محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الايرانية
تصاعدت حدة التوترات بين إيران من جانب والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر لتتحول إلى مواجهة عسكرية شاملة بينهم والتي بدأت بهجوم عسكري منسق من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، استهدف مراكز حيوية في المدن الإيرانية، وهو ما أسفر عن تدمير مجموعة من البنى التحتية ومقتل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ومسؤولين آخرين. وهو ما دفع طهران للرد بهجمات صاروخية وبمسيّرات استهدفت إسرائيل ومجموعة من القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة والتسبب في وقوع خسائر بشرية ومادية فادحة، والتسبب في شلل الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز الذي يغذي العالم بـ 20% من احتياجاته النفطية. وفي خضم هذا التصعيد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الهدف النهائي هو تغيير النظام في طهران، وهي غاية استراتيجية تسعى لإعادة صياغة موازين القوى في المنطقة، رغم التساؤلات حول إمكانية استمرار هذا التوجه مستقبلًا.
وفي ضوء ذلك يشهد النظام الدولي تصاعدًا خطيرًا في استخدام القوة العسكرية خارج الأطر القانونية التي ينظمها ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول شرعية الحروب المعاصرة وحدود اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، برزت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران كإحدى أكثر الأزمات إثارة للجدل من منظور القانون الدولي، ليس فقط بسبب طبيعة العمليات العسكرية وحجمها، بل أيضًا بسبب الأسس القانونية التي حاولت واشنطن وتل أبيب الاستناد إليها لتبرير الهجوم.
وتزداد أهمية هذا الجدل في ظل القواعد الصارمة التي يفرضها القانون الدولي بشأن استخدام القوة، والتي تحصره في حالات محددة أبرزها الدفاع عن النفس أو التفويض الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ومن ثم، يطرح الهجوم على إيران إشكالية قانونية وسياسية كبرى وما إذا كان هذه الحرب تمثل انتهاكًا للنظام القانوني الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية تحت مظلة الأمم المتحدة.
أولًا: الحرب على إيران وجدل الشرعية القانونية
لا تستند الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على أساس قانوني ضمن قواعد القانون الدولي المعاصر، فميثاق الأمم المتحدة يحظر التهديد بالقوة أو استخدامها ضد سيادة الدول واستقلالها، ولا يملك هذا الحق سوى مجلس الأمن فيما يتعلق بالتصريح بالتدخل العسكري لحفظ السلم الدولي. أما الاستثناء الوحيد في المادة 51 والمتعلق بحق الدفاع عن النفس، فهو مشروط حصرًا بوقوع هجوم مسلح مباشر. وعلى الرغم من الجدل القانوني حول مفهوم “الدفاع الاستباقي” ضد هجمات متوقعة، إلا أن الاتجاه الغالب في الفقه الدولي يرفض هذا التوسع في المفهوم، وهو ما يجعل الذرائع المقدمة لتبرير الحرب لا تمتلك أساسًا قانونيًا قويًا.
وعليه، تفتقر المبررات السياسية التي ساقتها واشنطن، سواء لتغيير النظام أو حماية المواطنين أو تدمير الأسلحة، إلى سند قانوني متماسك، كما إن السعي لتغيير الأنظمة بالقوة –كما جرى في أحداث عام 1953– لم يلقَ يومًا قبولًا أمميًا، ولا يمكن اعتباره ذريعة مشروعة تحت مظلة القانون الدولي. كما أن استدعاء مبدأ “مسئولية الحماية” الذي تم اعتماده في عام 2005 لا يمنح أي دولة حق الانفراد بالتدخل؛ إذ يشترط هذا المبدأ التنسيق الجماعي تحت إشراف المؤسسات الدولية وموافقة مجلس الأمن. علاوة على ذلك، تظل ادعاءات تطوير إيران لأسلحة نووية محل تشكيك واسع، في ظل تقييمات استخباراتية أمريكية صادرة عام 2025 وتقارير رقابية دولية تفند هذه المزاعم وتضعف الحجة القانونية للعدوان.
