مصطفى محمد عبدالعظيم
باحث ماجستير في العلوم السياسية
قامت إسرائيل باغتيال علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وهي العملية التي تم النظر إليها باعتبارها لحظة مفصلية في مسار تماسك النظام السياسي الإيراني، ليس فقط لأنها أدت إلى غياب شخصية رفيعة المستوى في هيكل النظام الحاكم، بل لكونها جاءت في سياق تراكمي من عمليات الاغتيال التي طالت بعض الشخصيات في مراكز صنع القرار داخل الدولة، ومن ثم فإن النظام الذي استمر في مجريات تطوره على التوازن بين صلاحيات المؤسسات السياسية والعسكرية يجد نفسه اليوم أمام حالة من الاختلال الهيكلي التي تعيد طرح مجموعة من التساؤلات حول حدود أدوار المؤسسات بعد هذا الاغتيال، وعلى هذا الأساس تتجاوز المسألة حدود المسئولين إلى طبيعة البنية الحاكمة نفسها.
اتجاهات وحدود الدور
يمكن الإشارة هنا إلى أهمية توضيح الدور الذي يقوم به لاريجاني في مجريات النظام الإيراني والذي يمكن توصيفه بالعقل المؤسسي؛ حيث جمع بين الخبرة السياسية والقدرة على التنسيق بين مراكز القرار المختلفة، كما أسهم بصورة محورية في إدارة الملفات الاستراتيجية، وخاصة تلك المرتبطة بالتوازنات في علاقات إيران الخارجية، ومن ثم فإن غيابه لا يعني فقط فقدان مسئول رفيع، بل خسارة أحد أهم أدوات التحكم الداخلي التي كانت تحد من تغول التيار الأمني وتبقي على هامش من البراجماتية في إدارة هذه الملفات.
ومع تراجع هذا الدور القائم على التوازن، برزت اتجاهات أخرى إلى الواجهة مثل الحرس الثوري الإيراني بوصفه الفاعل الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا داخل بنية الدولة؛ حيث لم يعد مجرد جهاز عسكري تقليدي، بل تحول إلى مركز الثقل السياسي والاقتصادي والأمني ويمتلك أدوات التأثير في مختلف المجريات ذات الصلة بالنظام والتحكم في موارده، والذي عمل على استثمار لحظات الأزمات لإعادة تشكيل موازين السلطة داخليًا وخارجيًا، وهو ما يفتح المجال أمام نمط جديد من الحكم تغلب عليه الاعتبارات الأمنية وتتراجع فيه الأدوات الأخرى.
وفي سياق متصل، جاءت المواجهة مع الولايات المتحدة لتمنح هذا التيار دفعة غير مسبوقة؛ إذ قدمت إيران نفسها –في إطار سرديتها الرسمية– باعتبارها الطرف الذي نجح في كسر الهيبة الأمريكية وإلحاق خسائر نوعية بها؛ حيث جرى الحديث عن إصابة مقاتلة أمريكية متطورة من طراز F-35، في سابقة تقدم كضربة مباشرة لفكرة التفوق الجوي الأمريكي، خاصة بعد التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن السيطرة الكاملة على الأجواء الإيرانية، ومن هنا يتجاوز الحدث بعده العسكري ليكتسب دلالة رمزية تتعلق بإعادة تعريف ميزان الردع.
وعلى امتداد هذا التصعيد، لم تقتصر الرواية على المجال الجوي، بل شملت أيضًا استهداف أصول استراتيجية، من بينها حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford، وما أعقب ذلك من انسحابها لإصلاح ومعالجة الأضرار التي أصابتها، وهو ما يصور كتحول نوعي في ميزان القوة البحرية، وبصرف النظر عن مدى دقة هذه الوقائع، فإن أثرها السياسي والإعلامي كان واضحًا في تعزيز خطاب كسر الردع الذي يتبناه التيار الأمني داخل إيران، وهو ما عمل على تعزيز شرعية التصعيد ويدعم حضور الحرس الثوري في مركز صنع القرار.
