مريم عطية المكاوي
باحثة في العلوم السياسية
شهدت إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023 تحولات في أوضاعها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية انعكست على مختلف جوانب الحياة داخل المجتمع الإسرائيلي. وفي ظل استمرار الحرب وتداعياتها، برزت قضية مغادرة بعض الإسرائيليين للبلاد والاستقرار في الخارج باعتبارها إحدى الظواهر التي تستحق الدراسة لما قد تعكسه من تغيرات في تصورات بعض السكان بشأن الأوضاع الداخلية ومستقبلهم في إسرائيل.
وتكتسب ظاهرة الهجرة العكسية أهمية خاصة في ضوء المكانة التي تحتلها الهجرة إلى إسرائيل في المشروع الإسرائيلي، باعتبارها وسيلة لتعزيز الاستقرار الديموغرافي ودعم المجتمع وسوق العمل. ومن ثم، فإن اتجاه بعض الإسرائيليين إلى مغادرة البلاد يطرح تساؤلات حول العوامل التي قد تؤثر في قراراتهم، ومدى ارتباطها بالتطورات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها إسرائيل خلال الفترة الأخيرة.
وتوضح سياسات الاستيعاب الرسمية أن الدولة تخصص أدوات مالية ومؤسسية لتسهيل استقرار المهاجرين الجدد؛ إذ تشمل هذه الأدوات مساعدات أولية ضمن ” سلة الاستيعاب”، إلى جانب برامج للتوجيه والتدريب والمساعدة على الاندماج في سوق العمل. وهذا يزيد من أهمية الهجرة العكسية، لأنها تأتي في اتجاه معاكس لجهود حكومية تستهدف جذب المهاجرين ومساعدتهم على الاستقرار والاندماج داخل إسرائيل.
ولا يمكن النظر إلى الهجرة العكسية باعتبارها نتيجة لعامل واحد، إذ قد تتداخل في تشكيلها مجموعة من العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. فقد تؤثر حالة عدم الاستقرار الأمني وتطورات الحرب ومستوى الثقة في القيادة السياسية إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، في تصورات الأفراد بشأن قدرتهم على الاستمرار في العيش داخل البلاد.
ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الورقة إلى تحليل أبرز دوافع الهجرة العكسية من إسرائيل في أعقاب 7 أكتوبر2023 من خلال تناول العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها مع بحث التداعيات المحتملة لهذه الظاهرة على المجتمع الإسرائيلي وسوق العمل والأوضاع الديموغرافية. وتطرح الورقة السؤال الآتي: كيف ارتبطت التطورات التي أعقبت 7 أكتوبر 2023 بتصاعد الهجرة العكسية من إسرائيل، وما أبرز تداعياتها الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية؟
أولًا: تطور ظاهرة الهجرة العكسية من إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023
أشارت بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى تسجيل نحو وفي مقابل أعداد المغادرين بلغ عدد العائدين بعد إقامة طويلة في الخارج نحو 23 ألفًا و600 شخص في عام 2022، ونحو 29 ألفًا و600 في عام 2023، ثم تراجع إلى نحو 24 ألفًا و200 في عام 2024. وبذلك وصل صافي هجرة الإسرائيليين إلى نحو سالب 29 ألفًا و800 شخص في 2023، ثم سالب 58 ألفًا و600 في 2024. واستمر الصافي السالب في تقديرات 2025 الأولية، لكنه انخفض إلى نحو 50 ألفًا و800 شخص. وتبين المقارنة أن عدد المغادرين ظل أكبر من العائدين، مع تراجع حجم الفجوة في آخر سنة تتوافر عنها هذه التقديرات وهو ما يتضح في الجدول التالي:
| السنة | عدد المهاجرين إلى الخارج |
| 2022 | حوالي 41 ألف |
| 2023 | حوالي 59 ألف |
| 2024 | حوالي 83 ألف |
| 2025 | حوالي 69 ألف |

شكل (1): أعداد العائدين من إسرائيل من عام 2022 إلى 2025
| السنة | أعداد العائدين |
| 2022 | حوالي 23 ألف |