ومن ثم، لا يوفر القانون الدولي الأساس لمهاجمة دولة أخرى استنادًا إلى المبررات المتغيرة التي طرحتها الولايات المتحدة لتبرير الحرب والتي تمثلت في مجموعة من الأهداف منها تغيير النظام الحاكم في طهران وحماية المواطنين الإيرانيين من انتهاكات حكومتهم وإنهاء برنامج الصواريخ الباليستية ومنع تطوير السلاح النووي.
وتشير مجموعة من التقارير إلى أن الهجمات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران استهدفت مجموعة من الأهداف المدنية مثل المدارس والمؤسسات الخدمية؛ حيث أدى استهداف مدرسة “الشجرة الطيبة” الابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوبي إيران في مقتل أكثر من 100 طفل، بالإضافة إلى تنفيذ عملية اغتيال خارج إطار القانون استهدفت القيادة السياسية للبلاد، والتي تُصنف في هذا السياق كأهداف غير مشروعة عسكريًا. كما تندرج هذه الممارسات وفق قواعد القانون الدولي الإنساني تحت بند “جرائم الحرب” لما تنطوي عليه من استهداف مباشر للمدنيين وتجاوز للأعراف الدولية في النزاعات المسلحة.
ثانيًا: تحولات الحرب من المنظور الأمريكي والإسرائيلي
من خلال مطالبة واشنطن إيران بالتخلي عن صواريخها الباليستية، قطعت الولايات المتحدة على نفسها التزامًا عسكريًا طويل الأمد بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي. وقد برزت في هذا السياق مجموعة من التساؤلات المحيطة بالحرب مع إيران مثل لماذا الآن؟ ما الذي دفع إلى هذه الخطوة العاجلة؟ هل لدى الإدارة الأمريكية حجة مقنعة لدى غالبية الشعب الأمريكي والكونجرس؟ حيث لم يناقش هذا الأمر بشكل كامل قبل اندلاع الحرب، وهو ما أدى إلى وضع نادر تاريخيًا يتمثل في شن حرب دون تأييد شعبي واسع النطاق في البداية.
إن الأمر الذي تغير يتمثل في تحديد الولايات المتحدة لأهدافها في خوض حرب وقائية (وليست استباقية). ويعود جزء كبير من هذا التحول إلى الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض في 28 ديسمبر2025؛ حيث أوضح نتنياهو للرئيس دونالد ترامب أنه على الرغم من عدم وجود ما يدعو للقلق على الصعيد النووي، إلا إن إيران تُحرز تقدمًا كبيرًا في إعادة بناء وتوسيع برامجها للصواريخ الباليستية. وأنه في حال تراكمت هذه التحركات، فقد يكون الضرر الناجم عن أي تبادل إطلاق نار مستقبلي أسوأ بكثير مما حدث في حرب يونيو الماضي. وهو ما دفع ترامب لمنح نتنياهو الضوء الأخضر من حيث المبدأ لشن ضربة مستقبلية، الأمر الذي يستلزم ضمنيًا مشاركة الولايات المتحدة، نظرًا لحاجة إسرائيل إلى الدعم الأمريكي في الدفاع ضد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
وضمن هذا السياق، برزت اتجاهات داخل إسرائيل تشير إلى ضرورة الحفاظ على “حرية التصرف” تجاه إيران من خلال القدرة على اتخاذ إجراءات هجومية دون الخوف من رد إيراني مباشر باستخدام الترسانة الصاروخية باعتبار إن هذا الوضع بالغ الأهمية لإسرائيل، ولكنه يعني أيضًا أن إيران لن تتنازل عن هذا الحق بالتفاوض.
على الجانب الآخر، وبالنسبة للولايات المتحدة، يمثل هذا الأمر معضلة أكبر. فلو أن إدارة ترامب بررت الحرب أمام الكونجرس والرأي العام الأمريكي بالاعتماد فقط على التهديد التقليدي الإيراني والحفاظ على حرية التحرك الإسرائيلية، واعترفت بعدم وجود سبب يدعو للقلق الفوري بشأن البرنامج النووي، لما كان ذلك مقنعًا لمعظم الناس بقدر ما كان عليه التهديد النووي.
