محمود ناصر جويده
باحث في الشأن الأفريقي
إن رأي المواطن الإفريقي لابد أن يكون في يكون موضع اعتبار عندما تتخذ الحكومات الإفريقية أية إجراءات أو تقوم بأي سياسات حكومية من شأنها أن تؤثر عليه، في ظل التحولات التي يشهدها العالم وتعيد تشكيل موقع إفريقيا في النظام الدولي، في وقت تتعرض فيه المتغيرات التي أثرت في مجريات الشئون الدولية ولاسيما التجارة والهجرة والتعاون الدولي إلى تغيرات جذرية، فالحروب والصراعات، والتنافس بين القوى الكبرى، وتشدد سياسات الهجرة، وغيرها من التحولات، أعادت رسم حركة الأشخاص والبضائع والنفوذ داخل إفريقيا وخارجها. وفي خضم هذه التحولات، صارت إفريقيا أحد الفواعل المؤثرة في مستقبل النظام العالمي، مدفوعة بعديد من المزايا كمواردها الطبيعية، وأسواقها الناشئة والصاعدة، وثقلها الديموجرافي، ولاسيما الشباب الذي من المتوقع بحلول ثلاثة أجيال أن يمثلوا 40% من سكان العالم. ولذلك نستعرض في هذا التحليل مؤشر لرؤى المواطنين الأفارقة.
أولًا: التعريف بالتقرير والقضايا التي يتناولها
يُصدر تقرير «وجهات نظر المواطنين الأفارقة حول النظام العالمي المتغير 2026» عن مؤسسة إفروباروميتر، وهي شبكة بحثية إفريقية شاملة ومستقلة تهدف إلى قياس اتجاهات الرأي العام وتقديم بيانات حول مواقف المواطنين تجاه القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إفريقيا. ويستند تقرير هذا العام إلى استطلاعات رأي تمثيلية على المستوى الداخلي شملت 38 دولة إفريقية خلال الفترة من عام 2024 إلى عام 2025، بهدف رصد مواقف المواطنين تجاه خمس قضايا رئيسية، هي التجارة، والهجرة، والتنافس بين القوى العظمى، والصوت العالمي لإفريقيا، وتغير المناخ. ولا يتعامل التقرير مع هذه القضايا كملفات منفصلة، بل ينظر إليها باعتبارها مجالات مترابطة تتقاطع فيها التحولات الداخلية في إفريقيا مع موقعها في النظام العالمي. ويشمل التقرير مجموعة من المحاور كما يلي:
1. التعريف بالتقرير والقضايا التي يتناولها
2. ملامح الرؤية الإفريقية تجاه النظام العالمي المتغير
3. الانفتاح على التجارة في سياق اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية
4. هل ينبغي تشجيع التجارة أم حماية المنتجين المحليين؟
5. بين الانفتاح والقيود .. مواقف الأفارقة تجاه الهجرة وحرية التنقل
6. العوامل الاقتصادية وتشكيل مواقف الأفارقة تجاه حرية التنقل والهجرة
7. كيف يرى الأفارقة القوى الكبرى؟
8. الصوت الإفريقي في الحوكمة العالمية
9. التغير المناخي في إفريقيا … محدودية المسئولية وتصاعد التداعيات
ثانيًا: ملامح الرؤية الإفريقية تجاه النظام العالمي المتغير
تشير الدراسات إلى إن الأشخاص الذين يعيشون في ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة يميلون إلى تشديد السياسات الحدودية والحمائية تجاه الهجرة. إلا أنه في إفريقيا اختلف المنظور تجاه التعاون التجاري الإقليمي عبر الحدود، فستة أشخاص من كل عشرة مواطنين أفارقة يعتقدون أن من الأفضل لاقتصادهم تسهيل التجارة مع الدول الأخرى. الأمر الذي يشير إلى أن الواقع المادي للدول الإفريقية، الذي يعتمد العديد من مواطنيها بشكل مباشر على الواردات لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وتعيش اقتصاداتها على التجارة، هو السبب وراء هذا التأييد. وبما أن المواطن الإفريقي يؤيد حرية التجارة، فإنه يؤيد أيضًا حرية الحركة والهجرة، على الرغم من رؤيتهم أن صعوبة واقع الحدود الإفريقية في حركة المرور. وعلى خلاف مناطق أخرى من العالم، فإن الأكثر تعليمًا ومهارة، وكذلك المواطنين الأفارقة الأكثر ثراءً، هم الأكثر إبداءً لمقاومة الهجرة. وقد يبرر ذلك بمحدودية فرص العمل الرسمية؛ إذ يكون المواطنون الذين يتمتعون بمكانة أفضل داخل مجتمعاتهم هم الأكثر شعورًا بأن الوافدين من الخارج يمثلون منافسين لهم.