| 2023 | حوالي 29 ألف |
| 2024 | حوالي 58 ألف |
| 2025 | حوالي 50 ألف |

شكل (2): أعداد العائدين من إسرائيل منذ عام 2022 إلى 2025
وتظهر المقارنة إن عدد المغادرين ظل أكبر من العائدين، مع تراجع حجم الفجوة في آخر سنة تتوافر عنها هذه التقديرات، وفيما يتعلق بخصائص المغادرين، تشير بيانات للكنيست أوردها التقرير إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و39 عامًا يمثلون نحو 40% من إجمالي المغادرين و38% من إجمالي العائدين، مقابل نحو 27% من السكان. وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة باعتبارها من الفئات الرئيسية في سن العمل، وبالتالي فإن استمرار مغادرتها قد ينعكس على سوق العمل، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمالة الشابة والكفاءات المتخصصة. كما أظهرت البيانات التي أوردها التقرير نفسه ارتفاع المستوى التعليمي بين نسبة كبيرة من المغادرين؛ إذ بلغت نسبة الذين لديهم 13 عامًا من التعليم أو أكثر نحو 54% من المغادرين مقارنة بـ44% من إجمالي السكان، وقد تزيد مغادرة أصحاب المستويات التعليمية المرتفعة من الضغوط على القطاعات التي تعتمد على الكفاءات والخبرات المتخصصة.
كما تشير بعض بيانات الكنيست التي أوردها التقرير ضمن سلسلة إحصائية أقدم إلى أن نحو نصف المغادرين في عام 2022 كانوا من المهاجرين الجدد السابقين؛ أي الأشخاص الذين استقروا في إسرائيل ثم قرروا مغادرتها مرة أخرى، وتختلف طريقة حساب هذه السلسلة عن بيانات دائرة الإحصاء الأحدث الواردة في بداية القسم، ولذلك لا تُحسب هذه النسبة من إجمالي المغادرين في الجدول الأحدث، وتوضح هذه المعلومة أن الظاهرة لا تقتصر على من عاشوا، داخل إسرائيل بل تشمل بعض من انتقلوا إليها ثم عادوا إلى الخارج.
وتوضح هذه الأرقام حجم الهجرة وخصائص بعض الفئات المغادرة، لكنها لا تكشف وحدها عن الأسباب التي دفعت الأفراد إلى الرحيل. وتساعد التقارير وشهادات المغادرين والدراسة الاستطلاعية على تحليل جانب من هذه الدوافع، مع ضرورة التمييز بين التفكير في الهجرة والمغادرة الفعلية.
ثانيُا: دوافع الهجرة العكسية من إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023
تشير المعطيات إلى أن تصاعد الهجرة من إسرائيل لم تبدأ مع أحداث 7 أكتوبر 2023 فقط، وإنما ظهرت بوادرها قبل ذلك مع الأزمة الداخلية التي أثارتها خطة الحكومة لإصلاح النظام القضائي في أوائل عام 2023. وبدأت موجة الخروج في التصاعد خلال هذه الأزمة، قبل أن تتسارع بعد 7 أكتوبر 2023 مع اندلاع الحرب في غزة واتساع نطاق الصراع إلى أكثر من جبهة.
وفي الأيام الأولى التي أعقبت 7 أكتوبر ظهرت حركة في الاتجاه المقابل؛ إذ عاد جنود احتياط إسرائيليون كانوا في الخارج للالتحاق بوحداتهم، وأضافت شركات الطيران رحلات لإعادتهم بعد استدعاء أعداد كبيرة من قوات الاحتياط. ويبرز ذلك أن المرحلة الأولى اتسمت أيضًا بالتعبئة والعودة، قبل أن تكشف البيانات اللاحقة عن تصاعد حالات الهجرة والإقامة الطويلة في الخارج، وهو ما يجعل تطور الظاهرة مرتبطًا باستمرار الحرب وتداعياتها أكثر من كونه استجابة فورية لأحداث يوم 7 أكتوبر وحده.
وضمن السياق نفسه، يمثل الوضع الأمني أحد دوافع الهجرة التي تناولتها التقارير بعد 7 أكتوبر 2023، لكنه لا يفسر وحده قرارات المغادرين. فلم يعد بعض الإسرائيليين ينظرون إلى التدهور الأمني باعتباره أزمة مؤقتة، خاصة مع استمرار الحرب واندلاع المواجهة مع إيران في يونيو 2025. وكان التفكير في مستقبل الأبناء وإمكانية تكرار المواجهات حاضرًا في قرار بعض الأسر مغادرة البلاد.