وبالنظر إلى قدرة إيران الواضحة على إعادة بناء برنامجها الصاروخي بعد الحرب، فهذا يعني أن إسرائيل ستحتاج إلى عمليات تفتيش دورية للحفاظ على هذا البرنامج تحت السيطرة. كما تحتاج إسرائيل، استنادًا إلى تجاربها الأخيرة، إلى دعم أمريكي لهذا النوع من الضربات، حتى تتمكن من المساعدة في اعتراض الصواريخ باستخدام منظومة ثاد وصواريخ إس إم-3 الاعتراضية، التي استُنزفت بنحو الربع خلال حرب يونيو الماضي والاشتباكات الأمريكية مع الحوثيين في اليمن في السنوات الأخيرة.
وبما أن إسرائيل ستحتاج إلى دعم ومشاركة أمريكية مستمرة، فإن ذلك يُمثل طلبًا ضمنيًا كبيرًا وطويل الأمد من الولايات المتحدة. وسيستلزم ذلك بالتأكيد تغييرات في توزيع القوات والموارد العسكرية الأمريكية. وعلى الرغم من إن القادة الإسرائيليون قد يكونوا أكثر انفتاحًا من الولايات المتحدة على تفكك إيران، وهو سيناريو يتم فيه تسليح وتمكين بعض الأقليات من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل في ظل تصاعد مخاطر استمرار العنف والفوضى الداخلية لفترة طويلة، حتى بعد انحسار التدخل العسكري المباشر الأمريكي والإسرائيلي.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ إذ قد يدفع بعض القوميين الإيرانيين إلى العودة إلى أحضان النظام، أملًا في منع التفكك الوطني. في حين يبدو أن إسرائيل على استعداد لتحمل عواقب احتمال تحول إيران إلى دولة فاشلة. مع ذلك، ونظرًا لمصالح الولايات المتحدة الواضحة في الاستقرار وحرية تدفق الطاقة من الخليج، فإن مصالحها تبدو مختلفة تمامًا.
ومن الواضح أن إدارة ترامب تُخفق إخفاقًا ذريعًا في تقييم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وفي إدراك الاختلافات الجوهرية بينهما في بعض المجالات، وفي محاولة التوصل إلى توليفة سياسية تضمن مستوى مقبول من الأمن لإسرائيل دون جر الولايات المتحدة إلى حروب متكررة في المنطقة، والتي لا تُمثل مصالحها جوهرية.
إن “المطالب الضمنية” التي تُوجهها إسرائيل للمستقبل، من خلال مطالبتها بتخفيض معايير الحرب الوقائية من الأسلحة النووية إلى الصواريخ الباليستية، والحفاظ على حرية تصرفها تجاه إيران، ينظر إليها كمطالب جسيمة بالنسبة للولايات المتحدة؛ حيث سيستلزم ذلك تخصيص موارد عسكرية كبيرة، بالإضافة إلى تقديم تنازلات مع مصالح أخرى. تحديدًا فيما يتعلق باتجاه واشنطن نحو إقناع شركائها العرب في المنطقة بالتضحية بالاستقرار الإقليمي لضمان مصالح إسرائيل. ومن الواضح أن إدارة ترامب، رغم اختلالها، غير مؤهلة للتفكير في تعقيدات الموازنة بين هذه القضايا. وسيكون على قادة الكونجرس محاولة التأثير على الإدارة ووضع حدود للالتزامات العسكرية الأمريكية.
ثالثًا: الانعكاسات على الداخل الإيراني
لا يمكن فهم تداعيات الحرب دون النظر إلى تأثيرها المحتمل على بنية النظام السياسي داخل إيران. فالتصعيد العسكري الخارجي غالبًا ما ينعكس على التوازنات الداخلية، سواء من حيث تماسك مؤسسات الدولة أو تصاعد دور المؤسسات العسكرية والأمنية في إدارة الدولة. كما أن الضغوط العسكرية والاقتصادية قد تدفع النظام إلى إعادة صياغة أولوياته السياسية والاستراتيجية، وهو ما يجعل مستقبل النظام الإيراني أحد أهم المتغيرات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة في المنطقة.
