محمود نبيل
رئيس وحدة الدراسات الإقليمية بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
يشهد النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط مجموعة من الإجراءات التي تعيد تشكيل أنماط التفاعلات داخله في ظل تداخل تحولات القوة الدولية مع التغيرات في موازين الردع الإقليمي؛ فلم تعد التفاعلات الجارية في المنطقة محكومة بمنطق إدارة الأزمات أو احتواء النزاعات، بقدر ما تعكس مستوى التدرج نحو إعادة ترتيب النظام الأمني الإقليمي من خلال مجموعة من الترتيبات الجديدة التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية في اتجاه إعادة تعريف الدور الإيراني داخل هذه المعادلة والتي ينظر إلى هذه الاتجاهات باعتبارها الاختبار الاستراتيجي لهذا التحول.
وفي ضوء ذلك، تكتسب التفاعلات بين واشنطن وتل أبيب وطهران أهمية خاصة، والتي لا يمكن اختزالها في جولات المباحثات حول تطورات البرنامج النووي الإيراني أو من خلال الاجتماع بين ترامب ونتنياهو، وإنما باعتبارها أحد الخطوات في مسار إعادة تعريف أدوار الفاعلين الإقليميين وحدود نفوذهم، فالتحولات التي أعقبت جولات التصعيد في غزة، وما تبعها من عمليات استنزاف بين إسرائيل والأذرع الإقليمية لإيران، أسهمت في إعادة ترتيب النظام الإقليمي، وأنتجت معادلات ردع جديدة تجاوزت نمط المواجهة غير المباشرة نحو مستويات أكثر انكشافًا.
كما تتزامن هذه التحولات مع التوجه الأمريكي نحو تقليص الانخراط العسكري طويل الأمد في الشرق الأوسط، وإعادة توجيه الثقل الاستراتيجي نحو مواجهة القوى الأخرى وفي مقدمتها الصين، غير أن هذا التحول لا يعني انسحابًا كاملًا، بل يفترض –من منظور صانع القرار الأمريكي– إعادة تنظيم التفاعلات داخل المنطقة بما يحافظ على مصالحها وبما يضمن استقراره النسبي عبر ترتيبات أمنية جديدة والتي يقع في القلب منها تعديل السلوك الإيراني.
وفي ضوء هذه التصورات، برز مفهوم الصفقة الشاملة مع إيران كإطار تحليلي يتجاوز حدود الاتفاق النووي، ليشمل أبعادًا سياسية وإقليمية وأمنية أوسع، تمس بنية النفوذ الإيراني في الإقليم، وطبيعة توازن القوى بين الفاعلين الرئيسيين، خاصة إن طهران تواجه معضلة استراتيجية مركبة؛ فهي مطالبة بتقديم تنازلات جوهرية لتخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية، دون أن يؤدي ذلك إلى تقويض ركائز شرعيتها الداخلية أو تفريغ أدوات نفوذها الإقليمي.
وضمن السياق ذاته، فإن تحليل المفاوضات الجارية لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لإعادة توزيع القوة في الإقليم، ولا عن التفاعلات الدولية التي تعيد رسم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، فالملف الإيراني لم يعد قضية تقنية تتعلق بنسب التخصيب أو امتلاك أجهزة الطرد المركزي فحسب، بل أصبح عقبة مركزية في مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بما يحمله ذلك من تداعيات على توازنات الردع، وأمن الطاقة، وموقع القوى الإقليمية والدولية في التأثير على المنطقة.