ولا ينفصل العامل الأمني عن الخلافات السياسية داخل إسرائيل؛ فقد ارتبط قرار بعض المغادرين في شهاداتهم بانتقاداتهم لإدارة الحرب والجدل حول تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر وطريقة التعامل مع ملف الأسرى. وزادت هذه الخلافات بالنسبة إليهم الشعور بعدم الثقة في مستقبل الأوضاع.
كما قدمت دراسة لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي صورة أوسع لدوافع التفكير في المغادرة بعد الحرب. ففي استطلاع شمل 720 من اليهود و187 من العرب خلال أبريل 2025، قال نحو ربع المشاركين اليهود ونحو ثلث المشاركين العرب إنهم يفكرون في الانتقال إلى بلد آخر بصورة مؤقتة أو دائمة. وبرزت تكلفة المعيشة ومستقبل الأبناء ضمن أهم العوامل المرتبطة بالتفكير في الرحيل، كما أشارت الدراسة إلى أن الوضع السياسي والإصلاح القضائي قد يدفعان بعض ممن لا يفكرون حاليًا في الهجرة إلى إعادة النظر في موقفهم. وفي المقابل، فإن نحو 10% فقط ممن يفكرون في المغادرة يخططون للرحيل بصورة دائمة، بينما لم يحدد آخرون مدة بقائهم في الخارج. لذا تساعد هذه الاحصائيات في فهم الدوافع وراء تصاعد هذه الظاهرة، إلا إنها في الوقت نفسه لا تثبت أثر كل دافع في أعداد المغادرين المسجلين.
وترتبط هذه الأوضاع أيضًا بالشعور بعدم المساواة في توزيع أعباء الحرب، خاصة لدى بعض فئات الطبقة الوسطى العلمانية. فقد كان بعض جنود الاحتياط يقضون ما بين 70 و100 يوم في الخدمة العسكرية سنويًا، بما يؤثر في عملهم وحياتهم الأسرية، بينما استمر الجدل بشأن إعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد. وجعل هذا التفاوت، بحسب التحليل، بعض من يتحملون أعباء الخدمة أكثر ميلًا إلى التفكير في الاستقرار خارج إسرائيل.
ومن جانب آخر، برزت الضغوط الاقتصادية المرتبطة بفترة الحرب؛ فقد انتقد معارضون وخبراء اقتصاد ميزانية عام 2025 من بينها تجميد الشرائح الضريبية وتقليص بعض الخدمات المقدمة للجمهور العامل مع توجيه إنفاق إلى مؤسسات تعليمية حريدية. وزادت هذه السياسات في نظر بعض دافعي الضرائب الشعور بأنهم يتحملون أعباء الحرب الاقتصادية بدرجة غير متساوية وهو ما قد يدخل ضمن حساباتهم عند التفكير في الهجرة.
إلى جانب ذلك، يرتبط التفكير في الرحيل لدى بعض الفئات بنمط الحياة ومستقبلها داخل إسرائيل، ولا سيما العاملين في التكنولوجيا الفائقة والأوساط الأكاديمية، الذين تتوافر لبعضهم فرص عمل وإقامة في الخارج. وقد يدفع استمرار التعبئة والحرب بعضهم إلى تفضيل الاستقرار في مدن أخرى، وارتبط هذا التصور أيضًا بحديث نتنياهو عن تحول إسرائيل إلى سوبر-سبارتا.
