عاصم عمرو
باحث في العلوم السياسية

إن الحديث عن القدرات العسكرية الإيرانية يظل مرتبطًا باتجاهات سياساتها الخارجية الهادفة إلى تعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة القوى العالمية المناوئة لها، كما أن إيران لم تبنِ قدراتها العسكرية على هذا النحو إلا لخدمة الأيديولوجية الحاكمة لها والمسيطرة عليها؛ حيث يلعب العامل الأيديولوجي دورًا حاسمًا في تشكيل استراتيجيات الدول وتوجهاتها العسكرية، فالأيديولوجية ليست مجرد توجه فكري، بل تمثل أيضًا مرجعًا فكريًا وإطارًا عامًا يؤثر في القرارات المتعلقة بجميع جوانب الدولة، بما في ذلك القدرات العسكرية واتجاهات استخدامها.
فنجد، على سبيل المثال، أن ألمانيا خلال فترة حكم أدولف هتلر، وتحديدًا في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، كانت خاضعة لسيطرة الأيديولوجية النازية التي آمنت بتفوق العرق الآري ووحدته، وقد اعتمدت هذه الأيديولوجية على نظرية “المجال الحيوي” التي وضعها العالم الجغرافي الألماني الشهير فريدريك راتزل، والتي ترى أن الدولة كائن عضوي أو طبيعي يكبر ويتمدد مع تزايد احتياجاته، كما رأى راتزل أن عملية نمو الدولة مستمرة، وأن حدود أي دولة تمثل العضو الحي المحيط بها؛ لذا برزت العلاقة الوثيقة بين مساحة الدولة وقوتها السياسية، فكلما زادت مساحة الدولة ازدادت قوتها السياسية، والعكس صحيح[1].
ومن هذا المنطلق، اتجهت إيران بعد الثورة الإسلامية إلى بناء قدراتها العسكرية على أسس توجهاتها الفكرية التي وضع أسسها الإمام الخميني، والتي كان لها تأثير عميق في عقول صناع القرار الإيرانيين، الذين قاموا بصياغة سياسات إيران الخارجية، ونصوص موادها الدستورية، وهو ما ظهر فيهما بوضوح مدى تأثرهما بأفكار الإمام الخميني.
ولقد أرسى الخميني مبدأين أساسيين في حديثة عن الثورة والدولة المتخيلة، وهما “تصدير الثورة”، و”لا شرقية ولا غربية”، وهذه المبادئ غير محدودة ومتجاوزة للحدود الجغرافية.[2]
وعليه، تم تشكيل بعض المواد الدستورية على أساس هذه المبادئ، فعلى سبيل المثال نجد أن بعض المواد الدستورية التي وُضعت عقب الثورة الإيرانية تعكس الطابع التوسعي المستند إلى أفكار الخميني والأيديولوجية الدينية، فالمادة 152، على سبيل المثال، تتحدث عن ضرورة الحفاظ على استقلال الدولة، ورفض كافة أشكال الخضوع لأي قوة متسلطة، ودعم المسلمين في العالم، كما تنص المادة 153 على ضرورة منع إبرام أي معاهدة قد تؤدي إلى السيطرة الأجنبية على البلاد، وأخيرًا، تشير المادة 154 إلى دعم المستضعفين في مواجهة المستكبرين في أي مكان، مع محاولة الامتناع عن التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى.[3]
ومن خلال هذه المواد الدستورية، يمكن ملاحظة مدى تأثير أفكار الخميني على إعادة تشكيل النصوص الدستورية في إيران، فقد قام الخميني بتقسيم العالم إلى مستكبرين ومستضعفين، ولكنه لم يحدد بوضوح من هم هؤلاء المستكبرون أو المستضعفون، وهو ما منحه مرونة أكبر لدعم أي جماعة مسلحة أو دولة تحت ذريعة الدفاع عن المستضعفين.
ولا بد من الإشارة إلى وجود تناقض واضح في بعض المواد الدستورية، مثل المادة 154؛ حيث لم توضح كيف يمكن لإيران دعم المستضعفين ضد المستكبرين دون التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وبناءً على هذا الأساس، رأت إيران ضرورة توسيع قدراتها العسكرية لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، ودعم كافة الجماعات المسلحة التي تواليها، وتحقيق طموحاتها في بناء إمبراطورتيها الخاصة بها في المنطقة.
وقبل أن نخوض في الحديث عن القدرات العسكرية الإيرانية في وقتنا الحالي، لابد أن نستعرض قدرات ذلك الجيش في مرحلة ما قبل اندلاع الثورة الإيرانية، وذلك حتى ندرك الأساس الذي قامت عليه القوات المسلحة الإيرانية بعد اندلاع الثورة الإسلامية.
أولًا: القدرات العسكرية الإيرانية قبل الثورة الإسلامية
لعب الجيش الإيراني دورًا محوريًا في تثبيت أركان حكم شاه إيران، فلقد حرص الشاه محمد رضا بهلوي، ومن قبله والده رضا بهلوي على تقوية الجيش وتزويده بأحدث الأسلحة والمعدات، وذلك بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتبرت إيران الحامي الرئيسي لمصالحها في المنطقة العربية، وهو ما ظهر في حرص الولايات المتحدة الأمريكية على إمداد الجيش الإيراني بأحدث أنواع الأسلحة والمعدات من طائرات ودبابات وذخائر، لكي تكون لها اليد العليا في السيطرة على الشاه وقراراته، بالإضافة إلى ذلك، أدخلت الولايات المتحدة إيران في تحالف يضم العديد من الدول العربية ودول منطقة الشرق الأوسط مثل حلف بغداد، والذي تغير اسمه إلى “الحلف المركزي أو حلف المعاهدة المركزية” بعد انسحاب العراق عقب حدوث انقلاب ١٩٥٨ وإعلان الجمهورية العراقية، كما احتلت إيران أهمية مركزية في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية العالمية وبما تمثله من أهمية استراتيجية باعتبارها المدخل الرئيسي للاتحاد السوفيتي السابق إلى منطقة الخليج العربي. وعليه، حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على السيطرة على إيران سياسيًا لتحقيق أهدافها في المنطقة، والعمل على تحجيم سيطرة الاتحاد السوفيتي على منطقة الشرق الأوسط.[4]

وفي إطار حرص إيران على تعزيز قدراتها العسكرية، شهدت ميزانية المدفوعات الإيرانية على الأسلحة والمعدات تصاعدًا وارتفاعًا كبيرًا منذ عام 1968؛ حيث ارتفعت مشتريات إيران للمعدات من الدول الغربية، خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، ففي عام 1973، وقّعت إيران أكبر صفقة أسلحة مع الولايات المتحدة تضمنت العديد من المعدات والأسلحة التي كانت مقتصرة على دول محددة مثل إسرائيل، مثل طائرات الفانتوم، وطائرات F-5، وصواريخ موجهة بالليزر، ومدمرات وزوارق هجومية، وجاءت هذه الصفقة الكبيرة نتيجة لقرارات الإدارة الأمريكية برفع الرقابة عن صادرات الأسلحة الموجهة إلى إيران، مقابل تصدير إيران للمواد البترولية بأسعار زهيدة، وخاصة البترول الخام.[5] وتجدر الإشارة إلى أن إيران امتلكت في ذلك الوقت طائراتF-14 والتي كانت حكرًا على الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكن حتى إسرائيل أقرب حلفائها قد حصلت عليها.
