل للشعب.
وفي هذا السياق، تعد مصر -في حال وجود علاقات كاملة مع إيران- سوقًا كبيرًا للسلع الإيرانية. ورغم أن مصر تستورد بعض المنتجات الإيرانية مثل المكسرات والسجاد، إلا أن إيران تهدف إلى توسيع مستوى التبادل في رغبة منها لتخطى القيود التي فرضتها العقوبات الغربية عليها. وأوضحت بيانات مركز الإحصاء الإيراني أن صادرات إيران إلى مصر بلغت خلال عام 2021 أكثر من 5 ملايين و600 ألف دولار، مما يجعل مصر في المرتبة 71 فيما بالدول المستوردة من إيران. كما أن حجم الواردات من مصر يقارب 3 ملايين و900 ألف دولار بزيادة 51٪ عن عام 2020.
ثانيًا: التعويل على مصر للخروج من عزلتها واستعادة دورها الإقليمي كدولة قومية
تعاني إيران في الوقت الحالي من عزلة كبيرة على المستوى العالمي والإقليمي على خلفية العقوبات الاقتصادية التي تم تكثيفها عليها عقب حملة الضغط الأقصى التي فرضت عليها بعد عودة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مرة أخرى، وجاء ذلك على خلفية بعض القضايا الهامة مثل حقوق الإنسان وخرق إيران لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي، ورغبة إدارة ترامب في تصفية مصادر الدخل الإيراني ولاسيما فيما يتعلق بالقطاعات الصناعية الهامة مثل النفط والبتروكيماويات، لحرمان إيران من الأموال التي يمكن أن تساهم في إعادة تأهيلها للميليشيات المسلحة الموالية لها بالمنطقة.
لذا، تحاول إيران إصلاح علاقتها مع جمهورية مصر العربية وبعض الدول الخليجية الكبرى مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لاستغلال ذلك كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة فيما يتعلق بمفاوضات الاتفاق النووي. ومن ناحية أخرى، تحاول إيران كسب ود القاهرة وبعض العواصم العربية التي طالبت بأن تكون متضمنة في مفاوضات العودة إلى خطة العمل المشتركة الشاملة وأن يؤخذ برأيها فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، على خلفية كونها أحد الأطراف الرئيسية التي من المؤكد أن التداعيات السلبية لهذا الأمر ستطالها من دون شك.
وعليه، تستهدف إيران احتضان الدول العربية وعلى رأسهم مصر إلى صفها في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية الأخرى، الأمر الذي من شأنه أن يمكن أن تؤكد من خلاله على أنها دولة ليست معزولة بل تتمتع بعلاقات متميزة مع كافة دول العالم، وبالتالي فإن استعادة العلاقات مع مصر وتطبيعها سيحبط جهود العزلة التي تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل فرضها على إيران؛ حيث تعمل تل أبيب بنشاط على إنشاء تحالف إقليمي لمواجهة طهران.
ثالثًا: تأسيس تضامن بين الدول الرافضة للسياسات الإسرائيلية
تُلقي الحرب في قطاع غزة بظلالها على الكثير من ملفات العلاقات الإقليمية، ومن بينها العلاقات المصرية – الإيرانية، التي شهدت قبل السابع من أكتوبر الماضي خطوات للتقارب بين الجانبين بعد عقود من الجمود، ومن ثم فقد جاء تجدد دعوات إيران لتطوير علاقتها مع مصر في وقت تتصاعد فيه التصريحات العدائية بين طهران وتل أبيب في ظل وجود حكومة إسرائيلية متطرفة بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي هدد في أكثر من مناسبة بشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، وخاصة بعد عملية طوفان الأقصى التي شنتها حركة حماس الفلسطينية على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، واستغلال ضعف إيران وتراجع دورها الإقليمي بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.
وهنا، يتضح أن إيران تحاول التقارب مع مصر والتعويل على تطوير العلاقات معها في مواجهة تل أبيب. كما يمكن اعتبار ذلك بمثابة أحد الانعكاسات المباشرة للانتهاكات الإسرائيلية لقطاع غزة بعد عملية طوفان الأقصى على اعتبار أن مصر دولة جوار مباشر لفلسطين وترفض تصفية قضيتها بأية شكل من الأشكال.
