ليديا أمير عدلي
باحثة في العلوم السياسية
في صفقات دبلوماسية لا تُدوَّن دائمًا على الورق، تتداخل الأبعاد الإنسانية مع الحسابات السياسية في مشهد يكشف عن تحوّلات في مجريات تطور العلاقات الدولية؛ وهو ما أعلنته صحيفة Politico في تقرير نشرته بتاريخ 30 يوليو 2025، أن جنوب السودان أبدت استعدادها لاستقبال مهاجرين سيتم ترحيلهم من الولايات المتحدة، في إطار تفاهمات غير معلنة، تحمل في مضمونها مؤشرات على نمط جديد من المقايضات الدبلوماسية.
وعلى الرغم من الإعلان عن تنفيذ أول عملية ترحيل بين الجانبين، برزت مجموعة من التساؤلات حول مدى قانونية وأخلاقية هذه السياسات، وحدود استخدام ملف الهجرة كأداة تفاوض سياسي في سياقات مضطربة، بالإضافة إلى مدى إمكانية ملفات المهاجرين كورقة ضغط في يد الأنظمة الهشّة لتبييض سجلّها السياسي؟
رحلة غامضة إلى جوبا: بداية غير معلنة
لم يكن العرض الذي تقدمت به جنوب السودان للولايات المتحدة بشأن استقبال مهاجرين مرحّلين خطوة عابرة أو وليدة اللحظة، بل جاء امتدادًا لتفاهمات سابقة جرت في الغرف المغلقة، وانطلقت أولى إشاراتها بعملية ترحيل محدودة جرت بهدوء في أوائل يوليو 2025؛ حيث تم تنفيذ قرار ترحيل صادر عن الإدارة الأميركية بحق ثمانية رجال.
وجاءت هذه الخطوة بعد معركة قانونية دامت قرابة ستة أسابيع، وانتهت بقرار صادر عن المحكمة العليا الأمريكية يسمح بالمضي في الترحيل، متجاوزًا الاعتراضات الحقوقية المتعلقة بشرعية إرسال هؤلاء الأشخاص إلى دولة لا يحمل أغلبهم جنسيتها خاصة أن المرحّلون إلى جنوب السودان من جنسيات متعددة، من بينها كوبا، ميانمار، لاوس، فيتنام، والمكسيك، في حين أن واحدًا فقط منهم يحمل جنسية جنوب السودان والذين تم وُضعهم في مجمع سكني يخضع لحراسة مشددة، بانتظار محاولة لاحقة لترحيلهم إلى أوطانهم الأصلية، التي كانت قد رفضت استقبالهم في السابق.
ويمكن الإشارة هنا إلى أن عملية الترحيل لم تكن منفصلة عن التحركات الدبلوماسية التي شهدها شهر يوليو2025 بين الجانبين؛ إذ استضافت واشنطن وفدًا رفيعًا من جنوب السودان ضم وزير الخارجية ومسئولين بارزين، وعقد لقاءات مع مستشاري إدارة ترامب، بينهم ماساد بولوس، المكلّف بالشئون الإفريقية. ورغم غياب اتفاق رسمي، شكّلت هذه اللقاءات أرضية لتفاهم غير معلن بشأن استقبال المهاجرين، في إطار نهج أميركي يسعى لتجاوز العقبات القانونية عبر ترتيبات مرنة مع بعض دول الجنوب، مقابل مكاسب سياسية أو اقتصادية، لتصبح جنوب السودان ساحة الاختبار الأولى لهذا النموذج غير التقليدي من دبلوماسية الهجرة.
