عز الدين أبو المجد
باحث بوحدة الدراسات السياسية بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
أعلن الجيش الأمريكي عن شن غارات جوية على مجموعة من الأهداف(70 هدف) التابعة لتنظيم داعش في سوريا ردًا على الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين بالقرب من مدينة تدمر في 13 ديسمبر 2025؛ حيث ينظر إلى هذه العملية(عين الصقر) على أنها أكبر عملية عسكرية أمريكية ضد تنظيم داعش في سوريا منذ عدة سنوات وبعد سقوط نظام الأسد؛ حيث أعلنت القيادة المركزية استهداف مواقع البنية التحتية ومواقع تخزين الأسلحة التابعة لتنظيم داعش في سوريا داخل مناطق دير الزور القريبة من الحدود مع العراق، وبالقرب من مدينتي الرقة في شمال سوريا وحمص في وسط البلاد وفي الصحراء السورية، كما لم تشمل تنفيذ عمليات برية بما يشير إلى محدودية العملية واقتصارها على إضعاف قدرات التنظيم وليس القضاء عليه، وهو ما وصفته واشنطن بأن هذه العملية بمثابة رد محدود لكنه يهدف إلى منع تنظيم الدولة الإسلامية من إعادة تنظيم صفوفه وشن المزيد من الهجمات ضد القوات الأمريكية وقوات التحالف. وقد حرصت واشنطن من خلال هذا الوصف على تحديد مجموعة من الإشارات السياسية والأمنية للعملية، بما يسمح لها من إعادة تعريف خطوط الردع والدفاع دون المساس بالمسار السياسي القائم أو تقويض الترتيبات الأوسع التي تشهدها تطورات العلاقة مع الحكومة السورية الجديدة.
وتعتبر هذه العملية الثانية منذ سقوط نظام الأسد وتولي أحمد الشرع إدارة المرحلة الانتقالية، ففي 8 ديسمبر 2024 قامت القيادة المركزية الأمريكية بشن مجموعة من الهجمات لمنع التنظيم من استغلال سقوط النظام السوري السابق والعمل على إعادة تنظيم صفوفه وانتشاره في وسط سوريا. من ناحية أخرى، جاءت هذه العملية في ضوء التحول الأوسع نطاقًا لتخصيص الموارد العسكرية الأمريكية بعيدًا عن الشرق الأوسط، حتى مع بقاء مئات من القوات الأمريكية المنتشرة في شرق سوريا كجزء من التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وهو ما أعلنته واشنطن عبر استراتيجيتها للأمن القومي الصادرة حديثًا والتي تقوم على توجيه مواردها إلى مناطق أخرى. وعلى الرغم من هذا التوجه، إلا إنه لا يزال المئات من القوات الأمريكية منتشرين في سوريا كجزء من دورها في مكافحة تنظيم داعش، والتي بدأت عندما سيطر التنظيم على مناطق جغرافية من سوريا والعراق، وقد ساهمت العمليات العسكرية الأمريكية وبمشاركة قوات التحالف الدولي في القضاء على سيطرته الميدانية.
أولًا: عملية عين الصقر واتجاهات التحول في الاستراتيجية الأمريكية
في إطار عملية “عين الصقر”، كشفت بيانات رسمية صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) أن الضربات تم تنفيذها على موجات متتالية استهدفت شبكات القيادة والسيطرة التابعة لتنظيم داعش في عمق البادية السورية، مع اعتماد قواعد اشتباك دقيقة لمنع التداعيات السلبية على المدنيين وحصر الاستهداف في البنى العسكرية. وهو ما أكدت عليه القيادة العسكرية الأمريكية بأن اختيار الأهداف استند إلى معلومات استخباراتية مشتركة تم جمعها عبر المراقبة الجوية، واعتراض الاتصالات، وتعاون ميداني مع يعض الشركاء المحليين والإقليميين، بما في ذلك الأردن، الذي أعلن مشاركته الجوية في استهداف مواقع جنوب سوريا في إطار التزامه بمكافحة الإرهاب العابر للحدود.