كما حصلت إيران على مقاتلات F-14 Tomcat في عام 1976، وكانت الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي حصلت على هذه الطائرة المتطورة آنذاك، بعد توقيع صفقة مع الولايات المتحدة لشراء 79 مقاتلة من هذا الطراز؛ حيث كان من المفترض أن تتسلم إيران قطع غيار تلك الطائرات باستمرار ولكن بعد اندلاع الثورة الإسلامية في عام 1979 توقفت إمدادات قطع الغيار والصيانة من الولايات المتحدة بسبب العقوبات، ولكن إيران تمكنت من الحفاظ على تشغيل جزء من أسطولها من خلال تطوير قدراتها المحلية في صيانة وتحديث الطائرات.[6]
ولكن في المجمل من الممكن تقدير قدرات الجيش الإيراني آنذاك بحسب العديد من الوثائق كالآتي[7]:
امتلكت إيران قبيل رحيل الشاه واندلاع الثورة الإسلامية جيش قوامه حوالي ٤٥٠ ألف جندي موزعين على فرق الجيش وافرعه المختلفة، فبالنسبة للقوات البرية فلقد بلغت نحو ٢٥٠ ألف جندي موزعين على ثلاث فرق مدرعة، وثلاث فرق مشاه، ولواء مستقل مدرع واخر مشاه، وآخر محمول جوًا، وآخر من القوات الخاصة فضلًا عن كتائب الصواريخ المضادة للطائرات والمضادة للدبابات،
كما امتلكت إيران، بالنسبة لقواتها البرية المدرعة ألفي دبابة، معظمها من طراز M47 وM60 الأمريكية، وChieftain البريطانية، بالإضافة إلى دبابات روسية من طراز t-54، بالإضافة إلى العديد من المدرعات الخفيفة والثقيلة، وعربات النقل العسكري الثقيلة والخفيفة أيضًا.
وبالنسبة للقوات الجوية، بلغت قبيل اندلاع الثورة الإسلامية، نحو 459 طائرة مقاتله، ونحو 100ألف جندي عامل في ذلك القطاع، وتشير بعض الإحصائيات أن القدرات الجوية الإيرانية تشكلت معظمها من طائرات الفانتوم الأمريكية (F-4 phantom II)، ومقاتلات التايجر (F-5)، ومقاتلات التوم كات(F-14 tomcat)، بالإضافة إلى احتوائها على طائرات نقل من طراز سي١٣٠ هيركليز (C130 Hercules)، وطائرات دعم واستطلاع، وطائرات مروحية من طراز أباتشي.
وبالنسبة للقوات البحرية، فلقد بلغت نحو ٣٠ ألف مقاتل، واحتوت على ثلاث مدمرات، وأربع فرقاطات، وسبع زوارق دورية كبيرة، وزوارق صواريخ، وأربع سفن إنزال برمائي، فضلًا على العديد من للزوارق الدورية الصغيرة والخفيفة، كما شملت أيضًا القوات البحرية طائرات استطلاع ومروحيات وطائرات نقل ودعم.
يضاف إلى كل تلك القوى نحو ٥٠ ألف جندي مقاتل في الحرس الامبراطوري مزودين بأحدث الأسلحة والمركبات والطائرات الخفيفة والمروحيات الهجومية والخفيفة، وبذلك، احتوت إيران على أكبر ترسانة سلاح في منطقة الشرق الأوسط، وأصبحت القوى المهيمنة التي تحتضنها الولايات المتحدة الأمريكية وحليفًا استراتيجيًا لها.
ثانيًا: القدرات العسكرية الإيرانية بعد الثورة الإسلامية
بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، ورثت الدولة الجديدة الترسانة العسكرية الهائلة من الإمبراطورية المنهارة، واستخدمتها في حربها مع العراق التي اندلعت عام 1980، والتي سُميت بحرب الخليج الأولى، ولكن مع اندلاع الثورة الإسلامية، توقف الدعم الأمريكي والغربي لإيران، وأصبحت الترسانة الحديثة غير مؤهلة؛ إذ إن القطع الحديثة تحتاج إلى صيانة دائمة ومستمرة، ومع توقف التدفقات الغربية من الدعم المادي والعسكري، كان لا بدّ لإيران من إيجاد حل لهذه المسألة.

وبناءً عليه، قررت إيران تقوية قدراتها العسكرية الخاصة بالتعاون مع دول المنطقة الحليفة لها، مثل روسيا الاتحادية (ومن قبلها الاتحاد السوفيتي)، والصين، وكوريا الشمالية، وفي سياق الحديث عن القدرات العسكرية الإيرانية بعد الثورة الإسلامية، يمكن تناول القدرات الصاروخية التي طورتها وأهم التنظيمات العسكرية في الجيش الإيراني، فضلًا عن قدرات الحرس الثوري الإيراني، الذي تأسس عام 1979 بأمر من آية الله الخميني لحماية الثورة الإسلامية، وعليه، وفي الفقرات القادمة،

سنتناول القدرات العسكرية الإيرانية الحالية دون الخوض في المزيد من التطورات التاريخية، التي تم تناولها بصورة جزئية في الجزء السابق بما يمنح رؤية حول سياق القدرات العسكرية الإيرانية قبل الخوض في الحديث عن قدراتها الحالية، وذلك حتى يتمكن القارئ من تأسيس نظرة شاملة وكلية لقدراتها الحالية.
