محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الايرانية
إن تحليل العوامل المؤثرة التي تتفاعل داخل العقل السياسي الإيراني لا تتعلق بالنظر إلى الجغرافيا السياسية أو حسابات القوة وموازين الردع، فإلى جانب المصالح القومية والاعتبارات الأمنية والمؤسساتية توجد طبقة عقدية وفكرية تتفاعل مع هذه العوامل، وتؤثر في الطريقة التي تُنتج بها قطاعات من النخبة السياسية والدينية الإيرانية تصوراتها عن السلطة والتاريخ والصراع والمستقبل.
وتأتي المهدوية في مقدمة هذه العوامل، ليس باعتبارها تفسيرًا وحيدًا لتوجهات السياسة الإيرانية، وإنما باعتبارها أحد المداخل الرمزية التي يمكن من خلالها تحليل مفاهيم الشرعية والانتظار والتضحية والانتصار، وتكتسب المهدوية أهمية خاصة في الحالة الإيرانية بسبب المسار التاريخي الذي انتقلت خلاله بعض مفاهيمها من المجال العقدي إلى المجال السياسي.
فقد ارتبطت غيبة الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن المهدي منذ القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، بإشكالية تتعلق بمصدر السلطة الدينية والسياسية في غياب الإمام المعصوم. ولم تكن الإجابة عن هذا التساؤل واحدة في التاريخ الشيعي؛ إذ تطورت تصورات مختلفة حول أدوار الفقهاء وحدود سلطتهم، قبل أن تتسع تدريجيًا بعض صلاحياتهم الدينية والاجتماعية خلال القرون اللاحقة.
ومع ظهور الدولة الصفوية في عام 1501، اكتسبت هذا الموضوع بعدًا سياسيًا جديدًا مع إعلان عقيدة التشيع الاثني عشري مذهبًا للدولة، وهو ما أدى إلى وجود علاقة متبادلة ومعقدة بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية. ثم جاءت التحولات التي شهدها الفكر الشيعي في القرنين التاسع عشر والعشرين لتوسع النقاش حول صلاحيات الفقيه، وصولًا إلى الصياغة السياسية التي قدمها آية الله روح الله الخميني لولاية الفقيه. وفي عام 1970 ألقى الخميني في النجف سلسلة محاضرات حول الحكومة الإسلامية، أصبحت لاحقًا أساس كتابه “الحكومة الإسلامية”، وطرح فيها تصورًا موسعًا لسلطة الفقيه خلال عصر الغيبة. وبعد الثورة الإسلامية في عام 1979، انتقل هذا التصور من مجال التنظير إلى البناء الدستوري والمؤسسي للدولة.
وتشير بعض الدراسات إلى إن ولاية الفقيه لم تكن مجرد استمرار للتصورات الشيعية التقليدية، وإنما يمثل إدخالها في البنية الدستورية والمؤسسية تحولًا مهمًا في نظرية السلطة الشيعية وممارستها، لكن هذا التحول لا يعني أن الجمهورية الإسلامية دولة “مهدوية” بالمعنى المباشر، أو أن قراراتها تُتخذ انتظارًا لحدث غيبي.
فالدولة الإيرانية تتحرك أيضًا وفق اعتبارات الأمن القومي، والمصلحة، وموازين القوى الإقليمية والدولية، وتأثيرات الجغرافيا السياسية، والقيود الاقتصادية والمؤسساتية والعقوبات الخارجية. لذلك تكمن الأهمية التحليلية للأيديولوجية المهدوية باعتبارها توفر إطارًا رمزيًا يمنح السياسة معنى تاريخيًا وأخلاقيًا، ويعيد صياغة مفاهيم الشرعية والصراع والتضحية؟
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المهدوية في العقل السياسي الإيراني باعتبارها إحدى الطبقات الفكرية التي تتفاعل مع بنية الدولة الحديثة، فتؤثر في بعض خطابها وتصوراتها للشرعية والمستقبل، من دون أن تحل محل الحسابات الواقعية التي تحكم سلوكها السياسي.