وفيما يتعلق باتجاهات الرأي العام تجاه القوى الكبرى، يذكر إن 62% من الرأي العام الإفريقي إلى الصين كفاعل سياسي واقتصادي ذي تدخلات ذات تأثير إيجابي على دولهم. وفي المقابل، يقل تأييدهم للتدخلات الأمريكية والروسية في بلادهم؛ إذ تتراوح نسب التأييد بين 53% و59%. ولكن اللافت للنظر أن الأفارقة لا ينظرون إلى هذه العلاقات باعتبارها تنافسية، أي لا يختارون الصين ويرفضون الولايات المتحدة، بل ينظرون إلى الصين بصورة إيجابية، وكذا تكون نظرتهم إيجابية إلى الولايات المتحدة. ويتوافق هذا النمط مع توجه العديد من الحكومات الإفريقية دبلوماسيًا، ويشير إلى أنه في عالم متعدد الأقطاب وأكثر تنافسية، يمكن توظيف عدم الانحياز لتحقيق مكاسب والحفاظ على هامش للمناورة.
ويعتقد المواطن الإفريقي أن المؤسسات القارية والإقليمية تمثل مصالح بلدانهم وتمثلهم بشكل كافٍ، إذ يرى 55% من الأفارقة أن للاتحاد الإفريقي تأثيرًا إيجابيًا على بلادهم، و56% يقولون الشيء نفسه عن تكتلهم الاقتصادي الإقليمي. إلا أنهم يطالبون بتمثيل أكبر في المحافل الدولية وصنع القرار الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة. كما أن وعي الأفارقة قد ازداد بقضايا المناخ، وأكدوا أن الدول الكبرى هي المسئولة عن معظم التغير المناخي، بالإضافة إلى أنهم ملزمون بمساعدة الدول الإفريقية على اتخاذ إجراءات فورية للحد من آثار التغير المناخي المستقبلية. وبشكل عام، تكشف هذه الاتجاهات عن رؤية إفريقية تتسم بقدر من المرونة والانفتاح، سواء تجاه التجارة والهجرة أو تجاه القوى الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف.
ثالثًا: الانفتاح على التجارة في سياق اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية
يتطلب النمو والتنمية الاقتصادية، بما تشمله من رفع مستويات المعيشة، والحد من الفقر، وتحقيق المساواة في الدخول، وغيرها من أهداف التنمية الاقتصادية في إفريقيا، تجاوز أنماط التجارة القائمة على تصدير المواد في صورتها الخام، واستيرادها مجددًا في صورة سلع مصنعة. وقد أسهمت هذه الأنماط في استمرار حصة إفريقيا من التجارة العالمية منخفضة، وأعاقت مسار التنمية الإفريقية. وقد يكون التكامل القاري وسيلة أساسية لتعبئة الموارد الإفريقية، سواء الطبيعية أو البشرية أو المالية، بما يشمله من إزالة الحواجز الجمركية، وهو ما تسعى إليه منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي أُنشئت في عام 2018، ودخلت حيز التشغيل في يناير 2021؛ حيث وافقت عليه جميع الدول الإفريقية باستثناء إريتريا، في حين صدقت عليها 49 دولة، وهو ما يجعل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول الأعضاء، والمساحة الجغرافية، وعدد السكان الذي يتجاوز 1.5 مليار نسمة.
ويعمل هذا المسار على تعزيز الاقتصادات الإفريقية والتجارة، وخلق فرص العمل. ولذلك، تُعد المنطقة خطوة أساسية نحو تعزيز التنمية وتحقيق أهداف أجندة الاتحاد الإفريقي 2063، ولا سيما بعد الاضطرابات التي لحقت بالتجارة وسلاسل الإمداد عقب فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية على إفريقيا وعلى دول العالم في أبريل 2025، وهو ما أدى إلى تسريع الدعوات إلى تعاون الدول الإفريقية من أجل تقليل اعتماد القارة على الأسواق الخارجية.