بجانب ذلك، لم تقتصر آثار الحرب على البعد العسكري المباشر، بل امتدت لتطال التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بأكمله. فالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يُعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لبنية النظام الإقليمي وشبكة التحالفات القائمة. كما أن طبيعة الردود المتبادلة، واتساع نطاق العمليات العسكرية، ساهمت في إيجاد تحولات جيوسياسية قد تعيد رسم موازين القوة في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، تفرض متغيرات مثل الجغرافيا والديموغرافيا الإيرانية تحديات جسيمة، ففي ظل التعداد السكاني الكبير الذي يتجاوز 90 مليون نسمة والجغرافيا المعقدة تصبح أي عملية عسكرية معقدة للغاية. يضاف إلى ذلك تماسك الأجهزة الأمنية الإيرانية وسعيها المستمر للبقاء، بجانب غياب أي مؤشرات شعبية ترحب بالتدخل الخارجي لإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن النظام الإيراني أثبت طوال سنوات سابقة قدرته على الصمود في وجه أزمات متلاحقة؛ بدءًا من الضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات، وصولًا إلى موجات الاحتجاجات الشعبية التي بدأت بـ “الحركة الخضراء” في عام 2009، مرورًا بانتفاضات 2019-2020، واحتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” في عام 2022، وصولًا إلى انتفاضات عامي 2025 وأوائل 2026. وقد نجح النظام في تجاوز هذه العقبات عبر استخدام القبضة الأمنية.
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن النظام الإيراني قادر على التكيف برغم تآكل شعبيته، إلا أن احتمالية انهياره السريع تظل ضئيلة، كما إن استهداف هيكله الحالي قد يؤدي إلى تقويض سلطة الدولة المركزية، وهو ما قد يمهد الطريق لموجات من العنف ضد المدنيين، وصراعات مسلحة بين أطراف تسعى لاقتناص السلطة. وعليه، فإن اعتبار اغتيال خامنئي حلًا من وجهة نظر واشنطن هو رهان خاطئ؛ إذ لن ينتج عنه سوى فراغ سياسي تسارع الفصائل المسلحة لملئه، وصعود حكم عسكري وهو ما ظهر من خلال اختيار “مجتبى خامنئي” كمرشد ثالث للجمهورية الإسلامية بما يُجسد المرونة المؤسسية بدلًا من إثارة المنافسة بين النخب، كما يبدو أن عملية الانتقال قد أُديرت بطريقة منظمة نسبيًا؛ حيث سارع كبار الشخصيات السياسية والحرس الثوري إلى إعلان ولائهم للقائد الجديد.
رابعًا: تداعيات المواجهة العسكرية وانعكاساتها المتعددة
من المرجح أن يُحدث الهجوم العسكري الأمريكي – الإسرائيلي واسع النطاق دمارًا هائلًا في بنية الجمهورية الإسلامية، وهو ما قد يثير الاحتفاء من جانب معارضي النظام، ويدفع الرئيس دونالد ترامب لإعلان “نصر” استراتيجي. ومع ذلك، وكما أظهرت التجارب السابقة للتدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، فإن الانتصارات الأولية غالبًا ما تفتح الباب أمام تبعات كارثية ومفاجئة لم يضعها المخططون في الحسبان. على سبيل المثال أدى الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982، بدعم أمريكي، إلى طرد منظمة التحرير الفلسطينية، لكنه في المقابل مهد الطريق لظهور “حزب الله” وتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة. وبالمثل، بدا تحرير الكويت في عام 1991 استعراضًا للهيمنة الأمريكية المطلقة، إلا أنه سرعان ما تحول إلى عامل محفز لصعود تنظيم “القاعدة” وهجمات 11 سبتمبر، بالتوازي مع توسع نظام المراقبة الأمريكي على حساب الحريات المدنية في الداخل. علاوة على ذلك، أطلقت حرب الخليج (1990-1991) ديناميكيات إقليمية معقدة أدت إلى اتفاقيات “أوسلو” برعاية واشنطن، والتي تسببت عيوبها الهيكلية في استمرار القضية الفلسطينية دون تسوية وجعل آفاق السلام في الشرق الأوسط أبعد من أي وقت مضى. كما أحدث الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 فراغًا أمنيًا وسياسيًا كان بمثابة الحاضنة لظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، وهو ما أدى إلى موجة من الفوضى زعزعت استقرار الشرق الأوسط برمته. ولم تقف التداعيات عند الحدود الإقليمية؛ إذ ساهمت تلك الحرب في تآكل الأسس الديمقراطية داخل الولايات المتحدة، وخلقَت مناخًا سياسيًا مهد الطريق – بشكل غير مباشر – لصعود دونالد ترامب في انتخابات 2016.
