محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الإيرانية
لم تتوقف تأثيرات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على الجانبين بل امتدت للتأثير على كثير من الملفات، ومنها ملف العلاقات الإيرانية المغربية التي تتسم بالأساس بالتوتر والقطيعة الدبلوماسية منذ سنوات، وهو ما يثبت أن الحرب الإسرائيلية – الإيرانية ليست مجرد صراع إقليمي محدود جغرافيًا بين الدولتين، بل تمتد آثارها لتعيد تشكيل التوازنات والتحالفات القائمة بين المغرب وإيران.
وفي ضوء ذلك، يأتي المغرب في طليعة هذه الدول نظرًا لرؤيته التي تنظر إلى السياسات الإيرانية باعتبارها تهديدًا لأمنه القومي، وخاصة من خلال الدعم الإيراني لجبهة البوليساريو، وهو ما تؤكده الرباط باستمرار بأن إيران لا تدعم وحدة التراب الوطني المغربي خاصةً مع تصاعد الحضور “العقائدي” في إعلام الحرس الثوري وتكريس الطابع “المهدوي” للحرب، تنامت الهواجس في الرباط حتى وإن كانت بعيدة جغرافيًا عن إيران بشأن توظيف إيران للأزمات في نشر نموذجها الإيديولوجي حتى في مناطق خارج محيطها الحيوي، مثل شمال أفريقيا.
ومن هذا المنطلق، فإن الصراع الحالي بين إيران وإسرائيل قد يساهم في إعادة إنتاج التوتر بين الجانبين، وقد تدفع المغرب نحو الدخول في المحور المناهض لإيران، وهو ما سينعكس على مواقف سياسية وتحالفات أمنية، لا سيما مع إسرائيل والولايات المتحدة ودول المنطقة الأخرى.
أولًا: الخلفية التاريخية للعلاقات الإيرانية المغربية
شهدت العلاقات بين المغرب وإيران تاريخًا حافلًا في مستوى التقارب والتباعد، وتأثرت فيه بشكل كبير بالتحولات الإقليمية والدولية، فقبل الثورة الإسلامية عام 1979، كانت العلاقات بين الرباط وطهران مستقرة ومتقاربة، وكان المغرب من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إيران الشاه، نظرًا للتشابه بين النظامين الملكيين ولكونهما حليفين تقليديين للغرب، خصوصًا الولايات المتحدة، لكن بعد الثورة الإيرانية، تحولت العلاقات إلى التوتر بسبب التباين الأيديولوجي الحاد، فالمغرب يعتمد نظامًا ملكيًا محافظًا، بينما أصبحت إيران جمهورية إسلامية ذات أيديولوجية شيعية ثورية، وقد بلغ التوتر ذروته في عام 1981 عندما قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع إيران بسبب إعلان المغرب استضافة شاه إيران محمد رضا بهلوي. والذي يُنظر إليه في المغرب على أنه محاولة لـ”تصدير الثورة” ونشر التشيّع في منطقة شمال أفريقيا، وهذا ما يثير القلق للأنظمة الحاكمة في البلاد المسلمة السنية لأن تزايد من يعتنقون المذهب الشيعي يعني زيادة أعداد الذين يقرون بولاية الفقيه وتقديم الولاء لأطراف خارجية قد لا تكون على وفاق مع بلدانهم.
وعلى الرغم من ذلك، فقد تم استئناف العلاقات الدبلوماسية تدريجيًا في عام 1991 خلال فترة الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني، الذي تبنى خطابًا إصلاحيًا، وشهدت هذه المرحلة زيارات متبادلة واتفاقيات اقتصادية وثقافية، لكن دون تطوير تحالف استراتيجي حقيقي.
لكن سرعان ما تدهورت العلاقات مجددًا في عام 2009 بسبب تصريحات إيرانية اعتبرها المغرب “تدخلًا في شئون دولة البحرين”، حليفة الرباط، إلى جانب أسباب أخرى لا تقل أهمية عن هذا مثل دعم جبهة البوليساريو بشكل غير معلن، كما اتهم المغرب إيران بمحاولة نشر التشيع داخل أراضيه عبر سفارتها في الرباط، وهو ما أدى إلى قطع العلاقات مرة أخرى، وفي مايو 2018 اتهم المغرب إيران بتوظيف حزب الله اللبناني لدعم وتدريب جبهة البوليساريو في ملف الصحراء الغربية.
