مصطفى محمود عنتر
باحث في العلوم السياسية
جاء انعقاد القمة العربية – الإسلامية الطارئة في الدوحة في لحظة مفصلية من تاريخ المنطقة بعدما تصاعدت مظاهر التغول الإسرائيلي على المستويات العسكرية والسياسية والإنسانية، بما تجاوز حدود الصراع التقليدي مع الفلسطينيين ليمس الأمن الإقليمي برمته، وقد شكل الاستهداف العسكري لأحد العواصم الخليجية سابقة غير مسبوقة في مسار التصعيد الإقليمي منذ أحداث عملية طوفان الأقصى، وهو ما استدعى استنفارًا عربيًا وإسلاميًا عاجلًا، يعبر عن إدراك جماعي لخطورة المرحلة، ورغم ما حملته القمة من مواقف حادة ورسائل قوية، إلا أنها كشفت في الوقت ذاته عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والقدرة العملية على ترجمته إلى سياسات فاعلة، من هنا تبرز أهمية النظر إلى هذه القمة لا بوصفها محطة عابرة، بل كاختبار حقيقي لإرادة الدول العربية والإسلامية في الانتقال من ردود الفعل اللحظية إلى بلورة استراتيجية متماسكة تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
أولًا: خلفية الأزمة وتداعيات الضربة الإسرائيلية
يمثل استهداف الدوحة بالصواريخ الإسرائيلية كان تطورًا نوعيًا يتجاوز الحسابات التقليدية للصراع العربي – الإسرائيلي؛ حيث لم يقتصر على توجيه الرسائل العسكرية، بل استهدف بشكل مباشر إضعاف الدور القطري كوسيط نشط في ملفات معقدة، من غزة إلى لبنان واليمن، كما حمل في طياته رسالة ردع موجهة إلى الدول الإقليمية الأخرى مفادها أن أي انخراط في معادلة الوساطة أو المقاومة سيقابل بتصعيد عسكري مباشر، وهذه الضربة وضعت مجلس التعاون الخليجي في مأزق جديد وأيضًا جامعة الدول العربية؛ حيث أصبحت إحدى عواصمه هدفًا مباشرًا، وهو ما أثار مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود العمليات العسكرية في غزة.
ومن ثم جاء انعقاد القمة الطارئة استجابة سريعة في محاولة لاحتواء تداعيات الهجوم وإرسال رسالة سياسية موحدة بأن المساس بأي دولة عربية أو إسلامية سيواجه بموقف جماعي، غير أن سرعة الانعقاد لم تخفي التباينات الكامنة بين الدول الأعضاء، خصوصًا فيما يتعلق بحدود التصعيد وكيفية الرد، وهو ما انعكس على صياغة البيان الختامي الذي جاء قويًا في نبرة الإدانة، لكنه بقي مفتوحًا في ما يتعلق بالخطوات العملية.
ثانيًا: الدلالات السياسية والاستراتيجية للقمة
حملت القمة رسائل متعددة الاتجاهات، فعلى المستوى الداخلي، منحت هذه القمة الأنظمة العربية والإسلامية فرصة لإعادة التوازن إلى خطابها السياسي أمام شعوبها، خصوصًا في ظل تنامي الغضب الشعبي من استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة وتوسعه في المنطقة العربية، وعلى المستوى الإقليمي عززت القمة موقع قطر كفاعل محوري، ليس فقط كوسيط، بل كدولة تعرضت لاعتداء مباشر، وهو ما منحها شرعية إضافية لإعادة صياغة دورها، أما دوليًا فقد فرضت القمة على القوى الكبرى – وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إعادة النظر في حساباتها، إذ لم يعد العدوان الإسرائيلي ينظر إليه بوصفه مسألة ثنائية مع الفلسطينيين، بل تحول إلى ملف إقليمي ذي انعكاسات على أمن الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الاستراتيجية.
وعند تحليل نقاط القوة والضعف في الموقف العربي – الإسلامي، نجد أن هناك مجموعة من أبرز نقاط القوة التي ظهرت خلال القمة وحدة الخطاب العربي – الإسلامي بشكل غير مسبوق منذ سنوات، وهو ما منحها زخمًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا، كما أنها نجحت في إعادة تدويل القضية الفلسطينية عبر ربطها بالأمن الإقليمي والعالمي، لا باعتبارها أزمة محلية فقط، إضافة إلى ذلك عززت القمة من قدرة الأطراف العربية والإسلامية على التفاوض من موقع قوة نسبية، خاصة أن انعقادها في الدوحة مثل تحديًا صريحًا لمحاولة إسرائيل عزل قطر.
على الجانب الآخر، برزت نقاط ضعف جوهرية تمثلت في التباين الكبير بين الدول المشاركة فيما يتعلق بمدى الاستعداد لتصعيد الموقف ضد إسرائيل، سواء عبر قطع العلاقات أو استخدام أدوات اقتصادية وأمنية ضاغطة، كما أن غياب آليات تنفيذية مؤسسية مثل مجلس للأمن العربي – الإسلامي أو آلية لفض النزاعات جعل القرارات تبدو أقرب إلى توصيات نظرية وليست سياسات عملية قابلة للتنفيذ.
