سارة الحربي
الباحثة في الشئون السياسية والعلاقات الدولية
في الوقت الذي تعيد فيه التكنولوجيا صياغة ملامح العالم، بدأت الحروب الحديثة تشهد تحولًا جذريًا تخطى حدود المفاهيم التقليدية للحروب؛ حيث لم تعد القذائف والجنود هم المحرك الوحيد لجبهات القتال، بل أصبحت “الخوارزميات” هي من يدير المشهد خلف الشاشات؛ حيث لم يعد دمج الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف العسكرية مجرد رفاهية تقنية، بل أضحى واقعًا يفرض مجموعة من التحديات الأخلاقية والقانونية غير المسبوقة، وهو ما أعاد طرح نقاشات حول مدى صمود القانون الإنساني الدولي أمام آلات مبرمجة لا تملك حسًا بشريًا، ويطرح السؤال الأخطر: هل تملك البرمجيات حق تقرير مصير البشر في الحروب؟ ومع تصاعد دمج هذه التقنيات الذكية في ساحات المعارك، تتزايد المخاوف بشأن مدى التزامها بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي في الحروب ومن المسئول عن تحديد المسئولية الجنائية عند حدوث كوارث أو أخطاء ناتجة عن هذا الدمج؟
خوارزميات الموت: مخاطر الذكاء الاصطناعي في الحروب
ينطوي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في أوقات الأزمات والحروب على مخاطر كارثية تهدد حياة المدنيين وتغير من طبيعة النزاعات، ومن أبرز هذه المخاطر:
1. اتساع رقعة الدمار وسرعة الاستهداف: تساهم قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة البيانات بسرعة فائقة إلى توليد آلاف الأهداف العسكرية في وقت قياسي، وهو ما يسرع من وتيرة القتال بشكل يفوق القدرة البشرية على المراجعة، وبما يرفع معدلات الخسائر بشكل كبير.
2. خلل العمليات البرمجية والبيانات المضللة: قد تبني الأنظمة قراراتها على بيانات مغلوطة، أو تتعرض لبعض المشكلات البرمجية؛ حيث يمكن إن تحلل تهديدات غير موجودة، وهو ما قد يؤدي إلى استهداف أهداف مدنية كالمستشفيات والمدارس نتيجة خطأ في التحليل الرقمي للبيانات.
3. غياب الأبعاد الإنسانية في الحروب: يمكن إن تحول البرمجيات البشر في النزاعات والحروب إلى مجرد “أرقام ونقاط بيانات” على شاشة الكمبيوتر، وهو ما قد يتجاوز الأبعاد الإنسانية والقانونية، ويجعل من قرار التصفية مجرد أمر برمجي من دون أي مراجعة أخلاقية.
4. خطر الاختراق والقرصنة: تظل أنظمة الجيوش العسكرية القائمة على الذكاء الاصطناعي أكثر عرضة للهجمات السيبرانية؛ ففي حال تم اختراق خوارزمية الاستهداف من قِبل أطراف معادية أو جماعات مسلحة، يمكن توجيه تلك الأسلحة ضد مصادرها أو ربما ضد استهداف المدنيين نتيجة أعمال القرصنة والاختراق في توجيه الأهداف.
الخوارزميات في مواجهة القانون: معضلة المبادئ الإنسانية الأربعة
يواجه الذكاء الاصطناعي العسكري صعوبة بالغة في الامتثال التلقائي للمبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات والحروب وذلك على النحو الآتي:
1. مبدأ التمييز: يتطلب القانون التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، وفي ضوء ما تعتمد عليه خوارزميات الذكاء الاصطناعي من مدخلات البيانات، وهو ما قد يجعله عاجز عن فهم السياق الإنساني المتغير مثل استسلام مقاتل أو مدني يحمل متاعًا قد يشبه السلاح.
2. مبدأ التناسب: يُحظر شن أي هجوم يتوقع أن يسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين من خلال عدم التناسبية في تجاوز الميزة العسكرية المباشرة والمتوقعة. كما إن هذا التقييم يتطلب تقديرًا بشريًا وقيميًا لا يمكن لمعادلة رياضية اتخاذه.
3. الاحتياط في الهجوم: تشير قواعد القانون الدولي إلى إنه يجب على أطراف النزاع أو الحرب اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب وتقليل الخسائر المدنية، وهو ما يشمل إلغاء الهجوم إذا تبين أن الهدف مدني، وهي مرونة قد تفتقر إليها الأنظمة ذاتية التشغيل.
4. ثغرة المسئولية: تظل معضلة المحاسبة واحدة من أكبر الفجوات القانونية في البيئة العسكرية الحديثة خاصة تلك الإجراءات المتعلقة بالحديث عما يحاسب عند الخطأ إذا قام نظام ذكاء اصطناعي باستهداف تجمع مدني نتيجة خلل في الخوارزميات، ومن هنا يثور القانون حول تحديد المسئولية؛ هل هو القائد العسكري الذي وثق بالبرنامج؟ أم المبرمج الذي كتب الكود؟ أم الشركة المصنعة؟وللتعامل مع هذا الأمر يؤكد خبراء القانون الدولي أن المسئولية الجنائية يجب أن تقع دائمًا على عاتق البشر (القائد أو المشغل البشري)؛ حيث لا يمكن تحميل البرمجيات أو الآلات المسئولية القانونية أو محاكمتها جنائيًا.
فالمجتمع الدولي في مأزق بسبب غياب الرادع التشريعي للتعامل مع هذه التقنيات ودمجها في العمليات العسكرية والحروب فبين السعي نحو التفوق العسكري ومحاولات التقنين، يقف العالم عاجزًا قانونيًا حتى الآن فيما يتعلق بعدم وجود لوائح وقوانين وتشريعات لتنظيم هذه العمليات في ظل الفراغ التشريعي؛ حيثلا توجد حتى الآن مواثيق وتشريعات دولية أو معاهدة دولية ملزمة تنظم أو تحظر بشكل مباشر استخدام الذكاء الاصطناعي في الاستهداف العسكري. وإن كانت أروقة الأمم المتحدة تشهد نقاشات مستمرة منذ سنوات حول “أنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل”؛ حيث تطالب العديد من الدول بفرض حظر استباقي عليها، بينما تماطل دول أخرى لوضع “مدونات سلوك” غير ملزمة تتيح لها الاستمرار في تطوير ترسانتها الحربية الذكية.
في الختام: إن تفويض الآلة بقرار القتل والدمار ليس مجرد قفزة تكنولوجية، بل هو انحدار أخلاقي يهدد بنسف عقود من القانون الإنساني الدولي. وبينما يتباهى مطورو الأسلحة الذكية بدقة خوارزمياتهم وسرعتها، يبقى الفارق بين الضمير البشري والآلة الحسابية شاسعًا؛ فالإنسان وحده يملك القدرة على التراجع، الرحمة، والحكم الأخلاقي في أحلك الظروف. إن السيطرة البشرية الفعالة والكاملة على أسلحة الذكاء الاصطناعي ليست خيارًا تقنيًا، بل هي جدار الحماية الأخير الذي يحول بين البشرية وتحويل ساحات المعارك إلى مسالخ آلية تُدار بلا وازع من ضمير أو مسؤولية، فالحرب من دون محاسبة أخلاقية هي جريمة منظمة برعاية التكنولوجيا.

