كوثر مبارك
نائب مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر في توقيت إقليمي بالغ الأهمية يتسم بتداخل الأزمات وتشابك مسارات الأمن والسياسة والاقتصاد ليس فقط في المنطقة العربية بل في مناطق أخرى مثل حوض البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، وبالتالي من الصعوبة بمكان قراءة الزيارة بوصفها محطة ثنائية تقليدية بل باعتبارها جزءًا من تحرك إقليمي أوسع تسعى من خلاله كل من القاهرة وأنقرة إلى إعادة تشكيل دورهما في هذه المناطق التي تشهد تحولات متسارعة على رأسها تداعيات الحرب في غزة وتصاعد التوترات في البحر الأحمر والملف النووي الإيراني ومخاطر اندلاع حرب إقليمية، وتزايد المخاوف من امتدادات الصراع إلى ساحات أخرى ضمن نطاق مصالحهما.
وفي ضوء هذا التصور، تمثل القاهرة أحد القوى الإقليمية المؤثرة في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمية، سواء فيما يتعلق بإدارة الأزمات الإقليمية أو فيما يتعلق بصياغة الترتيبات المتعلقة باستعادة التهدئة والاستقرار، وبالتالي تعكس زيارة أردوغان لمصر بعد زيارة مماثلة إلى السعودية الإدراك التركي بأن معالجة الملفات الراهنة لم تعد ممكنة من خلال انتهاج مقاربات منفصلة، بل تتطلب تنسيقًا في الرؤى مع القوى العربية المركزية القادرة على التأثير في مسارات وترتيبات هذه الملفات على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
أولًا: الإطار العام للزيارة
تشكل القاهرة المحطة الرئيسية الثانية في جولة الرئيس التركي الإقليمية بعد زيارته للسعودية؛ حيث تتضمن الزيارة عقد مباحثات رسمية بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان، والتي أعقبها ترؤس الزعيمين أعمال الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا، والذي يمثل الإطار المؤسسي المنظم للعلاقات الثنائية، باعتباره أحد ركائز الانتقال بالعلاقات المصرية التركية من مرحلة التطبيع الجزئي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية اعتمادًا على التدابير والإجراءات المؤسسية.
وضمن السياق ذاته، يتزامن البعد السياسي للزيارة مع البعد الاقتصادي الذي لا يقل أهمية، وهو ما يتمثل في مشاركة الرئيسان في الجلسة الختامية لمنتدى الأعمال المصري – التركي، الذي انعقد بمشاركة واسعة من مؤسسات مالية واقتصادية ورجال أعمال من البلدين، ويؤكد هذا التوافق بين المسارين السياسي والاقتصادي إلى إن تعزيز التعاون الاستثماري والتجاري بات أحد الركائز الرئيسة في إعادة بناء العلاقات وبما يضمن تحصينها في مواجهة التقلبات السياسية.
من ناحية أخرى، يكتسب توقيت زيارة أردوغان إلى مصر دلالة إضافية لكونها جاءت مباشرة عقب زيارة أردوغان للسعودية ولقائه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان؛ حيث تم بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية التركية – السعودية، إلى جانب مناقشة ملفات إقليمية ذات طابع استراتيجي، من بينها تطورات الحرب في غزة، وأمن البحر الأحمر، والتوازنات الإقليمية الأوسع والأزمة اليمنية والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بالإضافة إلى التفاهم حول حدود التنسيق المصري السعودي التركي؛ حيث يعكس هذا التسلسل في الزيارات حرص أنقرة على الربط بين مساري القاهرة والرياض، باعتبارهما مركزين رئيسيين لصناعة القرار العربي، وهو ما يعزز فرص بناء تنسيق إقليمي أوسع، ويمنح التحرك التركي مجموعة من الدعائم التي تتجاوز الإطار الثنائي الضيق.