ومن ناحية أخرى، تستهدف إيران من خلال تطوير علاقتها مع مصر ودول المنطقة الحد من تكلفة عملياتها الخارجية المشبوهة بشأن دعم الميليشيات المسلحة الموالية لها بالمنطقة؛ حيث ترغب إيران من خلال ذلك أن يكون دورها الإقليمي كدولة طبيعية قومية محفز لها على الوصول مع صفقة مع واشنطن بشأن برنامجها النووي ولاسيما في ظل إشارة بعض التقارير الغربية إلى أن هناك موافقة مبدئية من جانب طهران على وقف تخصيب اليورانيوم لمدة عام في إطار اتفاق إطاري أو مؤقت مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هذا السياق، تستهدف إيران أكثر من أي وقت مضى رفع العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة عليها، لجهة تحسين الأوضاع الاقتصادية في مجتمع بات على شفا الانفجار بسبب الضغوط الاقتصادية وزيادة معدلات الهجرة، ولاسيما فيما يتعلق بهجرة العقول، وانخفاض مستوى النمو السكاني عن متوسط المعدل العالمي، فضلاً عن حالة الاستقطاب السياسي الحادة بين التيارات السياسية المختلفة وخاصة بين الأصوليين والإصلاحيين بسبب بعض القوانين التي يرغب الأصوليين في تمريرها رغم إضرارها بالحكومة والشعب مثل قانون العفة والحجاب وعدم تعيين في الوظائف الحساسة والذى يقضى بعدم تعيين أية مسؤول يحمل هو أو أبنائه جنسية دولة أخرى في وظيفة حساسة أو بالأحرى تتعلق بالأمن القومي الإيراني.
رابعًا: اعتماد نهج براجماتي
ربما ما شجّع إيران هو أن الشرق الأوسط شهد تحولات في نمط التفاعلات الإقليمية في المنطقة، من حيث مراجعة السياسات السابقة لصالح سياسات أكثر براجماتية، والميل نحو التعاون والتفاهم، وهو ما يتجلى في تحسّن العلاقات الإيرانية الخليجية إلى حد كبير، ومع ذلك تظل العلاقات مع مصر عند المستوى المنخفض. من جهة أخرى، فإن الفائدة التي تعود على مصر ربما لا تكون بقدر الفوائد لإيران.
وضمن السياق ذاته، تسعى إيران إلى وضع نفسها على خريطة المصالحات الإقليمية بعد التطورات الأخيرة في المنطقة، وهذه التطورات التصالحية التي شهدتها دول المنطقة، ساهم في جعل إيران تشعر بعزلة وحاجتها كذلك إلى تطوير علاقاتها مع دول المنطقة، وهو ما جعلها تنفتح على التقارب مع مصر.
على الجانب الآخر، يمكن القول إن هناك مجموعة من التحديات التي تواجه تطور العلاقات الإيرانية المصرية يتمثل أبرزها في التدخل الإيراني في شئون بعض الدول العربية مثل العراق ولبنان واليمن وسوريا، ومع ذلك، فإن عملية تطبيع العلاقات بين مصر وإيران تواجه عدة تحديات من أهمها:
1. المخاوف المتبادلة: تتعامل القاهرة بحذر مع اتجاهات الدور الإقليمي الإيراني وطبيعة ونفوذها وعلاقاتها مع الجماعات الموالية لها، معتبرة إياها تهديدًا محتملًا لمصالحها الإقليمية، في ظل اتجاه مصر للحفاظ على وضعها كقوة إقليمية، وهو ما قد يؤدي إلى توترات مع الجهات الإقليمية الفاعلة الأخرى مثل إيران التي تتعارض أهدافها مع أهداف القاهرة الإقليمية.
2. الخبرة التاريخية: مرت العلاقات المصرية الإيرانية بالعديد من المراحل التي سيطر على معظمها حالة من عدم التقارب، مع محاولات إيرانية للتسلل إلى إعادة العلاقة مع مصر، وفتور في الاستجابة من القاهرة، مع حفاظ الدولتين على إبقاء مساحة ولو ضئيلة من التواصل والتفاهم، وعدم الوصول الى درجة القطيعة التامة بينهما. ومن ثم فإن التنافس الإقليمي هو السمة الرئيسية والممتدة للعلاقة المصرية الإيرانية عبر التاريخ؛ حيث تمتلك الدولتين حضارتين تاريخيتين متنافستين، ونفوذًا وحضورًا كبيرين في المنطقة على مر التاريخ. وهذا ما يحول دون إقامة علاقات مستقرة.
