دكتورة غادة موسي
أستاذ العلوم السياسية، جامعة الجيزة الجديدة

تتمتع العلاقات المصرية البرازيلية بتاريخ طويل ومتشعب يشمل مجالات سياسية واقتصادية وثقافية تعود في جذورها إلى القرن التاسع عشر حينما استقبلت مصر الإمبراطور البرازيلي “توم بودو الثامن” في عام 1876. ثم شهد عام 1924 اقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين مصر والبرازيل مع إنشاء أول بعثة دبلوماسية برازيلية في القاهرة.
وتعتبر مرحلة الخمسينيات والستينيات في القرن العشرين ذروة التقارب بين البلدين في إطار الحركات السياسية، مثل حركة عدم الانحياز؛ حيث تم توقيع العديد من الاتفاقيات التي تعزز التعاون في مجالات مختلفة كاتفاق عام 1951 الثقافي واتفاقيات عامي 1960 و 1969 للتعاون الثقافي والتعليمي، واتفاقية عام 1973 للتعاون التجاري واتفاقية للتعاون العلمي والفني، بما في ذلك التعاون مع مؤسسة البحوث الزراعية البرازيلية (Embrapa)كما استمر التعاون بين الدولتين في الثمانينيات والتسعينيات بتوقيع المزيد من المذكرات والاتفاقيات في مجالات الطاقة والعلوم والتكنولوجيا والتعدين والسياحة حتي تم توقيع اتفاق لإنشاء آلية للتشاور السياسي بين وزارتي خارجية البلدين مع مطلع الألفية الثالثة وتحديدًا في عام 2003. وفي عام 2009 أقام البلدان آلية للحوار الاستراتيجي توجت باتفاق لإنشاء مجلس رجال أعمال مشترك، وتوقيع اتفاقية تجارة حرة مع تجمع السوق الجنوبية المشتركة (الميركوسور).
إلا أنه في عام 2024 شهدت العلاقات بين البلدين نقلة نوعية واحتفالًا بمئوية العلاقات الدبلوماسية التي تواكبت مع زيارة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا إلى القاهرة؛ حيث اتفق رئيسا الدولتين على رفع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، خاصة مع انضمام مصر إلى تجمع البريكس في بداية عام 2024.
وعلي الرغم من بعد المسافة الجغرافية بين البلدين تعتبر مصر ثاني أكبر شريك تجاري للبرازيل في أفريقيا؛
حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 3.4 مليار دولار في عام 2023. ومثلما تعتبر البرازيل مصر أهم بوابة للفرص الاقتصادية في أفريقيا ودول الشرق الأوسط تنظر مصر إلى البرازيل كبوابة عبور لدول أمريكا اللاتينية.
ويشير الواقع إن مصر والبرازيل كأعضاء في تجمع البريكس يمتلكان الآن أكثر من أي وقت مضى آفاقًا واسعة لتطوير العلاقة بينهما في عدة جوانب، أبرزها:
1. تعزيز التبادل التجاري: يمكن أن تساهم عضوية مصر في البريكس في زيادة حجم التبادل التجاري مع البرازيل بشكل كبير. فمجموعة البريكس تشجع التجارة البينية بين أعضائها، من خلال:
أ. تنويع السلع والمنتجات: يمكن لمصر تصدير المزيد من منتجاتها إلى السوق البرازيلية، مثل الأسمدة، المنتجات الغذائية، الفواكه، وغيرها. وفي المقابل، تستورد مصر من البرازيل سلعًا مثل الحبوب، خامات المعادن، السكر، واللحوم.
ب. استخدام العملات المحلية: تعتبر تقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات التجارية أحد الأهداف الرئيسية للبريكس، وهو ما سيسهل التجارة بين مصر والبرازيل ويقلل من المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف.
2. جذب الاستثمارات: يمكن أن تزيد الاستثمارات البرازيلية في مصر في قطاعات حيوية مثل الزراعة، الصناعة، الطاقة، والبنية التحتية؛ حيث تسعى مصر لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتطوير اقتصادها، وذلك من خلال:
أ. المناطق الاقتصادية الخاصة: يمكن لمصر من خلال مناطقها الاقتصادية مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أن تجذب استثمارات برازيلية في الصناعات والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي.
ب. صندوق النقد الاحتياطي وبنك التنمية الجديد: يتيح انضمام مصر إلى بنك التنمية الجديد التابع للبريكس فرصًا للحصول على تمويل للمشروعات التنموية، وهو ما قد يشمل مشروعات مشتركة مع البرازيل.
3. التعاون في مجالات الزراعة والأمن الغذائي: تتمتع البرازيل بخبرة واسعة في الزراعة وإنتاج الغذاء، ويمكن لمصر الاستفادة من هذه الخبرات في تطوير قطاعها الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي، خاصة وأن دول البريكس تنتج ثلث الغذاء في العالم.
4. الطاقة والتحول الأخضر: يمكن التعاون في مجالات الطاقة المتجددة وترشيد استخدام الطاقة لمكافحة التغيرات المناخية.
5. التكنولوجيا والابتكار: تبادل الخبرات والتكنولوجيا في مجالات الصناعة والزراعة والطاقة، وهو ما يخلق فرصًا جديدة في سوق العمل ويقلل من هجرة العقول.
6. التعاون الدبلوماسي والجيوسياسي: تعزيز التنسيق بين الدولتين في المحافل الدولية والقضايا الإقليمية والعالمية، وهو ما يعزز صوت دول الجنوب ويسهم في تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وعلي الرغم من هذه الآفاق الواسعة والرحبة والواعدة للتعاون بين مصر والبرازيل في مختلف المجالات، يجب أن تولي مصر اهتمامًا لبعض التحديات القائمة مثل تفاوت المصالح؛ حيث قد تختلف أجندة البرازيل عن أولويات مصر، وهو ما يتطلب توازنًا في المصالح. كما لابد وأن تحسن مصر سوقها واقتصادها لكي تتمكن من التنافس مع الأسواق الكبرى لدولة كالبرازيل، كما يمكن لمصر أن تتجه نحو تعديل استراتيجيتها التصديرية والتجارية؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2024 حوالي ٥ مليارات دولار، إلا أن الميزان التجاري الآن يميل لصالح البرازيل.
إن التحديات السابقة بين كل من مصر والبرازيل لم تقف حائلًا أمام أهدافهما لتعميق العلاقات الاقتصادية والاستفادة من الإمكانيات الكبيرة لديهما للتعاون في مختلف القطاعات، وخاصة بعد انضمام مصر لمجموعة البريكس، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة للنمو التجاري والاستثماري المتبادل والانتقال بها إلى مستويات أوسع إلى التعاون في المجالات السياسية والاستراتيجية لخلق ارضية مشتركة في مختلف القضايا العالميةً بما يخدم مصالح البلدين والقارتين.