وبالنظر إلى هذه العوامل، يتضح أن قرار الرحيل لا يرتبط بمتغير واحد لدى جميع المغادرين؛ فالأمن ومستقبل الأبناء والأوضاع السياسية والاقتصادية تدخل بدرجات مختلفة في حسابات الأسر. وتوضح الدراسة الاستطلاعية حضور هذه الدوافع لدى بعض من يفكرون في المغادرة، بينما تُظهر شهادات المغادرين اختلاف الأسباب من أسرة إلى أخرى. كما توضح هذه العوامل أن قرار الهجرة لا يرتبط فقط بالمخاوف الأمنية، بل يرتبط أيضًا لدى بعض الفئات بالثقة في القيادة السياسية، وطريقة توزيع أعباء الحرب، وقدرة الأسرة على رؤية مستقبل أكثر استقرارًا داخل إسرائيل. وتنسجم هذه الصورة مع نتائج الدراسة الاستطلاعية التي أظهرت حضور تكلفة المعيشة ومستقبل الأبناء والوضع السياسي ضمن اعتبارات التفكير في الانتقال إلى الخارج. وبالتالي، تعكس الظاهرة جانبًا من الضغوط في علاقة بعض الإسرائيليين بالدولة، مع عدم إمكانية تعميم هذه الدوافع على جميع المغادرين.
ثالثًا: تداعيات الهجرة العكسية من إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023
لا تتوقف أهمية الهجرة العكسية عند زيادة أعداد المغادرين مقارنة بالعائدين، بل ترتبط أيضًا بخصائص الفئات التي تغادر، وما قد يعنيه استمرار خروج الشباب والكفاءات بالنسبة للمجتمع وسوق العمل.
1. المستوى الديموجرافي: اتسع صافي هجرة الإسرائيليين السالب من نحو 29 ألفًا و800 شخص في عام 2023 إلى نحو 58 ألفًا و600 في عام 2024، قبل أن ينخفض إلى نحو 50 ألفًا و800 شخص في التقديرات الأولية في عام 2025. وهو ما يعني استمرار هذه النسبة أن المغادرين كانوا أكثر من العائدين، وعلى الرغم من إن الفجوة تقلصت في السنة الأخيرة في ظل استمرار خروج الشباب من تأثير الظاهرة على الفئات في سن العمل وتكوين الأسر. إلا إن أثر ذلك على إجمالي سكان إسرائيل لا يمكن حسابه من هذه الأرقام وحدها، لأن التغير السكاني يتأثر أيضًا بالمواليد والوفيات والهجرة الوافدة.
2. المستوى الاقتصادي: تكتسب مغادرة المتعلمين وأصحاب الخبرات أهمية خاصة بسبب احتياج الشركات والمؤسسات إلى العمالة المتخصصة. فقد أظهرت بيانات للكنيست أوردها التقرير ارتفاع نسبة ذوي التعليم بين المغادرين. وفي الوقت نفسه، رصد بنك إسرائيل نقصًا في العمالة خلال عام 2024 نتيجة عوامل عدة، منها خدمة الاحتياط ونزوح السكان والقيود على دخول العمال الفلسطينيين. وفي ظل هذه الأوضاع، قد تضيف الهجرة طويلة الأجل ضغطًا على بعض المهن، وإن كان نقص العمالة الذي رصده البنك لا يعود إلى الهجرة وحدها.
ويظهر أثر ذلك بشكل أوضح في قطاع التكنولوجيا الفائقة. فقد قدّرت سلطة الابتكار الإسرائيلية في تقرير أبريل 2025 أن نحو 8 آلاف و300 من العاملين في القطاع انتقلوا إلى الخارج لإقامة طويلة خلال الفترة من أكتوبر 2023 إلى يوليو 2024، بما يعادل نحو 2.1% من العاملين فيه. كما ذكر التقرير أن عدد العاملين في القطاع تراجع بنحو خمسة آلاف شخص خلال عام 2024 إلى قرابة 391 ألفًا. ويشير ذلك إلى مغادرة جزء من الكفاءات في فترة شهد فيها القطاع ضغوطًا في التوظيف، دون أن يعني أن الهجرة كانت السبب الوحيد لهذا التراجع.
وفي عام 2025 عاد عدد العاملين بالتكنولوجيا إلى الارتفاع؛ إذ أوضح تقرير سلطة الابتكار الصادر في مايو 2026 نمو التوظيف بنحو 2.5% ليصل إلى قرابة 400 ألف شخص. وفي المقابل، انخفض عدد العاملين في البحث والتطوير داخل إسرائيل بنحو 3 آلاف و500 شخص، وتراجعت حصتهم من 51% إلى 49% من العاملين بالقطاع. وتبين هذه الأرقام أن مسار التوظيف لم يكن تراجعًا مستمرًا، وأن تغير وظائف البحث والتطوير لا يمكن نسبته وحده إلى هجرة العاملين؛ لكن مغادرة بعض الكفاءات، التي رصدها تقرير 2025، تظل ذات صلة بمناقشة قدرة القطاع على الاحتفاظ بخبراته.