وامتدادًا لذلك، انعكست الخلافات بين الجانبين على صياغة وتوجيه طبيعة علاقاتهما، فالقضايا الخلافية بينهما لا تقتصر فقط على الجوانب السياسية والدبلوماسية التقليدية، بل تتجذر بعمق في تباينات عقائدية أساسية وخطابات إعلامية متضاربة، تعكس تصادمًا جوهريًا في الرؤى والهوية.
وفي ضوء ذلك، أسهمت المنصات الإعلامية التابعة لكلا الطرفين في تأجيج حدة الخلافات وتعميق الفجوة بينهما؛ حيث يميل الإعلام المغربي سواء الرسمي أو شبه الرسمي إلى تقديم صورة لإيران بوصفها لاعبًا إقليميًا يسعى لزعزعة الاستقرار ودعم الفوضى والانقسامات في العالم العربي. ويركز هذا الخطاب على تسليط الضوء على “أذرع إيران” في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وجبهة البوليساريو، لتدعيم روايته.
في المقابل، تقدم وسائل الإعلام الإيرانية صورة سلبية للمغرب؛ حيث تصوره على أنه “نظام تابع” ومتواطئ مع السياسات الغربية والإسرائيلية في المنطقة، وهو ما يعزز فكرة وجود انحياز أيديولوجي وسياسي ضد طهران. كما أن تصاعد العداء في وسائل الإعلام والاختلاف العقائدي لا يؤكد الشكوك القائمة بين الطرفين فحسب، بل يمنع أيضًا أي مبادرات جادة يمكن أن تهدف إلى إعادة بناء الثقة أو استئناف العلاقات الدبلوماسية باعتبار أن استمرار هذا التأزم في البعدين الأيديولوجي والإعلامي يُكرّس القطيعة الدبلوماسية بين طهران والرباط، ويجعل من الصعب تصور أي تقارب حقيقي في المدى المنظور، وتزداد هذه الصعوبة بشكل خاص في ظل تصاعد الصراعات مثل الحرب بين إسرائيل وإيران، والتي تعمل على تعميق سياسة المحاور القائمة وتغذية السرديات المتعارضة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويُبقي العلاقات المغربية الإيرانية في حالة من الجمود والتوتر المستمر.
وفي الوقت الحالي، لا توجد علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين، ولا توجد سفارات نشطة نظرًا لتعدد ركائز ومسببات الخلافات مثل تباين التوجهات الأيديولوجية (التشيع مقابل السنية المالكية)، وسياسية (ملف الصحراء الغربية)، بالإضافة إلى مصفوفة المحاور (الإقليمية) فالمغرب أقرب لمحور رفض السياسات الإقليمية الإيرانية، بينما تتزعم إيران محور آخر مضاد، وبسبب هذه العوامل اتسمت العلاقات المغربية – الإيرانية بالتوتر المستمر، متأثرة بعوامل داخلية وإقليمية ودولية في ظل استمرار تأثير التباينات في مختلف الملفات الأمنية والمذهبية والجيوسياسية، وهذا ما ساهم في تباين المواقف في الأحداث الأخيرة من المواجهات الإسرائيلية الايرانية.
ثانيًا: الموقف المغربي من الحرب الإسرائيلية – الإيرانية
استند الموقف المغربي من الحرب الإيرانية الإسرائيلية على مجموعة من الأسس منها حماية الأمن القومي المغربي، وتحقيق الاستقرار الإقليمي، والعمل على اقتناص مكاسب دبلوماسية ضمن شبكة التحالفات الإقليمية والدولية للمغرب.
وعلى الرغم من أن المغرب لم يشارك في تحالف عسكري ضد إيران، إلا أن مواقفه تميل ضمنيًا إلى المعسكر المناهض للسياسات الإيرانية، وذلك وفق مجموعة من الاعتبارات من أهمها:
1. الاعتبار الأمني: إيران كتهديد غير مباشر
يُعَدّ قطع المغرب لعلاقاته مع إيران منذ عام 2018، واتهامها عبر “حزب الله” بدعم جبهة البوليساريو، مساسًا مباشرًا بأمن المغرب القومي ووحدة أراضيه، وترى الرباط في طهران عاملًا لعدم الاستقرار الإقليمي من خلال أذرعها العسكرية وأنشطتها الاستخباراتية، وهو ما يجعل أي حرب محتملة امتدادًا لصراع أمني إقليمي يؤثر على مصالحها، وقد تستغل طهران الزخم “الرمزي” لانتصارات أو تضحيات في الحرب الأخيرة لتعزيز تأثيرها الثقافي في مناطق مختلفة حول العالم قد يكون منها مناطق قريبة من المغرب في منطقة غرب أفريقيا حيث تنشط الجماعات الموالية عقائديًا لإيران، وهذا بالنسبة للمغرب يُمثل تهديدًا ناعمًا لأمنه الفكري والديني، خاصة مع محاولاته الحثيثة لتصدير نموذج الإسلام المعتدل في أفريقيا.