أولًا: المهدوية وإشكالية السلطة والشرعية في إيران
أحدثت غيبة الإمام الثاني عشر إشكالية مركزية في الفكر الإمامي الاثني عشري تتعلق بمفهوم السلطة، وإنه في حال كان الإمام المعصوم هو صاحب السلطة الدينية والسياسية الكاملة، فمن يملك حق إدارة المجتمع في غيابه؟ ومن ثم ،لم تكن الإجابة عن هذا السؤال واحدة طوال التاريخ الشيعي، كما لم يكن موقف علماء الشيعة من السلطة السياسية قائمًا دائمًا على الانتظار السلبي، فقد تطور داخل الفكر الإمامي تصورات متعددة حول أدوار الفقهاء في القضاء والإفتاء والشئون الدينية والاجتماعية، وتوسعت هذه الأدوار تدريجيًا مع تطور صلاحيات المؤسسة الفقهية.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن السلطة القضائية وبعض الوظائف الدينية انتقلت إلى الفقهاء خلال عصر الغيبة، ثم توسع النقاش حول ما إذا كان هذا التفويض يشمل وظائف سياسية وتنفيذية أوسع. ومن هنا، فالقول بإن الفكر الشيعي استمر طوال تاريخه قائمًا على الانتظار غير صحيح؛ حيث كان هناك بالفعل اتجاه يميل إلى التحفظ عن إقامة سلطة سياسية باسم الإمام قبل ظهوره، لكن هذا لم يمنع ظهور تصورات فقهية مختلفة حول حدود سلطة العلماء والتعامل مع الحكام.
وفي إيران الصفوية اكتسبت هذه المسألة أهمية أكبر مع إعلان التشيع الاثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة في عام 1501. فقد احتاجت الدولة الصفوية إلى العلماء الشيعة لبناء نظام ديني ومذهبي متماسك، بينما أدى تصاعد دور المؤسسة الدينية إلى تطور شبكة من العلماء والفقهاء واكتسبت تدريجيًا استقلالًا اجتماعيًا ومؤسسيًا عن السلطة.
وفي ضوء ذلك، توضح بعض الدراسات التاريخية بإن العصر الصفوي كان نقطة التحول الرئيسية في تطور التشيع السياسي الإيراني، إذ ساهمت الدولة في بناء مؤسسة دينية أكثر تنظيمًا، في الوقت الذي عزز فيه الفقهاء مواقعهم الاجتماعية والدينية، وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر اتسعت صلاحيات بعض الفقهاء، وظهرت صيغ أكثر وضوحًا لفكرة ولاية الفقيه. كما تشير المصادر إلى أن الملا أحمد النراقي استخدم في القرن التاسع عشر مفهوم “ولاية الفقيه” للدلالة على صلاحيات أوسع للفقهاء، وهو ما يوضح أن الفكرة لم تظهر للمرة الأولى مع الخميني، وإنما أعاد الأخير تقديمها سياسيًا ضمن سياق تاريخي جديد.
لكن التحول الكبير جاء مع آية الله روح الله الخميني، ففي سلسلة محاضرات ألقاها في النجف بين يناير وفبراير 1970، قدم تصورًا متكاملًا للحكومة الإسلامية، مؤكدًا ضرورة وجود حكومة خلال عصر الغيبة، وموسعًا من سلطة الفقيه من المجال الديني إلى مجال الحكم وإدارة المجتمع.
وقد نُشرت هذه المحاضرات لاحقًا في كتاب “الحكومة الإسلامية”، وأصبحت من النصوص الأساسية في المشروع السياسي، وبعد الثورة الإسلامية انتقل هذا التصور إلى المجال الدستوري، فأصبحت ولاية الفقيه أحد الأسس الرئيسية للنظام الجديد، وجرى ربطها بمفهوم الحكم وإدارة الدولة.
كما كشفت المناقشات الدستورية آنذاك أن إدخال ولاية الفقيه إلى بنية الجمهورية الإسلامية لم يكن مسألة شكلية، بل كان تحولًا مهمًا في نظرية السلطة الشيعية التقليدية. ومن ثم تغير السؤال السياسي بصورة جوهرية، ولم يعد النقاش مقتصرًا على كيفية إدارة المجتمع في غياب الإمام، بل أصبح يدور حول كيفية بناء دولة إسلامية خلال عصر الغيبة، ومن يمتلك السلطة اللازمة لإدارتها.