وفيما يتعلق بالمؤشرات السابقة الداعمة للترتيب المؤسسي للزيارة، يمكن القول إن زيارة أردوغان إلى القاهرة جاءت بعد سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية رفيعة المستوى، كان أبرزها المشاورات التي جرت بين وزيري خارجية مصر وتركيا حول الإعداد لانعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي، وقد عكست هذه الاتصالات الرغبة المتبادلة في ترسيخ الطابع المؤسسي للعلاقات، وضمان الانتظام في آليات التنسيق السياسي بين البلدين، وتندرج في هذا الإطار الرسالة الرئاسية المصرية التي نُقلت إلى الرئيس أردوغان في أنقرة، والتي تناولت التحضير لاجتماع المجلس بالقاهرة، بما يؤكد أن الزيارة ليست حدثًا طارئًا، بل حلقة في مسار متدرج ومدروس يهدف إلى تثبيت قواعد التعاون طويلة الأمد بين القاهرة وأنقرة.
ثانيًا: دوافع الزيارة وأبرز الملفات المثارة
تأتي زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر في سياق إقليمي شديد التعقيد يرتكز على مجموعة من المتغيرات الأمنية والسياسية المتسارعة، بما يجعل توقيت ودلالات الزيارة أبعد من كونها قاصرة على العلاقات الثنائية التقليدية، ويمكن قراءة دوافع الزيارة من خلال مقاربة إقليمية أوسع فرضتها بعض الملفات مثل الحرب في غزة، وتداعياتها الممتدة على أمن البحر الأحمر والملفات المتعلقة بالقرن الأفريقي، فضلًا عن تصاعد التوترات المرتبطة بالملف الإيراني والملف الليبي وغاز شرق المتوسط، وبالتالي تعكس أجندة زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر تعدد القضايا وتشابكها، بما يتجاوز الإطار الثنائي ليشمل ملفات إقليمية ودولية ذات تأثير مباشر على الأمن والاستقرار في المنطقة.
1. إعادة تعريف الدور التركي في الملف الفلسطيني
تصدر الملف الفلسطيني، ولا سيما تطورات الحرب في قطاع غزة ودخول المرحلة الثانية من اتفاق السلام حيز التنفيذ جدول أعمال المباحثات بين الجانبين، كما ركزت النقاشات على سبل وقف التصعيد وضمان استمرار التهدئة، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتبادل الرؤى حول الترتيبات المستقبلية لإدارة القطاع وعمليات إعادة الإعمار، ومنع انزلاق القطاع إلى حدوث فراغ أمني أو فوضى سياسية، كما يبرز ملف معبر رفح، وآليات التنسيق المرتبطة بالإغاثة والإجلاء الطبي، باعتباره محورًا عمليًا للتعاون، مع التأكيد على احترام الاعتبارات السيادية والأمنية المصرية.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى أنقرة إلى الانتقال من الاعتماد على خطاب سياسي داعم للقضية الفلسطينية إلى موقع الفاعل المؤثر في إدارة الملفات المرتبطة بغزة على المستوى الإنساني والسياسي للحرب في غزة، في ظل ادراك تركيا بإن التأثير الحقيقي في هذا الملف بات مرتبطًا بالقدرة على الانخراط في مسارات الإغاثة، وإعادة الإعمار، وترتيبات المراحل المختلفة لخطة السلام، وهي مسارات لا يمكن الوصول إليها دون تنسيق وثيق مع مصر بوصفها الطرف الذي يملك مفاتيح التشغيل الميداني، وعلى رأسها معبر رفح، ومن ثم تسعى أنقرة إلى تثبيت حضورها كطرف مساهم في تعزيز الأمن الإنساني وبما يمنحها موقعًا في أي ترتيبات سياسية لاحقة، ويجنبها البقاء خارج دوائر التأثير الفعلي التي ستتشكل بعد وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
2. إدراك مركزية مصر والسعودية في أي تحرك إقليمي مؤثر
تعكس الزيارة إدراكًا تركيًا متزايدًا بأن مصر والسعودية تمثلان ركيزتين أساسيتين في أي تحرك عربي أو إقليمي قادر على التأثير في مسارات الأزمات الراهنة، فالقاهرة تملك أدوات إدارة ملفات غزة والوساطة الإقليمية، فيما تمثل الرياض ثقلًا سياسيًا وتمويليًا لا غنى عنه في ترتيبات التهدئة وعمليات إعادة الإعمار، وبالتالي فإن الجمع بين محطتي الرياض والقاهرة في جولة إقليمية واحدة يعكس توجهًا تركيًا لبناء شبكة تنسيق مع القوى العربية المركزية، ومن جهة أخرى منح التحرك التركي بعد إقليمي يمكن أن يعزز من رؤيتها.