ثالثًا: القدرات العسكرية الإيرانية الحالية وعقيدة الردع الإيرانية
تطور الجيش الإيراني سريعًا وبشكل كبير بعد الثورة الإسلامية، وذلك لتلبية متطلبات الدولة الإيرانية الإسلامية والتكيف مع توجهاتها الجديدة، وفي ظل الحرمان الاقتصادي والسياسي الذي تشهده إيران بسبب العقوبات الاقتصادية ومنع تصدير السلاح إليها، طورت إيران أسلحتها الخاصة على الصعيدين التكتيكي والاستراتيجي، لتواكب متطلبات الواقع ومواجهة التحديات والتهديدات المستقبلية.
وعلى الرغم من هذه التوجه، واجهت إيران مشكلات عديدة في تطوير قدراتها العسكرية خاصة تلك المتعلقة بقدراتها الجوية، نتيجة المعوقات والعقوبات المفروضة عليها في استيراد وتصدير المعدات والأسلحة وقطع الغيار، ومن ثم، ركزت إيران على تطوير قدراتها العسكرية على بعض الأفرع الأساسية، مثل قوات الدفاع الجوي والقدرات الصاروخية. وهو ما دفع إيران إلى الاعتماد على فلسفة واستراتيجية عسكرية جديدة تحت عنوان “الردع غير المتكافئ” أو “الردع غير المتماثل”. وتقوم هذه الاستراتيجية على أعمدة أساسية، مثل العداء المستمر مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والاعتماد الذاتي في التسلح، والإنفاق العسكري المتلائم مع متطلباتها الدفاعية.[8]
واستنادًا على رؤية إيران بأن كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بمثابة عدوَّيها الرئيسيين، اتجهت طهران إلى تكوين بنية عسكرية مضادة لقدراتهما واستراتيجياتهما العسكرية والهجومية، ومن المعروف أن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية تبدء دائمًا، عند الهجوم، بضرب الدفاعات الجوية، والمطارات العسكرية، والبنية التحتية، ومراكز القيادة والسيطرة وشبكات الاتصالات، وتأكيد السيادة الجوية قبل القيام بأي عمل بري، وبذلك، نرى أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على سلاحها الجوي بشكل رئيسي عند شن أي هجوم على دولة ما.
ولذلك، صممت إيران استراتيجياتها العسكرية، المسماة بالردع غير المتكافئ، والمعتمدة على حرمان الخصم من الوصول إلى أراضيها ومواقعها العسكرية والاستراتيجية الهامة، ومنعه من تحقيق سيادة جوية على سمائها الواسعة، وتعتمد هذه الاستراتيجية بشكل رئيس على خمس ركائز أساسية، وهي: تصميم أنظمة دفاع جوي ثابتة ومتحركة ومتطورة، تصنيع وتطوير أنظمة صاروخية ومدفعية عادية وصاروخية متقدمة، التدريب والاستعداد للحرب الإلكترونية والسيبرانية، الاستخدام المحدود للقوات الجوية، والتوظيف الفائق للقوات البحرية.[9]
وعند الحديث بشكل مفصل عن تلك الركائز، نجد أن الركيزة الأولى تُعتبر من أهم ركائز عقيدة الردع الإيرانية؛ إذ إن أنظمة الدفاع الجوي التي أقامتها تعمل على حرمان أي عدو محتمل من تحقيق السيادة الجوية، وهو ما دفع إيران إلى تصميم شبكة متكاملة من الرادارات الجوية التي تعمل على تنسيق المراقبة وتنبيه النظام الإيراني من أي هجوم محتمل، وتلك الأنظمة تعمل لدى كافة أفرع القوات الإيرانية، وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية صممت صواريخ جو-سطح تعمل على اصطياد وتدمير أنظمة الدفاع الجوي والرادارات الحديثة، صممت إيران منظومات صاروخية مضادة ومتنقلة، مثل نظام سوم خرداد الصاروخي المزود بصواريخ صياد 3، ونظام آرمان، وغيره من الأنظمة التي سوف نذكرها بالتفصيل لاحقًا.
وبالإضافة إلى تطوير منظومات الدفاع الجوي، عملت إيران على تعزيز منظوماتها من الصاروخية الباليستية التي بدأت في الاعتماد عليها منذ حربها مع العراق؛ حيث استخدمت صواريخ (سكود-بي) لأول مرة في حربها مع العراق، وهو ما أعقبه أن بدأت إيران مشروعها في تصنيع وتطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لأنها أقل تكلفة مقارنة بالأسلحة الاستراتيجية الأخرى، وذات قدرة تدميرية عالية، كما ركزت على تطوير مشروعها الصاروخي لتعويض الضعف الكبير في قواتها الجوية، لأنها لم تطورها منذ سنوات عديدة.
بالإضافة إلى ذلك، طورت إيران منظوماتها المتعلقة بالحرب الإلكترونية، ومعدات الاتصالات التكتيكية، وآليات القيادة والسيطرة، وأجهزة التشويش الإلكترونية، وبالتالي، وهو الأمر الذي ساهم على نحو كبير في دعم أهدافها الخارجية وجماعاتها المسلحة الأخرى الموالية لها في المنطقة. وفيما يتعلق بقواتها البحرية، فقد لعبت دورًا كبيرًا في تأمين حدودها الجنوبية، وتعتمد إيران في استراتيجياتها البحرية على الزوارق الصاروخية عالية السرعة في مواجهة التهديدات المحتملة.