وعلى المستوى العملياتي، فقد تم استخدام مقاتلات عسكرية متقدمة لتنفيذ هذه الضربات ضد مخازن الأسلحة والتحصينات شبه الثابتة، في حين تولت المروحيات الهجومية مهام الإسناد واستهداف التحركات المتفرقة لعناصر التنظيم، بينما تم استخدام سلاح المدفعية بعيدة المدى لاستهداف بعض النقاط العسكرية التي يصعب الوصول إليها من خلال سلاح الطيران بسبب طبيعة التضاريس الصحراوية، وهذا التنوع في استخدام الأدوات القتالية يعكس رغبة واشنطن في تحييد القدرات العسكرية لتنظيم داعش دون توسيع نطاق الاشتباك.
أما من حيث النتائج الميدانية، فقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بمقتل خمسة عناصر على الأقل من تنظيم داعش، بينهم قائد خلية طائرات مسيرة كان مسئولًا عن تطوير قدرات الاستطلاع والهجوم باستخدام الدرونز في بادية تدمر ومحيط الرقة، وهو ما تم اعتباره استهداف نوعي لقدرات التنظيم التقنية. كما أشارت تقارير أخرى إلى تدمير مستودعات ذخيرة ومراكز اتصال، وهو ما أدى إلى حدوث شلل مؤقت في شبكات التنسيق الميداني للتنظيم في محيط مناطق الاستهداف.
وعلى المستوى السياسي، جاءت هذه العملية لتشكل أحد التحولات الجذرية في استراتيجية الولايات المتحدة لملف مكافحة الإرهاب في سوريا، ليس فقط بوصفها ردًا عسكريًا واسع النطاق على هجوم تدمر، وإنما باعتبارها أول اختبار عملي للبيئة السياسية الجديدة التي تشكلت عقب الإلغاء الرسمي لعقوبات “قانون قيصر”؛ حيث تم تمرير هذا الإجراء ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي يقر أكبر ميزانية عسكرية في تاريخ الولايات المتحدة، كما أرسى في الوقت ذاته إطارًا رقابيًا سيعمل على إخضاع الحكومة السورية الجديدة لمجموعة من الالتزامات الدورية المتعلقة بمكافحة الإرهاب ومنع تهريب المخدرات، وحماية الأقليات، والانخراط في مسارات سلمية مع دول الجوار، مع الاحتفاظ بإمكانية إعادة فرض عقوبات محددة في حال الإخلال بهذه الشروط.
وفي هذا السياق، رحبت دمشق بالقرار الأمريكي باعتباره نقطة تحول في مسار العلاقات الأمريكية السورية التي ستعمل على رفع القيود والشروع في بدء عمليات إعادة الإعمار وفتح المجال أمام التدفقات الاستثمارية، كما أنها تؤشر على تحويل الاعتراف الدولي بالإدارة الانتقالية إلى مسار تنفيذي لدعم مسار ما بعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد. وبالتوازي مع ذلك، عكست العملية اتجاهات التوازن الأمريكي في إدارة علاقاتها مع كل من دمشق وتل أبيب؛ إذ رفضت إدارة الرئيس ترامب الطلب الإسرائيلي بالإبقاء على بعض العقوبات على سوريا لاستخدامها كورقة ضغط سياسية وأمنية مستقبلية. وهذا الرفض، رغم الضغوط المكثفة التي مارستها دوائر مقربة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عبر قنوات رسمية وغير رسمية داخل الإدارة الأميركية، كشف عن قرار استراتيجي أميركي بالمضي في إعادة ضبط المقاربة الأمريكية تجاه سوريا. وفي المقابل، سعت واشنطن إلى احتواء القلق الإسرائيلي عبر تقديم مجموعة من الضمانات غير المعلنة، بما يعكس محاولة للحفاظ على توازن المصالح الإقليمية دون تعطيل المسار الأميركي الجديد في التعامل مع دمشق، مع الإبقاء على مسار التطور دبلوماسي بهدف خفض مستوى التصعيد بين سوريا وإسرائيل.