وهنا تظهر المهدوية بصورة غير مباشرة في قلب التحول السياسي الإيراني، فغياب الإمام أنتج مشكلة الشرعية، والفكر الفقهي قدم إجابات متعددة عنها، ثم جاء الخميني ليقدم إجابة ثورية واسعة تمثلت في ولاية الفقيه. لكن من المهم التأكيد أن هذا المسار لا يعني وجود إجماع شيعي على النموذج الإيراني، فقد ظل مفهوم ولاية الفقيه ونطاق سلطته محل خلاف فقهي وفكري، كما احتفظت المرجعية الدينية التقليدية خارج الإطار السياسي الإيراني بأشكال مختلفة من الاستقلال عن الدولة.
وتوضح تجربة علي السيستاني، على سبيل المثال، استمرار وجود نمط مختلف من المرجعية الشيعية السياسية والدينية عن النموذج الذي تبلور في إيران، وبذلك أصبحت المهدوية بصورة غير مباشرة جزءًا من المنظومة الفكرية التي أعادت تعريف العلاقة بين الدين والسلطة في إيران دون أن تكون هي نفسها مرادفة لولاية الفقيه.
ثانيًا: من الانتظار إلى التمهيد وإعادة تشكيل الزمن السياسي
لا يحمل مفهوم الانتظار داخل الفكر الشيعي معنى سياسيًا واحدًا، فقد ارتبط باتجاهات مهمة من التراث الإمامي المتعلقة بالتريث وعدم ادعاء إقامة دولة الإمام قبل ظهوره، بل إن بعض الروايات والتصورات التقليدية شددت على خطورة السعي إلى السلطة خلال عصر الغيبة. وتكشف الأدبيات التاريخية أن جزءًا مهمًا من الفكر الإمامي المبكر اتسم بالتحفظ السياسي، وأن الانتظار كان مرتبطًا بالصبر على الظلم وعدم الدخول في ثورات غير محسوبة، لكن هذا التصور لم يكن نهاية التطور الفكري للمهدوية.
فمع التحولات السياسية والفكرية التي شهدها العالم الإسلامي وإيران في القرن العشرين، بدأت تظهر قراءات أكثر نشاطًا للانتظار، خصوصًا لدى التيارات التي ربطت التشيع بمقاومة الظلم والتغيير الاجتماعي، وأسهم علي شريعتي في تقديم قراءة ثورية للتشيع، تختلف في جوانبها عن القراءة الفقهية التقليدية، بينما شارك محمد باقر الصدر في تطوير رؤية تجعل المهدوية أفقًا مرتبطًا بمستقبل الإنسان والمجتمع، وفي السياق الإيراني كان الخميني أبرز من نقل هذه الروح من المجال النظري إلى المشروع السياسي، فقد ربط بين إقامة الحكومة الإسلامية ومقاومة الظلم، ولم يرَ عصر الغيبة سببًا لتعليق إقامة الدولة الإسلامية.
كما تشير المصادر التاريخية إلى أن محاضراته في النجف عام 1970 قدمت تصورًا عمليًا للحكومة الإسلامية، وربطت بين صلاحيات الفقيه وضرورة إدارة المجتمع خلال غيبة الإمام، وهنا حدث التحول الأهم، وهو الانتظار لم يعد بالضرورة مجرد انتظار للمستقبل، وإنما أصبح في القراءة الثورية مسئولية عن الحاضر، فلم يعد السؤال مقتصرًا على متى يظهر الإمام؟، وإنما أصبح: كيف ينبغي للمجتمع أن يتصرف خلال فترة الغيبة؟، ومن هذا التحول يمكن فهم بروز مفهوم “التمهيد” في بعض الأدبيات والخطابات المهدوية الحديثة.