وتجب الإشارة هنا إلى إن استراتيجية إيران الخارجية تعتمد في جوهرها على الحرس الثوري الإيراني، وخاصة قوات فيلق القدس، وعلى جماعاتها المسلحة الموالية لها، مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وغيرها من الجماعات المنتشرة داخل المنطقة العربية التي تم تكوينها وتسليحها لتحقيق غاية إيران في السيطرة على المنطقة. وعليه، سُميت تلك الاستراتيجية الهجومية بالحرب غير المتكافئة، وذلك لأن إيران تستخدم في حربها وسائل غير تقليدية للهجوم على أعدائها.[10]

رابعًا: القوات المسلحة الإيرانية ومكوناتها العسكرية
تنقسم القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى ثلاث قوى أساسية، وهي: قوات الحرس الثوري الإيراني، وجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية التقليدي، وقوات إنفاذ القانون في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتتبع بشكل رئيسي وزارة الداخلية وتعمل على حفظ الأمن الداخلي وبالتالي، سيتم تناول قوات الحرس الثوري الإيراني وجيش الجمهورية الإسلامية باعتبارهما القوتان الأساسيتان المنوط بهما الدفاع عن الجمهورية الإسلامية وحفظ الأمن الداخلي والخارجي. وقد استندت الدراسة في الحصول على التقديرات والأرقام من مصادر متعددة منها موقع “جلوبال فاير باور” (Global Firepower) المتخصص في تقدير قوى الجيوش وترتيبها، وأيضًا من بعض المراكز المتخصصة.[11]

يوضح الجدول أن عقيدة “الردع غير المتكافئ” تحوّلت إلى ردع بسرعات فوق الصوت؛ فالهجوم الفرط-صوتي على إسرائيل أعطى طهران القدرة على فرض معادلة ردع لا تعتمد على المسافة بل على عامل الزمن (9–12 دقيقة وصول). وفى الوقت نفسه، دمج المسيّرات النفّاثة مع منصّات بحرية متحرّكة ينزع أفضلية الاستخبارات البحرية للتحالف غرب البحر الأحمر.
1. جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية
يتكون الجيش الإيراني من أربعة فروع أساسية، وهي: القوات البرية، والقوات البحرية، والقوات الجوية، وقوات الدفاع الجوي المعروفة بمقر خاتم الأنبياء للدفاع الجوي، ويُقدَّر إجمالي عدد أفراد الجيش الإيراني بحوالي 1.18 مليون فرد؛ منهم نحو 610 آلاف جندي عامل، ويضم حوالي 350 ألف فرد من قوات الاحتياط، أما الباقي فهم موزعون على القوات غير النظامية وشبه العسكرية.
أ. القوات البرية
تضم القوات البرية التابعة للجيش الإيراني حوالي 350 ألف فرد عامل من إجمالي عدد الأفراد العاملين في الجيش الإيراني، وتمتلك نحو 2000 دبابة من طرازات متعددة وأنواع مختلفة مثل دبابات “تي-72″ السوفيتية (T-72)، و”تي-55″ السوفيتية (T-55)، و”تي-54″ السوفيتية (T-54)، و”التشيفتن” البريطانية (Chieftain)، و”إم-60 باتون” الأمريكية (M60 Patton)، و”ذو الفقار-3″، وهي دبابة محلية التصنيع مستوحاة من تصميمات “تي-72″ الروسية و”إم-60” الأمريكية، ودبابة “كرار” الإيرانية التي دخلت الخدمة رسميًا في عام 2021، وهي دبابة محلية التصنيع أيضًا ومطورة من نموذج دبابة “تي-72” الروسية.[12]
بالإضافة إلى ذلك، تمتلك القوات البرية الإيرانية مئات من المركبات العسكرية الخفيفة والمدرعة من طرازات متعددة مثل “بي إم بي-1″ السوفيتية، و”تي إم بي-2″ السوفيتية، و”إم-113” الأمريكية، بالإضافة إلى امتلاكها العديد من ناقلات الجند المجنزرة وذات العجلات، المستوردة ومحلية التصنيع مثل مركبة “رخش”، ومركبة “براق”، وتُقدَّر عدد المركبات الجاهزة بحوالي 50 ألف مركبة جاهزة للقتال، بجانب 20 ألف مركبة في المخازن. غير أن القوات البرية تمتلك نحو 2000 مدفع ميداني، ونحو 600 مدفع ذاتي الحركة، وحوالي 5000 مدفع عاون، ونحو 700 راجمة صواريخ.
ب. القوات الجوية
تضم القوات الجوية الإيرانية حوالي 40 ألف جندي عامل، وتضم نحو 551 طائرة، منها 186 طائرة مقاتلة، منها 121 فقط، في الخدمة و23 طائرة هجومية متعددة الأغراض، منها 15 في الخدمة، و129 طائرة مروحية، منها 84 في الخدمة، أما الباقي فموزع بين طائرات تدريب ونقل واستطلاع. ومن أبرز أنواع الطائرات المقاتلة والهجومية العاملة في الجيش الإيراني هي: (F-5) الأمريكية، (F-4) الأمريكية، (F-14 Tomcat) الأمريكية، (MiG-29) الروسية، (Su-24) الروسية أو السوفيتية.[13] وبالنسبة للطائرات المروحية، فهناك طائرات “الكوبرا” و”الأباتشي” الأمريكية و”بيل 212″ التي استوردتها من الولايات المتحدة الأمريكية قبل اندلاع الثورة الإسلامية، وتستعمل إيران أيضًا طائرات (C-130 Hercules) في مجال النقل والدعم الجوي.
ج. القوات البحرية
تضم القوات البحرية الإيرانية نحو 19 ألف فرد عامل، وتمتلك من القطع البحرية حوالي 101 قطعة مجهزة للعمل والقتال، مقسمة على 7 فرقاطات، و3 كورفيتات، و19 غواصة، و21 سفينة دورية، و1 كاسحة ألغام. كما تضم بحسب تصريحات التقديرات غير الرسمية، آلاف الزوارق الحربية المتوسطة والخفيفة التي تعمل على مباغتة العدو وتدمير أهدافه الهامة في البحر والبر.