دبلوماسية مقنّعة: مطالب جوبا للتعاون
وفي سياق موازٍ، استخدمت جوبا ملف الهجرة كورقة ضغط دبلوماسية واضحة في تعزيز مصالحها؛ حيث ربطت التعاون في ملف إعادة المرحّلين مقابل دوافع ومطالب سياسية واقتصادية وأمنية، وذلك على النحو الآتي:
1. رفع العقوبات الأميركية عن أحد كبار مسئوليها، وذلك في إشارة وفقًا لبعض المصادر إلى نائب الرئيس “بنيامين بول ميل”، وهو شخصية محورية داخل النظام، ويُعد من أبرز أقطاب السلطة في جوبا، ويملك نفوذًا واسعًا في قطاعي المال والأمن، وهو ما يجعله عنصرًا أساسيًا في موازين الحكم؛ حيث شكلت العقوبات المفروضة عليه منذ عام 2017 وتجددها في أبريل 2025 عائقًا كبيرًا أمام قدرة جنوب السودان على الحصول على التمويل الدولي. ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة لتحسين صورتها واستقطاب دعم دولي، فإن وجود ميل على قوائم العقوبات يمنع أي تعاملات مالية بالدولار مع المؤسسات الدولية، وهو ما يعيق الوصول إلى الدعم التنموي والمساعدات. كما أن استمرار العقوبات يبعث برسالة سلبية عن مدى تفشي الفساد في النظام، بما يؤثر على مناخ الاستثمار والتعاون مع الشركاء الدوليين. ومن وجهة نظر جوبا، فإن رفع العقوبات عن “ميل” لا يُعد فقط ضرورة اقتصادية، بل أيضًا خطوة استراتيجية لتحصينه داخليًا داخل النظام، ومنع تحوله إلى قطب معارض محتمل في حال حدوث تقلبات سياسية في مركز السلطة.
2. إعادة تفعيل حساب مصرفي لجنوب السودان في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو الحساب الذي يمكّن الدولة من إجراء معاملات مالية بالدولار الأميركي، ولم تقف حدود هذا الطلب على البعد الاقتصادي فقط، بل أيضًا يمتد للجوانب السياسية؛ إذ يُستخدم الحساب في تمويل تحركات الحكومة، بما في ذلك ملاحقة نائب الرئيس الأول “رياك مشار”، الذي يخضع للإقامة الجبرية، ومن ثم يُنظر إلى هذا الحساب باعتباره أداة سيادية حيوية لتأمين تحويلات مالية لصالح الحكومة والنخبة الحاكمة.
3. إلغاء قرار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشأن سحب التأشيرات الشاملة لمواطني جنوب السودان، وهذا المطلب يحمل بعدًا إنسانيًا ورمزيًا، لكنه يخدم أيضًا هدفًا دبلوماسيًا في تحسين صورة الدولة أمام الرأي العام والجاليات في الخارج، وكسب قدر من التعاطف الدولي والانفتاح السياسي.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن القرار الأميركي استند حينها إلى تقرير رسمي صدر عن وزارة الخارجية الأميركية في 5 أبريل 2025 أكد أن سبب سحب التأشيرات هو رفض الحكومة الانتقالية التعاون في استقبال المرحّلين من الولايات المتحدة، وهو ما تم النظر إليه باعتباره تهديدًا للأمن القومي الأميركي.
ومن ثم، فإن تقديم الحكومة الآن استعدادها لاستقبال المرحّلين يمثل خطوة مباشرة لمعالجة السبب الأساسي الذي أدى إلى قرار السحب، ويُستخدم كورقة ضغط دبلوماسية لإقناع واشنطن بإلغاء القرار. وهذا التغيير في الموقف يُظهر رغبة جوبا في تحسين العلاقات الثنائية، وإثبات التزامها بالمعايير المتوقعة في العلاقات الدولية.
وبذلك، لم تكن مطالب جوبا تقنية أو إنسانية فقط، بل حملت في مضمونها أبعادًا سياسية واضحة، تهدف إلى تعزيز موقع النظام داخليًا وإعادة ترتيب أوراقه خارجيًا، خصوصًا في ظل الضغوط الأميركية المتزايدة، والتي تُمارس عبر أدوات العقوبات والدعم غير المباشر لتحالفات داخلية معارضة.
الموقف الأميركي وحدود التعامل
على الرغم من المحاولات الدبلوماسية التي قادها مسئولون في جنوب السودان لربط استقبال المرحّلين برفع العقوبات الأميركية، إلا أن هذه المطالب تعرضت للرفض الصريح من قبل واشنطن. فقد أكدت وزارة الخارجية الأميركية، وفقًا لتقرير منشور في موقع Sudans Post في يوليو 2025، أنها ترفض دعم أي تحرّك من جانب حكومة جنوب السودان يسعى لتبرئة زعيم المعارضة رياك مشار أو الضغط لرفع العقوبات المفروضة على شخصيات فاعلة. ولعل هذا الموقف يعكس ثباتًا في السياسة الأميركية تجاه ملف العقوبات، وعدم استعدادها للمقايضة عليه، حتى في ظل ضغوط الهجرة القسرية أو الترحيل.
