رحمه عماد محروس
باحثة في العلوم السياسية
في ظل استمرار الحرب داخل الأراضي الفلسطينية وتفاقم تداعياتها الإنسانية، تشهد الساحة الدولية تحركات متسارعة نحو الاعتراف بدولة فلسطين؛ حيث تتجه الأنظار بشكل خاص إلى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانون المزمع انعقادها في سبتمبر 2025، حيث يُتوقع أن تُصدر إعلانات جديدة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، بعدما ظهرت مؤشرات أولية من دول أوروبية كبرى، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، حول نيتها المبدئية الاعتراف بدولة فلسطين، في خطوة تعكس تصاعد الضغط الدولي وتحولًا محتملًا في المواقف الأوروبية.
وتُعد هذه التحركات المرتقبة امتدادًا لموجة اعترافات شهدها عام 2024 والمتربطة بتصاعد حدة الصراع، ففي 10 مايو 2024، أقرت الجمعية العامة القرار رقم ES-10/23، الذي يدعم طلب فلسطين للحصول على العضوية الكاملة، والذي صوّت لصالحه 143 عضوًا في تأييد واسع للاعتراف الدولي بحق فلسطين في إقامة دولتها. وبعد صدور القرار، أعلنت دول أوروبية مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، تبعتها سلوفينيا، كما انضمت عدة دول من منطقة البحر الكاريبي.
وفي ضوء هذه التطورات المتسارعة، سواء تلك التي جاءت في سياق الحرب المستمرة أو الاعترافات المتوقعة في سبتمبر 2025، برزت تساؤلات حول أهمية الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين، وهل تمثل هذه الخطوات تحولًا حقيقيًا ودائمًا في المشهد الدولي نحو حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية؟ أم أنه مجرد استجابة مؤقتة لضغوط الحرب دون القدرة على إحداث تغيير جوهري في طبيعة الصراع أو فرض واقع سياسي جديد ومستقر على الأرض؟
أولًا: دوافع موجة الاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية
إن موجة الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين والتي تسارعت وتيرتها بين عامي 2024 و2025، ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل نتاج تفاعل معقد بين ضغوط إنسانية وتحولات استراتيجية، وهو ما يمكن تحليله من خلال محورين رئيسيين: السبب المباشر المتمثل في حرب غزة التي كشفت عجز السياسات القديمة في التعامل مع تطورات الحرب، والسبب الآخر المتعلق بالإدراك الأوروبي للتهديدات والمخاطر التي قد تستهدف مصالحها.
1. حرب غزة كعامل كاشف ومُسرّع
كانت الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 بمثابة المحفز الذي فجّر نقاشات مؤجلة داخل أوروبا. لم يكن تأثيرها مجرد محرك للأحداث، بل عامل كاشف لمجموعة من التحولات الرئيسة من أهمها:
أ. تحول الرأي العام من التعاطف إلى الضغط السياسي
لم تعد القضية الفلسطينية ذات طابع نخبوي ويقتصر الحديث عنها في أروقة الغرف الرسمية، وقد ساهمت التغطية الإعلامية المستمرة لتطورات الأوضاع الإنسانية في غزة في توجيه الرأي العام العالمي والأوروبي إلى الخروج لنطاق الضغط السياسي الملموس، ولعل أبرز مظاهر ذلك الاحتجاجات الحاشدة داخل المدن الأوروبية الكبرى، وانطلاق حملات المقاطعة، وتنامي النقاشات داخل الجامعات والنقابات، وهذا الحراك المركب تجاوز في تأثيراته التعاطف الإنساني، ليصبح قوة انتخابية لا تستطيع الحكومات، خاصة اليسارية والوسطية، تجاهلها دون خسارة قواعدها الانتخابية.