كما إن دوافع زيارة أردوغان إلى مصر تتجاوز البعد الثنائي، وتعكس محاولة تركية لإعادة تمركز محسوبة داخل منظومة إقليمية متغيرة، تقوم على ربط الملفات وعدم فصلها، وعلى التنسيق مع القوى العربية المركزية باعتبار ذلك شرطًا ضروريًا لتعزيز نفوذها وتقليل التكلفة السياسية في مرحلة إقليمية تتميز بارتفاع مستوى عدم اليقين.
3. الربط بين حرب غزة وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي
تشكل التهديدات المتزايدة للملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن أحد الملفات المركزية للنقاش، في ضوء انعكاس تداعيات الحرب في غزة على أمن الممرات البحرية الحيوية، ويبحث الطرفان سبل تعزيز التنسيق الإقليمي والدولي لحماية الملاحة ومنع تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح يضر بالمصالح الاقتصادية والأمنية للدول المطلة وغير المطلة على حد سواء.
وفي ضوء ذلك، تنطلق الزيارة أيضًا من قراءة تركية تعتبر أن تداعيات الحرب في غزة لم تعد محصورة في حدود القطاع، بل امتدت إلى التأثير على ملفات أخرى مثل أمن البحر الأحمر وخليج عدن، مع تصاعد التهديدات للملاحة الدولية، وهذا التطور أعاد تسليط الضوء على أهمية القرن الأفريقي، وعلى رأسه الصومال، باعتباره حلقة وصل استراتيجية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، وفي ضوء ذلك، تدرك أنقرة أن أي اضطراب في الصومال أو محاولات لتفكيك وحدته قد يحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة، بما يهدد المصالح العربية والتركية على حد سواء، ومن ثم تبرز مصلحة تركية في تنسيق المواقف مع مصر والسعودية لدعم استقرار الصومال، ومنع ربطه بتداعيات حرب غزة أو تحويله إلى مسرح تنافس على الممرات البحرية.
ويمكن الإشارة هنا إلى الارتباط بين ملف البحر الأحمر مباشرة بالقرن الأفريقي، وهو ما جعل قضية استقرار الصومال حاضرة بقوة في المباحثات، ويناقش الجانبان أهمية دعم وحدة الدولة الصومالية ومنع محاولات تقسيمها أو استغلال هشاشتها من قبل أطراف غير دولية أو قوى إقليمية، بما قد يهدد أمن البحر الأحمر والعمق العربي ويُنظر إلى هذا الملف باعتباره نموذجًا لتشابك الأزمات الإقليمية؛ حيث تتقاطع تداعيات حرب غزة مع التنافس على الممرات البحرية والنفوذ في منطقة القرن الأفريقي.