وتستعمل إيران في قواتها البحرية العديد من القطع المستوردة والمصنعة محليًا مثل فرقاطات “القرن” و”الوند”، وغواصات “الغدير”، و”الفاتح”، والغواصة الروسية “كيلو، وصواريخ مضادة للسفن مثل “نور”، “تقدير”، “الخليج الفارسي”، و”هرمز-2”.[14]
د. قوات الدفاع الجوي
تضم قوات الدفاع الجوي الإيراني حوالي 20 ألف فرد، وتضم العديد من المعدات المستوردة ومحلية الصنع، ومن أبرز المعدات التي تستخدمها إيران هي: منظومة S-300 الروسية، ومنظومة سوم خرداد 3، ومنظومة مرصاد، ومنظومة حرز 9، ومنظومة باور-373، ومنظومة رعد، ومنظومة صياد، ومنظومة آرمان، ومنظومة طبس، ومنظومة كمين 2، ومعظم تلك المعدات تُصنع محليًا في المصانع العسكرية الإيرانية وبالتعاون مع الدول الصديقة لها كروسيا، كما تمتلك العديد من المنظومات الرادارية محلية الصنع مثل رادار آرش، ورادار كاشف، ورادار مطلع الفجر، وغيرهم، بالإضافة إلى امتلاكها للعديد من المدافع الذاتية المضادة للطائرات بنوعيها الثابتة والمتحركة[15].
ويجدر الإشارة إلى أن جميع الأفرع العسكرية في إيران تعمل بها وحدات من قوات الدفاع الجوي؛ حيث تعمل ضمن شبكة واحدة متكاملة ومترابطة لحفظ الأجواء الإيرانية من أي هجمات جوية، ولذلك نجد أن التصنيع الإيراني يتركز بشكل رئيسي على تطوير القدرات الصاروخية والدفاعية.
2. الحرس الثوري الإيراني
تأسس الحرس الثوري الإيراني في عام 1979 بأمر من آية الله الخميني كقوة موازية للجيش الإيراني بسبب الشكوك المحيطة بولاء الجيش له، وهو ما دفعه إلى تأسيس وحدات عسكرية غير نظامية تحت سيطرته وضمن أهدافه المتعلقة بحماية الثورة وتثبيت سلطته، وقد استُخدمت تلك القوى بشكل فعال، ولأول مرة، في الحرب العراقية الإيرانية؛ حيث أثبتت فاعليتها وقدرتها على المناورة والهجوم، كما تطورت وتدخلت في العديد من الصراعات السياسية والعسكرية مثل لبنان وسوريا واليمن، وأصبحت قوات الحرس الثوري الإيراني أحد الذراع الخارجية لإيران التي تعمل من خلالها على بسط نفوذها وسيطرتها على المنطقة، وبالتالي، زودت إيران الحرس الثوري بكل المعدات اللازمة لإتمام مهامه الخارجية والداخلية، وأصبح في خلال سنوات قليلة قوة كبيرة تضاهي قوة الجيش الإيراني التقليدي.[16]
ونظرًا لأهمية هذه القوات، يتبع الحرس الثوري الإيراني المرشد الأعلى للثورة أو الإمام مباشرة، على عكس قوات الجيش الإيراني التي تتبع القيادة العامة للقوات المسلحة، وهي أيضًا تحت إشراف المرشد. ويضم الحرس الثوري الإيراني ما يزيد عن 150 ألف فرد، بالإضافة إلى قوات الباسيج التابعة للحرس الثوري، والتي تتكون من متطوعين مدنيين، وتعرف أيضًا بقوات التعبئة الشعبية، ويبلغ عددها قرابة 90 ألف فرد.
وضمن السياق ذاته، يتكون الحرس الثوري الإيراني من عدة أفرع أساسية هي: القوات البرية، والقوات البحرية، والقوات الجوفضائية، بالإضافة إلى وجود قوات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري، وهي القوة المختصة بإتمام عمليات الحرس خارج أراضي البلاد، كما يمتلك جهاز استخبارات مستقل ويعمل بالتوازي مع جهاز المخابرات الإيراني،
وتتضمن القوات البرية للحرس على المعدات والأسلحة التي ذكرناها سابقًا، وتحتوي القوات البحرية على العديد من المعدات والأسلحة الخفيفة والمتوسطة مثل الزوارق الصاروخية السريعة وغيرها، لتتناسب مع عملياتها التي تنفذها في الخارج، بالإضافة إلى أن الحرس الثوري يحتوي على قوة جوية ضئيلة، ولكنها مؤثرة وفعالة. وفيما يتعلق بالقوات الجوفضائية، ونظرًا لأهميتها سيتم تناولها بصورة تفصيلية.
يمكن الإشارة هنا إلى أن الحرس الثوري الإيراني يشرف على القوة الصاروخية الإيرانية وبرامج تصنيع القوة الصاروخية أو الفضائية، وعلى مدار سنوات طويلة، أشرفت هذه القوة على تطوير العديد من الصواريخ، سواء كانت قصيرة أو متوسطة أو بعيدة المدى، ويُعد حسن طهران مقدم هو الأب الروحي لبرنامج الصواريخ الإيرانية ومؤسسها، والذي اغتيل في عام 2011.[17]
كما أن لإيران تاريخ طويل في برامج التصنيع والتطوير في مجال الصناعات الصاروخية والفضائية، ففي عهد الشاه، حاولت إيران تصنيع بعض الصواريخ المضادة للدروع، لكنها توقفت بعد اندلاع الثورة الإسلامية، وأثناء الحرب العراقية الإيرانية، كانت إيران تعاني من نقص كبير في قدراتها العسكرية نتيجة للعقوبات وحظر التسليح المفروضة عليها، ولذلك، حاولت إيران شراء الأسلحة من السوق السوداء، ومنها صواريخ سكود بي، أو آر-١٧ إلبروس، التي اشترتها من كوريا الشمالية وليبيا، وعندما بدأت حرب المدن بين العراق وإيران، كانت إيران بحاجة إلى قوة تدميرية هائلة مثل الاعتماد على الصواريخ البالستية، وبدأت إيران عقب انتهائها من الحرب في تدشين برنامجها الصاروخي بمساعدة من حلفائها وأصدقائها مثل روسيا وكوريا الشمالية والصين، الذي طورت من خلاله العديد من أنواع الصواريخ[18] ومن ضمنها:
أ. صواريخ شهاب: وهي صواريخ مطورة من صواريخ سكود بي وسكود سي، وتعمل بالوقود السائل، وهي صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، يصل مدى صاروخ شهاب ١ إلى ٣٠٠ كم، أما شهاب ٢ فيصل مداه إلى ٧٥٠ كم، أما بالنسبة لصاروخ شهاب ٣ فيصل مداه إلى ١٥٠٠ كم، وتلك الصواريخ قادرة على حمل رؤوس متفجرة بأوزان مرتفعة تُقدر من ٨٠٠ إلى ١٧٠٠ كج من المتفجرات.[19]
ب. صواريخ قدر: وتمثل العائلة المطورة من صواريخ شهاب البالستية، وتمتاز بقدرات عالية على المناورة، لكنها غير دقيقة في إصابة أهدافها، وتعمل بالوقود السائل، ويصل مداها إلى ٢٠٠٠ كم، وهو ما يجعلها من فئة الصواريخ متوسطة المدى، ومن أفراد عائلتها: قدر ١، وقدر ١١٠، وقدر ١٠١، وقدر F، وقدر H.[20]
ج. صواريخ خرمشهر: وهي منظومة صاروخية متوسطة المدى وتعمل بالوقود السائل، وقادرة على حمل رؤوس متفجرة تزن نحو ١٨٠٠ كج، ويبلغ مداه نحو ٢٠٠٠ كم، وفي تقديرات أخرى لم يتم التأكد منها يبلغ مداه نحو ٣٠٠٠ كم، ومن أفراد عائلتها: خرمشهر ١، وخرمشهر ٢، وخرمشهر ٣، وخرمشهر ٤.[21]
د. صواريخ فاتح: وهي صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، تعمل بالوقود الصلب، ومن أفراد عائلتها: فاتح ١١٠ بنسخة الثلاثة B وC وD، وفاتح ٣١٣، وذو الفقار.