ب. تصدع الإجماع الأوروبي وحدود النفوذ الأمريكي
أظهرت الحرب الإسرائيلية على غزة انقسامًا داخل الاتحاد الأوروبي، بين دول تدعم إسرائيل بقوة (مثل ألمانيا والنمسا)، وأخرى أكثر انتقادًا للممارسات الإسرائيلية (مثل إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا)، كما جاء هذا الانقسام بالتزامن مع فشل الدبلوماسية الأمريكية في تقديم مسار سياسي واضح للتسوية وفشل مختلف جولات المفاوضات للوصول إلى هدنة يتبعها الشروع في بحث الحلول السياسية، وهو ما دفع العواصم الأوروبية إلى البعد عن سياسة الانتظار واتباع واشنطن باعتبارها لم تعد قابلة للاستمرار، وهو ما خلق فراغًا دبلوماسيًا عمل على تعزيز تحرك بعض الدول الأوروبية بشكل مستقل للتعامل مع هذه المستجدات والبحث عن أدوات جديدة مثل الاعتراف الأحادي بدولة فلسطين.
ج. الالتزامات القانونية والأخلاقية للمؤسسات الدولية
لم يقتصر الضغط على الحكومات الأوروبية من الداخل فقط، بل امتد ليشمل المؤسسات الدولية بعد رفع الدعاوى المقدمة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وطلبات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرات اعتقال بحق السياسيين والقادة العسكريين الإسرائيليين، والتي وضعت الدول الأوروبية التي تدّعي دعمها للنظام القانوني الدولي في موقف حرج بحيث بات من الصعب عليها تجاهل هذه الإجراءات والاستمرار في سياستها السابقة، وهو ما دفعها للبحث عن خطوات سياسية، مثل الاعتراف توازي خطورة الموقف القانوني والأخلاقي.
2. حماية المصالح الأوروبية من تداعيات انهيار حل الدولتين
إلى جانب العوامل السالفة، هناك دوافع أعمق تتعلق بفشل المسار السياسي الأمريكي في التعامل مع تطورات القضية الفلسطينية والتي دفعت أوروبا للتحرك ليس فقط من منطلق أخلاقي، بل لحماية مصالحها الاستراتيجية، وذلك على النحو الآتي:
أ. تآكل حل الدولتين كتهديد للأمن الأوروبي
ساهم التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في تقويض فرص تحقيق حل الدولتين، فلم يعد يُنظر إليه أوروبيًا كمجرد عقبة أمام تحقيق السلام العادل والشامل، بل تصاعد كسبب مباشر لفرض واقع جديد قائم على أساس “الدولة الواحدة”، الذي سيؤدي إلى صراع دائم؛ حيث يُعد هذا السيناريو تهديدًا مباشرًا لأمن أوروبا، كما تؤكده وثائق رسمية مثل البوصلة الاستراتيجية للأمن والدفاع، التي تنص على أن عدم الاستقرار في الجوار الأوروبي، بما في ذلك الشرق الأوسط، يشكّل خطرًا على الاتحاد الأوروبي من خلال تصاعد أزمات الهجرة والتطرف والإرهاب.
ب. الاعتراف كأداة سياسية استباقية
لم يعد الاعتراف بدولة فلسطين يُنظر إليه ضمن إطار إحياء الأمل أو التذكير بالقضية، بل أصبح أداة سياسية استباقية ومحسوبة تهدف إلى فرض أمر واقع جديد وتثبيت أسس حل الدولتين قبل أن يتلاشى بالكامل باعتبار أن هذه الخطوة ضرورية للحفاظ على خيار حل الدولتين، لأن البديل سيكون كارثيًا على المصالح الأوروبية.