4. التحضير لمقاربات مشتركة تجاه الملف الإيراني
يشكل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة أحد دوافع الزيارة؛ حيث تتابع كلًا من القاهرة وأنقرة احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع قد تنعكس على استقرار الإقليم بأكمله، وفي هذا السياق، تسعى تركيا إلى تقديم نفسها كطرف قادر على الإسهام في جهود التهدئة، أو على الأقل المشاركة في صياغة مقاربات إقليمية تقلل من مخاطر التصعيد، ويعزز التنسيق مع مصر والسعودية من قدرة أنقرة على لعب هذا الدور، نظرًا لما يتمتع به البلدان من تأثير مباشر وغير مباشر في السياسات الإقليمية المتعلقة بإيران، سواء عبر علاقاتهما الثنائية أو من خلال علاقتهم بالولايات المتحدة.
ومن ثم، حظى تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة باهتمام خاص في مباحثات الزيارة، نظرًا لانعكاساته المحتملة على استقرار أوضاع المنطقة وإيجاد سبل لاحتواء التصعيد، وتبادل التقديرات حول السيناريوهات المحتملة في حال توسع التوتر ليشمل ساحات أخرى مثل سوريا أو العراق أو لبنان؛ حيث برزت إمكانية العمل على تنسيق المواقف بين مصر وتركيا، وبالتوازي مع السعودية لتفادي انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، وتعزيز مسارات التهدئة الدبلوماسية وجهود الوساطة.
5. تثبيت مسار التطبيع المؤسسي وتعظيم المكاسب الاقتصادية
هدفت الزيارة إلى جانب الدوافع السياسية والأمنية إلى ترسيخ مسار التطبيع المصري – التركي على أسس مؤسسية، عبر تفعيل أدوار مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، وربطه ببرنامج تعاون اقتصادي واستثماري واضح، فأنقرة ترى في تعزيز العلاقات الاقتصادية وسيلة لتحصين التقارب السياسي، وتقليل احتمالات الارتداد إلى التوتر، خاصة في ظل تشابك الملفات الإقليمية، وفي ضوء ذلك يشكل منتدى الأعمال المصري – التركي جزءًا مكملًا للزيارة، وبما أوضح إدراك الطرفين بأن الاقتصاد أصبح رافعة أساسية لإعادة بناء الثقة وترسيخ الشراكة وتنميتها على المستوى البعيد إلى حجم 15 مليار دولار خاصة إن المستوى الحالي للتبادل الاقتصادي عند مستوى 6.2 مليار دولار.
إلى جانب القضايا الإقليمية، تشكل العلاقات الثنائية محورًا أساسيًا للنقاش، ولا سيما تفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بوصفه الإطار المنظم للشراكة السياسية والأمنية والاقتصادية، كما شكل التعاون الاقتصادي والاستثماري أحد المحاور الرئيسة في ضوء السعي المشترك لزيادة حجم التبادل التجاري، وتوسيع الاستثمارات التركية في مصر، وتعزيز الشراكات الصناعية واللوجستية، كما يمثل انعقاد منتدى الأعمال المصري – التركي بالتزامن مع الزيارة دليلًا على إدراك الطرفين لأهمية الاقتصاد كرافعة رئيسية لتثبيت التقارب السياسي وتحويله إلى شراكة طويلة الأمد.
ويمكن القول إن القضايا المطروحة للنقاش خلال الزيارة أوضحت توجهًا نحو إدارة الأزمات الإقليمية بوصفها ملفات مترابطة، لا منفصلة، وتؤكد على إن العلاقات المصرية – التركية تنتقل من مرحلة احتواء الخلافات إلى مرحلة تنسيق أوسع يمكن من خلالها تحقيق قدر من الاستقرار في إقليم يواجه تحديات غير مسبوقة.