أولًا: قراءة في المتغيرات الاقليمية وما أفرزته من ملامح لخريطة الشرق الأوسط الجديد
لا يمكن فهم دلالات ودوافع الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتياهو إلى واشنطن في هذا التوقيت إلا من خلال وضعها في سياق التحولات التي يشهدها النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، فالزيارة لا تندرج ضمن الإطار التقليدي للتشاور الدبلوماسي الثنائي، بل تعكس مجموعة من التحولات في مسار إعادة ترتيب موازين القوة الإقليمية، في ظل تراجع أنماط الاستقرار السابقة وصعود ترتيبات أمنية جديدة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وامتدادًا لذلك، تشير المؤشرات التي برزت خلال الفترة الأخيرة إلى انتقال المنطقة من نمط إدارة الأزمات إلى مرحلة أكثر انكشافًا في إعادة تعريف مفهوم التوازنات الاستراتيجية، فقد أسهمت التطورات التي أعقبت جولات التصعيد في غزة في إحداث تحولات جذرية داخل المنطقة والتي تجاوزت حدود المواجهات العسكرية المحدودة، وأدت إلى إعادة تقييم شاملة لقواعد الاشتباك السائدة بين إسرائيل والقوى الأخرى المتحالفة مع إيران والتي تعرضت خلال الأشهر الماضية لضغوط عسكرية وأمنية وسياسية، شملت استهداف هياكل قيادية وبنى عسكرية، وهو ما انعكس على مدى قدرتها على التأثير في معادلات الردع الإقليمي، وفي موازاة ذلك برز تطور آخر تمثل في انتقال المواجهة من مستوى الضربات غير المباشرة عبر الوكلاء إلى مستويات أكثر انكشافًا؛ حيث امتدت العمليات إلى نطاقات تمس العمق الإيراني بصورة مباشرة، بما في ذلك البنية المرتبطة بالبرنامج النووي، وقد أسهم هذا التحول في تقليص هامش المناورة الاستراتيجية لطهران، وأعاد طرح ملفها النووي في سياق أمني مختلف عما كان قبل هذه الهجمات.
بجانب ذلك، لا تنظر واشنطن إلى الملف الإيراني كملف تقني مرتبط بنسب تخصيب اليورانيوم بل باعتباره عقبة استراتيجية في مواجهة إعادة ترتيب النظام الإقليمي بما يتوافق مع أولويات السياسة الأمريكية. وعليه، جاء الحشد العسكري الأمريكي بوصفه أداة ضغط مركبة تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة التفاوضية قبل حسم مسارها.
وفي ضوء هذه المتغيرات يتضح أن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكيل تدريجية لهيكلها الأمني، وأن الملف الإيراني يمثل أحد المحاور المركزية في هذا المسار، فالمفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران لا يمكن فصلها عن سياق التراجع النسبي في أدوات النفوذ الإقليمي الإيراني، ولا عن تنامي التفوق العسكري الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا. وبالتالي فإن تقديم تحليل لهذه المفاوضات بمعزل عن البيئة الاستراتيجية المحيطة بها ستكون قراءة منقوصة.
ونتيجة لذلك، يمكن فهم التحرك الإسرائيلي نحو واشنطن باعتباره سعيًا للتأثير المباشر في صياغة الإطار العام لأي تفاهم محتمل مع إيران، بحيث لا يقتصر على الجوانب التقنية المتعلقة بالتخصيب النووي، بل يمتد ليشمل القدرات الصاروخية، والبرامج العسكرية ذات الاستخدام المزدوج، ودورها الإقليمي. فالهدف الإسرائيلي المعلن يتمثل في ضمان ألا يؤدي أي اتفاق مستقبلي بين واشنطن وطهران إلى إعادة إنتاج عناصر القوة الإيرانية بصورة تسمح باستعادة نفوذها الإقليمي أو تطوير قدراتها على الردع.
بالإضافة إلى ذلك، تكتسب الزيارة دلالة استراتيجية تتجاوز بعدها الثنائي؛ إذ ترتبط بإعادة تعريف قواعد النظام الأمني الإقليمي في هذه المرحلة التي تتسم بالتداخل بين مسارات التفاوض والردع، كما ستعكس ملامح الترتيبات المستقبلية، سواء كانت في اتجاه إيجاد تسوية شاملة، أو في مسار إعادة إنتاج ترتيبات أمنية وسياسية أكثر هشاشة.
ثانيًا: استراتيجية “الصدمة والتصفير”: الحشد العسكري بين الإكراه الاستراتيجي وإعادة توزيع الموارد
لا يمكن قراءة مسارات الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة بوصفها استجابة طارئة لتطورات الملف الإيراني فحسب، بل ينبغي وضعه ضمن إطار أوسع يتعلق بالتحول في نمط إدارة الرئيس الأمريكي للأزمات والمتمثل في مبدأ الحسم السريع دون التدخل العسكري بمفهومه السابق للتدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان. وهذه المقاربة، التي يمكن توصيفها بـ”استراتيجية الصدمة والتصفير”، تنطلق من افتراض أن استمرار النزاعات منخفضة الحدة يبدد الموارد ويقيد القدرة على مواجهة التحديات الكبرى، وفي مقدمتها صعود الصين.