ثانيًا: قراءة في خريطة الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطين
لم تكن موجة الاعتراف الأوروبي كتلةً متجانسة، بل عكست خريطة معقدة من المواقف المتباينة، شكلتها عوامل تاريخية وسياسية واستراتيجية. ومن المهم هنا التمييز بين موقف الاتحاد الأوروبي كمؤسسة الذي تتطلب قراراته إجماعًا صعب المنال، ومواقف الدول الأعضاء بشكل فردي، إضافة إلى دول أوروبية غير أعضاء في الاتحاد مثل النرويج والمملكة المتحدة. يمكن تقسيم الفاعلين الأوروبيين إلى ثلاث معسكرات رئيسية:
1. معسكر الرواد: إسبانيا، أيرلندا، النرويج، وسلوفينيا
لم يكن اعتراف هذه الدول بدولة فلسطين في عام 2024 تحركًا عشوائيًا، فلكل دولة دوافعها الخاصة التي جعلتها في طليعة هذا التحرك. فأيرلندا على سبيل المثال، ترى في القضية الفلسطينية انعكاسًا لتاريخها مع الاستعمار والنضال من أجل الاستقلال، وهو ما خلق تعاطفًا شعبيًا وسياسيًا عميقًا. في حين جاء اعتراف النرويج بسبب ارتباطها باتفاقيات أوسلو، وهو ما دفعها إلى الشعور بمسئولية خاصة تجاه إنقاذ عملية السلام التي رعتها، واعتبرت الاعتراف خطوة ضرورية بعد فشل مسار أوسلو. أما إسبانيا، بقيادة حكومة يسارية، فقد استجابت لضغط شعبي قوي، ورأت في الاعتراف فرصة لتعزيز دورها كقوة دبلوماسية مؤثرة في أوروبا.
2. القوة الأوروبية المؤثرة: فرنسا والمملكة المتحدة
يكمن التحول الأهم في الموقف الأوروبي المرتقب لمجموعة الدول أصحاب النفوذ الكبير، فالتصريحات الصادرة عن المسئولين الفرنسيين والبريطانيين التي تربط الاعتراف بجدول زمني مشروط أو بتقدم العملية السياسية، تمثل تحولًا جذريًا. وعلى الرغم من أن هذه الإعلانات ليست تعهدات رسمية بعد، بل مؤشرات أولية وتصريحات غير ملزمة، إلا أنها تعكس تغيرًا في التفكير الأوروبي. ومع ذلك، فإن مجرد صدورها عن دولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن ومن مجموعة السبع الكبرى يمثل تغييرًا في قواعد التعامل التقليدية مع القضية الفلسطينية، وهو ما من شأنه أن يمنح الاعتراف زخمًا عالميًا ويضعه في قلب الشرعية الدولية وبما يزيد من عزلة المواقف المعارضة لهذا التوجه.
3. المعسكر المؤجل: مواقف أوروبية مترددة
هناك بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا يرفضان الاعتراف الأحادي بدولة فلسطين، ويتمسك بموقف تقليدي تحكمه عدة اعتبارات، وبالنسبة لألمانيا، يُعتبر أمن إسرائيل جزءً من مصلحتها القومية نظرًا للإرث التاريخي للهولوكوست، وهو ما يجعل أي خطوة قد تُفهم كتهديد لإسرائيل شديدة الحساسية. كما يرى هذا المعسكر أن الاعتراف بدولة فلسطينية في ظل الانقسام بين غزة والضفة، وغياب مؤسسات موحدة، قد يؤدي إلى قيام دولة فاشلة تهدد أمن إسرائيل والمنطقة، وتشكّل خطرًا على المصالح الأوروبية. ويؤكد هؤلاء أن الاعتراف يجب أن يأتي كنتيجة لمفاوضات ناجحة، لا كأداة ضغط، لأن الاعتراف المسبق قد يُفقد الفلسطينيين حافز التفاوض. وهناك أيضًا مخاوف من تأثير الاعتراف على العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، بالإضافة إلى رفض بعض الحكومات الأوروبية دعم هذا السلوك استنادًا على أن السلطة الفلسطينية لم تقم بالإصلاحات الكافية.