وفي ضوء هذه الاستراتيجية، فقد تجاوزت عملية عين الصقر الرد التكتيكي على هجوم استهدف قوات أميركية في تدمر، لتغدو أداة سياسية وعسكرية لإعادة تعريف قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة والحكومة السورية الجديدة والتحالف الدولي؛ حيث جاءت هذه العملية لتؤكد التزام واشنطن بمحاربة تنظيم داعش وحماية قواتها، وفي الوقت نفسه اختبار حدود ومستوى التعاون الأمني مع الإدارة السورية الجديدة في ظل تخفيف العقوبات، ودون الإخلال بالالتزامات الأميركية تجاه إسرائيل.
ثانيًا: الاتجاهات المحيطة بالعملية: السياق والوقائع الرئيسية
في 13 ديسمبر 2025، تعرضت دورية عسكرية مشتركة للقوات الأميركية والسورية لهجوم مسلح في مدينة تدمر وسط سوريا، أثناء اجتماع ميداني جمع ضباطًا أميركيين مع قيادات عسكرية وأمنية سورية في مقر تابع لهيئة الأمن الداخلي والذي أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم مدني وإصابة ثلاثة جنود أميركيين، قبل أن يتم القضاء على منفذ العملية، ووفق القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) والبنتاجون، فإن منفذ الهجوم مسلح تابع لتنظيم داعش، بينما أكدت السلطات السورية أن المنفذ كان عنصرًا في قوات الأمن ويخضع لتقييم أمني لتبنيه أفكارًا متطرفة، وكان من المقرر اتخاذ إجراء بحقه. وقد كشفت الواقعة عن مجموعة من الاخفاقات في الإجراءات الوقائية وتصاعد الاختراقات الأمنية في بنية النظام السياسي الجديد لا سيما في مناطق البادية السورية.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن الخطاب الأميركي المصاحب لعملية عين الصقر تميز بعدة سمات رئيسة، تعكس محاولة واشنطن تحقيق التوازن بين الرد على التهديد الإرهابي والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وذلك على النحو الآتي:
1. اعتمدت الإدارة الأميركية لغة انتقامية قائمة على الردع؛ حيث أكد كل من الرئيس دونالد ترامب ووزير الحرب بيت هيجستث أن الهدف من العملية هو مكافحة تنظيم داعش والإرهاب في سوريا، وليس استهداف الحكومة السورية الجديدة، وهو ما عزز الرسالة بأن الرد محدود ومباشر على الهجوم الذي استهدف القوات الأميركية في منطقة تدمر، كما يهدف إلى ردع أي اعتداء مستقبلي على الجنود الأميركيين.
2. أكد الخطاب الأميركي على أن العملية ليست توسعًا للحرب، بل هي رد عسكري محدود، مع الحفاظ على قواعد الاشتباك وتجنب الدخول في مواجهة شاملة مع القوات السورية أو التحالف الدولي. وقد جرى التوضيح بشكل متكرر عبر منصات الإدارة الأمريكية الرسمية ووسائل الإعلام، لتفادي أي تفسير خاطئ للغرض من الهجمات وطمأنة المجتمع الدولي بأن الاستراتيجية الأميركية لا تنطوي على إعادة تصعيد الصراع.
3. أقرت الولايات المتحدة بدور الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع في دعم جهود مكافحة الإرهاب والتعاون الاستخباراتي خلال هذه العملية، وهو ما يعكس مستوى التنسيق بين الطرفين بعد إلغاء عقوبات قانون قيصر وبدء مسار التطبيع النسبي للعلاقات. إضافة إلى ذلك، دعمت بعض دول المنطقة الخطاب الأميركي خاصة من الأردن وقطر، اللتين أشادتا بالضربة واعتبرتاها خطوة مهمة لتعزيز الاستقرار ومكافحة الإرهاب في سوريا، بما يعكس التوافق الإقليمي على أهداف العملية ضمن إطار مواجهة داعش.