2. التحالف مع إسرائيل والغرب: التعاون مقابل دعم ملف مغربية الصحراء
شهدت العلاقات المغربية الإسرائيلية نقلة نوعية بعد اتفاقيات أبراهام (2020) والتي ارتكزت على توقيع اتفاقات ثنائية في مجالات الدفاع، التكنولوجيا، والاستخبارات، كما ارتبط هذا التقارب في أحد جوانبه باعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وهو ما يضع المغرب ضمن محور إقليمي يضم إسرائيل والولايات المتحدة، ومن ثم من المرجح ألا يتخذ المغرب موقفًا عدائيًا ضد إسرائيل، بل سيتعامل مع الحرب الإيرانية الإسرائيلية وتداعياتها من زاوية حماية توازناته وتحالفاته الاستراتيجية، مع الحفاظ على لغة دبلوماسية متوازنة لتفادي الاستفزازات الإقليمية.
3. الخطاب الدبلوماسي: الحياد دون انخراط عسكري
على الرغم من التوجهات المذكورة، فإن المغرب يحرص على إنتاج خطاب دبلوماسي يوازن بين التزاماته الإقليمية والاعتبارات الداخلية خاصة في ظل وجود تيارات رافضة للتطبيع مع إسرائيل، ومن ثم سيقتصر الموقف المغربي على أساس رفضه للتصعيد العسكري ودعوته لضبط النفس، دون الانخراط العملي في أي نزاع أو اتخاذ مواقف علنية منحازة لطرف ضد آخر. كما لم يصدر من المغرب بيان أو موقف رسمي يدين الهجوم الإسرائيلي على إيران في إشارة واضحة عن عدم تحيزها لطرف على حساب الآخر، حتى وإن كان هناك مساندة ضمنية لإسرائيل، على عكس اتجاهات تعاملها مع الهجوم الإيراني على الأراضي القطرية واستهداف القواعد العسكرية الأمريكية؛ حيث أعلنت الوقوف بجانب قطر كدولة شقيقة، ومن هنا ظهر الاختلاف في التعامل مع الموقفين.
4. الانقسام الداخلي حول الحرب: جدلية الدعم والتطبيع
لم يكن الداخل المغربي على نفس نهج الموقف الرسمي للحكومة؛ حيث كان هناك عدم اتفاق بين التيارات الفكرية والسياسية داخل المغرب خاصةً بين الإسلاميين أصحاب المرجعيات المختلفة، ورفضهم الهجوم الإسرائيلي على إيران حتى وإن كانت دولة غير صديقة، في حين برز اتجاه آخر يرى أن هذه الحرب لا تعني المغرب والطرفين سواء من الموقف المغربي.
ومن ناحية أخرى، اتسم موقف الإسلاميين في المغرب في التعامل مع الحرب الإسرائيلية الإيرانية بالتوازن الحذر الذي يجمع بين المرجعية الأيديولوجية والبراجماتية السياسية، فعلى الرغم من رفض حزب العدالة والتنمية القاطع للتطبيع مع إسرائيل واعتباره تهديدًا لمسار القضية الفلسطينية، إلا أنه لا يبدي تعاطفًا صريحًا مع النظام الإيراني نظرًا للخلافات العقائدية والرفض الشعبي للتمدد الإيراني في المنطقة، مع التشديد على أن الصراع بين إسرائيل وإيران لا يخدم استقرار المنطقة.
وضمن السياق ذاته، جاء موقف الحزب وبعض المكونات والتنظيمات والجمعيات والشخصيات الإسلامية، مساندًا لإيران، ويرى أن الوقوف إلى جانبها في مواجهة العدوان الإسرائيلي واجب أخلاقي وديني، وأن هذه الحرب معركة وجودية ضد إسرائيل، وقد تميزت شعارات الموقف الإسلامي المغاربي بخطاب الأمة الواحدة الذي يرى في القضية الفلسطينية جوهر الصراع في المنطقة، والأساس الذي تبني عليها موقفها والإشارة إلى إن ما حدث يمثل انتهاكًا صارخًا لكل القوانين والمواثيق الدولية، وسط صمت دولي وتواطؤ أميركي.