والمقصود هنا ليس أن جميع التيارات الشيعية تتبنى مفهومًا واحدًا للتمهيد، وإنما أن بعض القراءات الثورية أعادت تفسير الانتظار باعتباره التزامًا ببناء مجتمع أكثر عدلًا ومقاومة الظلم، وربطت الفعل السياسي بالحلم الديني بالمستقبل، وتكشف المقارنة بين الخميني وجماعة الحجتية -منظمة دينية شيعية تقليدية، ذات طابع شبه سري تقوم فكرتهم المركزية على انتظار الإمام المهدي- أهمية هذا الاختلاف. فقد تأسست جمعية الحجتية في خمسينيات القرن العشرين على يد الشيخ محمود حلبي للدفاع عن الإسلام الشيعي في مواجهة النشاط البهائي، لكنها تبنت لاحقًا موقفًا أكثر تحفظًا تجاه النشاط السياسي. كما ترى في انتظار المهدي موقفًا يختلف عن محاولة بناء الدولة الإسلامية قبل ظهوره. أما الخميني فتبنى قراءة ثورية ترى ضرورة إقامة المجتمع الإسلامي خلال عصر الغيبة، وقد وصفت الأدبيات المتخصصة هذا الاختلاف باعتباره تباينًا أساسيًا في فهم معنى المهدوية والانتظار، وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة لأنها تثبت أن المهدوية ليست أيديولوجيا سياسية ذات قراءة واحدة، فالإيمان بالعقيدة نفسها يمكن أن ينتج مواقف سياسية مختلفة تبعًا لطبيعة التفسير الفقهي والسياسي، ومن هنا تبرز أهمية المهدوية في تشكيل ما يمكن تسميته بالزمن السياسي.
ففي القراءة الثورية لا يصبح التاريخ مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة، وإنما مسار ممتد نحو غاية نهائية، ويمنح ذلك الحاضر معنى مختلفًا؛ فالأزمة يمكن أن تفسر باعتبارها مرحلة، والتضحية باعتبارها جزءًا من مسار، والهزيمة باعتبارها انتكاسة لا تعني بالضرورة نهاية المشروع. وهذا الإطار الزمني الطويل يمكن أن يتفاعل مع الخطاب السياسي حول استراتيجيات الصمود والمقاومة. لكنه لا يعني أن القدرة على تحمل الضغوط ناتجة عن المهدوية وحدها؛ إذ تتدخل فيها عوامل أخرى، مثل بنية النظام السياسي، والخبرة التاريخية، ودور المؤسسات الأمنية والعسكرية، وطبيعة التهديدات الخارجية، وحسابات الردع، والموارد المتاحة.
وعليه، فإن المهدوية يمكن أن تمنح مفهوم «الصبر الاستراتيجي» مضامين رمزية وتاريخية، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير السلوك الاستراتيجي الإيراني، وهنا تظهر الوظيفة الأعمق للمهدوية باعتبارها لا تقدم جدول زمني للأحداث السياسية، وإنما في إعادة تشكيل العلاقة بين الحاضر والمستقبل، فالمستقبل الموعود يمكن أن يصبح إطارًا لتفسير الحاضر، ويمنح الأحداث مضمون يتجاوز النتائج المباشرة.
ثالثًا: المهدوية وتصورات الصراع حول العدو والانتصار
تتقاطع المهدوية في الخطاب السياسي الإيراني مع منظومة أوسع من المفاهيم الدينية والثورية، في مقدمتها العدالة، ومقاومة الظلم، والمستضعفون في مواجهة المستكبرين، والشهادة والمقاومة، ولذلك فإن محاولة عزل المهدوية عن بقية عناصر الثقافة السياسية للجمهورية الإسلامية قد تؤدي إلى فهم منقوص لدورها، فمنذ الثورة الإسلامية لم تُقدم إيران نفسها في خطابها الرسمي باعتبارها دولة تخوض منافسة تقليدية على النفوذ والمصالح فقط، بل ارتبط خطابها بمفاهيم مثل الاستكبار ومقاومة الهيمنة والدفاع عن المستضعفين.
وقد أطلق الخميني على الولايات المتحدة وصف «الشيطان الأكبر»، في إطار رؤية سياسية وأيديولوجية جعلت العلاقة معها تتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية، وفي هذا السياق يمكن للمهدوية أن تتقاطع مع تصور أوسع للصراع بين العدل والظلم، والحق والباطل، والمستضعفين والمستكبرين، لكن ينبغي هنا التمييز بين الخطاب الذي يمنح الصراع مضمونه وبين الآليات الفعلية لصنع القرار. فالدولة الإيرانية لا تتخذ قراراتها العسكرية والأمنية وفق الحسابات العقدية وحدها، وإنما تضع في الاعتبار القدرة العسكرية، والتكلفة، والردع، والتحالفات، والظروف الدولية، ومصالح الدولة.