ثالثًا: الخيارات العملية المتاحة
فتحت القمة الباب أمام ثلاث مسارات رئيسية والمتمثلة في الاكتفاء بالتصعيد الدبلوماسي والإعلامي، وهو خيار يضمن الحفاظ على الوحدة الشكلية لكنه لا يغير من موازين القوى. بالإضافة إلى إمكانية تحريك المسارات القانونية عبر المحاكم الدولية والأمم المتحدة، وهو مسار يمنح شرعية للقضية لكنه طويل الأمد ويحتاج إلى دعم دولي واسع. في حين يقوم المسار الثالث على اتخاذ خطوات عملية أكثر صلابة مثل مراجعة العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية مع إسرائيل، وصولًا إلى تشكيل لوبي عربي – إسلامي منسق للضغط على حلفائها الغربيين، وهذا الخيار الأخير هو الأكثر تأثيرًا لكنه يتطلب توافقًا سياسيًا قويًا وإرادة جماعية قد لا تتوفر.
وفي ضوء هذه التصورات يمكن تصور مجموعة من المسارات للمواقف الإقليمية والدولية بعد القمة، والتي قد تتمثل في بقاء المخرجات في إطار الخطاب دون ترجمة عملية، وهو الأكثر احتمالًا في المدى القريب بهدف الحفاظ على بعض الترتيبات القائمة أو عدم الرغبة في التصعيد ومحاولة وضع محددات جديدة لتطورات الأوضاع في المنطقة، فيما يتعلق المسار الثاني في مسار أكثر تصعيدًا، وهو ما يتمثل في تحرك بعض الدول منفردة نحو خطوات عملية ضد إسرائيل، وهو ما قد يضعف الموقف الجماعي لكنه يخلق ضغوطًا جزئية. بالإضافة إلى المسار الجماعي والتي يقوم على أساس بلورة موقف موحد يتجاوز التنديد نحو بناء آليات ردع سياسية واقتصادية، وهو السيناريو الأقل احتمالًا لكنه الأكثر جدوى في حال العمل على تحقيقه.
وفي ضوء هذه المسارات المحتملة، يمكن تقديم مجموعة من الخيارات التي سيؤدي تنفيذها إلى تعزيز الموقف العربي والإسلامي في مواجهة العدوان الإسرائيلي على دول المنطقة، وذلك على النحو الآتي:
1. تعزيز آلية التنسيق العربي – الإسلامي وذلك من خلال إنشاء لجنة متابعة دائمة لمخرجات القمة، تتولى صياغة خطة تحرك سياسية وقانونية خلال الأشهر القادمة، لضمان عدم تحول البيان الختامي إلى وثيقة رمزية فقط.
2. تفعيل المسارات القانونية والدبلوماسية وتكليف فرق قانونية عربية – إسلامية مشتركة بإعداد ملفات لملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، بما يحوّل الموقف من الشجب إلى الفعل.
3. مراجعة العلاقات السياسية والاقتصادية واستخدام أوراق الضغط المتاحة، خصوصًا في مجالات التجارة والطاقة والتعاون الأمني، لإرسال رسالة عملية بأن استمرار العدوان ستكون له كلفة استراتيجية على إسرائيل.
4. توسيع التحالفات الدولية والتحرك بشكل جماعي مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا والهند، لتعزيز التوازن الدولي والحد من انفراد الولايات المتحدة بحماية إسرائيل سياسيًا.
5. إدارة الرأي العام العربي – الإسلامي وصياغة خطاب إعلامي موحد يترجم قرارات القمة إلى رسائل واضحة للجماهير، بما يمنع الفجوة بين وعود القادة واتجاهات الرأي العام الداخلي داخل هذه الدول.
في الختام: أبرزت القمة العربية – الإسلامية الطارئة في الدوحة حقيقة أن المنطقة وصلت إلى لحظة اختبار حاسمة في مواجهة التغول الإسرائيلي؛ إذ لم يعد الصراع مقتصرًا على الساحة الفلسطينية، بل باتت تداعياته تمس الأمن القومي العربي والإسلامي على حد سواء، وعلى الرغم من أن القمة عكست درجة من التماسك الرمزي والوحدة الخطابية، إلا أن جوهر التحدي ما يزال يكمن في القدرة على تحويل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق لبناء إرادة سياسية مشتركة تترجم الأقوال إلى أفعال، كما إن استمرار الفجوة بين الخطاب والتنفيذ من شأنه أن يضعف مصداقية الموقف العربي – الإسلامي، ويتيح لإسرائيل مزيدًا من التمدد والهيمنة، فيما يمكن لاقتناص هذه اللحظة وتحويلها إلى مسار عمل استراتيجي أن يفضي إلى بناء معادلة ردع متوازنة، تعيد الاعتبار لقضية فلسطين كقضية مركزية، وتمنح العرب والمسلمين وزنًا أكبر في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، ومن هنا فإن مستقبل هذه القمة لن يقاس بما صدر عنها من بيانات، بقدر ما سيقاس بقدرة الدول المشاركة على ترجمة مخرجاتها إلى خطوات عملية تتجاوز رد الفعل اللحظي نحو صناعة فعل استراتيجي يعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة.