كما لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى البعد الاقتصادي والاستراتيجي؛ حيث تصاعدت الضربات لتشمل منشآت الطاقة في المنطقة؛ إذ استهدفت موجات من القصف الصاروخي منشآت حيوية في خليج حيفا باستخدام منظومات الصواريخ مثل عماد وخيبرشكن، إلى جانب طرازات أخرى أكثر دقة، الأمر الذي أدى –وفق الروايات المتداولة– إلى حدوث أضرار كبيرة في البنية التحتية للطاقة لدول المنطقة، ومن ثم فإن الصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بالأمن الاقتصادي العالمي.
كما اتسعت دائرة التأثير لتشمل الدول الخليجية، وخاصة منشأة رأس لفان في قطر، والتي تعد من أكبر مراكز إنتاج الغاز الطبيعي المسال عالميًا؛ حيث أدى استهدافها إلى اضطرابات ملحوظة في سوق الطاقة انعكست في ارتفاع الأسعار عالميًا، وهو ما عزز من صورة إيران كفاعل قادر على التأثير في الاقتصاد الدولي، وليس فقط في المعادلات العسكرية، الأمر الذي يضفي على التصعيد بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الإقليم.
وانطلاقًا من ذلك، فإن التصعيد بما يحمله من رسائل ردع، منح الحرس الثوري الإيراني مبررًا إضافيًا لتوسيع نفوذه؛ حيث بات ينظر إليه باعتباره الضامن الأول لأمن الدولة والقادر على إدارة الصراع مع القوى الكبرى، ومع غياب شخصيات موازنة مثل لاريجاني، يتكرس الاتجاه نحو انتهاج سياسات قائمة على الحلول الأمنية بحيث تتراجع الاعتبارات السياسية تدريجيًا لصالح الحسابات العسكرية، وهو ما يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة النظام.
مخاطر التحولات في طبيعة الأدوار
لا يخلو هذا التحول في حدود ومسار العلاقة بين المؤسسات داخل إيران من المخاطر، فبعد إن كان النظام الإيراني يعتمد على التوازن النسبي بين مراكزه فيما يتعلق بعمليات صنع القرار، يتجه الآن نحو نموذج أكثر تركيزًا في السلطة، لكنه في المقابل أقل مرونة في التعامل مع الأزمات، ومع تراجع التيار البراجماتي، تزداد احتمالات التصعيد غير المحسوب، خاصة في ظل بيئة إقليمية معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة.
ولذلك برز اتجاه متسارع نحو تصعيد الصفوف داخل الحرس الثوري؛ حيث لم يعد معيار الترقية مقتصرًا على الخبرة التراكمية، بل أصبح مرتبطًا بدرجة الولاء العقائدي والاستعداد للعمل في بيئات عالية الخطورة، وهو ما أدى إلى صعود جيل جديد أكثر تشددًا وأقل ميلًا للبراجماتية، الأمر الذي يعكس تحولًا في اتجاهات وأفكار النخبة الحاكمة من وتحولها من المزيج القائم على دمج الاعتبارات الأمنية والسياسية إلى التركيز على الأبعاد الأمنية بالدرجة الأولى.
وفي ضوء هذا التصور، اتجهت إيران إلى إعادة بناء كوادرها القيادية وفق نمط شبكي لامركزي، بحيث يتم توزيع الأدوار بين وحدات متعددة قادرة على العمل بشكل شبه مستقل، وهو ما يضمن استمرارية الأداء حتى في حال استهداف القيادات العليا، إلا أن هذا النمط، رغم ما يوفره من مرونة تكتيكية، قد يؤدي في المقابل إلى تباين في مراكز القرار وتعدد في اتجاهاته.
كما عززت الدولة من قبضتها الأمنية داخليًا، في محاولة لمنع انتقال آثار الضربات الخارجية إلى الداخل؛ حيث تم تشديد الرقابة واحتواء أي اضطرابات، وهو ما يعكس إدراكًا متصاعدًا بأن التهديد لم يعد خارجيًا فقط، بل يمتد إلى احتمالات التآكل الداخلي في ظل الضغوط المتزايدة. فبجانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المرشحة للتفاقم في ظل تأثيرات الحرب على الداخل الإيراني، إلى جانب تراجع القدرة على إدارة التفاعلات الدولية بمرونة، وهو ما يضع النظام أمام تحدي مزدوج يتمثل في الحفاظ على التماسك الداخلي، ومواصلة فرض معادلات ردع خارجية في الوقت ذاته، وهي معادلة شديدة الحساسية في ظل المتغيرات الراهنة.