وعلى الرغم من أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية لا تزال في المراحل الأولى من التنفيذ، وأن التبادلات التجارية داخل القارة وعلى المستوى العالمي تعرضت لاضطرابات كبيرة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما سبقها من عدوان إسرائيلي على قطاع غزة، وهو ما أدى إلى تعطيل جماعة الحوثي للمرور عبر قناة السويس، ومن قبله الحرب الروسية الأوكرانية وجائحة كورونا، وقد ساهمت هذه العوامل في إبطاء نمو المنطقة بشكل كبير. وعلى الرغم من ذلك، فإن التجارة داخل القارة تعافت بسرعة، وسُجلت بعض المكاسب الأولية في أحجام التجارة وخفض التعريفات الجمركية. وبحلول مايو 2025، قدمت 48 دولة إفريقية عروضًا للتنازلات الجمركية متوافقة مع متطلبات منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، كما ارتفعت حصة التجارة البينية الإفريقية من إجمالي التجارة الرسمية من 13.6% في عام 2022 إلى 14.4% في عام 2024.
لا يوضح الشكل التفاوت الكبير بين مواطني الدول الإفريقية تجاه الوعي بمنطقة التجارة الحرة الإفريقية (AfCFTA)، فمعظم المواطنين ليس لديهم وعي كبير حول المنطقة، إذ بلغ متوسط من سمعوا عن المنطقة نحو 13%، ويتصدر مواطنو غينيا بيساو مستويات الوعي بمنطقة التجارة الحرة بنسبة 27%، تلتها الجابون بنسبة 26%، والرأس الأخضر بنسبة 24%. وتحظى الاتفاقية بقدر أكبر قليلًا من المعرفة في إقليم إفريقيا الوسطى، بنسبة 17%، مقارنةً بالأقاليم الأخرى، بينما يظل الوعي محدودًا جدًا في شمال إفريقيا، بمتوسط 5%. وحتى في غانا، التي كانت من أوائل الدول التي صدقت على الاتفاقية وتستضيف مقر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، لا تتجاوز نسبة من يعرفون بها 17%.
رابعًا: هل ينبغي تشجيع التجارة أم حماية المنتجين المحليين؟
على الرغم من أن كثيرًا من الأفارقة قد لا يكونون على دراية بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، فإنهم يميلون إلى تأييد مبدأ التجارة الحرة. فعندما طرح إفروباروميتر للمرة الأولى سؤالًا حول تأييد التجارة الحرة في 34 دولة خلال الفترة بين عامي 2019 و2021، أيد نحو 51% أن “من أجل تحقيق التنمية، وإنه يجب على الدول الإفريقية الاعتماد على التجارة مع بقية العالم، بما في ذلك فتح الحدود أمام الواردات الأجنبية”. وفي المقابل، أيد نحو 46% أن على الدول الإفريقية “الاعتماد على الإنتاج المحلي وحماية المنتجين المحليين من المنافسة الأجنبية”. لكن في الدول الـ 38 التي شملها هذا التقرير بين عامي 2024 و2025، كما يوضح الشكل التالي إن 62% من المواطنين الأفارقة أشاروا إلى أنه من الأفضل أن تتجه الحكومات إلى تسهيل حركة التجارة مع الدول الأخرى لتعزيز الفرص الاقتصادية، مقابل نحو 34% يفضلون الحد من التجارة لحماية المنتجين المحليين. وتحظى التجارة الحرة بتأييد الأغلبية في 32 دولة من أصل 38 دولة، وفي جميع الأقاليم الفرعية شرق وجنوب وغرب ووسط وشمال إفريقيا، فكما يوضح الشكل (2)، تسجل إفريقيا الوسطى مستوى تأييد للتجارة الحرة بلغ 65%، وغرب إفريقيا 65%، والجنوب الإفريقي 64%، وجميعها نسب مرتفعة إلى حد ما، رغم وجود تفاوت كبير بين دول كل إقليم.