وقد ظهر هذا الحشد في تعزيز الوجود البحري عبر نشر مجموعات قتالية وحاملات طائرات في نطاق بحر العرب، إلى جانب دعمها بمنظومات دفاع جوي في عدد من القواعد الأمريكية في المنطقة. إلا أن هذا الانتشار لا يشير بالضرورة إلى نية خوض حرب شاملة، بقدر ما يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية القسرية”(Coercive Diplomacy)؛ حيث يُستخدم التهديد المستند على القوة لإجبار الطرف المقابل على تعديل سلوكه دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
1. الحشد العسكري كأداة لإعادة تعريف قواعد التفاوض
يهدف الانتشار العسكري الأمريكي إلى التحكم في معادلة التفاوض الجارية عبر تقليص هامش المناورة لدى طهران، وإيصال رسالة مفادها أن البديل عن التسوية يتمثل في التصعيد العسكري الذي قد يطال البنية التحتية الاستراتيجية الإيرانية. ومن ثم، فإن القوة العسكرية ليس غاية وإنما كوسيلة لإعادة إظهار التداعيات لدى الطرف الآخر. ولعل هذا النمط من الإكراه العسكري يختلف عن سياسة الاحتواء التقليدي؛ حيث يسعى إلى تحقيق تحولات جذرية عبر خلق بيئة تهديد وردع تستند على إدراك إيران بأن تكلفة الاستمرار في التصعيد أو المماطلة مرتفعة بالمقارنة مع تكلفة تقديم تنازلات محسوبة. ومن ثم، يصبح الحشد العسكري جزءًا من المسار التفاوضي.
2. عقيدة الحسم السريع وتجنب الاحتلال العسكري
تعكس هذه المقاربة توجه أمريكي يقوم على إدارة الأزمات في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها ملفات استنزافية لا تتناسب مع أولويات واشنطن للتنافس مع القوى الكبرى. ووفقًا لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي تم تصنيف الصين باعتبارها التحدي الأبرز للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، الأمر الذي يستدعي إعادة توزيع الموارد العسكرية والاهتمام السياسي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي هذا الإطار، يمكن تحليل الضغط على إيران باعتباره جزءًا من عملية القضاء على معوقات إعادة ترتيب مسارات الدور العالمي للقوة الأمريكية. ومن ثم، فإن حسم الملف الإيراني سواء عبر اتفاق أو عبر إضعاف قدراتها يُنظر إليه كشرط تمهيدي للتحول الكامل نحو مسرح التنافس مع الصين.
3. البعد المؤسسي لإعادة توزيع الموارد (Strategic Reallocation)
إضافة إلى البعد العسكري القائم على الردع، يكشف الحشد العسكري عن منطق آخر يتعلق بإعادة توزيع الموارد الدفاعية على مستوى التفاعلات، فالقضية لا تتعلق فقط بفرض شروط تفاوضية، بل بإعادة هيكلة الانتشار العسكري الأمريكي عالميًا بما يسمح بتحرير قدرات بحرية وجوية عالية الجاهزية لإعادة نشرها في مسارح أكثر أولوية.
وبالتالي فإن الضغط المكثف والسريع في الشرق الأوسط يهدف إلى تقليل أمد المواجهة، سواء انتهت بتسوية شاملة أو بترتيب قائم على استراتيجية ردع طويل الأمد، بما يقلل الحاجة إلى وجود عسكري دائم واسع النطاق في الإقليم. وهذه المقاربة تنسجم مع استراتيجية “التحول الاستراتيجي المرن”، التي تسعى إلى الحفاظ على القدرة على التدخل عند الضرورة، مع تقليل تكلفة الانتشار.