وتمثل هذه الأنواع الأشهر في منظومة الصواريخ إلا أن هناك أنواع أخرى مثل طوفان، وزلزال، ونازعات، وفلق، وفجر وفتاح وهو أول صاروخ فرط صوتي، وسجيل وهو أول صاروخ بعيد المدى يعمل بالوقود الصلب، وسومار، وعاشوراء، وعماد، وخبير شكن، والشهيد حاج قاسم، ورضوان، ومشكاة، ودزفول، وهوبزة، وقيام، وسينا، ورعد، وتندر، وفتح ٣٦٠، ويا علي، وأبابيل، ورعد ٥٠٠، وغيرهم.
إن غالبية هذه الصواريخ متوسطة أو بعيدة المدى، ولكن يجدر الإشارة إلى أن هناك بعضًا من تلك الصواريخ يستحق أن يسلط الضوء عليه بشكل أكبر مثل صاروخ سجيل بعيد المدى والذي يقدر مداه بـ ٣٠٠٠ كم، وصاروخ عاشوراء الذي يقدر مداه بـ ٢٥٠٠ كم. كما تمتلك إيران شبكة من القواعد والأنفاق تحت الأرض، تسمى بالمدن الصاروخية تحتفظ فيها بالصواريخ وتحميها من أي هجمات محتملة، كما يتم تدريب المقاتلين في تلك المدن على إطلاق الصواريخ من منصات الإطلاق تحت الأرض، وتقدر الإحصاءات أن إيران تمتلك ما يزيد عن ٣٠٠٠ صاروخ بالستي، ولكن تبقى الأرقام الحقيقية غير معروفة.
ه. الطائرات المسيرة: تمتلك إيران بجانب مشروعها الصاروخي مشروع آخر لا يقل أهمية عن ذلك المشروع، وهو مشروع صناعة الطائرات المسيرة أو الطائرات بدون طيار، والذي يشرف عليه أيضًا الحرس الثوري الإيراني، ولقد عملت عليه إيران لعقود عديدة، نظرًا لضعف قواتها الجوية، وتمكنت من تحقيق تقدم ملحوظ في هذا المجال رغم وجود العقوبات الدولية، وتُعد إيران واحدة من أبرز الدول في تطوير الطائرات بدون طيار (المسيرات) في منطقة الشرق الأوسط، ويعتمد برنامجها على المزج بين التقنيات المستوردة مع التطوير المحلي لتلبية احتياجاتها الدفاعية والهجومية، فضلًا عن استخدام هذه التقنية كجزء من استراتيجيتها الإقليمية والدولية، وعليه، أصبحت المسيرات أحد أعمدة الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية؛ حيث تستخدمها لردع التهديدات، خاصة ضد خصومها مثل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.[22]
وفي سياق البحث عن أسباب الشروع في تنفيذ هذا المشروع، يمكن القول إن إيران بدأت في تنفيذه أثناء الحرب مع العراق، كما أنه وبسبب الحصار الدولي وضعف القدرات الجوية التقليدية، لجأت إيران إلى التفكير في تطوير طائرات مسيرة لأغراض الاستطلاع وتحديد مواقع القوات العراقية؛ حيث تم تطوير طائرة “سفره ماهي” (Sefr-e Mahdi)، كأول مسيرة إيرانية، في الثمانينيات كمسيرة بدائية ذات تصميم بسيط وتعمل بالتحكم اللاسلكي لتنفيذ مهام الاستطلاع.
وبعد الحرب، ركزت إيران على تطوير تكنولوجيا المسيرات بمساعدة روسيا والصين ودول أخرى مثل كوريا الشمالية، وخلال هذه الفترة، أنتجت سلسلة من المسيرات، بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت إيران على دراسة وتحليل المسيرات الأجنبية التي حصلت عليها بطرق مباشرة أو غير مباشرة، فعلى سبيل المثال، استولت إيران في عام ٢٠١١ على طائرة أمريكية بدون طيار من طراز RQ-170 Sentinel، وهو ما ساعدها على تعزيز تقنياتها بشكل ملحوظ. وخلال العقد الثاني من الألفية الجديدة، تطورت إيران كثيرًا في إنتاجها للطائرات المسيرة؛ حيث بدأت في إنتاج مسيرات انتحارية وهجومية، مثل “شاهد 136″، التي تُستخدم لضرب الأهداف الاستراتيجية، بالإضافة إلى تطوير سلسلة “أبابيل” و”كرار”، التي صُممت للاستطلاع والهجوم. وفي العقد الحالي، عززت إيران من قدراتها التصنيعية والتقنية، وانتجت نسخًا متطورة من طائراتها المسيرة مثل: شاهد 149، قادرة على حمل صواريخ والقيام بمهام طويلة الأمد، والمسيرة فطروس، وهي طائرة استراتيجية بعيدة المدى يمكن استخدامها في مهام استطلاع وتنفيذ ضربات دقيقة والتشويش الإلكتروني. بالإضافة إلى مسيرات الصاعقة، سيمرغ، كمان، كرار، وغيرها من الأنواع والإصدارات.