ثالثًا: من الرمزية إلى الواقع: اتجاهات التأثير والسيناريوهات المتوقعة
على الرغم من أهمية موجة الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية، إلا أنها تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول تأثيرها الفعلي على أرض الواقع، وآفاق تحويل الرمزية السياسية إلى واقع ملموس، وفي هذا الإطار برزت ردود أفعال متباينة بين الترحيب الفلسطيني والمخاوف الإسرائيلية، فعلى الصعيد الفلسطيني، استُقبلت الاعترافات بترحيب واسع باعتبارها انتصارًا دبلوماسيًا يعزز مكانة فلسطين القانونية دوليًا، ويؤكد حقها في تقرير المصير. في المقابل، كان رد الفعل الإسرائيلي أعمق من مجرد الغضب الدبلوماسي. فبالإضافة إلى سحب السفراء، تنظر إسرائيل إلى هذه الخطوات من منظور تهديد وجودي وأمني استنادًا على أن الاعتراف الأحادي وفق الرؤية الإسرائيلية يُعتبر “مكافأة للإرهاب” باعتبار أنه جاء في أعقاب هجمات، وهو ما قد يشجع الفصائل المسلحة على مواصلة العنف. علاوة على ذلك، تخشى إسرائيل أن يؤدي الاعتراف إلى مجموعة من التداعيات من أهمها. تقويض الأمن القومي من خلال إضفاء الشرعية على دولة فلسطينية دون ضمانات أمنية صارمة، مثل نزع السلاح والسيطرة على الحدود. بالإضافة إلى المخاوف من تصاعد الضغط القانوني الدولي؛ حيث يمكن لدولة فلسطين المعترف بها أن تستخدم مكانتها الجديدة لملاحقة مسئولين إسرائيليين في المحاكم الدولية بسهولة أكبر. بجانب التأثير على العلاقات الاقتصادية؛ حيث قد يؤدي تدهور العلاقات الدبلوماسية مع دول أوروبية مهمة إلى فرض عقوبات أو مراجعة اتفاقيات التجارة والاستثمار، وهو ما يضر بالاقتصاد الإسرائيلي.
على الجانب الآخر، يبقى التساؤل قائم حول إمكانية تغيير هذا الاعتراف مجريات وأوضاع التعامل مع القضية الفلسطينية، خاصة أن هناك اتجاه يرى بأن هذا الاعتراف يتطلب خطوات عملية. فالاعتراف الرمزي لا ينهي الاحتلال، ولا يوقف التوسع الاستيطاني. ولكي يكون للاعتراف تأثير حقيقي، يجب أن يكون جزءً ذلك من استراتيجية أوروبية أوسع. وفيما يلي أبرز هذه التحديات:
1. الانقسام الأوروبي – الأوروبي: يتضح أن موجة الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطين ليست لحظة مثالية، بل تعكس تغييرًا في التوجهات ضمن سياسة خارجية أوروبية لا تزال تعاني من الانقسام، خاصة أن الدافع الرئيس وراء هذا التحرك لم يكن مجرد صحوة أخلاقية، بل جاء استجابة مباشرة للمخاطر المتصاعدة التي يفرضها الصراع على المصالح الأمنية والسياسية لأوروبا، بدءً من ضغط الرأي العام الداخلي، وصولًا إلى الخوف من تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي. كما أن ن خريطة المواقف الأوروبية المتباينة بين دول رائدة مثل إسبانيا وأيرلندا، ودول مترددة مثل ألمانيا التي تتمسك بحجج أمنية ودبلوماسية قوية تؤكد أن أوروبا لا تزال بعيدة عن امتلاك سياسة خارجية موحدة. وهذا الانقسام يحد من الأثر الفعلي للاعتراف، ويُبقيه في إطاره الرمزي في الوقت الراهن.
2. الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني: إن أكبر تحدٍ يواجه تحويل الاعتراف إلى دولة حقيقية هو الانقسام الفلسطيني الداخلي واستمرار الاحتلال الإسرائيلي. فبدون حكومة فلسطينية موحدة تسيطر على كامل أراضيها، وبدون إنهاء الاحتلال، سيبقى الاعتراف منقوصًا. ومع ذلك، فإن التحرك الأوروبي، إذا تم دعمه بخطوات وآليات تنفيذية على أرض الواقع، قد يخلق ديناميكية جديدة. فكلما زاد عدد الدول المعترفة، خاصة من القوى الكبرى، زاد الضغط على المعسكر المتردد لتغيير موقفه، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى موقف أوروبي موحد أكثر قوة.