4. موقع إسرائيل في معادلة إعادة ترتيب الإقليم
تبرز إسرائيل بوصفها شريكًا أمنيًا للولايات المتحدة قادر على الاضطلاع بدور أكبر في إدارة التوازنات الإقليمية، بما يخفف العبء المباشر عن الولايات المتحدة؛ فتعزيز التنسيق الأمريكي – الإسرائيلي لا يهدف إلى توحيد المواقف تجاه إيران فقط، بل إلى تمكين إسرائيل من أداء وظيفة الردع الإقليمي وبما يضمن تحقيق استقرار نسبي يسمح لواشنطن بتقليص انخراطها العسكري المباشر في المنطقة.
كما يمكن فهم التحركات الدبلوماسية المتزامنة مع الحشد العسكري باعتبارها جزءًا من مقاربة مزدوجة تقوم على تكثيف الضغط للوصول إلى تسوية، مع ضمان ألا تؤدي أي تسوية محتملة إلى إعادة إنتاج تهديد إقليمي يستدعي انخراطًا أمريكيًا متكررًا.
وعلى الرغم مما توفره هذه الاستراتيجية من مزايا تفاوضية، فإنها تنطوي على مخاطر كامنة، أبرزها احتمال الوقوع في فخ سوء التقدير الذي قد يحول الضغط القسري إلى تصعيد غير مقصود. فالدبلوماسية القسرية تفترض وجود قنوات اتصال فعالة وإدراك متبادل لحدود القوة، وإلا تحولت إلى ديناميكية تصعيدية يصعب احتواؤها.
وفي ضوء ذلك، فإن استراتيجية “الصدمة والتصفير” تمثل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين القوة والتفاوض في سياق إقليمي؛ فهي لا تستهدف اندلاع حرب شاملة بقدر ما تهدف إلى إعادة تعريف شروط التسوية، وتقليص تكلفة الانخراط الأمريكي طويل الأمد في الشرق الأوسط، تمهيدًا لإعادة توجيه الموارد نحو التنافس مع الصين.
وبذلك، يصبح الحشد العسكري جزءًا من عملية إعادة توزيع القوة على المستوى العالمي، وليس مجرد استعراض القوة على الردع والهجوم بصورة مرحلية. كما أن التنسيق الأمريكي – الإسرائيلي يندرج ضمن إعادة بناء هيكل أمني إقليمي يسمح للولايات المتحدة بالتحول الاستراتيجي نحو مناطق أخرى دون السماح بوجود فراغ يُعيد إنتاج التهديدات السابقة.
ثالثًا: استراتيجية نتنياهو لاستباق “صفقة مسقط”
لم تكن الزيارة السابعة لبنيامين نتنياهو إلى واشنطن منذ عودة ترامب مجرد لقاء دوري، بل كانت منصة للتنسيق الدبلوماسي والعسكري فرضته وتيرة الأحداث المتسارعة في مسقط؛ حيث تشير المعطيات إلى أن نتنياهو أصر على تعجيل الزيارة لمدة أسبوع لتُعقد في 11 فبراير بدلًا من موعدها المقرر سلفًا، وذلك بهدف التأثير المباشر على مسار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران. كما إن الدافع الرئيسي لهذا “الاستعجال الإسرائيلي” يتمثل في المخاوف من إمكانية توصل إدارة ترامب إلى تفاهمات مع إيران تمنحها “شرعية نووية” أو تخفيفًا للقيود دون تفكيك كامل لقدراتها، خاصة بعد أن وصف ترامب الجولة الأولى
من محادثات عمان بأنها مثمرة. وتتمحور أجندة الزيارة حول هدفين استراتيجيين يمثلان “الخطوط الحمراء” الإسرائيلية في خارطة الشرق الأوسط الجديد:
1. الملف النووي والصاروخي (التفكيك كبديل عن التجميد): يسعى نتنياهو لفرض رؤيته التي تتجاوز مجرد “الرقابة”؛ حيث قدم لترامب مجموعة من الاتجاهات التي تطالب بأن تشمل أي صفقة قادمة التفكيك الكامل للبنية التحتية لتخصيب اليورانيوم، وتقليص مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية (بمدى 300 كم) لضمان عدم قدرتها على استهداف إسرائيل، ووقف دعمها لوكلائها في المنطقة؛ حيث يهدف نتنياهو ضمان ألا تخرج طهران من عزلتها الاقتصادية إلا بعد تجريدها من قوتها أو تحييدها، وهو ما يراه فرصة تاريخية قد لا تتكرر.