ووفق هذا الإطار، فإن هذه الإجراءات تُضعف من الحُجة القائلة إن استقبال جنوب السودان للمُرحّلين قد يُقابل بتنازلات سياسية من جانب الولايات المتحدة، ويؤكد في الوقت نفسه أن عملية الترحيل لا تتجاوز كونها خطوة أمنية من جانب واحد، دون مقابل سياسي حقيقي. ويثير هذا الموقف تساؤلات حول جدوى الانخراط في تفاهمات مكلفة اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، في ظل غياب التزامات واضحة أو مكتوبة من الطرف الأميركي لصالح جنوب السودان.
المخاطر الأمنية والإنسانية لاستقبال المرحّلين
كشفت تقارير من ضمنها رويترز استنادًا إلى صحيفة بوليتيكو، أن ثمانية من المرحّلين من الولايات المتحدة كانوا مصنفين كـ”شخصيات خطرة”، مع أن شخصًا واحدًا فقط منهم يحمل جنسية جنوب السودان، وهو ما يثير تساؤلات مهمة حول مدى قدرة الدولة على دمج هؤلاء الأفراد في مجتمع هشّ بفعل الصراع الأهلي وعدم الاستقرار؟
وفي ظل الأوضاع الإنسانية المتدهورة في جنوب السودان والمتمثلة في عمليات النزوح الجماعي ومعدلات مجاعة مرتفعة، وتفاقم الأزمة الاقتصادية والغذائية، تصبح مسألة استقبال وافدين جدد خطوة تنطوي على مخاطر كبيرة، خصوصًا في ظل غياب آليات فعّالة للاستيعاب بالإضافة إلى التوترات الأمنية المتصاعدة نتيجة اشتباكات حدودية متكررة مع أوغندا، وهو ما يزيد من هشاشة الاستقرار في المنطقة بأكملها. وفيما يتعلق بالجانب القانوني، فإن إلزامية استقبال أشخاص لا يحملون جنسية الدولة، ربما تكون مخالفة لمبدأ “عدم الإجبار على العودة” بالإضافة إلى أنها تنتهك بنود اتفاقية 1951 للاجئين، خاصة إن لم يُتحقق من حالتهم كمُرشحين للجوء أو ضمان أمنهم في الدولة المستقبلة.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن المقايضة المقترحة بين واشنطن وجوبا – رغم أنها لم تُفعّل رسميًا – تُجسّد نمطًا من “الترتيبات الرمادية” التي تُعقد خارج الأطر القانونية والمؤسسية الواضحة، وتُحمّل الطرف الأضعف سياسيًا وأمنيًا عبئًا غير متكافئ. فقد بدا اندفاع جنوب السودان نحو هذا التفاهم تعبيرًا عن “خيار اضطراري” لتخفيف العقوبات المصرفية، في ظل غياب “الضمانات المتبادلة” من الطرف الأمريكي، الأمر الذي يجعل من هذه “المقايضة غير المتوازنة” صيغة هشة ومفتقرة للاستدامة.
كما أنه في حال نجاح هذا المسار ولو بصورة جزئية، فإن انعكاساته المحتملة تفتح الباب أمام مخاطر مركّبة تتجاوز البُعد الاقتصادي. فاختزال جنوب السودان في “منطقة استقبال للمرحّلين” دون توفر بنية اندماج فعّالة أو مراجعة دقيقة لخلفياتهم الجنائية والاجتماعية، لا يعبّر فقط عن غياب التخطيط الاستراتيجي، بل يهدد بإعادة إنتاج أزمات أمنية واجتماعية في دولة تواجه في الواقع هشاشة مؤسسية وضعف في القدرة الاستيعابية، بجانب أنه يعرّض السلم المجتمعي المحلي إلى تهديدات متزايدة يصعب احتواؤها ضمن السياق الراهن. ومن ثم فإن ما يتم تسويقه كحل لهذه الأزمة قد يتحوّل إلى أداة لتصدير الأزمة بدلًا من معالجتها جذريًا، وهو ما يستدعي إعادة النظر في منطق المقايضات غير المتكافئة.