كما شملت المباحثات عددًا من الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة السوريةودعم مسار سياسي يحفظ وحدة الدولة السورية ويمنع تحولها إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار، والأزمة الليبية ودفع الحل السياسي الليبي – الليبي، ومنع تصعيد جديد يهدد أمن شرق المتوسط. وأزمة السودان وتداعيات الصراع الداخلي، والجهود الرامية إلى وقف العنف والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
ثالثًا: أهداف الأطراف مصر وتركيا والسعودية
تعكس زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر، مرورًا بالرياض، مجموعة من الأهداف والرؤى المشتركة بالإضافة إلى اختلاف في الأولويات لكل طرف وإن كان هذا الاختلاف محكوم بإطار عام يتمثل في تجنب الانفلات الإقليمي، وإدارة الأزمات الكبرى من خلال الاعتماد على أدوات التنسيق وليس الصدام، وذلك على النحو الآتي:
1. مصر: تثبيت الدور المركزي وضبط مسارات التدخل الخارجي
تنظر القاهرة إلى الزيارة باعتبارها فرصة لتكريس موقعها كفاعل إقليمي مركزي لا يمكن تجاوزه في الملفات التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها الملف الفلسطيني والسعي المصري إلى تثبيت مبدأ واضح مفاده أن أي دور خارجي في غزة، سواء كان في إطار الإغاثة الإنسانية أو بإعادة الإعمار أو بترتيبات ما بعد الحرب، يجب أن يمر عبر محددات السيادة المصرية وبما يحقق أمنها القومي وبما يتسق مع هذه التصورات ومنع التهديدات المباشرة أو غير المباشرة لحدودها وحماية استقرارها الداخلي، وبالتالي تهدف القاهرة إلى تحويل التنسيق مع أنقرة من ارتباطها بالأزمات إلى دمجها في نمط مؤسسي منظم، يحد من أي تحركات منفردة قد تُربك الترتيبات القائمة أو تفتح مسارات نفوذ غير منضبطة في قطاع غزة أو القضية الفلسطينية.
وعلى المستوى الاقتصادي، تسعى مصر إلى تحسين شروط التعاون مع تركيا، وتوسيع الاستثمارات والتبادل التجاري، مع الحفاظ على معادلة دقيقة تقوم على الفصل بين الشراكة الاقتصادية وإدارة الملفات السياسية والأمنية، فالتقارب الاقتصادي، من منظور مصري، يجب أن يكون رافعة للاستقرار والتنمية، وليس مدخلًا للضغط أو المقايضة في قضايا تتعلق بالأمن القومي المصري.
وعلى الصعيد الإقليمي الأوسع، تهدف القاهرة إلى صياغة تفاهمات واضحة مع تركيا والسعودية بشأن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يضمن حماية المصالح المصرية في هذه المناطق الحيوية، ودعم وحدة الدول المطلة على هذا المجرى الملاحي الاستراتيجي، وعلى رأسها الصومال، ومنع نشوء فراغات أمنية يمكن أن تستغلها قوى إرهابية أو أطراف أخرى.
2. تركيا: شرعنة الدور الإقليمي وتعظيم هامش الحركة
تتعامل أنقرة مع الزيارة بوصفها محطة أساسية لإعادة تثبيت دورها الإقليمي في مرحلة تتسم بتزايد الاستقطاب وعدم اليقين، فالهدف الأول لتركيا يتمثل في تعزيز دورها في الملف الفلسطيني، ليس فقط عبر الخطاب السياسي، بل من خلال شراكة عملية والتوافق مع الرؤى العربية خاصة الدول العربية المركزية وفي مقدمتها مصر والسعودية بما يمنح تحركها بعدًا عربيًا في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية؛ حيث تسعى أنقرة إلى الانتقال بالعلاقات مع القاهرة من مرحلة تطبيع حذر إلى مستوى شراكة استراتيجية تتضمن ملفات متعددة تشمل مجالات السياسة والاقتصاد والطاقة والدفاع، فتركيا ترى أن بناء شبكة مصالح متشابكة مع مصر من شأنه تحصين العلاقات من التقلبات، وتعزيز حضورها في شرق المتوسط وشمال أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقي.