تركز منطقة التجارة الحرة الإفريقية على بناء وتعزيز التجارة داخل القارة، إلا أن توجهات الرأي العام تُظهر انفتاحًا واضحًا على إقامة علاقات تجارية تتجاوز حدود إفريقيا. ولا يتعارض ذلك بالضرورة مع أهداف منطقة التجارة الحرة القارية؛ إذ يتمثل أحد أهدافها الأساسية في الاستفادة من تنمية التجارة داخل القارة لتعزيز القدرة التنافسية لإفريقيا في الأسواق العالمية. وعندما سُئل المواطنون عن الوجهة التي ينبغي لحكوماتهم التوجه إليها لتوسيع العلاقات التجارية، قال 66% إن عليها التوجه إلى الأسواق العالمية، في المقابل رأت نسبة ضئيلة، نحو 8%، أنه ينبغي أن يتم التعاون على مستوى إقليمهم الفرعي، بينما رأى 20% أنهم يفضلون أن توسع الحكومات تجارتها على مستوى القارة ككل.
وعلى الرغم من كون منطقة التجارة الحرة الإفريقية واحدة من أكثر مشروعات التكامل الاقتصادي طموحًا، فإنها لا تزال غير معروفة إلى حد كبير لدى المواطنين. ويتركز الوعي بها بدرجة أكبر بين الأكثر تعليمًا ومن يتابعون الأخبار بانتظام، وهو ما يشير إلى وجود فجوة بين طموحات السياسات على مستوى النخب ووصولها إلى عامة الجمهور. ومع ذلك، يتزايد بين الأفارقة تأييد التوجه الذي يتبناه قادتهم السياسيون وقطاع الأعمال نحو فتح الحدود أمام مزيد من التجارة في السلع والخدمات.
خامسًا: بين الانفتاح والقيود.. مواقف الأفارقة تجاه الهجرة وحرية التنقل
من الواضح أن هناك توافقًا مؤسسيًا على مميزات فتح الحدود أمام التجارة الحرة للسلع والخدمات، ولكن بالنسبة لحرية تنقل الأفراد فلا يوجد التوافق نفسه. ففي الوقت الذي وقّعت فيه أغلبية الدول الإفريقية على اتفاقية منطقة التجارة الحرة الإفريقية في كيغالي عام 2018 دعمًا للتجارة الحرة، كما عُرض على القادة الأفارقة البروتوكول الإفريقي بشأن حرية تنقل الأشخاص. وعلى الرغم من التأييد الأولي الذي حظي به البروتوكول؛ إذ وقعت عليه 33 دولة إفريقية، كما لم تصادق عليه بالكامل منذ ذلك الحين سوى أربع دول فقط، هي مالي والنيجر ورواندا وساو تومي وبرينسيبي، وهو عدد يقل كثيرًا عن الدول الخمسة عشر المطلوبة لدخول البروتوكول حيز التنفيذ.
وخلال العقد الماضي، أحرزت إفريقيا تقدمًا محدودًا تجاه حرية التنقل؛ إذ ارتفع متوسط درجات مؤشر الانفتاح على التأشيرات في إفريقيا (AVOI) من 4.25 عام 2016 إلى 4.48 عام 2025، مع تسجيل 39 دولة تحسنًا تجاه حرية التنقل. ومع ذلك، شهدت إفريقيا أيضًا بعض الانتكاسات، في ظل مخاوف الحكومات بشأن التداعيات الاقتصادية والأمنية والرأي العام وغياب المعاملة بالمثل والتكاليف المحتملة التي قد تترتب على السيادة نتيجة فتح الحدود على نطاق واسع. وعلى الرغم من ارتفاع المؤشر مقارنة بما كان عليه قبل عشرة أعوام فإنه انخفض في عام 2026 عن مستوياته المرتفعة التي بلغت نحو 4.85 خلال الفترة بين عامي 2022 و2024.
وينظر المواطن الإفريقي إلى حرية التنقل من اتجاهين؛ الأول، يرغب كثيرون في ضمان حريتهم في التنقل، ولا سيما مع تزايد النزاعات والحروب والصعوبات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي وغيرها من العوامل التي تدفع السكان إلى النزوح والهجرة، سواء داخل القارة أو خارجها. ومن ناحية أخرى، ينظر بعض الشباب الأفارقة إلى الهجرة باعتبارها تهديدًا للوظائف، في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب الإفريقي. وهو ما أدى إلى مقاومة لحركة الهجرة ولا سيما في جنوب إفريقيا؛ حيث اندلعت احتجاجات مناهضة للمهاجرين بصورة متكررة على مدار العشرين عامًا الماضية. وخلال أحدث موجة من هذه الاحتجاجات في عام 2026، هدد محتجون مناهضون للهجرة المهاجرين غير النظاميين واعتدوا عليهم وطالبوا بمغادرتهم البلاد.

