مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
بدعوة كريمة من مركز التعاون الاقتصادي الدولي بمقاطعة فوجيان، وبرعاية وزارة التجارة لجمهورية الصين الشعبية شاركت على مدار أكثر من عشرين يومًا في فعاليات الدورة التدريبية التي جاءت بعنوان “بناء القدرات والحوكمة في الدول العربية”، بمشاركة وفود من مختلف الدول العربية فإلى جانب مصر شاركت وفود من فلسطين والعراق والأردن والسودان والتي كانت بمثابة محطة مهمة في مسيرتي العلمية والمهنية للاستفادة من التجربة الصينية في الحكم والإدارة والتعرف على خصائصها ومقوماتها والتي فتحت مداركي على الكثير والكثير من الجوانب المهمة والملهمة، كما أسهمت في توضيح تجربة الصعود الصيني عبر محاور عدة تناولت النظام السياسي والاقتصادي والثقافي والإداري والقانوني بالإضافة إلى سياسة الصين الخارجية.
وخلال هذه الزيارة تأكد يقيني بأن النجاح لا يأتي مصادفة، فعلى الرغم من متابعتي الجيدة للصين باعتبارها أحد القوى الفاعلة في النظام الدولي أو فيما يتعلق بدراسة التجربة الصينية ونموذجها الخاص في التنمية، إلا أن ما شاهدته على أرض الواقع ساهم في تأكيد بعض الأفكار في قناعاتي، كما ساهمت في تغيير البعض، والأكثر من ذلك أنها أثارت مجموعة من التساؤلات التي تنتظر الإجابة، ربما يسمح الوقت بالتعرف عليها عن قرب فيما بعد.
كما شاركت خلال هذه الفترة في عدد كبير من اللقاءات والندوات الحوارية في مختلف الموضوعات المذكورة سلفًا، بالإضافة إلى الزيارات الميدانية للمتاحف والمصانع والشركات الحكومية والخاصة والتي ساهمت في توضيح جزء كبير من التطبيقات العملية والمعاينة الواقعية للركائز التنموية الصينية. ولعل السمة الرئيسية التي تميزت بها هذه اللقاءات والزيارات تمثلت في حالة النقاش الحيوي حول طبيعة النظام السياسي واتجاهاته والتعرف على السياسات العامة التي انتهجتها الصين والصعوبات التي واجهها الحزب الشيوعي الصيني بقيادة الرئيس شي جين بينج وكيف تغلب عليها وكيف تمكن من تمرير وتوجيه أفكار الحزب بمختلف الركائز المادية وغير المادية في دعم أهداف الدولة والإيمان بها حتى أصبح العالم ينظر بانبهار إلى اتجاهات الصعود الصيني على مختلف المستويات.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه النقاشات لم تقتصر على القاعات والمؤتمرات ولقاء النخب الصينية في مختلف التخصصات، كما أنها لم تكن حبيسة الغرف، فإلى جانب ذلك، حرصت منذ اللحظة الأولى على التواصل مع الشعب الصيني والتعرف على رؤيته تجاه الأحداث الداخلية والخارجية، فانطلقت في مختلف المراكز التجارية وفي الحدائق العامة وتنقلت بالحافلات بين المدن، فوجدت الثقافة الصينية ومنظومتها القيمية في أعلى درجات التحضر والانضباط، وحينما كنت أتحدث مع الكثير منهم رغم عدم معرفتي باللغة الصينية وتعقيداتها المختلفة، إلا أن التواصل بيننا كان يحكمه مجموعة من العوامل والتي شاهدتها في تعبيراتهم وانفعالاتهم خاصة عندما يعرفون إنني جئت من مصر، وفي هذا السياق اتذكر أحدهم عندما أخبرني أن “الصين كما مصر تمتلك حضارة عريقة ونحن نعرف مصر وحضارتها جيدًا” حينها فقط انكسرت كل حواجز اللغة وأصبحت القلوب تتحدث قبل الكلمات، الأمر الذي ساهم في جعل المودة قاعدة للحديث ونقطة الانطلاق لفتح آفاق أوسع وأرحب للتواصل الإنساني.