ثالثًا: التقارب بين سوريا والولايات المتحدة: التحولات من القطيعة إلى البراجماتية الأمنية
برزت مجموعة من التحولات في طبيعة العلاقات الأمريكية السورية فيما يتعلق بتنفيذ هذه العمليات ومن ناحية أخرى ضمن السياق العام المحيط بتطور هذه العلاقات وذلك على النحو الآتي:
1. التطور في مسار التنسيق: على الرغم من غياب أي إعلان رسمي عن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وواشنطن بصورة كاملة، إلا أن هذه العملية كشفت عن مستوى غير مسبوق من التنسيق الأمني العملي بين الطرفين، والذي يركز على استهداف الإرهاب وحماية القوات المشتركة. ويظهر هذا التنسيق في عدة مؤشرات منها:
- تنفيذ مجموعة من العمليات العسكرية المشتركة بعد هجوم تدمر: استهدفت مواقع تنظيم داعش ضمن مناطق البادية في حمص والرقة ودير الزور، وهو ما يعكس قدرة الطرفين على التعاون في عمليات عسكرية حقيقية دون الاحتكاك المباشر.
- تبادل المعلومات الاستخبارية بين الجانبين: يستند على تحديد أهداف الضربة بدقة، بما في ذلك مخازن الأسلحة، ومراكز القيادة، والبنى التحتية اللوجستية، ومنصات إطلاق الطائرات المسيرة التابعة للتنظيم، وهو ما ساهم في تقليل الخسائر المدنية وضمان فعالية الضربات، بحسب بيانات المرصد السوري لحقوق الإنسان وCENTCOM.
- ظهر مستوى التنسيق المشترك في انتهاج آليات ميدانية غير مباشرة تهدف لتجنب أي تصادم مثل جدولة تحركات القوات العسكرية وتحديد مناطق الاستهداف بما يعكس درجة عالية من الانضباط العملياتي.
على الجانب الآخر، وبرغم التنسيق العملياتي بين الجانبين، إلا إنه يمكن تصنيف هذا النمط من التعاون ضمن ما يعرف بـ “التعاون الوظيفي المحدود”؛ حيث تُركز العلاقة على أهداف أمنية محددة وعاجلة، مع الاخذ في الاعتبار إمكانية تطويرها إلى شراكة سياسية شاملة مستقبلًا، وهو ما يتيح لكل طرف حماية مصالحه الاستراتيجية، مع الحفاظ على سياسات مرنة للتعامل مع التهديدات الإرهابية داخل البيئة السورية الهشة.
2. دلالات الاعتراف الأميركي بدور دمشق: يُعد تصريح الرئيس الأميركي الذي أكد أن الحكومة السورية “تدعم هذه الجهود بشكل كامل” خطوة مفصلية، لما يحمله من دلالات استراتيجية متعددة من أهمها:
- يمثل هذه التصريح بمثابة إضفاء جزئي للشرعية لدور الدولة السورية في مكافحة الإرهاب؛ إذ يعترف بشكل عملي بقدرة دمشق على المساهمة الفاعلة في استهداف تنظيم داعش وحماية الأمن الإقليمي، بعد سنوات من سياسات المواجهة وغياب استراتيجية للتعاون.
- يعكس هذا التصريح التجاوز العملي لخطاب العزلة الكاملة الذي ساد المراحل السابقة للعلاقة بين الولايات المتحدة وسوريا، وبما يؤشر على التحول في النهج الأميركي من سياسة الحصار الشامل إلى التعاون الانتقائي والجزئي في تنفيذ أهداف محددة.