تؤيد أغلبية محدودة، كما يوضح الشكل (3)، من المواطنين الأفارقة، نحو 56%، حرية التنقل بين البلدان الإفريقية؛ حيث يفضل 40% من المواطنين أن تفرض حكوماتهم قيودًا على التنقل عبر الحدود لحماية وصول مواطنيها إلى الوظائف والفرص. كما يوضح إن هناك تباينات كبيرة بين مواطني الدول الإفريقية؛ فبينما يرحب نحو 79% من مواطني أوغندا، و78% من سكان إسواتيني وليبيريا وزيمبابوي، إلى جانب مواطني دول أخرى تتخطى فيها نسبة التأييد 70%، بحرية التنقل، يرفض 40% من المواطنين الغابونيين، و31% من مواطني تشاد، و30% من المواطنين الموريتانيين حرية تنقل الأفراد بين الدول الإفريقية. أما فيما يتعلق بواقع المرور عبر الحدود، فيقول 63% من المواطنين الأفارقة إنه من الصعب المرور عبر الحدود، بينما يرى 23% أنه من السهل التنقل عبر الحدود.
سادسًا: العوامل الاقتصادية وتشكيل مواقف الأفارقة تجاه حرية التنقل والهجرة
تؤثر العوامل الاقتصادية في تشكيل مواقف المواطنين تجاه حرية التنقل الإقليمية والهجرة، وهو ما توضحه الأشكال (4) و(5). فوفق الشكل (4)، الذي يربط بين الناتج المحلي الإجمالي للفرد ومستوى دعم حرية تنقل الأشخاص داخل المنطقة، يظهر اتجاه عام سلبي، وإن كان محدودًا، بين مستوى الثراء والدعم؛ إذ تميل البلدان ذات الناتج المحلي الإجمالي الأعلى للفرد إلى تسجيل مستويات أقل من التأييد لحرية التنقل من أجل العمل والتجارة. ويمكن تفسير ذلك بسبب ارتفاع الازدهار ومستويات الدخل، وهو ما يقلص من اعتماد المواطنين على الفرص الاقتصادية التي توفرها الحركة عبر الحدود، أو يدفع بعضهم إلى تفضيل حماية الوظائف والخدمات والمزايا الاقتصادية المتاحة داخل بلدانهم.
ومع ذلك، لا تُظهر العلاقة نمطًا متجانسًا عبر جميع مستويات الدخل. فعند مستويات الدخل المنخفضة، يكشف الشكل (4) عن تفاوت واسع في المواقف؛ إذ تتراوح نسبة التأييد لحرية تنقل الأشخاص من نحو 30% في مدغشقر وموريتانيا إلى ما يقارب 80% في أوغندا وزيمبابوي وإسواتيني. وهو ما يعني أن مستوى الدخل برغم أهميته لا يمثل العامل الوحيد الذي يفسر مواقف المواطنين من حرية التنقل؛ إذ تتداخل معه عوامل أخرى، مثل خبرة السكان بالهجرة وفرص العمل المحلية والروابط الاقتصادية والاجتماعية مع دول الجوار وطبيعة تدفقات الهجرة داخل الإقليم. ويصبح الارتباط السلبي بين الثروة ودعم حرية التنقل أكثر وضوحًا نسبيًا في الجزء الأعلى من توزيع الدخل في الشكل (4). فعلى سبيل المثال، تسجل جنوب إفريقيا وبوتسوانا مستويات دعم تقارب 40%، رغم ارتفاع ناتجهما المحلي الإجمالي للفرد مقارنة بمعظم الدول الأخرى الواردة في الشكل. وقد يرتبط ذلك بكونهما من وجهات الهجرة الإقليمية الراسخة؛ فالتعرض الأكبر لتدفقات المهاجرين قد يجعل بعض المواطنين أكثر حساسية تجاه المنافسة على فرص العمل والخدمات والموارد، وبالتالي أقل تأييدًا لزيادة حرية الحركة.