لذلك لا يمكن القول إن إيران تدخل المواجهات العسكرية لأنها تراها «معركة مهدوية»، والأدق أن يقال إن الخطاب المهدوي والثوري يمكن أن يوفر إطارًا رمزيًا لتفسير هذه المواجهات، وتعبئة الجمهور، وربط الحدث السياسي بسردية تاريخية وأخلاقية أوسع، وتظهر أهمية هذا الإطار بصورة أكبر عند التعامل مع مفهوم الانتصار، ففي التصور المهدوي لا يرتبط الانتصار النهائي بنتيجة معركة محددة، وإنما بانتصار العدل في النهاية، وعندما يدخل هذا التصور إلى الخطاب السياسي، يمكن أن تصبح الهزيمة العسكرية أو الخسارة السياسية حدثًا مرحليًا لا يحسم المسار التاريخي بالكامل. وهذه النقطة مهمة عند تحليل خطاب الصمود الإيراني.
فالدولة التي تقدم تاريخها باعتباره سلسلة ممتدة من الثورة والحرب والمقاومة والضغوط الخارجية تستطيع أن تضع الأحداث الراهنة داخل سردية أطول، ومن ثم لا تصبح العقوبات أو الخسائر أو الاغتيالات أو الضغوط العسكرية مجرد أحداث منفصلة، بل يمكن دمجها في خطاب أوسع عن الصمود والاستمرار، لكن هذا لا يعني أن المهدوية تفسر قدرة إيران على تحمل الضغوط، فهناك عوامل مادية ومؤسساتية لا يمكن تجاهلها، من بينها طبيعة النظام السياسي، ودور الحرس الثوري، والبنية الاقتصادية، والخبرة المتراكمة في التعامل مع العقوبات، والقدرة على تطوير أدوات ردع غير متماثلة، إضافة إلى طبيعة البيئة الإقليمية.
ومن ثم، فإن القيمة التحليلية لتأثير المهدوية تكمن في سؤال يتعلق باتجاهات الصراع، وهو ما يجعل نتائجه المرحلية أقل حسمًا في الوعي السياسي من الغاية النهائية، وبالتالي يمكن تحليل مفهوم «النصر النهائي» باعتباره إطارًا رمزيًا، وليس خطة عملياتية، وتتداخل هذه الرؤية مع عناصر أخرى من الثقافة السياسية الإيرانية، وعلى رأسها ذاكرة كربلاء وثقافة الشهادة وتجربة الثورة والحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، وقد عملت هذه العناصر على إنتاج لغة سياسية تجعل المقاومة والصمود والتضحية مبادئ مركزية في الخطاب الرسمي.
وبذلك لا تؤثر المهدوية بمفردها، وإنما تدخل ضمن مجموعة من العوامل المؤثرة التي تعيد تعريف معنى الصراع. فالتضحية لا تكون مجرد تكلفة مادية، وإنما يمكن تقديمها باعتبارها جزءًا من قضية أكبر، والهزيمة لا تكون بالضرورة نهاية للصراع، وإنما يمكن وضعها ضمن مسار طويل، والانتصار العسكري لا يصبح غاية نهائية، وإنما محطة داخل سردية تاريخية أوسع، ومن هنا يمكن فهم «انتصار المهدي» في العقل السياسي الإيراني باعتباره أفقًا رمزيًا للنصر النهائي، كما يمكن استدعاء هذا الخطاب السياسي عند تفسير الصراع والتكلفة والتضحية، دون أن يعني ذلك أن هذا التصور يحل محل الحسابات الواقعية في صناعة القرار.