- يُظهر الاعتراف الأميركي بالدور السوري إلى إن محاربة داعش واستدامة الأمن الإقليمي دون التنسيق مع دمشق غير قابلة للاستمرار، مؤكدًا الحاجة إلى استغلال الإمكانيات المحلية السورية لضمان فعالية العمليات الأمنية، بما يضع الحكومة السورية في مركزية عملية صنع القرار الميداني على الرغم من عدم اكتمال التطبيع السياسي الكامل.
3. الموقف السوري: تجنب خطاب التصعيد واستثمار الحدث: جاء الموقف السوري من العملية الأميركية متوازنًا وحذرًا ومحكوم بأسلوب ونمط محسوب وغير تصعيدي؛ حيث أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن دعم دمشق للعملية، مؤكدًا أن العملية تأتي في إطار جهود مكافحة الإرهاب، مع الحرص على السيادة الوطنية ومنع أي إساءة تفسير للعملية كمساس بالاستقلال السياسي لسوريا، وذلك في بيان رسمي نُشر على منصة “إكس”. كما دعا الخطاب السوري إلى توسيع نطاق الدعم الدولي لمواجهة الإرهاب بشكل أوسع، في إشارة إلى أهمية مشاركة المجتمع الدولي في تعزيز الأمن والاستقرار، بما يعكس رغبة الحكومة في إضفاء الشرعية على دورها في الترتيبات المتعلقة بالملف الأمني والإقليمي. كما أعربت سوريا عن تضامنها مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، في خطوة رمزية لتعزيز الانطباع عن استعدادها للتنسيق العملي وتحمل المسئولية مع واشنطن.
وفي ضوء ذلك، فقد أظهر الموقف السوري الرغبة الواضحة في استخدام العملية لتعزيز مكانتها وشرعيتها الدولية، دون الانخراط في تصعيد سياسي أو عسكري مع واشنطن، مع إبراز القدرة على ضبط خطابها تجاه العمليات الأميركية على أراضيها.
رابعًا: الحكومة السورية ومسارات ما بعد العملية
هناك مجموعة من الاتجاهات التي يمكن أن يستند عليها الموقف السوري في هذا الملف، والتي تتشكل في ضوء المحاور الآتية:
1. المسار العسكري: تكثيف العمليات ضد داعش
أكدت وزارة الخارجية السورية، من خلال تصريحاتها الرسمية بعد تنفيذ عملية عين الصقر، التزام دمشق بتكثيف العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، مشددة على أن الأولوية ستكون للبادية السورية ومناطق الفراغ الأمني التي يمكن للتنظيم استغلالها لإعادة ترتيب صفوفه. وأوضح المسئولون أن الهدف المعلن من هذه الجهود يتمثل في منع داعش من إعادة إنتاج نفسه عبر خلايا متنقلة، ومن جهة أخرى ضمان تحقيق استقرار المناطق الحدودية ومواصلة جهود مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع التحالف الدولي، دون المساس بسيادة الدولة أو استقلال قرارها العسكري.
2. المسار الأمني: سد الثغرات الداخلية
كشفت حادثة تدمر بوضوح عن هشاشة آليات الفحص الأمني داخل بعض التشكيلات المحلية، وعن استمرار خطر الاختراق الإرهابي في البيئات الأمنية الهشة، لا سيما في المناطق التي شهدت تمددًا سابقًا لتنظيم داعش. وفي هذا السياق، من المرجح أن تتجه دمشق إلى تشديد إجراءات التدقيق الأمني داخل الأجهزة المعنية، سواء على مستوى الفحص المسبق للعناصر أو التقييم الدوري لولاءاتهم وسلوكهم، بالتوازي مع إعادة هيكلة بعض الوحدات الأمنية المنتشرة في المناطق الجغرافية المستهدفة، خصوصًا في البادية السورية، بهدف تقليص فرص الاختراق ومنع تكرار حوادث مماثلة قد تقوّض مسار التنسيق الأمني القائم وتعيد فتح ملف هشاشة السيطرة في مرحلة ما بعد الصراع.