ولا يقتصر أثر العوامل الاقتصادية على الموقف من حرية التنقل، بل يمتد أيضًا إلى الاهتمام بالهجرة نفسها، كما يوضح الشكل (5). فالشكل يبين اتجاهًا عامًا يميل إلى انخفاض نسبة المواطنين الراغبين أو المهتمين بالهجرة مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وإن كان هذا الاتجاه أكثر تشتتًا ولا يخلو من استثناءات. ففي الطرف الأدنى من توزيع الدخل، تسجل دول مثل ليبيريا مستوى مرتفعًا للغاية من الاهتمام بالهجرة يقترب من 80%، بينما تتجاوز النسبة 70% في غامبيا وساو تومي وبرينسيبي. وفي المقابل، تنخفض النسبة إلى نحو 30% في تنزانيا ومدغشقر، وهو ما يؤكد أن الفقر وحده لا يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع الرغبة في الهجرة. وبذلك، يدعم الشكلان (4) و(5) الفكرة القائلة إن تحسن الظروف الاقتصادية يميل عمومًا إلى تقليل الحوافز المرتبطة بحرية التنقل والهجرة، لكنه لا يحدد المواقف بمفرده.
سابعًا: كيف يرى الأفارقة القوى الكبرى؟
بين من يصف اتجاه القوى الكبرى إلى إفريقيا بأنه نوع من التدافع، ومن يصفه بأنه تفاوض، ما زالت القوى الكبرى والمتوسطة والإقليمية تعزز حضورها في إفريقيا؛ حيث توسع النفوذ الصيني في إفريقيا بصورة كبيرة خلال العقدين الماضيين سعيًا إلى الوصول إلى الموارد الحيوية، وفتح أسواق للسلع المصنعة الصينية. كما عززت الصين من استثماراتها المباشرة في القارة عشرة أضعاف، لتصل إلى 3.4 مليارات دولار أمريكي في عام 2024. وبالتالي أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لدول القارة؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري السنوي معها 262 مليار دولار أمريكي في عام 2023، متجاوزًا تجارة إفريقيا مع الولايات المتحدة بأكثر من ثلاثة أضعاف. وقد حظي هذا الانخراط الصيني بترحيب من القادة الأفارقة لعدة أسباب، منها غياب الشروط السياسية المرتبطة به، وما يوفره من قدرة تفاوضية أكبر في تعاملاتهم مع القوى الغربية. ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة بشأن اتساع العجز التجاري لصالح الصين وتراكم الديون وهيكل تجاري لا يزال يعطي الأولوية للمواد الخام الإفريقية مقابل السلع المصنعة الصينية.
أما سجل الانخراط الأمريكي في إفريقيا خلال العقد الماضي، فيتسم بتذبذب الالتزام وتراجع النفوذ. فبعد أن كان هذا الانخراط قائمًا على برامج مساعدات قوية وجهود ومبادرات مثل قانون النمو والفرص في إفريقيا (AGOA) القائم على نهج التجارة لا المساعدات، في حين أصبح الانخراط الأمريكي أكثر تراجعًا. ومنذ تولي إدارة دونالد ترامب الثانية السلطة في مطلع 2025، تسارع التراجع مع خفض المساعدات الإنمائية، وفرض سياسات تجارية وتعريفية ذات آثار صعبة على إفريقيا.

وفي ضوء ذلك، يرى معظم المواطنين الأفارقة أن للصين تأثيرًا سياسيًا واقتصاديًا إيجابيًا في الدول الإفريقية، كما يوضح الشكل (6)؛ إذ تم تقييم المواطنين للصين بنسبة 62% على المستوى الإيجابي إلى حد ما أو إيجابي جدًا، مقابل 17% فقط يرونه سلبيًا، بينما قال الـ21% المتبقون إنه ليس إيجابيًا ولا سلبيًا أو إنهم لا يعرفون. في المقابل، يرى 52% أن النفوذ السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة في إفريقيا إيجابي، إلى جانب 50% يرون أن دول الاتحاد الأوروبي ذات تأثير إيجابي. وتحظى الدول الاستعمارية بأعلى معدلات التقييم السلبي، بحوالي 31%، وهو ما يشير إلى استمرار الوعي الإفريقي بتاريخها الاستعماري.