بجانب ذلك، تطمح أنقرة إلى توسيع دورها كوسيط في تهدئة ملف التوتر بين إيران والولايات المتحدة، مستندة إلى علاقاتها المتوازنة نسبيًا مع طهران من جهة، ومع واشنطن وحلفائها من جهة أخرى، غير أن نجاح هذا الطموح يظل مشروطًا بالحصول على غطاء إقليمي من القاهرة والرياض، وبما يمنح أي دور تركي في هذا الملف ثقلًا إضافيًا ويخرجه من إطار المبادرات الفردية إلى سياق العمل الإقليمي الجماعي.
3. السعودية: إدارة التوازنات ومنع تدهور الأوضاع الإقليمية
تنطلق السعودية في تعاملها مع الزيارة من رؤية أشمل لإدارة أزمات الإقليم ضمن توازنات دقيقة تمنع التدهور الشامل، فالرياض تسعى إلى ضبط مسارات الملفات الأكثر خطورة، وفي مقدمتها غزة، وأمن البحر الأحمر، والملف الإيراني، وسوريا، بطريقة تقلل فرص التصعيد وتحد من تمدد الفوضى إلى مساحات جديدة.
كما تهدف المملكة إلى تنسيق أدوار الفاعلين الإقليميين، ومنع تحول الأزمات إلى ساحات تنافس مفتوح بين محاور متصارعة، كما تعمل على ضمان أن أي تحركات تركية أو غيرها تتم ضمن أطر توافقية لا تُخل بالتوازنات القائمة ولا تفرض وقائع أحادية قد تعقّد المشهد.
كما تدرك الرياض أن نجاح أي مسار لإعادة الإعمار أو التهدئة في غزة، أو لحماية أمن البحر الأحمر، يتطلب شراكات إقليمية واسعة، ومن ثم ترى في هذا المسار الثلاثي (السعودي المصري التركي) فرصة لبناء مستوى من التفاهمات التي تخدم الاستقرار الإقليمي وتحد من مخاطر الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
ووفق ما تم عرضه، يمكن القول إنه لا توجد أهداف من جانب الدول الثلاث تسعى إلى تحقيق مكاسب صفرية من هذه الزيارات، بل العمل على إدارة التباينات وتعزيز نقاط الالتقاء في ظل مرحلة إقليمية مضطربة، فمصر تركز على ضبط الأدوار وحماية السيادة، وتركيا تبحث عن تعزيز دورها وتوسيع هامش الحركة، فيما تعمل السعودية على حفظ التوازن ومنع التدهور، ويُرجح أن يحدد نجاح الزيارة مدى القدرة على تحويل هذه المصالح المتباينة إلى ترتيبات تنسيقية قابلة للاستمرار، وليس كونها تفاهمات مرحلية مؤقتة مرتبطة بالأزمات الراهنة.
رابعًا: القيود والتحديات التي تواجه مخرجات الزيارة
على الرغم من الزخم السياسي الذي تحمله زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر، فإن تحويل التفاهمات المعلنة إلى شراكة فعلية ومستدامة يظل محكومًا بعدد من القيود البنيوية والتحديات العملية، التي قد تحد من سقف التوقعات أو تبطئ من مسار تنفيذها وذلك على النحو الآتي:
1. تشابك الملفات الإقليمية وحساسيتها: إن حدوث أي تصعيد مفاجئ في بعض الملفات مثل غزة، أو تفاقم وتدهور الأوضاع الأمنية في حوض البحر الأحمر، أو اتساع نطاق التوتر مع إيران، قد يفرض أولويات طارئة تعيد ترتيب الحسابات وتضع التنسيق القائم تحت اختبار صعب.
2. تراكمات الخلافات السابقة بين القاهرة وأنقرة: هناك بعض الملفات الإقليمية والتي وإن جرى احتواؤها سياسيًا، إلا أنها لم يتم تسويتها بالكامل على مستوى الثقة الاستراتيجية، ويظل تجاوز هذه التراكمات مرهونًا بمدى الالتزام العملي بضبط الأدوار وتجنب التحركات المنفردة.