وقد أدركت تمام المعرفة والعلم بأن المجتمع الصيني في تماسكه وروابطه الداخلية قادر على الوقوف في مواجهة جميع المخاطر والتحديات الداخلية والخارجية، وهو الشعور الذي رأيته في اتجاهات تفكير العقل الجمعي الصيني، وهذه السلوك شاهدته في صميم أهدافهم ووحدتهم التي يضرب بها المثل في مواجهة الصعوبات، ولعل هذا التماسك يجعل من الصعوبة بمكان اختراق هذه المجتمع الذي وضع نصب أعينه النجاح كسلوك للحياة العامة.
إن عملية النهوض الصيني وفق ما رأيته لم تكن باليسيرة، ولكنني أدركت أن الشعب الصيني يحمل في مختلف تحركاته وأهدافه قيمة واحدة وهي العمل المقترن بوحدة المصير، فهناك الكثير من الاختلافات الثقافية وتعدد الهويات الفرعية، إلا أن هذا التعدد كان بمثابة الحاضنة الأم لعملية التنمية ولم تكو عائقًا أمام النهوض والتقدم، فقد رأيت الوحدة والاصطفاف حول الدولة أقوى من الانتماء العرقي أو الثقافي بل كانت هذه الثقافات المتعددة بمثابة قوة إضافية للدولة في تحركاتها الداخلية والخارجية، وهو ما تم ترجمته بالإدراك العام بوحدة المصير المشترك، وفي ظني أن هذا المبدأ أيضًا انعكس على سياسة الصين الخارجية التي تدعو إلى التعايش ووحدة المصير العالمي والذي أكدت عليه المبادرات الصينية مثل تعزيز الترابط بين دول الجنوب العالمي والعمل على إيجاد نظام دولي متعدد الأقطاب يقوم على استيعاب كل الأطراف. كما تعزز هذا اليقين بعدما رأيت كافة الوفود المشاركة في حالة من الحراك التفاعلي مع بعضهم البعض والحرص على نقل هذه الخبرة إلى دولهم والاستفادة من هذه التجربة الملهمة في تحقيق نهضتهم الخاصة.
إن روية الصين بعين الواقع والتجربة تختلف كثيرًا عن تلك التي عرفناها من قراءة الكتب أو الإعلام فالصورة مختلفة كثيرًا في ضوء تعدد واختلاف إحداثيات وطبائع المجتمع الصيني ومشاربه الثقافية المختلفة، فهناك فجوة كبيرة بين الواقع الحقيقي وما يتم تداوله إعلاميًا، وهو ما يجعل من هذه الرحلة فرصة للتعرف عن قرب بالصين والتطلع للعودة مجددًا لاستكشاف المزيد والمزيد.
في الختام: أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى السيد هوانغ آن مدير مركز التعاون الاقتصادي الدولي بمقاطعة فوجيان ونائبه السيد وو تسيبين لما قدموه من دعم في مختلف أنشطة الزيارة، فقد رأيت كل الحرص من جانبهم على تقديم مختلف التسهيلات لإتمام برنامج الدورة على أكمل وجه، كما أتقدم بجزيل الشكر والمحبة لكل أعضاء الفريق لين شيانشين ووانغ لو وتشين بيشوان وبان شيوشيي ولين شياوهونغ على تنظيمهم الرائع ومساعدتهم لكافة أعضاء الفريق المشارك، فمن خلالهم لم نشعر بوحشة الغربة عن الوطن بل كان الشعور السائد أننا أسرة واحدة؛ وتشاركنا معًا اللحظات منذ الوصول والاستقبال والمغادرة التي أوجدت في داخلي حنين للعودة واللقاء مجددًا.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الكبير للدكتور أحمد السعيد مؤسس ورئيس مؤسسة بيت الحكمة للثقافة وعضو الهيئة الاستشارية العليا لمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية الذي اتخذ مسارًا فريدًا ومتميزًا في تقديم رؤيته للصين أقرب إلى الواقع، فقد كان له الفضل الكبير في ترجمه هذا الواقع وتوضيحه بما ساهم في تكوين معارفي حول الصين والتي تكللت بهذه الزيارة التي فتحت آفاق أوسع للتبحر في دراسة ومعرفة الصين عن قرب بل واختبار هذه المعرفة.
إن الشعور بالامتنان لهذه التجربة والقائمين عليها لا يمكن أن تعبر عنه بلاغة الحديث، فأحيانًا تكون الكلمات عاجزة عن وصف المشاعر، وقد حاولت جاهدًا تقديم وصف لجزء صغير مما شاهدت وشعرت ولكن يبقى في العقل والقلب الكثير من المشاعر والأفكار التي لم تسعها هذه السطور.