ومن الملاحظ أن العديد من المواطنين الأفارقة ليس لديهم معرفة كافية أو آراء واضحة بشأن العديد من هذه الدول؛ إذ تشكل الإجابات المحايدة وإجابات «لا أعرف» ما لا يقل عن خُمس الاستجابات في جميع الحالات، وترتفع إلى أكثر من خمسي الاستجابات بالنسبة إلى الهند وروسيا. ولم تحظَ تحركات هؤلاء الفاعلين الجدد ونفوذهم بعد بانتشار واسع في الوعي العام، إلا إن الصين حصدت أعلى نسبة من الاستجابات الإيجابية في 27 دولة، وعلى ثاني أعلى نسبة في سبع دول أخرى، لكنها تحظى بشعبية أقل بكثير في مدغشقر 44% وزيمبابوي 35% وغانا 33%. في حين تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى من حيث التقييمات الإيجابية في خمس دول فقط وهي: غانا وليبيريا وملاوي وسيراليون وزيمبابوي، بينما يتصدر الاتحاد الأوروبي في غامبيا ومدغشقر والمغرب، وفي سيراليون بالتساوي مع الولايات المتحدة. أما الدولتان الجزيريتان في المحيط الهندي، موريشيوس وسيشل، فتمنحان أعلى التقييمات للهند، بينما تمنح مالي روسيا التقييم الأكثر إيجابية، بنسبة تصل إلى 88%.
وعلى الرغم من النظر إلى هذه الدول على أنها تتنافس على الولاء، فإن الأفارقة لا يرون الأمر بالضرورة بهذه الطريقة؛ إذ تحصل القوى المتنافسة جميعها على تقييمات متقاربة في معظم الدول الإفريقية، وغالبًا ما تكون إيجابية جدًا. ففي الرأس الأخضر، على سبيل المثال، يرى 87% أن نفوذ الصين إيجابي، تليها الولايات المتحدة 84%، والبرتغال باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة 84%، والاتحاد الأوروبي 74%. وتتكرر أنماط مماثلة في دول متنوعة مثل كوت ديفوار وليبيريا وساو تومي وبرينسيبي وسيراليون.
ثامنًا: الصوت الإفريقي في الحوكمة العالمية
نجح الاتحاد الإفريقي في وضع معايير قارية بشأن بعض القضايا كالديمقراطية وحقوق الإنسان وإرساء السلام، كما اضطلع بدور رئيسي في عمليات حفظ السلام في القارة. ويُنظر إلى أجندة 2063 كإطار لتوجيه مسار التنمية في القارة، كما تم دمج هذه الاستراتيجية داخل خطط التنمية الوطنية في العديد من الدول. لكن الاتحاد الإفريقي واجه تحديات في تنفيذ رؤيته، ويمكن إرجاع ذلك إلى نقص الموارد وضعف آليات الإنفاذ وأحيانًا عدم استعداد الدول الأعضاء للتنازل عن سلطة لصالح المؤسسة. وفي مواجهة العديد من الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا، كان الاتحاد الإفريقي أكثر إصرارًا في تطبيق العقوبات التي يفرضها الميثاق الإفريقي للديمقراطية، لكنه لم يتمكن من منع هذه التغييرات في الحكومات. وبالمثل، لم يستجب بفاعلية للتراجع الديمقراطي في العديد من الدول أو للأزمات الأخرى مثل الحرب في السودان المستمرة منذ عام 2023. وفي المقابل تركز التجمعات الاقتصادية الإقليمية في إفريقيا بشكل أساسي على التكامل الاقتصادي داخل أقاليمها. غير أن هذه التجمعات تعاني من أوجه القصور نفسها التي واجهها الاتحاد الإفريقي.
يوضح الشكل (7) أن الأفارقة يتميزون بدرجة من التوافق النسبي في نظرتهم تجاه مؤسساتهم الإقليمية والاتحاد الإفريقي؛ إذ يرى 55% أن الاتحاد الإفريقي ذو تأثير سياسي واقتصادي إيجابي، إلى جانب رؤية 56% أن المنظمات الإقليمية ذات تأثير إيجابي، في مؤشر على تقارب الرؤى بين المؤسسات الإقليمية والاتحاد الإفريقي. بينما لا يرى سوى 13% من الأفارقة أن الاتحاد الإفريقي ذو تأثير سلبي، إلى جانب 15% يرون أن تأثير المنظمات الإقليمية سلبي. ويتخطى الاتحاد الإفريقي والمؤسسات الإقليمية الإفريقية في التقييم الإيجابي القوى الاستعمارية السابقة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا؛ ولا تتجاوزهما في التقييم الإيجابي سوى الصين، التي بلغت نسبة التأييد لتأثيرها 62%.