3. تباين مقاربات إدارة النفوذ الإقليمي: تميل تركيا إلى توسيع هامش حركتها الإقليمية بسرعة، في حين تفضل مصر والسعودية مسارات أكثر حذرًا وتدرجًا، وهو تباين قد يخلق فجوات في التقدير إذا لم يُدار ضمن أطر تنسيقية واضحة.
4. البيئة الدولية الضاغطة: لا سيما الدور الأمريكي والغربي في ملفات غزة وإيران والبحر الأحمر، بما قد يفرض على الأطراف الإقليمية بعض معوقات الحركة التي قد لا تتطابق دائمًا مع طموحاتها أو تفاهماتها البينية.
ومن ثم فإن نجاح مخرجات الزيارة لا يتوقف فقط على حجم التفاهمات المعلنة، بل على القدرة على إدارة هذه القيود بمرونة، وتحويل التنسيق السياسي إلى آليات عملية قادرة على امتصاص الصدمات الإقليمية، وضمان استمرارية الشراكة بعيدًا عن ردود الفعل المرحلية المؤقتة.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة لما بعد الزيارة
تتوقف مآلات زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر على طبيعة التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال المباحثات، وعلى مدى قدرة الأطراف المعنية على ترجمة الرسائل السياسية والاقتصادية إلى آليات تنفيذية مستدامة، وفي ضوء توازن المصالح وتشابك الملفات الإقليمية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة على النحو الآتي:
1. سيناريو تعميق الشراكة
يقوم هذا السيناريو على نجاح الزيارة في إحداث نقلة نوعية في مسار العلاقات المصرية – التركية، عبر الإعلان عن تفاهمات واضحة أو اتفاقات جديدة تؤكد الانتقال من مرحلة تطبيع العلاقات إلى مستوى شراكة استراتيجية أكثر رسوخًا، ويشمل ذلك تفعيل أكبر لدور مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، بوصفه الإطار المؤسسي المنظم للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين.
وفي هذا السيناريو، يُتوقع أن يشهد التعاون الاقتصادي والاستثماري دفعة قوية، سواء عبر توسيع الاستثمارات التركية في مصر أو إطلاق مشروعات مشتركة جديدة، بما يعزز المصالح المتبادلة ويمنح التقارب السياسي بعدًا عمليًا مستدامًا، كما يُرجح أن يترافق ذلك مع تنسيق سياسي أوضح بشأن الملفات الإقليمية، وعلى رأسها تطورات ملف غزة، وترتيبات الإغاثة وإعادة الإعمار، وأمن البحر الأحمر، وغاز شرق المتوسط والقرن الأفريقي بما يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية إدارة هذه الملفات بشكل جماعي.
2. سيناريو التفاهمات المحدودة
يفترض هذا السيناريو تحقيق تقدم ملموس في الجانب الاقتصادي والتجاري، مع استمرار الحذر في الملفات السياسية والأمنية الأكثر حساسية، ففي هذه الحالة، سيركز الطرفان على تعظيم المكاسب الاقتصادية، باعتبارها المجال الأقل تكلفة سياسيًا والأكثر قابلية للتوافق السريع، مع إبقاء القضايا الإقليمية الخلافية ضمن إطار إدارة الخلاف وليس الوصول إلى تسويات شاملة.
كما يقوم هذا المسار على استمرار التنسيق السياسي عند حدوده الدنيا، دون الوصول إلى صياغة مواقف مشتركة متقدمة في ملفات مثل غزة، أو البحر الأحمر، أو بعض القضايا الإقليمية الأخرى، ويُبقي هذا السيناريو العلاقات في مسار إيجابي، لكنه يجعلها عرضة للتأثر بأي تطورات إقليمية مفاجئة قد تعيد اختبار مستوى الثقة بين الطرفين.