وضمن السياق ذاته، فعلى العكس من النتائج المستهدفة من وراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران وبدلًا من كسر الايرانيين نفسيًا ومعنويًا جاءت الأحداث الأخيرة محفزة لتعزيز تماسكهم وتوحيد الصفوف، ففي ظل المواجهة العسكرية المحتدمة منذ أواخر فبراير 2026، كثفت القيادات العسكرية الإيرانية من تصريحاتها في محاولة لرسم معادلة ردع جديدة في المنطقة. وقد أعلن العميد مجيد موسوي، قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري، عن تحول جذري في استراتيجية القصف، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستعتمد على صواريخ برؤوس حربية لا يقل وزنها عن طن واحد، مع توسيع نطاق الاستهداف وزيادة وتيرتها. ويأتي هذا الخطاب التصعيدي متزامنًا مع تأكيدات الناطق باسم الحرس الثوري، علي محمد نائيني، بقدرة القوات الإيرانية على مواصلة الحرب لمدة لا تقل عن ستة أشهر، مدعيًا تنفيذ ضربات لأكثر من 200 هدف أمريكي وإسرائيلي، وذلك في وقت يصف فيه الجنرال محمد أكبر زاده الأسابيع الثلاثة المقبلة بأنها ستكون حاسمة في تحديد مسار المواجهة وإفشال ما أسماه مخططات “نظام الهيمنة”.
في المقابل، تظهر المعطيات الميدانية فجوة واسعة بين هذا الخطاب الإعلامي والواقع العسكري على الأرض؛ إذ تشير التقديرات الأمريكية والإسرائيلية إلى حدوث تراجع حاد في القدرات الصاروخية الإيرانية بنسبة تتراوح بين 85% إلى 90% مقارنة بأيام الحرب الأولى. وهذا التباين يشير إلى أن التصريحات الإيرانية لا تعد مجرد تقارير عسكرية، بل هي جزء من حرب نفسية استراتيجية تهدف إلى تعويض التآكل في القدرات المادية عبر تعزيز صورة “الصمود”. وإن الهدف الأساسي من هذه الرسائل هو إظهار إيران كقوة لا تزال تمتلك زمام المبادرة وقادرة على فرض تكلفة كبيرة على مصالح خصومها، وهو ما يمنعهم من استغلال التراجع الميداني لتوسيع العمليات العسكرية ضد بنيتها الاستراتيجية.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز ورقة “مضيق هرمز” كعنصر ضغط محوري في هذا الخطاب؛ فإيران توظف سلاح الجغرافيا لتهديد الاقتصاد العالمي، مدركةً أن إثارة أزمة طاقة دولية قد تشكل ضغطًا على حلفاء واشنطن وتل أبيب لإعادة التفكير في تكلفة الصراع. ومن خلال ربط أمن الملاحة الدولية باستمرار الهجمات، تحاول طهران تحويل الحرب من صراع إقليمي إلى أزمة عالمية تفرض على المجتمع الدولي البحث عن حلول دبلوماسية لوقف التصعيد. وفي الوقت نفسه، يخدم هذا الخطاب العسكري غرضًا داخليًا يتمثل في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية وإظهار القيادة كقوة قادرة على الدفاع عن الدولة، وهو ما يُعد ضرورة حيوية للحفاظ على الشرعية السياسية في ظل الضغوط الوجودية التي يواجهها النظام.