وفي سياق مناقشة خروج الكفاءات، أشار تقرير أبريل 2025 إلى اتساع توظيف الشركات التكنولوجية الإسرائيلية خارج البلاد. كما أوضح تقرير مايو 2026 انخفاض حصة العاملين داخل إسرائيل لدى الشركات الخاصة في القطاع من 69% عام 2019 إلى 62% في مارس 2026. لكن هذا التوسع بدأ قبل 7 أكتوبر، وقد يشمل أشخاصًا مقيمين بالخارج أصلًا؛ فلا يُعد دليلًا مباشرًا على هجرة العاملين من إسرائيل.
3. المستوى الاجتماعي: ترتبط بعض قرارات المغادرة بالمخاوف المتعلقة بمستقبل الأبناء والشعور بالأمان وتوزي أعباء الحرب. وفيما يتعلق بنظرة المجتمع إلى الظاهرة، رأى 58% من المشاركين اليهود و64% من المشاركين العرب أن زيادة أعداد المغادرين تشكل خطرًا على مستقبل الدولة. وارتفعت النسب إلى 64% و73% على التوالي عند السؤال عن مغادرة الفئات المتعلمة والمستقرة اقتصاديًا. وتعبر هذه النتائج عن تصورات المشاركين بشأن الهجرة، ولا تثبت وحدها حدوث آثار اجتماعية فعلية بسببها. في حين يظل حجم التأثير الديموجرافي والاقتصادي والاجتماعي للهجرة مرتبطًا باستمرار خروج الشباب والكفاءات، وبأعداد العائدين وخصائصهم خلال السنوات المقبلة.
في الختام: يوضح التحليل أن الهجرة من إسرائيل لم تبدأ مع أحداث 7 أكتوبر 2023؛ إذ سبقت هذه الأحداث مؤشرات على تصاعد الرغبة في المغادرة في ظل الأزمة السياسية الداخلية. إلا أن استمرار الحرب واتساعها إلى أكثر من جبهة أضاف أبعادًا أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، وارتبط بزيادة حضور فكرة الرحيل لدى بعض الإسرائيليين. وقد ارتبط التفكير في المغادرة بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها المخاوف الأمنية، ومستقبل الأبناء، وتراجع الثقة لدى بعض الفئات في القيادة السياسية وطريقة إدارة الأزمات، والجدل بشأن توزيع أعباء الخدمة العسكرية، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية. ولا تسمح المصادر المتاحة بتحديد عامل واحد باعتباره المسؤول عن الظاهرة أو بقياس الوزن النسبي لكل دافع لدى جميع من غادروا.
وفي الوقت نفسه، تكشف البيانات عن اتساع الفجوة بين أعداد المغادرين والعائدين خلال الفترة التي تناولتها الورقة، مع استمرار صافي الهجرة السالب رغم تراجع حجمه في التقديرات الأولية لعام 2025. وتزداد أهمية هذا الاتجاه بالنظر إلى وجود الشباب وأصحاب المستويات التعليمية المرتفعة بين المغادرين، إلى جانب انتقال جزء من العاملين في قطاع التكنولوجيا إلى الخارج.
وقد توصل التحليل إلى أن الهجرة العكسية لم تبدأ بعد 7 أكتوبر، لكنها تصاعدت في الفترة التالية مع استمرار الحرب وتزايد الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية داخل إسرائيل. أما أبرز التداعيات التي ظهرت حتى الآن فتتمثل في استمرار زيادة أعداد المغادرين مقارنة بالعائدين، إلى جانب خروج جزء من الكفاءات، خاصة في القطاعات التكنولوجية. أما التأثير طويل المدى على السكان وسوق العمل والمجتمع، فما زال مرتبطًا باستمرار الظاهرة وحجم العودة إلى إسرائيل خلال السنوات المقبلة.