2. ترتيبات “ما بعد غزة”: يتمثل الهدف الثاني في تأمين دور إسرائيل القيادي داخل “مجلس السلام” (Board of Peace)، وهو الكيان الذي انضم إليه نتنياهو رسميًا خلال الزيارة. وتهدف الأجندة الإسرائيلية هنا إلى ضمان تنفيذ المرحلة الثانية من خطة غزة، والتي تشمل نزع السلاح الكامل للفصائل الفلسطينية واستبدال سلطة حماس بهيكل إداري وأمني جديد، مع ضمان عدم وجود دور للدول التي تعتبرها إسرائيل “داعمة للحركة” في مستقبل القطاع.
ومن ثم فان زيارة نتنياهو إلى واشنطن تهدف لانتزاع تعهد أمريكي بأن أي استدارة نحو الصين لن تترك فراغًا تملؤه إيران، وأن تحقيق الصفقة الشاملة يجب أن تُصاغ بأقلام إسرائيلية لضمان أمنها الوجودي في ظل الترتيبات الإقليمية الكبرى.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن الأهداف الاسرائيلية تتشابك مع الأهداف الأمريكية وإن كانت ليست متطابقة فالإدارة الأمريكية تتبنى موقف أكثر مرونة من إسرائيل تجاه التعامل مع الملف الإيراني؛ حيث تطالب إسرائيل بالتجريد الكامل للنظام الإيراني من قوته العسكرية والنووية ونفوذه الإقليمي، في حين تدرك الولايات المتحدة أن الحل العسكري لتدمير هذه المنشآت المحصنة تحت الجبال (خاصة فردو) لن يمحو “المعرفة النووية” التراكمية لدى العلماء الإيرانيين، بل قد يدفعهم لتسريع إنتاج القنبلة سرًا. لذا، فإن الهدف الأمريكي العميق في المفاوضات الحالية هو تعطيل هذا النشاط.
رابعًا: إيران واستراتيجية التفاوض
دخل النظام الإيراني جولة المفاوضات الجارية في مسقط في ظل تعرضه لخسائر استراتيجية وميدانية
غير مسبوقة، ومع ذلك، تبرز ملامح المفاوض الإيراني كطرف لا يزال يجيد إدارة المفاوضات والمماطلة للتوصل إلى الحد الأدنى من أهدافه. وقد عكست التصريحات الأخيرة لـ علي لاريجاني، تحولًا جذريًا في استراتيجية التكتيك التفاوضي؛ حيث أظهرت طهران مرونة مفاجئة بالقبول بخفض مستويات تخصيب اليورانيوم إلى أدنى مستوياتها. وهذه النبرة الجديدة تُعد بمثابة تراجع إيراني تكتيكي أمام سياسة التصعيد التي يتبعها ترامب ونتنياهو، لكنها في جوهرها تحمل رغبة في الالتفاف حول هذه المطالب؛ حيث ترفض إيران بشكل قاطع التخلي عن الحق في التخصيب، ومن ثم تحاول إيران مقايضة المستوى بالحق، لضمان الحفاظ على بنية نووية تحتية -ولو معطلة- تسمح لها بالعودة مستقبلًا، ولتجنب الظهور بمظهر المنكسر أمام الشعب الإيراني. وفي ضوء ذلك تراهن طهران على قدرتها العالية على التكيف مع التصعيد الدبلوماسي والمناورة لانتزاع الحد الأدنى من أهدافها، وهو رفع العقوبات الاقتصادية مقابل تنازلات تقنية يمكن تسويقها داخليًا كتفاهمات ندية.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن العقبة التي تجري في كواليس المفاوضات بين واشنطن وإيران تتمثل في تحديد سقف الهدف النهائي، وما إذا كانت إدارة ترامب تطالب بضمانات رقابية، أم أن الهدف المدفوع بضغط إسرائيلي يتمثل في تجريد إيران من كافة عناصر قوتها؟ خاصة إن النظام الإيراني يدرك يقينًا أنه يقف أمام مفترق طرق وجودي؛ فالتجاوب مع المطالب الأمريكية القصوى التي تشمل تفكيك البرنامج الصاروخي، وتحجيم نفوذها الإقليمي، والتخلي عن الطموح النووي، سيعني عمليًا “هزيمة ساحقة” وتفكيكًا ذاتيًا لركائز بقاء النظام، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى انهياره في الداخل وتجريده من شرعيته الثورية.