3. غياب الرغبة الأمريكية وبدائل كسر حاجز الفيتو: تُعد الولايات المتحدة العائق الأبرز أمام ترجمة الاعترافات الأوروبية إلى واقع سياسي؛ إذ يُستخدم الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن بشكل منهجي لإجهاض أي محاولة لمنح فلسطين العضوية الكاملة أو حتى إدانة الانتهاكات الإسرائيلية، وتتمسك واشنطن بمبدأ أن قيام الدولة يجب أن يكون ثمرة تفاوض مباشر بين الطرفين، وهو موقف يمنح إسرائيل فعليًا حق رفض الطموحات الفلسطينية، ويُفرغ الاعترافات الأوروبية المتزايدة من قدرتها على إحداث تغيير قانوني دولي مُلزم. وأمام هذا الانسداد، تبرز الجمعية العامة للأمم المتحدة كمسار بديل؛ حيث لا يوجد فيتو. فالقرارات الصادرة منها، مثل قرار مايو 2024 الذي دعم أهلية فلسطين للعضوية الكاملة بأغلبية ساحقة، تساهم في بناء إجماع دولي وتعميق العزلة السياسية لإسرائيل. ورغم أن هذه القرارات غير ملزمة، إلا أنها تؤسس لشرعية قانونية وسياسية يمكن الاستناد إليها مستقبلًا في منصات دولية أخرى كمحكمة العدل الدولية.
4. تعقيد الشروط الإسرائيلية: يمثل الموقف الإسرائيلي تحديًا جوهريًا، فهو لا يقتصر على الرفض السياسي، بل يمتد إلى استراتيجية نشطة لفرض أمر واقع يقوّض حل الدولتين. فالحكومات الإسرائيلية، لا سيما اليمينية المتطرفة، تقابل أي تحرك دبلوماسي داعم لفلسطين بإجراءات عقابية ملموسة، أبرزها تسريع وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي، بهدف تدمير مقومات الدولة الفلسطينية جغرافيًا واقتصاديًا. بالإضافة إلى ذلك، تضع إسرائيل شروط تفاوض تعجيزية، مثل الإبقاء على سيطرتها الأمنية المطلقة على الضفة الغربية ورفض أي سيادة فلسطينية على القدس. وهذه الشروط تجعل من أي دولة مستقبلية كيانًا منزوع السيادة فع.
في الختام: هناك بعض المسارات العملية التي يمكن من خلالها يمكن ترجمه المواقف الأوروبية إلى إجراءات وسياسات عملية على أرض الواقع من أهمها الضغط الاقتصادي والقانوني المتدرج الذي يهدف إلى ربط المساعدات والاتفاقيات التجارية مع إسرائيل بوقف الاستيطان، مع تصعيد العقوبات تدريجيًا لخلق عواقب ملموسة على الاقتصاد الإسرائيلي، بالإضافة إلى بناء الدولة من الأسفل إلى الأعلى والذي يركز على تكثيف الدعم الأوروبي المباشر لبناء مؤسسات فلسطينية قوية وتمويل البنية التحتية، بهدف خلق دولة كأمر واقع على الأرض. كما يمكن العمل على بناء تحالف دبلوماسي جديد يقوم على استثمار الزخم الحالي لتشكيل مجموعة اتصال دولية تضع خريطة طريق سياسية جديدة ومتوازنة، كبديل للمسار التفاوضي الأمريكي المتجمد.
لذلك، لا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الموجة في قدرتها على إنهاء الاحتلال بشكل مباشر، بل في كونها تمثل أولى الخطوات الجادة نحو بناء سياسة أوروبية مستقلة عن المسار الأمريكي الذي أثبت فشله. كما أنها تمثل بداية لمحاولة أوروبية لاستخدام أدوات جديدة لحماية مصالحها، ومستقبل هذا المسار يعتمد كليًا على قدرة القارة على تجاوز انقساماتها، وتحويل هذا الزخم الدبلوماسي إلى نفوذ فعلي على الأرض.