وضمن السياق ذاته، لم يتردد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في الإشادة بإيران، واصفًا إياها بأنها “الدولة الوحيدة التي تدعم فلسطين فعليًا”. كما أعلن دعمه لإيران على الرغم من الخلافات المذهبية والسياسية؛ حيث بدا أن هناك خطاب داخلي مناهض للتوجهات الرسمية.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الحرب الإيرانية الإسرائيلية أحدثت جدلًا كبيرًا داخل المغرب، فبينما انحاز الإسلاميون واليسار(حزب النهج الديمقراطي العمالي( إلى إيران، ظهرت مواقف أخرى وفق اتجاهين أحدهما رافض لدعم إيران ويصمت عن الموقف من إسرائيل كالحركة الأمازيغية، وثانيهما موقف رافض لدعم إيران ومدافع عن موقف إسرائيل وأطلق على نفسه تيار “كلنا إسرائيل”. ويعبّر عنه أحمد الشرعي.
ثالثًا: السيناريوهات المستقبلية للعلاقات المغربية الإيرانية
من حيث المعطيات السابق تناولها، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة للعلاقات بين المغرب وإيران، مع الأخذ في الاعتبار تحليل للمواقف السياسية والدبلوماسية الرسمية السابقة والحالية، بالإضافة إلى تداعيات الصراع الجاري بين إسرائيل وإيران، وتحديدًا بعد الحرب المباشرة التي اندلعت في يونيو 2025، والتي أعادت تشكيل خرائط التحالفات الإقليمية وعمّقت التناقضات الجيوسياسية في المنطقة، وذلك على النحو الآتي:
1. السيناريو الأول: تأبيد القطيعة وتعميق التوتر الاستراتيجي
يُتوقع في هذا المسار أن يستمر انقطاع العلاقات بين المغرب وإيران، بل يتطور ليتحول إلى حالة من التوتر الاستراتيجي طويل الأمد، خاصة أن هذه المرحلة تتميز بعداء غير مباشر؛ حيث يُكرّس كل طرف اصطفافه ضمن محاور إقليمية متعارضة، وهو ما يعمق من الفجوة بينهما وعرقل فرص حدوث تقارب مستقبلي باعتباره مسار بالغ الصعوبة والتعقيد، ويدعم حدوث هذا السيناريو عدة مؤشرات منها:
أ. الاتهامات الأمنية المغربية المباشرة:
تُعد الاتهامات الرسمية المغربية لإيران بدعم جبهة البوليساريو الانفصالية في الصحراء الغربية عبر “حزب الله” نقطة تحول جوهرية، فقد ورد هذا الاتهام بوضوح في بيان وزارة الخارجية المغربية بتاريخ 1 مايو 2018. وقد أعيد إحياؤه بقوة عقب الحرب الإسرائيلية الإيرانية في يونيو 2025، حيث كشفت تسريبات استخباراتية فرنسية أن “وحدات العمليات الخارجية” الإيرانية كثفت من تحركاتها في غرب أفريقيا خلال الفترة الماضية، بما في ذلك دعم شبكات تهريب السلاح المرتبطة بجهات غير نظامية في مناطق غرب أفريقيا القريبة من الدولة المغربية، وهو ما اعتبره المغرب تهديدًا صريحًا لأمنه القومي، وعاملًا مضاعفًا للقطيعة مع طهران.
ب. التحالف المغربي – الإسرائيلي المتنامي:
بعد توقيع اتفاقيات أبراهام، شهد التحالف الأمني بين المغرب وإسرائيل تطورًا ملحوظًا والتي تعتبرها إيران خصم عسكري مباشر يهدد وجودها، وبالتالي فإن أي مساند وحليف لهذا الخصم فهو على نفس جهة الخصوم والأعداد، وقد ظهر هذا التعاون الأمني والاستخباراتي خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية في يونيو 2025 حين أفادت تقارير إعلامية دولية، أبرزها صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، بمشاركة المغرب ضمن شبكة لوجستية لتبادل المعلومات الاستخباراتية المرتبطة بإطلاقات الطائرات المسيّرة الإيرانية العابرة للإقليم، وهو ما وضع المغرب في قلب محور أمني معادٍ لإيران حتى وإن كان بشكل غير معلن، وساهم في ترسيخ تمركزه ضمن الجبهة الغربية المتحالفة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
ج. التصعيد الخطابي الإيراني على العلاقات بين البلدين:
تستخدم وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، مثل قناة “العالم” ووكالة “فارس”، خطابًا تصعيديًا تجاه المغرب، ويتضمن هذا الخطاب اتهامات للمغرب بـ”الانخراط في مشاريع التطبيع والخيانة”. وقد تصاعد هذا الخطاب بصورة غير مسبوقة خلال أيام الحرب، ووصفت الوكالات الإعلامية الإيرانية الرسمية بأن كل داعم لإسرائيل بشكل معلن أو غير معلن فهو خائن وعدو لبلادهم، وحاول البعض توضيح أن إيران مستهدفة لأنها تقف بجانب الفلسطينيين كنوع من دعوة العالم الإسلامي لمساندتهم، هذا التصعيد الخطابي يكرّس القطيعة ويعزز الانقسام الأيديولوجي العميق بين الطرفين.