إن التمسك بالمواقف المتصلبة والتعنت في المفاوضات يضع إيران في مواجهة القدرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المحتشدة في المنطقة في ضوء إدراك النظام بأن المواجهة العسكرية في ظل الانكشاف النووي الراهن وضعف الحلفاء (محور المقاومة) ستنتهي بهزيمة عسكرية كبرى لا يمكن للدولة الإيرانية تحمل تبعاتها السياسية أو الاقتصادية. وبالتالي فإن وقوع إيران بين اتجاه التنازل الشامل، وبين المواجهة العسكرية عبر الصدام المباشر، يعطي مؤشرات واضحة بأننا أمام جولات صعبة من المفاوضات، ولعل محدودية الخيارات، وسعي واشنطن لانتزاع “الاستسلام الدبلوماسي” النهائي، هو ما يفسر الزيارة العاجلة والطارئة لنتنياهو؛ إذ يسعى للتأكد من أن واشنطن لن تقبل بأقل من التجريد الكامل، ولضمان إغلاق كافة الخيارات أمام المفاوض الإيراني في لحظة ضعفه التاريخية.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة لمفاوضات مسقط: إعادة ترتيب النظام الإقليمي
تعكس المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران اتجاهات اختبار لطبيعة النظام الأمني الإقليمي المحتمل إعادة تشكيله، فالمسألة لا تتعلق فقط بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل باتجاهات توزيع القوة في الشرق الأوسط، وحدود الدور الإيراني، وطبيعة الانخراط الأمريكي المستقبلي، وبالتالي يمكن تفسير التفاعلات الراهنة بوصفها صراعًا بين مقاربتين تفاوضيتين مختلفتين، فالمقاربة إيرانية تميل إلى إدارة الوقت كأداة قوة (Time as Strategy)، ومقاربة أمريكية تميل إلى تقليص الزمن التفاوضي عبر الدبلوماسية القسرية (Compressed Coercive Bargaining). وفي ضوء ذلك، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات رئيسية على النحو الآتي:
1. سيناريو الصفقة الشاملة: التسوية القائمة على الإكراه وإعادة تعريف الدور الإيراني
يقوم هذا السيناريو على نجاح استراتيجية الضغط العسكري والاقتصادي الأمريكية في دفع طهران إلى قبول اتفاق موسع يتجاوز الإطار التقني لاتفاق 2015، ليشمل قيودًا ممتدة على مستويات التخصيب، وتفكيكًا أو تجميدًا طويل الأمد لأجهزة الطرد المركزي المتطورة، وربطًا صريحًا بين الملف النووي والقدرات الصاروخية ودورها الإقليمي. وفي هذه الحالة لن تكون التسوية مجرد آلية لاحتواء الاختراق النووي، بل أداة لإعادة صياغة موقع إيران في المنظومة الإقليمية، ويستند هذا السيناريو إلى ثلاث ركائز محتملة:
أ. إعادة هيكلة البنية النووية: تقليص مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وتقييد استخدام أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وإخضاع المنشآت الحساسة لرقابة معززة وطويلة الأمد.
ب. تقييد القدرات ذات الاستخدام المزدوج: وضع ضوابط على تطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى وسلاسل توريد الطائرات المسيرة.
ج. مقايضة استراتيجية: رفع تدريجي للعقوبات مقابل التزام إيراني بتعديل سلوكها الإقليمي.
إن نجاح هذا السيناريو يعني انتقال المنطقة إلى نمط استقرار مشروط، تُدمج فيه إيران ضمن ترتيبات إقليمية مقيدة، بما يسمح للولايات المتحدة بإعادة توزيع مواردها الاستراتيجية نحو آسيا، غير أن هذا المسار يواجه مجموعة من التحديات من أهمها مدى قدرة النظام الإيراني على تبرير تنازلات واسعة داخليًا دون إضعاف شرعيته الثورية.