ولقد ظهرت المسيرات الإيرانية كثيرًا في العديد من الميادين القتالية وفي حروب عديدة، فقد استخدمت بشكل كثيف من قبل الحرس الثوري الإيراني ليس فقط في تنفيذ أهداف إيران بل امتد الأمر إلى تعزيز علاقاتها مع الدول الأخرى وقدرتها على حسم الصراعات العسكرية كما يحدث في خلال الحرب الروسية الأوكرانية. وبناءً على ما سبق، نجد أن المسيرات الإيرانية أصبحت الآن عنصرًا رئيسًا في استراتيجية إيران العسكرية والسياسية؛ حيث تلعب دورًا محوريًا في الدفاع الوطني وتعزيز نفوذها الإقليمي ومكانتها الدولية.

3. الملف النووي الإيراني
يعد الملف النووي الإيراني من أهم وأكثر الملفات إثارة للجدل في الشرق الأوسط والعالم،؛إذ أنه يعتبر جزءً من الصراع على النفوذ الإقليمي بين إيران والغرب، خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل،
ولقد شهد هذا الملف تطورًا معقدًا وكبيرًا منذ بداياته في الخمسينيات من القرن الماضي وحتى اليوم، مرورًا بمحطات عديدة من التطور التكنولوجي، الخلافات الدولية، والاتفاقيات المتعددة.
فعند العودة إلى فترة حكم الشاه، نجد أن البرنامج النووي الإيراني بدأ في خمسينيات القرن الماضي بدعم أمريكي ضمن مشروع “الذرة من أجل السلام”، وفي السبعينيات، تسارعت الجهود الإيرانية لإنشاء برنامج نووي متقدم، مع توقيع عقود مع دول أوروبية لبناء مفاعلات نووية؛ حيث شهدت هذه المرحلة تأسيس البنية التحتية الأولية وتدريب العلماء الإيرانيين.[23] إلا أنه مع اندلاع الثورة الإسلامية، حدثت تغيرات بنيوية عميقة في المجتمع الايراني، وهو ما أدى إلى تجميد العديد من المشاريع النووية بسبب العقوبات الدولية وقطع العلاقات مع الغرب. بالإضافة إلى أن الخميني نبذ هذه المشاريع لأنه كان يرى أنها مخالفة لتعاليم الإسلام.
وبعد انقضاء الحرب العراقية الإيرانية، تم استئناف البرنامج النووي الإيراني مع صعود الرئيس هاشمي رفسنجاني إلى الحكم، وبالتعاون مع دول مثل روسيا والصين. ففي عام 1995، وقعت إيران اتفاقًا مع روسيا لاستكمال بناء محطة بوشهر النووية، وهو ما أثار مخاوف الولايات المتحدة التي بدأت تشتبه في أنشطة إيران النووية.[24] وفي نهاية تسعينيات القرن الماضي، اتُهمت إيران بإخفاء برامج سرية لتخصيب اليورانيوم لأغراض غير سلمية، وهو ما أدى إلى زيادة الضغط الدولي عليها، ومع حلول الألفية الجديدة، تصاعد التوترات الدولية؛ حيث أعلنت تطوير تقنيات تخصيب اليورانيوم، وهو ما أثار قلق المجتمع الدولي، بالإضافة إلى أن هناك مجموعات معارضة كشفت عن وجود منشأتين نوويتين سريتين في نطنز وأراك، وفي عام 2003، بدأت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحقيقًا في برنامج إيران النووي، وهو ما عملت على مواجهته، وعدم الاستجابة لنداءات المجتمع الدولي الداعية لوقف تخصيب اليورانيوم، ولذلك، فرض مجلس الأمن في عام ٢٠٠٦ عقوبات على إيران بعد رفضها وقف أنشطة التخصيب.[25]
وفي خلال هذه الفترة، أصبحت إيران أكثر انخراطًا في تطوير تقنيات التخصيب بمستويات عالية، وهو ما عزز مخاوف إمكانية إنتاجها سلاحًا نوويًا، ولكن لم تجرأ أي دولة من ضرب المنشئات الإيرانية أو تعطيلها بالطرق العسكرية، خوفًا من الرد الإيراني، وعليه، بدأ المجتمع الدولي في الدخول مع إيران في مفاوضات ساعية لحل الأزمة، ففي عام 2013، بدأت مفاوضات مكثفة بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، وألمانيا) بهدف التوصل إلى اتفاق يحد من قدرات إيران النووية، وفي يوليو 2015، تم التوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) مع ممثلي مجموعة (٥+١)، والتي تضمنت تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي، وخفض مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 3.67%، وتقليص مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وفرض العديد من القيود على تخصيب اليورانيوم. وفي المقابل تم رفع العقوبات المالية والاقتصادية المفروضة على إيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.[26]
وفي ظل عدم الالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عام 2018، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات، مبررًا ذلك بأن إيران مازالت تطور من قدراتها النووية بصورة غير سلمية، بالإضافة إلى أن الاتفاقية جاءت ضعيفة للغاية وغير كافية، وهو ما يترتب عليه حدوث مشكلات عديدة، وردت إيران على ذلك القرار بتقليص تدريجي لالتزاماتها ضمن الاتفاق، بما في ذلك زيادة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى. وتشغيل أجهزة طرد مركزي متطورة.
وقد أدت هذه القرارات إلى تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، أبرزها اغتيال قاسم سليماني في 2020، وضرب قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق في ذات العام. وفي السنوات الأخيرة، وخاصة مع صعود بايدن إلى الحكم في الولايات المتحدة الامريكية، دخلت إيران في جولة جديدة مع الولايات المتحدة الامريكية لتحديد اتفاقية شاملة بخصوص الملف النووي الإيراني. وبدأت إدارة الرئيس جو بايدن محاولات لإعادة إحياء الاتفاق النووي عبر مفاوضات غير مباشرة، ولكن، واجهت هذه المحاولات تحديات عديدة، منها مطالب إيران برفع كامل العقوبات، ورفض إيران أي تنازلات إضافية تتجاوز بنود الاتفاق الأصلي في ظل انعدام الثقة بين الأطراف.