المراجع
[i] United Nations, “الجمعية العامة تعتمد قرارا يدعم طلب عضوية فلسطين ويمنحها امتيازات إضافية,” United Nations News, May 2024, https://news.un.org/ar/story/2024/05/1130831
[ii] France24, “بريطانيا ستعترف رسميًا بدولة فلسطين في سبتمبر ما لم تتخذ إسرائيل ‘خطوات حاسمة لوقف التصعيد’,” France24, July 29, 2025, https://www.france24.com/ar/الشرق-الأوسط/20250729-بريطانيا-ستعترف-رسميا-بدولة-فلسطين-في-سبتمبر-ما-لم-تتخذ-إسرائيل-خطوات-حاسمة-لوقف-التصعيد
[iii] RT Arabic, “الاعتراف الدولي بدولة فلسطين: من يعترف، من يتريث، ومن يرفض؟,” RT Arabic, accessed August 6, 2025, https://arabic.rt.com/world/1696024-الاعتراف-الدولي-بدولة-فلسطين-من-يعترف-من-يتريث-ومن-يرفض/
[iv] Bayrem Jamal Ghazal, “الموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية: الحرب على غزة أنموذجاً,” Mediterranean Center for Strategic Studies, September 11, 2024, https://mediterraneancss.uk/2024/09/11/the-european-_position-the-palestinian-war-gaza/
[v] Martin Konečný, “EU’s Gaza War Response: A Tale of Contradiction and Division,” Clingendael Spectator, March 16, 2024, https://spectator.clingendael.org/en/publication/eus-gaza-war-response-tale-contradiction-and-division
[vi] Karim A.A. Khan KC, “Statement of ICC Prosecutor Karim A.A. Khan KC on the Issuance of Arrest Warrants in the Situation in the State of Palestine,” International Criminal Court, May 20, 2024, https://www.icc-cpi.int/news/statement-icc-prosecutor-karim-aa-khan-kc-issuance-arrest-warrants-situation-state-palestine
[vii] General Secretariat of the Council, “Relations with Israel – European Union’s Position for the Association Council’s 13th Meeting (Brussels, 24 February 2025),” Council of the European Union, February 24, 2025, https://data.consilium.europa.eu/doc/document/ST-6511-2025-INIT/en/pdf
[viii] Bronwen Maddox, “The UK Should Recognize a Palestinian State Now,” Chatham House, July 29, 2025, https://www.chathamhouse.org/2025/07/uk-should-recognize-palestinian-state-now
[ix] “Ireland, Spain and Norway to Recognise Palestinian State,” The Guardian, May 22, 2024, https://amp.theguardian.com/world/article/2024/may/22/palestinian-state-recognition-ireland-spain-recognise-palestine
[x] The Hill, “Israel Recalls Ambassadors to Norway, Ireland, Spain Over Palestinian State Recognition,” The Hill, May 22, 2024, https://thehill.com/policy/international/4679581-israel-recalls-ambassadors-norway-ireland-spain-palestinian-state/
[xi] Jeffrey D. Sachs, “The UN Can End the Middle East Conflict by Welcoming Palestine as a Member,” Al Jazeera, January 10, 2025, https://www.aljazeera.com/opinions/2025/1/10/the-un-can-end-the-middle-east-conflict-by-welcoming-palestine-as-a-member
[xii] United Nations, “التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يهدد حل الدولتين ويفاقم معاناة الفلسطينيين,” UN News, March 21, 2025, https://news.un.org/ar/story/2025/03/1140066
[xiii] David Gritten and Yolande Knell, “Israel Announces Major Expansion of Settlements in Occupied West Bank,” BBC News, May 29, 2025, https://www.bbc.com/news/articles/c1j5954edlno