2. سيناريو الانفجار المحدود: الإكراه السياسي والتحول للاستهداف العسكري
يتحقق هذا السيناريو في حال فشل المفاوضات أو تجاوز إيران عتبة تخصيب تُعد تهديدًا مباشرًا، بيد أن الاحتمال الأكثر واقعية لا يتمثل في اندلاع حرب شاملة، بل في عملية عسكرية مركزة ومحدودة النطاق تستهدف البنية النووية أو القدرات الصاروخية الحساسة، بهدف إعادة البرنامج سنوات إلى الوراء دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية ممتدة.
وتستند هذه المقاربة إلى افتراض أن ضربة دقيقة ومدروسة قد تعيد تأسيس الردع دون تحمل تكلفة احتلال أو تغيير نظام، إلا أن هذا السيناريو ينطوي على مخاطر عالية، أبرزها:
أ. احتمال الرد غير المتناظر عبر الوكلاء أو في مضيق هرمز.
ب. ارتفاع أسعار الطاقة بصورة حادة، بما يؤثر في الاقتصاد العالمي.
ج. تحول المواجهة المحدودة إلى تصعيد تدريجي يصعب احتواؤه.
من منظور استراتيجي، يمثل هذا الخيار محاولة لإعادة ضبط التوازن عبر استخدام القوة العسكرية بعد فشل إجراءات الدبلوماسية القسرية. إلا أن تكلفته الاقتصادية والسياسية العالية تجعله خيارًا مرجحًا فقط إذا انهارت قنوات التفاوض بالكامل.
3. سيناريو اتفاق اللحظة الأخيرة: إدارة الأزمة وليس حلها
يقوم هذا السيناريو على التوصل إلى صيغة تجميد مقابل تجميد لفترة انتقالية، بحيث يتم تثبيت مستويات التخصيب الحالية، وتعليق استخدام بعض أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، مقابل إفراج محدود عن أصول مالية وتخفيف جزئي للعقوبات. وبالتالي فإن هذا النموذج لا يعالج جذور المشكلة، بل يؤجلها، ويعكس منطق شراء الوقت (Strategic Time-Buying) سواء لتجنب تصعيد عسكري في لحظة حساسة سياسيًا، أو لإدارة أولويات متزامنة لدى واشنطن في مسارح أخرى كالأزمة الأوكرانية.
من الناحية الإقليمية، سيُنظر إلى هذا الاتفاق بوصفه تسوية انتقالية هشة، ترفضها إسرائيل إذا لم تتضمن قيودًا واضحة، لكنه قد يحقق هدفين أمريكيين هما منع الاختراق النووي في المدى القصير، وحماية استقرار أسواق الطاقة وتفادي صدمة أسعار قد تتجاوز مستويات حرجة. غير أن مخاطره تكمن في منح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها التقنية والاقتصادية، بما قد يعيد إنتاج الأزمة في صيغة أكثر تعقيدًا لاحقًا.
4. سيناريو التآكل البطيء واستمرار الردع المتبادل
يُعد هذا السيناريو –من منظور تاريخي مقارن– من أكثر المسارات تطبيقًا في النزاعات الممتدة؛ حيث لا يتم التوصل إلى اتفاق شامل أو مؤقت، كما لا تحدث مواجهة عسكرية كبرى، بل يستمر نمط الضغط المتبادل والمتمثل في فرض العقوبات، وتنفيذ عمليات سيبرانية، وضربات عسكرية محدودة غير معلنة، وجولات تفاوض.
ويعكس هذا المسار نمط الردع غير المستقر؛ حيث يسعى كل طرف إلى منع الآخر من تحقيق مكاسب نوعية دون المخاطرة بحرب شاملة، ورغم أنه لا يحقق استقرارًا نهائيًا، إلا إنه قد يشكل صيغة توازن مؤقتة تسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على ضغط منخفض التكلفة نسبيًا، مع إبقاء الملف الإيراني تحت السيطرة دون حسم جذري. إلا أن هذا السيناريو يبقي المنطقة في حالة عدم يقين، ويجعل أي خطأ قابلًا للتحول إلى أزمة حادة.