وبالتالي، يمكن فهم تصريحات الحرس الثوري باعتبارها رسائل متعددة المستويات، فعلى المستوى العسكري تستهدف إيران ردع الخصوم المباشرين عن شن مزيد من الهجمات، وبالنسبة للمتغيرات الاقتصادية، فتتمثل في تحذير المجتمع الدولي من عواقب استمرار الحرب، وعلى مستوى الداخل الإيراني فتتمحور حول ضمان الاستقرار؛ حيث تسعى إيران من وراء هذه الاستراتيجية إلى إدارة توازن التهديد في هذه المرحلة الحرجة، وتحويل كل ورقة ضغط تمتلكها إلى أداة للبقاء السياسي والعسكري في مواجهة الحملة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
خامسًا: انعكاسات الحرب على دول الخليج
انتقلت التوترات الإقليمية إلى مرحلة كسر القواعد بشكل شامل؛ حيث تعرضت كافة دول مجلس التعاون الخليجي الست لهجمات إيرانية انتقامية واسعة النطاق، لم تكتفِ باستهداف المنشآت العسكرية فحسب، بل طالت الشرايين الاقتصادية والمدنية الحيوية، من موانئ ومطارات دولية إلى ناطحات السحاب والمراكز الحضرية الكبرى في البحرين والإمارات وبقية دول المنطقة. وهذا التحول في العقيدة العسكرية الإيرانية يمثل خروجًا صارخًا عن سيناريو “حرب الأيام الاثني عشر” الذي جرى تداوله في يونيو 2025، والذي كان يُنظر إليه كحد أقصى للتصعيد؛ حيث وجدت دول الخليج نفسها في قلب المواجهة لتصبح هذه الدول الأكثر عرضة لـ “ضريبة الحرب”، وتتحمل العبء الأكبر للرد الإيراني الذي يهدف إلى تحويل الساحة الخليجية إلى خط مواجهة أول، بهدف تشتيت القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
فمنذ أحداث 7 أكتوبر 2023، تبنت دول الخليج استراتيجية دقيقة للحفاظ على التوازن، سعت من خلاله لإبعاد نفسها عن الصراع وتجنب الانزلاق إلى المواجهات الإقليمية. ورغم أن جولات التصعيد المتتالية – في أبريل وأكتوبر 2024، وصولًا إلى يونيو 2025 – قد وضعت المنطقة على حافة الهاوية، إلا أن الجميع كان يراهن على وجود “خطوط حمراء” غير معلنة وقواعد اشتباك تضبط مجريات الصراع. غير أن الهجمات الإيرانية التي تلت “عملية الغضب الملحمي” في فبراير 2026 أثبتت أن ذلك الرهان قد تبدد؛ فالنظام الإيراني، الذي يشعر اليوم بحصار وجودي واستهداف مباشر لقيادته التاريخية، قد تخلّى كليًا عن سياسة “ضبط المواجهة العسكرية” التي ميزت تحركاته السابقة. فلم تعد طهران تقاتل من أجل النفوذ، بل من أجل البقاء، وهو ما دفعها لتبني استراتيجية “الأرض المحروقة” التي تسعى لإشراك جيرانها الخليجيين قسرًا في تبعات هذا الصراع، مدركةً أن إشعال الساحة الخليجية هو الوسيلة الأكثر فعالية للضغط على المصالح الدولية والضغط من أجل وقف الهجوم الشامل ضدها.
لقد أصبح المشهد الاستراتيجي في الخليج الآن أكثر هشاشة من أي وقت مضى؛ حيث لم تعد الحماية العسكرية التقليدية كافية لتحييد البنية التحتية المدنية عن الانفجارات السياسية، كما إن هذا التحول يعيد تشكيل خارطة التحالفات والمخاطر في المنطقة، ويفرض على دول الخليج واقعًا جديدًا يتطلب سرعة في إعادة التكيف، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على المستوى الدبلوماسي والأمني لضمان بقاء الاقتصادات الخليجية في مأمن من ارتدادات حرب لا تملك هذه الدول أدوات السيطرة على مسارها أو نهايتها.
وعلى الرغم من النجاح التقني الملموس لأنظمة الدفاع الجوي المتطورة في دول مجلس التعاون الخليجي في اعتراض الغالبية العظمى من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، والذي ساهم في الحد من الخسائر المادية والبشرية المباشرة، إلا أن النصر العسكري التكتيكي لا يحجب تداعيات استراتيجية أعمق. إن الأثر النفسي المتراكم لهذه الهجمات، حتى وإن لم تُصب أهدافها الحيوية، قد يؤدي إلى تصدع الصورة الذهنية التي رسمتها دول الخليج لنفسها كملاذ آمن ومستقر في قلب منطقة مضطربة. فالهجمات المستمرة على المدن ذات الكثافة السكانية العالية، وتحديدًا المراكز الاقتصادية العالمية مثل دبي والدوحة والرياض، تضرب في صميم النموذج التنموي الخليجي الذي استند لعقود على ركيزة الاستقرار كعامل جذب أساسي للاستثمارات الأجنبية والشركات العالمية والسياحة. وبالتالي فإن الشعور بعدم الأمان، والخوف من تكرار هذه الحوادث، قد يدفع رؤوس الأموال والكوادر البشرية إلى إعادة تقييم جدوى وجودها في المنطقة، وهو ما يمثل خسارة صامتة لكنها فادحة للنموذج الاقتصادي الخليجي.