3. المسار السياسي: توسيع هامش المناورة
تسعى دمشق عبر هذا المسار إلى تقديم نفسها كشريك لا غنى عنه في جهود مكافحة الإرهاب، مستفيدة من العملية الأميركية ونجاح التنسيق الأمني لإعادة تعريف موقعها على الساحة الإقليمية والدولية، كما تعمل الحكومة السورية على استثمار هذا التعاون مع واشنطن لتحسين موقعها التفاوضي، سواء على المستوى الإقليمي، عبر تعزيز علاقتها مع الشركاء الإقليميين، أو على الصعيد الدولي، عبر إظهار قدرتها على المساهمة الفاعلة في الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، تظل دمشق حذرة من الرهان على تطبيع شامل في المدى القريب مع بعض الدول المجاورة، وخصوصًا إسرائيل، بعد محاولاتها السابقة لعرقلة المسار الأميركي – السوري المتعلق بإلغاء “قانون قيصر”، وهو ما يعكس التوازن الدقيق الذي تحاول الحكومة السورية الحفاظ عليه بين المناورة السياسية والحفاظ على سيادتها.
خامسًا: أدوار الفاعلين المختلفة والتوازنات المكملة للشراكات
لم يتوقف تنفيذ هذه العمليات على الجانبين الأمريكي والسوري بل امتدت لتشمل مجموعة من الشراكات مع بعض المكونات المحلية في سوريا، وبعض الدول الإقليمية بالإضافة إلى قوات التحالف الدولي لمواجهة داعش في سوريا، وهذا التكامل بين الفاعلين من الدول وغير الدول ساهم في تنوع خريطة التفاعلات المحيطة بهذه العملية.
1. قوات سوريا الديمقراطية (قسد)
رحبت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالضربات الجوية الأميركية ضد تنظيم داعش في سوريا، كما أوضحت حجم الدعم الذي قدمته القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي في استهداف أوكار التنظيم بدقة باعتبار إن هذه الخطوة المهمة تمثل استكمالًا لدورها في سياق مكافحة الإرهاب الذي ما يزال يشكل تهديدًا أمنيًا في المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما سيسهم في تفكيك قدرات التنظيم وعرقلة محاولاته للتوسع والانتشار مجددًا في البادية والمناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة المركزية.
وبالتوازي مع الترحيب بالضربات، طالبت قسد بـاستمرار الدعم الجوي والاستخباراتي من جانب التحالف الدولي، معتبرة أن هذا الدعم يمثل عاملًا حاسمًا في منع التنظيم من إعادة تجميع خلاياه أو استعادة نشاطه باعتبار إن بقايا داعش لا تزال تشكل تهديدًا قائمًا للأمن والاستقرار، وهو ما يستدعي تنسيقًا مستمرًا بين قسد والتحالف الدولي، خصوصًا الولايات المتحدة، لضمان استمرارية الضغوط العسكرية والأمنية على التنظيم. وفي هذا السياق، تسعى قسد للاستمرار في تعزيز شراكتها مع واشنطن عبر إبراز دورها كفاعل محوري في محاربة داعش، وهو ما انعكس في بياناتها المتكررة عن تقديرها لجهود التحالف، وفي الوقت نفسه العمل على منع أي تقارب أميركي – سوري قد يؤدي إلى تقليص دورها أو يحصرها في هامش محدود داخل الصراع السوري الأوسع، كما يعكس هذا الموقف الرغبة في تأمين ضمانات للدعم المستقبلي، مع الحفاظ على أهمية وجودها كحليف رئيس للولايات المتحدة في قتال ومواجهة التنظيمات الإرهابية في شمال شرقي سوريا.