السيناريو الثاني: استمرار الجمود الاستراتيجي دون تصعيد
يفترض هذا السيناريو استمرار الوضع الراهن القائم على القطيعة الدبلوماسية بين الرباط وطهران، ولكن دون حدوث تصعيد مباشر أو مبادرات جدية لإعادة العلاقات. ينبع هذا الجمود من انشغال كلا الطرفين بأولويات داخلية وإقليمية أكثر إلحاحًا، وهو ما يدفع كل منهما إلى الاكتفاء بإدارة الخلاف القائم عبر وسائل غير مباشرة، دون التورط في مواجهة علنية أو سعي للتقارب. ويدعم حدوث هذا السيناريو عدة عوامل منها:
أ. غياب التصعيد العملي الميداني:
منذ قطع العلاقات الدبلوماسية في عام 2018، اقتصرت التوترات على بيانات إعلامية متبادلة. وحتى خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية في يونيو 2025، ورغم حدة الاصطفاف الإقليمية، لم تسجل أي مؤشرات على سعي المغرب لمواجهة مباشرة مع إيران خارج الأطر الإعلامية أو الاستخباراتية. كما لم تُقدم طهران على أي ردود فعل عسكرية أو استهداف لمصالح مغربية في الخارج، ما يُشير إلى تبني الطرفين – ضمنيًا – لسياسة “إدارة التوتر دون انفجار”.
ب. الأولويات الإيرانية الاستراتيجية:
تُظهر السياسة الخارجية الإيرانية انشغالًا واضحًا بقضايا ذات أولوية قصوى، وقد تصاعد هذا الانشغال بصورة حرجة بعد الخسائر التي تكبدتها إيران في بنيتها النووية والدفاعية خلال الضربات الإسرائيلية والأمريكية في يونيو 2025، وهو ما جعلها تركز على تعزيز موقعها في الشرق، وتأمين تحالفاتها مع الصين وروسيا، وإعادة ضبط العلاقة مع حلفائها في العراق ولبنان واليمن، بما يجعل الملف المغربي خارج نطاق الأولوية الاستراتيجية الإيرانية في الأمد المنظور.
ج. غياب الضغط الداخلي المغربي للتقارب:
لا يوجد ضغط داخلي حقيقي داخل المغرب لإعادة العلاقات مع إيران، لا سياسيًا ولا شعبيًا. وقد تكرّس هذا الاتجاه أكثر عقب الحرب؛ إذ لم تُسجل أي دعوات من الأحزاب أو النخب المغربية للتواصل مع طهران، بل على العكس خرجت بعض البيانات الحزبية التي أشادت بموقف الحكومة في دعم حلفائها الإقليميين خلال الحرب، كما أظهرت استطلاعات رأي أن غالبية الشارع المغربي ينظر إلى إيران بوصفها فاعلاً مزعزعًا للاستقرار الإقليمي، خاصة بعد مشاهد الدمار في دول المشرق العربي جراء انخراط ايران في قضاياهم الداخلية ودعم وكلائها داخل هذه الدول، والتي اعتبرها البعض تأكيدًا على خطورة الاستراتيجية الإيرانية التوسعية.