في الختام: تشير مجمل المعطيات التي تناولتها الدراسة إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة انتقالية فارقة تتجاوز حدود أزمة تفاوضية عابرة، لتلامس إعادة تعريف البنية الأمنية الإقليمية التي تشكلت منذ مطلع الألفية الثالثة، فالملف النووي الإيراني، الذي ظل منذ عام 2002 محورًا للتجاذبات الدولية وسياسات الردع والاحتواء، لم يعد مجرد إشكالية تقنية تتعلق بمستويات التخصيب أو آليات التفتيش، بل أصبح عقبة مركزية في مشروع أوسع لإعادة صياغة توازنات القوة في الإقليم.
كما إن المفاوضات الجارية لا يمكن تحليلها بمعزل عن هذا السياق الذي تسعى فيه الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، إلى إعادة ضبط قواعد اللعبة الاستراتيجية، سواء عبر تسوية شاملة تعيد تحديد دور إيران، أو عبر فرض معادلة ردع أكثر صرامة تقيد قدرتها على استعادة نفوذها السابق.
كما إن إعادة هندسة النظم الإقليمية لا تتحقق بقرار سياسي منفرد، بل عبر عملية تراكمية تتداخل فيها عناصر القوة العسكرية، والضغوط الاقتصادية، وحسابات الشرعية الداخلية، واعتبارات التوازن الدولي، فإيران رغم ما تواجهه من ضغوط، ما زالت تمتلك أدوات مناورة متعددة، في حين أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تبقى مقيدة بحسابات التكلفة الاقتصادية والسياسية، وبأولوياتها العالمية الأوسع، ومن ثم فإن انعكاسات هذا التفاعل سيحدد بمدى قدرة الأطراف على إدارة التفاعل بين سياسات الضغط والتفاوض دون الانزلاق إلى سوء تقدير استراتيجي يتسبب في حدوث فوضى إقليمية.
من ناحية أخرى، تتجاوز تداعيات هذا المسار الإطار الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط لتمتد تأثيراتها إلى بنية النظام الدولي ذاته، فالاستراتيجية الأمريكية الراهنة ترتكز على فرضية أن تقليص درجة الاضطراب في الشرق الأوسط أمر ضروري لإعادة توجيه الموارد والاهتمام بالتنافس مع الصين، ومن ثم يصبح ضبط الملف الإيراني جزءًا من عملية أوسع لإعادة توزيع القوة عالميًا، غير أن هذا التحول يضع بكين أمام معادلة مركبة؛ إذ إن الاستقرار الإقليمي يخدم مصالحها الاقتصادية المرتبطة بأمن الطاقة وتنفيذ مبادراتها، لكنه في الوقت ذاته قد يقلص هامش المناورة السياسية الذي أتاحته فترات الانكفاء النسبي الأمريكي، فنجاح واشنطن في تثبيت نظام إقليمي أكثر انضباطًا تحت قيادتها سيحد من قدرة الصين على توظيف الفراغات الاستراتيجية لتعزيز حضورها، بينما سيؤدي أي تصعيد عسكري واسع إلى تهديد مباشر لأسواق الطاقة العالمية، بما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الصيني ذاته.
إن ما يجري من مفاوضات ليس لمجرد الوصول إلى حل للبرنامج النووي الإيراني، بل اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة مرحلة انتقالية في النظام الدولي دون انزلاق إلى صدامات غير محسوبة، فالشرق الأوسط لم يعد فقط ساحة تنافس إقليمي، بل أصبح أحد المتغيرات المؤثرة في معادلة أوسع تتعلق بمستقبل الهيمنة الأمريكية، وحدود الصعود الصيني، وطبيعة التوازن بين الاستقرار القائم على التسوية السياسية أو العسكرية، وبالتالي فإن المرحلة المقبلة لن تحدد فقط ملامح النظام الأمني في منطقة الشرق الأوسط، بل ستسهم أيضًا في رسم اتجاهات التحول في بنية النظام الدولي خلال المرحلة القادمة.