رابعًا: توظيف المهدوية وحدوده والتحدي الداخلي للسلطة
لا تسير العلاقة بين المهدوية والدولة الإيرانية في اتجاه واحد من السلطة إلى المجتمع، فالعقيدة التي يمكن أن تمنح النظام شرعية رمزية وتوفر له أدوات للتعبئة يمكن أن تتحول أيضًا إلى معيار أخلاقي لمساءلته، فإذا كانت المهدوية ترتبط في جوهرها بفكرة العدالة وانتصار الحق، فإن الواقع السياسي والاجتماعي يمكن أن يصبح بدوره موضع مقارنة مع هذه القيم. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية، أمكن للمفاهيم نفسها التي تستخدمها السلطة في إنتاج الشرعية أن تتحول إلى أدوات نقد لها.
كما تظهر هذه المفارقة في العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية، فولاية الفقيه لم تكن محل قبول شيعي شامل، كما أن العلاقة بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية ظلت موضوعًا للخلاف، وقد حافظت تيارات شيعية مختلفة على تصور أكثر تحفظًا تجاه الجمع بين المرجعية الدينية والسلطة التنفيذية المباشرة، خشية أن يؤدي ذلك إلى تحميل المؤسسة الدينية مسئولية أخطاء السلطة البشرية.
ووضمن هذا السياق، تقدم جماعة الحجتية مثالًا مهمًا على هذا التعدد، فقد تأسست الجمعية في خمسينيات القرن العشرين، وكان هدفها الأساسي مواجهة النشاط البهائي، لكنها تبنت موقفًا سياسيًا أكثر تحفظًا من التيار الخميني، ورأت أن بناء الدولة الإسلامية قبل ظهور المهدي يختلف عن مفهوم الانتظار الذي تتبناه، وبعد الثورة دخلت الجماعة في صدام مع النظام، وأوقف مؤسسها محمود حلبي نشاطها التنظيمي في عام 1983 بعد تصاعد الضغوط عليها، وهذا المثال مهم لأنه يكشف أن الخلاف لم يكن حول أصل الاعتقاد بالمهدوية، وإنما حول المعنى السياسي الذي يتعلق بهذا الاعتقاد.
وفي ضوء ذلك، برز تساؤل يتعلق بتعريف الانتظار وما إذا كان يشير إلى عدم إقامة الدولة قبل ظهور المهدي؟ أم يعني العمل على إقامة مجتمع إسلامي أكثر عدلًا خلال عصر الغيبة؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال أنتجت مسارات سياسية مختلفة؛ حيث ظهرت في إيران جماعات وأفراد تبنوا قراءات خاصة للمهدوية أو ادعوا أشكالًا من الارتباط بالإمام الغائب، وقد تعاملت المؤسسة الدينية والدولة مع بعض هذه التيارات بوصفها تهديدًا دينيًا وسياسيًا، لأن ظهور مصدر مستقل للشرعية المهدوية يمكن أن يتحدى احتكار المؤسسة الرسمية لتفسير العلاقة بين الإمام الغائب والسلطة القائمة، وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات أهمية والتي تتعلق بإن النظام الذي يستمد جزءًا من شرعيته من فكرة النيابة عن الإمام الغائب يحتاج في الوقت نفسه إلى مواجهة أي ادعاء آخر بامتلاك صلة مستقلة بالإمام.
وضمن هذا السياق، تبرز تجربة محمود أحمدي نجاد بصورة أوضح في هذا السياق، فخلال رئاسته بين عامي 2005 و2013، اكتسبت الرمزية المهدوية حضورًا واضحًا في الخطاب السياسي، وارتبط أحمدي نجاد ومقربون منه بخطاب أكثر مباشرة في استدعاء الإمام المهدي والعدالة والمستقبل، وفي السياق الإيراني، لم يكن هذا الاستخدام مجرد خطاب ديني منفصل عن السياسة، بل ارتبط أيضًا بالصراع على السلطة بين الرئاسة والمؤسسات الدينية والسياسية، وتكشف هذه التجربة أن المهدوية يمكن أن تتحول إلى مجال للتنافس على الشرعية داخل النظام نفسه.
فإذا كانت ولاية الفقيه تمثل الإطار السياسي الرسمي للقيادة خلال عصر الغيبة، فإن أي خطاب يوحي بوجود قناة مستقلة ومباشرة للشرعية المهدوية يمكن أن يخلق توترًا مع هذا البناء، ومن ثم لا تعمل المهدوية فقط بوصفها أداة لتعزيز شرعية النظام، وإنما يمكن أن تصبح مجالًا للصراع حول من يملك حق تفسير المهدوية، ومن يملك تحويلها إلى سلطة سياسية.