- السيناريو الثالث: تقارب تدريجي مشروط برعاية إقليمية أو دولية
في هذا السيناريو، قد تشهد العلاقات المغربية – الإيرانية انفراجًا جزئيًا، لكنه سيكون مشروطًا بحدوث تسوية جزئية في الصراع الإسرائيلي – الإيراني، أو بظهور وساطة إقليمية فعالة، وهذه الوساطة قد تؤدي إلى حوار غير معلن يُفضي في النهاية إلى إعادة تطبيع تدريجي للعلاقات، قد يبدأ بمستوى منخفض مثل إعادة فتح مكاتب الاتصال أو تفعيل قنوات دبلوماسية غير رسمية، ومن المؤشرات الداعمة لهذا السيناريو الآتي:
أ. السوابق التاريخية لاستئناف العلاقات:
ليست القطيعة الحالية هي الأولى بين البلدين، فقد سبق وعادت العلاقات بعد أزمات سابقة، مثل عودة العلاقات عام 2014، وقد رُصد في أعقاب الحرب الأخيرة تحركات غير رسمية من بعض الأطراف الاقليمية لفتح قنوات اتصال بين مسئولين سابقين من كلا الطرفين، وهو ما يشير إلى بداية محتملة لتجاوز الجمود الدبلوماسي ولو ببطء.
ب. رغبة إيران في تحسين علاقاتها العربية:
أعربت إيران مرارًا عن رغبتها في تحسين علاقاتها مع الدول العربية. وبعد تراجع جزء كبير من دورها ونفوذها الإقليمي في حرب يونيو 2025، خصوصًا ما يرتبط بتآكل الردع وتعثر بعض الأذرع الإقليمية واستنزافهم خلال المواجهات مع اسرائيل في الشهور الماضية، تعززت رغبتها في كسر العزلة المفروضة عليها، وقد صرّح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني في منتصف يونيو 2025 بأن “الأمة الإسلامية بحاجة إلى لمّ الشمل بدل الاصطفافات”، وهو تصريح وُصف في بعض الصحف المغربية بأنه “إشارة ضمنية للمملكة”، ومن معها من الدول التي قامت بإقامة علاقات مع اسرائيل، وهو ما قد يكون مقدمة لفتح باب الوساطات.
ج. رؤية المغرب في سياستها الخارجية:
تستهدف سياسة المغرب تعزيز مصالحها على المستوى الداخلي والخارجي، وفي حال رأت المغرب مصلحة استراتيجية في فتح قناة تفاوض وتواصل مع إيران في حال بادرت إيران وتخلت عن دعمها للبوليساريو مقابل مكاسب في ملفات أخرى، فقد يكون هناك انفتاح على وساطة خارجية في ظل مناخ ما بعد الحرب الذي يتّسم بإعادة ترتيب الأولويات، وفي ضوء ذلك، فقد أشارت بعد المصادر الدبلوماسية الإسبانية إلى وجود مباحثات غير معلنة في مدريد بين دبلوماسيين سابقين من البلدين خلال النصف الثاني من 2025.
وفي ضوء ذلك، لا يمكن الجزم بمستقبل العلاقات بين البلدين، لكن يبدو سيناريو الجمود أو القطيعة الطويلة هو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، نظرًا لعمق الخلافات الأيديولوجية وسياسة المحاور الإقليمية، وتداعيات الحرب الأخيرة التي وسّعت الهوة بين الطرفين. ومع ذلك، تظل إمكانية التقارب المشروط قائمة في حال توفرت بيئة إقليمية مواتية ووساطات فعالة تخرج من رحم ما بعد الحرب.
في الختام: تُظهر التطورات الأخيرة أن العلاقات بين المغرب وإيران تتجاوز مجرد توتر عابر، لتعكس خلافًا عميقًا ومتأصلًا، ويمكن إرجاع ذلك إلى تضارب الرؤى والمصالح إضافة إلى تأثير سياسة المحاور الإقليمية، وقد أدت التغيرات الجيوسياسية المتسارعة، خاصة بعد الأحداث الأخيرة من مواجهات اسرائيلية وايرانية التي أعادت تشكيل التحالفات والصراعات، إلى تفاقم الفجوة بينهما وإعادة إنتاج الخلاف بصورة مختلفة حملت في مساراتها إما التصعيد أو التهدئة.
وفي ظل هذا الواقع الدولي المضطرب والنظام الإقليمي غير المستقر، تظل العلاقة بين الرباط وطهران محكومة بحسابات ترتبط بشكل أساسي بمصالح كل طرف، وعلى الرغم من أن الانقطاع الحالي قد يبدو مستقرًا، إلا أن التحولات الكبرى غالبًا ما تفرض احتمالات غير متوقعة، وهو ما يجعل من هذا الجمود حالة مؤقتة قد تتجه نحو التصعيد أو إعادة التشكيل بناءً على مقتضيات المرحلة.