2. الأردن
تعكس مشاركة سلاح الجو الأردني في العملية ضد تنظيم داعش في جنوب سوريا القلق المتزايد لدى عمان من تمدد التنظيم نحو الحدود الأردنية، خصوصًا في مناطق البادية الممتدة بين سوريا والأردن، والتي يمكن أن تكون النطاق الجغرافي المحتمل لنشاط خلايا داعش، وهو ما أكدته وزارة الدفاع الأردنية في بيان رسمي بأن المشاركة جاءت لحماية الأمن الوطني ومنع أي تهديد متصاعد قد يؤثر على استقرار المملكة وأمن سكان المناطق الحدودية.
بالإضافة إلى البعد الأمني المباشر، تُبرز المشاركة الأردنية الالتزام بدعم التحالف الدولي في محاربة الإرهاب، وتعزيز التنسيق مع القوات الأميركية والسورية لمنع حدوث أي فراغ أمني في المناطق الحدودية، بما يضمن استمرار الضغط على تنظيم داعش ومنع إعادة إنتاجه عبر الشبكات المتنقلة، بجانب ذلك يعكس هذا الدور حرص عمان على تعزيز موقعها كشريك أمني موثوق في الملفات السورية والإقليمية المتعلقة بمكافحة الإرهاب.
3. التحالف الدولي
أكدت عملية عين الصقر على استمرار مهمة التحالف الدولي في محاربة تنظيم داعش في سوريا، مع تأكيد القيادة العسكرية الأميركية (CENTCOM) على أن الضربات تأتي ضمن إطار الجهود المستمرة لمنع إعادة إنتاج التنظيم وتعزيز الاستقرار في المناطق التي تم تحريرها. وفي الوقت نفسه، أظهرت العملية اتجاه التحالف المتزايد للاعتماد على الفاعلين المحليين، بما في ذلك القوات السورية وقوات قسد، في تحديد الأهداف وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وهو ما يعكس توجهًا عمليًا نحو تعزيز التكامل الأمني بين الأبعاد المحلية والدولية لتعزيز القدرة على مكافحة الإرهاب، ومن جانب آخر التقليل من الاعتماد على التدخلات العسكرية المباشرة للقوات الأجنبية في مناطق جغرافية حساسة.
سادسًا: التقييم الاستراتيجي: حدود التغيير واتجاهات التأثير والسيناريوهات المحتملة
حققت عملية عين الصقر نتائج مباشرة على المستوى العسكري والأمني؛ حيث قدمت أدوات رادعة لتنظيم داعش بعد الهجوم الذي نفذته على قوات التحالف في منطقة تدمر، وأسفرت عن تفكيك بعض البنى التشغيلية للتنظيم، بما في ذلك مراكز قيادة ومخازن أسلحة ومنصات إطلاق الطائرات المسيرة. كما حملت العملية رسالة قوية للأطراف المعادية بأن استهداف الأميركيين سيقابل برد حاسم وفوري، وهو ما يعزز المصداقية الأميركية في حماية قواتها ومصالحها في سوريا.
ولكن على الرغم من نجاح هذه الضربات التكتيكية، إلا أن العملية لم تعالج الجذور البنيوية لعودة داعش، مثل التهميش الاجتماعي والاقتصادي والفراغات الأمنية في البادية والمناطق النائية. كما أنها لم تُنتج إطارًا سياسيًا دائمًا للتعاون الأميركي السوري أو لتنسيق الجهود بين دمشق والقوات المحلية مثل قسد، وهو ما يترك الباب مفتوحًا لإعادة إنتاج التنظيم في المستقبل.
من ناحية أخرى، يتضمن السياق الاستراتيجي مجموعة من التداعيات والمخاطر المحتملة من أبرزها تحول العمليات إلى نمط دوري بلا عملية حسم نهائي، الأمر الذي قد يضعف فاعلية هذه العمليات على المدى الطويل. كما يمكن أن يؤدي التوتر بين دمشق وقسد، نتيجة تفاوت المصالح الأمنية والسياسية، إلى تعقيد جهود مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى ذلك يبقى استغلال داعش لأي فراغ أمني أو تناقض بين الفاعلين المحليين والدوليين تهديدًا قائمًا يستدعي استمرار التنسيق الاستخباراتي والتدخل الاستراتيجي المباشر عند الضرورة.