وتكشف هذه المسألة أن الدولة الإيرانية لا تتعامل مع المهدوية باعتبارها مفهومًا دينيًا خارج النظام السياسي، وإنما باعتبارها جزءًا من المجال الذي يمكن أن تنتج داخله الشرعية السياسية، لكن المفارقة لا تتوقف عند حدود الصراع على التمثيل الديني. فإذا كانت المهدوية مرتبطة بمفهوم العدالة، فإنها تستطيع أن تتحول إلى معيار أخلاقي لمحاسبة السلطة.
فالمجتمع الذي يتعامل مع الخطاب الرسمي الذي يتبنى مفاهيم مثل العدالة ومقاومة الظلم يمكن أن يستخدم القيم نفسها في تقييم الأداء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدولة. ومن هنا يصبح الخطاب المهدوي ذا طبيعة مزدوجة: فهو من ناحية يمكن أن يمنح النظام معنى تاريخيًا لمشروعه السياسي كأداة للتعبئة والصمود، ومن ناحية أخرى يمكن أن يرفع سقف التوقعات الأخلاقية من النظام نفسه؛ بحيث تصبح العلاقة بين الخطاب والممارسة مصدرًا للنقد، وبذلك تتحول المهدوية من مجرد مصدر للشرعية إلى معيار يمكن أن تُقاس عليه شرعية السلطة.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل المهدوية أكثر تعقيدًا من مجرد أداة أيديولوجية تستخدمها الدولة، فهي ليست خطابًا مغلقًا تملكه السلطة بصورة كاملة، وإنما مجال تتداخل فيه المؤسسة الدينية والدولة والتيارات السياسية والجمهور، وتتنافس داخله قراءات مختلفة للانتظار والتمهيد والعدل والمستقبل.
في الختام: تكشف المهدوية في المدرك السياسي الإيراني عن علاقة مركبة بين العقيدة والسياسة تتجاوز فكرة استخدام الدين لتبرير السلطة أو تفسير السلوك الإيراني من خلال العامل الديني وحده، فمنذ غيبة الإمام الثاني عشر أنتجت المهدوية إشكالية حول العلاقة بين الشرعية وإدارة المجتمع في عصر غياب الإمام، ولم تكن الإجابات عن هذه الإشكالية واحدة؛ إذ تطورت داخل الفكر الشيعي تصورات متعددة حول دور الفقيه وحدود سلطته، وتوسعت بعض هذه الصلاحيات تدريجيًا قبل أن تصل في القرن العشرين إلى صياغة سياسية أكثر شمولًا مع الخميني.
ومع اندلاع الثورة الإسلامية في عام 1979، دخلت هذه الأسئلة مرحلة جديدة، حين تحولت ولاية الفقيه من نظرية فقهية وسياسية إلى أحد الأسس المؤسسية للنظام. وبذلك لم يعد الانتظار مجرد علاقة روحية بالمستقبل، بل انتهجت بعض القراءات الثورية مفهومًا يسمح بإسناد معنى سياسي للفعل في الحاضر، وربط بناء الدولة ومقاومة الظلم بفكرة المسئولية خلال عصر الغيبة.
وفي الوقت نفسه أسهمت المهدوية، إلى جانب عناصر أخرى مثل ذاكرة كربلاء والثورة والحرب والثقافة الثورية، في إنتاج سردية سياسية تستطيع الجمهورية الإسلامية من خلالها تفسير الصراع والتضحية والصمود والانتصار، لكن هذه الوظيفة الرمزية لا تلغي الحسابات الواقعية التي تحكم الدولة، ولا تجعل المهدوية تفسيرًا مباشرًا لقراراتها الاستراتيجية. وهنا تكمن الضرورة المنهجية في التمييز بين العقيدة، والخطاب السياسي، وصنع القرار.