وبالرغم من أن إيران تنفي نيتها في امتلاك قنبلة ذرية، إلا أن التقديرات تشير إلى أن إيران أصبحت قريبة من عتبة القدرة على إنتاج سلاح نووي، وهو ما يزيد التوتر الإقليمي والدولي، وبالتالي أصبحت القضية النووية الإيرانية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في السياسة الدولية وتحديًا دوليًا معقدًا؛ حيث تتشابك فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية، ويعكس تطورها مدى تداخل المصالح الوطنية والإقليمية والدولية.
من ناحية أخرى، وبعد عودة الرئيس الأمريكي ترامب إلى البيت الأبيض ظهرت مجموعة من السيناريوهات غير المتفائلة حول احتمالية تسوية الملف النووي خلال جولات المفاوضات المباشرة وغير المباشرة؛ حيث حذرت بعض الاتجاهات من أن مجرد بدء الحوار بين واشنطن وطهران قد يأتي بنتائج عكسية، فالمحادثات قد تُشجع طهران أو تُتيح للحرس الثوري مساحة للقيام بأعمال وممارسات ضد مصالح الولايات المتحدة. وقد أثار الإيرانيين خلال المباحثات مسألة انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي السابق، وأعربوا عن قلقهم من انسحاب الولايات المتحدة منه مجددًا، فيما أثار الجانب الأميركي شكوكه بشأن نوايا إيران بشأن برنامجها النووي، لكن مسئولين من كلا الجانبين قالوا إنهم يرون أن المحادثات تمضي بصورة إيجابية.
إن المباحثات بجولاتها الممتدة وبصورتها المباشرة وغير المباشرة تتسم بالصعوبة لشمولها على ملفات معقدة وهي الملف النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي والمسيرات ودعم إيران لأذرعها في المنطقة، ومن هنا تتركز أهمية المفاوضات لاستكشاف إمكانية الوصول إلى تفاهمات جديدة تقترب من اتفاق 2015 مع بعض القيود الإضافية بما يسمح بتفادي الصدام.
في الختام: تتمتع إيران بقدرات عسكرية تجعلها في مصاف الدول الإقليمية الكبرى، فهي تعمل على إنتاج قطع ومعدات عسكرية وتطوير ترسانتها العسكرية بشكل دوري، حتى وإن عانت من ضعف في بعض فروعها مثل القوات الجوية، وربما نجد، خلال سنوات قليلة، أن إيران ستكون قادرة على صناعة طائراتها العسكرية؛ حيث تسعى إلى صناعة طائرات حربية هجومية ومقاتلة، من أجل تعويض النقص الموجود في أسطولها.
1 رتيبة برد، “الفكر الجيوسياسي والقراءات النظرية لترتيبات السيطرة الدولية“، مجلة طبنة للدراسات العلمية الأكاديمية، ع 2، مج 4، 2021، ص163.
2 جوزيف طاهر، علاء بريك (مترجم)، “الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني“، (الجيزة، دار صفصافة، 2022)، ص43.
3 شيماء محمد، “الهوية وأثرها في تشكيل السياسية الخارجية الإيرانية“، مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية، ع30، 2021، ص19.
4 حسن محمد طوالبه، “مناقشة في النزاع العراقي الإيراني“، (بيروت، دار الوطن العربي، 1984)، ص13-15.
7 أحمد مهابة، “إيران بين التاج والعمامة“، (القاهرة، دار الحرية، 1989)، ص92-94.
8 إبراهيم الجارحي، “سلاح الردع الإيراني (تحليل لاستراتيجية طهران العسكرية)“، 2022. تاريخ الوصول: 12/17/2024.
10 جاسم يونس، “التنافس الخليجي-الإيراني في العراق بعد الانسحاب الأمريكي“، مجلة العلوم السياسية بجامعة بغداد، ع54، 2019، ص 69-70.
11 “global firepower”, 2024 Iran Military Strength.
“كل ما تريد معرفته عن قوة إيران العسكرية (1)”، الجزيرة، 2019. تاريخ الوصول 12/17/2024. [12]
“القواعد الجوية الإيرانية.. مواقعها ومحتوياتها وقدراتها“، ميدل ايست نيوز، 2024. تاريخ الوصول [13]
“أسطول غواصات وسفن هجومية.. ما قدرات إيران البحرية؟“، الشرق، 2024. تاريخ الوصول 12/17/2024 [14]
“ما هي أبرز منظومات الدفاع الجوي التي تمتلكها إيران؟“، العربية سكاي نيوز، 2024. تاريخ الوصول 12/17/2024 [15]
16 إلياس ميسوم، “العسكر والسلطة السياسية في إيران: دراسة مقارنة بين مكانة الحرس الثوري الإيراني والجيش النظامي في النظام السياسي“، مجلة المعيار في الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية، ع4، مج9، 2019، ص104-106.
17 “هل اغتالت إسرائيل “عراب البرنامج الصاروخي” في إيران؟“، بي بي سي نيوز، 2018. تاريخ الوصول: 12/17/2024
18 نزار عبد القادر، “برنامج الصواريخ الإيرانية: تطوّره وتأثيره على موازين القوى الإقليمية“، مجلة الدفاع الوطني ع97، 2016.
19 “نظرة على ترسانة صواريخ إيران الباليستية ومداها“، العربية، 2024. تاريخ الوصول: 12/17/2024.
21 “إيران.. وزارة الدفاع تكشف عن خصائص الصاروخ الجديد“، آر ني بالعربي، 2023. تاريخ الوصول: 12/17/2024.
22 قضاء قدور، “الطائرات الإيرانية المسيَّرة: القدرات ونقاط الضعف“، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 2020، ص11-13.
24 أميره زكريا، ” البرنامج النووي الإيراني وانعكاساته على أمن دول الخليج العربي 2005-2016″، المركز الديمقراطي العربي، 2016.
27 “ما هي أهم بنود الاتفاق النووي الإيراني؟”، بي بي سي نيوز، 2018. تاريخ الوصول: 12/17/2024.