3. سيناريو الاختبار الصعب
يرتبط هذا السيناريو بتصاعد مفاجئ في أحد الملفات الإقليمية الكبرى، مثل احتدام التوتر بين إيران والولايات المتحدة، أو تدهور الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر، أو حدوث تطورات ميدانية كبيرة في غزة تُربك مسارات التهدئة، في هذه الحالة، سيُختبر عمق التنسيق المصري – التركي وحدوده العملية، بعيدًا عن البيانات الإيجابية أو التفاهمات العامة.
وقد يؤدي هذا الاختبار إلى أحد مسارين فرعيين: إما تعزيز التنسيق وتحويله إلى أداة حقيقية لإدارة الأزمات، بما يرفع مستوى الثقة المتبادلة، أو كشف هشاشة التفاهمات القائمة وإعادة العلاقات إلى نمط حذر يركز على احتواء الخلافات دون تطويرها إلى شراكة متقدمة.
وتشير المؤشرات إلى أن مسار ما بعد الزيارة سيظل مفتوحًا على أكثر من احتمال، غير أن قدرة الأطراف على ترجمة التفاهمات السياسية إلى آليات مؤسسية وتنفيذية ستبقى العامل الحاسم في تحديد أي السيناريوهات سيتحقق، فكلما اتسع نطاق المصالح المشتركة، وجرى ربطها بإطار تنسيقي واضح، تعززت فرص الانتقال نحو شراكة مستقرة قادرة على الصمود أمام اختبارات الإقليم المتقلب.
في الختام: تمثل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر أكثر من مجرد محطة في مسار تطبيع العلاقات الثنائية؛ إذ تعكس لحظة اختبار حقيقية لإمكانية بناء شراكة إقليمية في بيئة تتسم بتشابك الأزمات وارتفاع مستوى المخاطر، فالزيارة جاءت في توقيت لم تعد فيه القضايا الإقليمية قابلة للإدارة بمعزل عن بعضها البعض على نحو يجعل أي تحرك منفرد محدود الجدوى ومرتفع التكلفة.
كما أظهر مسار الزيارة وما أحاط بها من ترتيبات ومحطات، إدراكًا متبادلًا بأن التنسيق بين القاهرة وأنقرة وبالتوازي مع الرياض أصبح ضرورة عملية لإدارة ملفات غزة، وأمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، والتوازنات المرتبطة بالملف الإيراني. إلا إن ذلك لا يضمن انتقال العلاقات إلى شراكة استراتيجية مكتملة ما لم يُترجم إلى آليات تنفيذية واضحة تضبط الأدوار وتمنع تضارب المسارات.
كما إن نجاح الزيارة لا يُقاس فقط بحجم التفاهمات أو البيانات الإيجابية، بل بمدى قدرة الأطراف على إدارة التباينات والاختلافات، واحتواء الصدمات الإقليمية، وتحويل التنسيق السياسي إلى ممارسة مؤسسية مستدامة، فالمعادلة الحاكمة للمرحلة المقبلة ستظل قائمة على توازن دقيق بين توسيع مجالات التعاون، والحفاظ على الخطوط الحمراء المرتبطة بالأمن القومي لكل طرف.
ومن ثم، تمثل زيارة أردوغان إلى القاهرة بداية مرحلة اختبار مفتوحة أكثر منها نقطة حسم نهائي لتطور العلاقات، فإما أن تنجح الأطراف في استثمار هذا الزخم لبناء نموذج تنسيقي قادر على الصمود أمام أزمات الإقليم المتلاحقة، أو أن تبقى التفاهمات في إطارها المرحلي المؤقت، محكومة باعتبارات اللحظة وضغوط التطورات الميدانية، وفي كلتا الحالتين فإن الزيارة تؤكد حقيقة أساسية مفادها أن مستقبل الاستقرار الإقليمي بات رهنًا بقدرة القوى المركزية على العمل المشترك، لا على إدارة الأزمات من جانب طرف دون آخر.