أما على مستوى اتجاهات الرد الإيراني، فيبدو أن طهران تتبنى مقاربة متعددة المستويات، تقوم على الرد العسكري المباشر، إلى جانب استخدام أدوات الضغط غير التقليدية، مثل التأثير في ممرات الطاقة والأسواق العالمية، بجانب توظيف شبكات الحلفاء الإقليميين لتوسيع نطاق المواجهة دون الوصول إلى حرب شاملة، وهو ما يتسق مع عقيدة الصراع طويل الأمد التي يتبناها الحرس الثوري الإيراني.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن إيران تنتقل تدريجيًا من اعتماد سياسات بهدف تحقيق الاستقرار المنضبط إلى نمط الاستقرار الهش؛ حيث تبقى الدولة قائمة ومتماسكة ظاهريًا، لكنها تعمل في بيئة أكثر توترًا وأقل قابلية للتنبؤ، وفي مثل هذه الظروف، يصبح صعود الفاعلين الأكثر صلابة –وعلى رأسهم الحرس الثوري الإيراني– أمرا طبيعيًا، لكنه في الوقت ذاته يحمل في طياته بذور توترات مستقبلية قد تظهر مع مرور الوقت.
سيناريوهات محتملة
في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمسار إيران في مرحلة ما بعد لاريجاني، وذلك على النحو الآتي:
السيناريو الأول: هيمنة كاملة للحرس الثوري الإيراني
يقوم هذا السيناريو على ترسيخ سيطرة الحرس الثوري على مفاصل الدولة، من خلال تصعيد كوادره إلى مواقع مدنية وسياسية، وتكريس السردية الأمنية، بحيث تصبح الاعتبارات العسكرية هي الحاكمة في إدارة الملفات الداخلية والخارجية، وتتمثل مؤشرات تحقق هذا المسار في تزايد تعيين القيادات العسكرية في المناصب التنفيذية، وتراجع دور المؤسسات المدنية، وتصاعد الخطاب الرسمي الداعم لنهج المواجهة العسكرية.
كما يستند هذا المسار على اتجاه التيار الأمني نحو توسيع نطاق المواجهة، عبر تكثيف الضربات واستهداف منشآت الطاقة والممرات الحيوية، إلى جانب تفعيل شبكات الحلفاء الإقليميين، خاصة في ظل ما ينظر إليه كنجاح في فرض معادلات ردع جديدة، وتتمثل مؤشراته في زيادة وتيرة العمليات خارج الحدود، وتصاعد الخطاب التعبوي، واتساع نطاق الأهداف الحيوية المرتبطة بالاقتصاد العالمي.
السيناريو الثاني: توازن هش وإعادة إنتاج النخبة
يفترض هذا السيناريو سعي النظام إلى احتواء الصدمة عبر إعادة تشكيل توازن نسبي بين مراكز القوى، من خلال الدفع بشخصيات مثل سعيد جليلي أو علي باقري كني، بما يسمح بالحفاظ على حد أدنى من التنسيق بين المؤسسات، وتظهر مؤشرات هذا السيناريو في الجمع بين خطاب تصعيدي وتحركات دبلوماسية محدودة، إلى جانب استمرار دور المؤسسات المدنية ولو بشكل مقيد.
السيناريو الثالث: الاحتواء التدريجي كمحصلة للتكلفة العالية
يفترض هذا السيناريو أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية قد تدفع النظام إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على خفض مستوى التصعيد والدخول في مسارات تفاوضية غير مباشرة، مع الحفاظ على أدوات الردع، وتظهر مؤشرات تحققه في تراجع حدة الخطاب التصعيدي، وظهور إشارات انفتاح دبلوماسي، إلى جانب اتخاذ إجراءات داخلية لاحتواء الأزمات الاقتصادية.
في الختام: لا يبدو أن إيران تتجه نحو الانهيار لكنها قد تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، تتقاطع فيها مظاهر القوة مع مؤشرات الهشاشة، ويتقدم فيها الحرس الثوري الإيراني لقيادة المشهد، في ظل عالم يتغير بسرعة وصراع مفتوح على مختلف الاحتمالات.