3. تقلبات العلاقة الإيرانية مع دول الخليج العربي: فعلى الرغم من بعض الإشارات الإيجابية في مسار العلاقات بين إيران وكل من السعودية والإمارات، كما سبقت الإشارة، فإن العلاقات الخليجية الإيرانية تتسم بالتقلب والتحول السريع بسبب فقدان الثقة بين الجانبين إضافة إلى الخبرات السلبية السابقة. وهو الأمر الذي توليه القاهرة اهتمام كبير باعتبار أن أمن منطقة الخليج جزءً من الأمن القومي المصري، إلا أن ذلك لا ينفي مصالح مصر الاستراتيجية واعتمادها لنهج ومسار خاص بها في التعامل مع إيران.
وفي الحقيقة، تعد نقطة الضعف الأساسية في مسار التقارب في عدم وجود قواسم مشتركة ممكنة بين البلدين دون تخلي أحدهما عن جوهر تحالفاته الإقليمية والدولية. فإيران ستتخلى عن نفوذها بالخليج والمشرق العربي، كما أن مصر لن تتخلى عن تحالفاتها العربية والإقليمية. وعلاوة على ذلك، قد تعيق العلاقات الإستراتيجية لمصر، مع الولايات المتحدة، قدرتها على تطوير علاقات قوية مع إيران، بالنظر إلى أن طهران لا تزال خصمًا قويًا لواشنطن. وبالتالي فإن التغلب على هذه العقبات بنجاح يتطلب دبلوماسية دقيقة وإدارة حكيمة لمختلف المصالح المتنافسة، على الصعيدين الإقليمي والدولي.
4. المتغير الأمريكي: يُعد الموقف الأمريكي من إيران أحد المعوقات المحتملة لتقدم العلاقات المصرية الإيرانية خاصة أن العلاقات الأمريكية المصرية تتميز بطبيعتها الخاصة وحرص كلا الطرفين على استمرارها، ومن ثم تهدف القاهرة إلى البعد عن الدخول في حسابات إقليمية قد تؤثر على مسار علاقاتها مع واشنطن، خاصة أن العلاقات الأمريكية الإيرانية تشهد توترات متصاعدة في كثير من الملفات
ومن ناحية أخرى، فإن هناك مفاوضات جارية بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي الإيراني. ومن حين لآخر، تخرج مؤشرات متضاربة بشأن مجريات عملية التفاوض بين الطرفين ما يشير إلى صعوبتها. وعلى هذا، فإن تقارب مصر مع إيران في هذا الوقت قد يؤدي إلى توتر في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وتهديد العلاقات المصرية الأمريكية، وهو ما لا تريده القاهرة بطبيعة الحال.
5. غياب سياسة الضرورة: إن التقارب الكامل بين القاهرة وطهران لن يحدث على المدى القصير. ولكن ربما يكون هناك بعض التفاهمات حول عدد من الملفات ذات العلاقة بينهما مثل تجنب الإساءة لأطراف البلدين أو انتهاج خطاب سياسي أو إعلامي هجومي، وفي ضوء ذلك، يُتوقع أن تظل مصر، كما كانت خلال العقود الماضية حاسمة في مسار تطبيع العلاقات العربية-الإيرانية في المدى المتوسط أو القريب، لأن العوامل التي تتحكم في العلاقات بين البلدين على درجة كبيرة من التعقيد والتداخل، فضلًا عن عدم وجود حاجة مصرية ملحة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، للإعادة الكاملة للعلاقات مع طهران. كما أن الاهتمامات المصرية فيما يتعلق بالعلاقة مع طهران تتعلق في أولوياتها بالعوامل الأمنية مثل دورها في غزة، وارتباطها بأمن البحر الأحمر، وهذه كلها أمور يمكن التنسيق بشأنها ضمن الإطار الأمني والاستخباراتي دون حاجة ملحة لخطوات كبيرة على المستوى السياسي قد تكلف القاهرة في الوقت الحالي تبعات ليست مستعدة له.
في الختام: يمكن القول إن العلاقات المصرية الإيرانية تتجاوز مسار المصالح الثنائية إلى مسار أكثر تعقيدًا واتساعًا وارتباطه بسياقات ومتغيرات وإقليمية ودولية وهو ما يضيف مجموعة من القيود والعراقيل التي من شأنها تحجيم مستوى تطور العلاقات الثنائية وهو ما يجعل للعلاقات بين مصر وإيران أهمية كبيرة لدول المنطقة والقوى العالمية أكبر مما تمثله للطرفين، وبالأخص مصر.