بجانب ذلك، يفرض أي نزاع مطول واستمرار القصف الإيراني ضغوطًا لوجستية واقتصادية قد تُرهق الشبكات العالمية التي تعتمد عليها دول الخليج. فالمراكز الخليجية، بفضل شركات الطيران العملاقة والموانئ الاستراتيجية، تُعد اليوم بمثابة الجسر الذي يربط الشرق بالغرب؛ وأي اضطراب في الأجواء أو الممرات الملاحية لا يعني فقط توقف حركة النقل، بل يعني تعثرًا في سلاسل التوريد العالمية التي تعتمد على هذه المراكز كحلقات وصل أساسية. كما إن احتمالية إغلاق أو حتى تهديد الملاحة في مضيق هرمز ترفع تلقائيًا من تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية، من الغذاء والدواء إلى الطاقة، وهو تضخم لا يقتصر أثره على الداخل الخليجي، بل يمتد ليشكل صدمة اقتصادية دولية.
إن هذا الواقع يجعل من استمرار الاستقرار مطلبًا وجوديًا يفوق في أهميته أحيانًا الرد العسكري المباشر. فبينما يرى المخططون العسكريون أن التحدي يكمن في الاعتراض، يرى صناع القرار أن التحدي الحقيقي يكمن في استمرارية وقدرة هذه الدول على طمأنة الأسواق العالمية بأن تدفقات النفط والغاز، وحركة التجارة عبر المطارات والموانئ، لن تكون رهينة لتقلبات النيران الإيرانية. إن الفشل في تحقيق ذلك، أو التورط في صراع طويل الأمد، قد يعني تحول الميزة التنافسية الخليجية – المتمثلة في كونها مركزًا تجاريًا آمنًا – إلى عبء استراتيجي يجعله هدفًا سهلًا لسياسة تدمير المكتسبات التي تنتهجها طهران في مواجهتها الوجودية الراهنة.
في الختام: إن المشهد الذي خلّفته المواجهة العسكرية في فبراير 2026 يضع العالم –والشرق الأوسط على وجه التحديد– أمام مرآة التاريخ التي طالما حاول صناع القرار تجاهلها. فالحرب التي بدأت تحت شعارات “تغيير النظام” و”الردع الاستراتيجي” سرعان ما تحولت إلى سلسلة من التداعيات التي تتجاوز في خطورتها أهدافها المعلنة. لقد أثبتت هذه الحرب مرة أخرى أن القوة العسكرية، مهما بلغت دقتها التقنية، لا يمكنها بمفردها ترتيب الأوضاع السياسية واستمراريتها، وأن الانتصارات التكتيكية في الميدان غالبًا ما تكون مقدمة لأزمات استراتيجية ممتدة.
إن الرهان الأمريكي والإسرائيلي على إمكانية حدوث الفراغ السياسي الذي قد يتركه اغتيال القيادة أو تدمير البنية التحتية كان رهانًا خاسرًا؛ فقد ولد هذا الفراغ فوضى أمنية إقليمية، كما إن هذا النزاع ليس مجرد حلقة في سلسلة الحروب الإقليمية، بل هو تحذير من أن غياب الأفق السياسي، وعدم احترام القانون الدولي، والاعتماد المفرط على الحلول العسكرية، سيؤدي إلى تآكل الحريات، وتفاقم الانقسامات، وإدخال المنطقة في حلقة مفرغة من العنف التي لا يخرج منها أحد منتصرًا. في حين إن استقرار منطقة الشرق الأوسط –والاقتصاد العالمي المرتبط به– يتطلب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، العودة إلى قواعد الدبلوماسية؛ فالسلام الحقيقي لا يُبنى على أنقاض المدن أو عبر اغتيال الخصوم، بل عبر صياغة تسويات واقعية تحترم سيادة الدول وتدرك أن تكلفة الحرب تتجاوز دائمًا حدود جغرافيا الدول المتحاربة.