1. السيناريو الأول: استمرار التعاون الأمني مقابل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية للنظام السوري
يشير هذا المسار إلى استمرار التعاون الأمني المحدود بين الولايات المتحدة وسوريا؛ حيث يظل التركيز على مكافحة الإرهاب واستهداف تنظيم داعش من خلال تنفيذ عمليات عسكرية دورية وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية دون الانخراط في تطبيع سياسي شامل. في المقابل، يستفيد النظام السوري من هذا الوضع عبر تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة، تتمثل في تعزيز دوره في مكافحة الإرهاب ومكانته التفاوضية إقليميًا ودوليًا، وفتح المجال أمام تدفق الاستثمارات وتنفيذ عمليات إعادة الإعمار بعد رفع عقوبات “قانون قيصر”. كما يتيح هذا التوازن لدمشق الاستفادة من الدعم الدولي، مع الحفاظ على السيطرة على المسار السياسي والأمني، دون المخاطرة بتوتر مباشر مع الولايات المتحدة أو الفاعلين المحليين مثل قسد.
2. السيناريو الثاني: التصعيد التدريجي والدفع بالولايات المتحدة للتحرك المنفرد
يفترض هذا السيناريو تحقيق مسار أقل استقرارًا، يقوم على التصعيد في البيئة الأمنية نتيجة فشل التنسيق القائم أو عجز دمشق عن السيطرة على بعض المساحات والمناطق الجغرافية الرخوة، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى التحرك المنفرد عبر توسيع مستوى الضربات الجوية والعمليات الخاصة دون التنسيق مع الحكومة السورية. وفي ضوء ذلك، ستعود واشنطن إلى اعتماد استراتيجية قائمة على الإدارة المباشرة للتهديد بدلًا من تحقيق الشراكة الوظيفية، مع الاعتماد المكثف على أدوات الردع العسكري والاستخبارات العابرة للحدود، وتفعيل أدوار الحلفاء الإقليميين والتحالف الدولي. كما قد يضعف هذا المسار مكاسب دمشق السياسية المتراكمة بعد رفع العقوبات، وبما يعيد إنتاج مناخ عدم الثقة، كما يفتح المجال أمام المواجهات مع الفاعلين المحليين مثل قسد، ويمنح تنظيم داعش هامشًا للمناورة عبر استثمار التناقضات بين الفاعلين في ظل غياب الإطار التنسيقي لهذه التفاعلات.
3. السيناريو الثالث: انتكاسة أمنية والعمل الجماعي لمواجهة التداعيات السلبية
يفترض هذا السيناريو حدوث انتكاسة أمنية نوعية، كتنفيذ تنظيم داعش هجمات واسعة تعكس قدرته المتجددة على تعزيز صفوفه وانتشاره، بما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم تكلفة التحرك المنفرد، وتفضيل العودة إلى مقاربة العمل الجماعي عبر تفعيل أوسع لنشاط التحالف الدولي، وخلال هذا الإطار، ستتجه واشنطن إلى تقاسم الأعباء العسكرية والاستخباراتية مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وتكثيف الاعتماد على الفاعلين المحليين على الأرض، بهدف خفض التكلفة السياسية والعسكرية والبشرية للتدخل المباشر. كما يقيد هذا المسار هامش الحركة الأميركي الأحادي، ويُضعف احتمالات تحويل التعاون الأمني إلى مكاسب سياسية مباشرة لدمشق، كما يُبقي العلاقة الأميركية السورية ضمن إطار براجماتي هش، تحكمه الضرورة الأمنية وليس الرغبة في الوصول إلى شراكة مستقرة، مع بقاء خطر إعادة تدوير الأزمة قائمًا في ظل غياب معالجة بنيوية لجذور التهديد.