فالعقيدة المهدوية توفر منظومة من المعاني المتعلقة بالغيبة والانتظار والعدل والنهاية التاريخية. والخطاب السياسي يستطيع استثمار هذه المعاني في التعبئة والشرعية وتفسير الصراع، أما القرار السياسي الفعلي، فيظل نتاجًا لتفاعل هذه الاعتبارات مع المؤسسات والمصالح والقدرات وموازين القوى والظروف الإقليمية والدولية، والأهم أن المهدوية داخل إيران ليست خطابًا أحاديًا تفرضه الدولة على المجتمع، وإنما هي مجال تتقاطع داخله قراءات دينية وسياسية مختلفة؛ من الاتجاهات الانتظارية المحافظة إلى القراءة الثورية، وصولًا إلى الاستخدامات السياسية الأكثر مباشرة.
وتوضح تجربة الحجتية بجلاء أن الإيمان بالمهدوية يمكن أن يقترن بموقف سياسي محافظ تجاه السلطة، في حين أن القراءة الخمينية ربطت الانتظار بالفعل السياسي وإقامة الحكومة الإسلامية، كما كشفت تجربة أحمدي نجاد أن المهدوية يمكن أن تتحول إلى مجال للتنافس داخل النظام نفسه حول حدود الشرعية والتمثيل الديني والسياسي، ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لدراسة المهدوية في الحالة الإيرانية لا تكمن في اعتبارها مفتاحًا وحيدًا لفهم السياسة الإيرانية، وإنما في النظر إليها بوصفها أحد المكونات التي تمنح السياسة معنى.
فالحاضر في هذا الإطار يمكن أن يتم تفسيره باعتباره مرحلة ضمن تاريخ أطول؛ والهزيمة يمكن أن تُفسر باعتبارها انتكاسة مؤقتة لا نهاية للمشروع؛ والتضحية يمكن أن تُمنح معنى يتجاوز تكلفتها المادية؛ والانتصار يمكن أن يُفهم باعتباره خطوة ضمن مسار تاريخي أوسع، لكن الأهم أن المستقبل المهدوي لا يبقى منفصلًا عن الحاضر؛ إذ يمكن أن يتحول إلى معيار تُقاس عليه السياسة نفسها، فإذا كان المستقبل الموعود مرتبطًا بالعدل، فإن الحاضر يصبح قابلًا للتقييم على أساس مدى اقترابه من هذه الصورة.
وإذا كانت السلطة تقدم نفسها باعتبارها جزءًا من مشروع العدالة، فإنها تصبح عرضة للمساءلة من داخل المنظومة القيمية نفسها التي تستند إليها. وهنا تحديدًا تتجاوز المهدوية وظيفتها كرمز تعبوي لتصبح ساحة للتفاعل بين الشرعية والممارسة، وبين المستقبل والحاضر، وبين السلطة والنقد.
وعليه، فإن فهم إيران لا يكتمل بالنظر إلى صواريخها ومؤسساتها وتحالفاتها الخارجية فقط، كما لا يكتمل باختزالها في عقيدتها الدينية، وإنما يتطلب النظر إلى التفاعل بين هذه المستويات مثل المصلحة والقوة والمؤسسة من جهة، والعقيدة والذاكرة والرمزية من جهة أخرى، وفي هذا التفاعل تحديدًا تكمن أهمية المهدوية؛ فهي لا تقدم تفسيرًا وحيدًا للسياسة الإيرانية، لكنها تكشف طبقة من طبقاتها غير المرئية: طبقة تتعلق بالزمن والشرعية والعدل والتضحية ومعنى الصراع وصورة المستقبل.
ومن ثم، فإن «انتظار الغائب» لا يعني تعليق الحاضر، بل يمكن – في بعض القراءات السياسية الإيرانية – أن يصبح إحدى الطرق التي يُعاد بها تفسير الحاضر وإعطاؤه معنى يتجاوز حدوده المباشرة، وهذه هي المفارقة الأساسية للمهدوية في العقل السياسي الإيراني، فكلما أصبح المستقبل الموعود إطارًا لفهم الحاضر، لم تعد دراسة المهدوية دراسة للمستقبل وحده، وإنما أصبحت دراسة للطريقة التي تُفهم بها السلطة والصراع والتضحية والانتصار في الحاضر.