لطالما طالب العديد من القادة الأفارقة، بتمثيل إفريقيا بصورة أكبر في الهيئات الدولية، ولا سيما الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها. وتمثل البلدان الإفريقية ما يقرب من خُمس سكان العالم، وتشكل أكثر من 25% من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، كما أن نحو 70% من قرارات الأمم المتحدة تتعلق بإفريقيا، وتؤدي الدول الإفريقية أيضًا دورًا رئيسيًا في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. ومع ذلك، لا تملك القارة أي مقعد دائم في مجلس الأمن، كما أن مقاعدها الثلاثة غير الدائمة والمتناوبة في المجلس لا تتمتع بحق الفيتو. وقد دافع الاتحاد الإفريقي منذ فترة طويلة عن تخصيص مقعدين دائمين للدول الإفريقية يتمتعان بحق النقض، إلى جانب مقعدين إضافيين غير دائمين، إلا أن هذه المطالب لم تلقَ استجابة حتى الآن.
ويؤيد الأفارقة قادتهم بقوة في هذه القضية. فعندما سُئلوا عما إذا كان ينبغي منح الدول الإفريقية نفوذًا أكبر في عملية صنع القرار داخل الهيئات الدولية أجاب 71% بالإيجاب، بما في ذلك أغلبية في جميع البلدان. وفي المقابل، عارض هذا الرأي 11% فقط، بينما اتخذ 19% موقفًا محايدًا أو قالوا إنهم “لم يسمعوا ما يكفي لإبداء رأي”. ويتوحد الأفارقة، بمختلف فئاتهم سواء الرؤوساء أو المواطنين في المطالبة بصوت أكبر في عملية صنع القرار العالمي، بما يؤكد مشروعية حملة القارة وأهميتها من أجل الحصول على عضوية دائمة في مجلس الأمن.
تاسعًا: التغير المناخي في إفريقيا… محدودية المسئولية وتصاعد التداعيات
يُعد التغير المناخي أبرز التحديات العالمية في القرن الحادي والعشرين؛ إذ تتأثر به إفريقيا بصورة غير متناسبة مع إسهامها في أسبابه. فعلى الرغم من أن القارة تسهم بأقل من 3% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة على مستوى العالم، إلا إنها تُعد من أكثر مناطق العالم تضررًا من ارتفاع درجات الحرارة واضطراب أنماط هطول الأمطار وحالات الجفاف والفيضانات.
وفي ضوء ما أصبح عليه المشهد السياسي العالمي للعمل المناخي أكثر تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة. ففي أول يوم له بعد عودته إلى منصبه في يناير 2025، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يقضي بانسحاب الولايات المتحدة، أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم من اتفاق باريس للمناخ للمرة الثانية، كما أوقف مساهمات الولايات المتحدة في تمويل المناخ على المستوى العالمي. وهو ما ترتب عليه مجموعة من التداعيات السلبية على إفريقيا؛ إذ يكلف تغير المناخ البلدان الإفريقية ما بين 2% و5% من ناتجها المحلي الإجمالي، بينما تنفق بعض الحكومات ما يصل إلى 9% من ميزانياتها على الاستجابات الطارئة للكوارث المناخية.

ويوضح الشكل (9) انقسام المواطنين الأفارقة تجاه الجهة التي ينبغي أن تتحمل تكاليف تداعيات التغير المناخي. ففي المتوسط، يشير 37% من المواطنين الأفارقة إلى أن حكوماتهم الوطنية يجب أن تتحمل هذه التكاليف، بينما يحمل 26% الدول الغنية أو المتقدمة المسئولية الأساسية عن تحملها. بالإضافة إلى ذلك، يرى واحد من كل خمسة مواطنين أن المسئولية تقع على عاتق المواطنين العاديين، بينما يحمل 11% قطاع الأعمال والصناعة هذه المسئولية. ومع ذلك، توجد فروق كبيرة بين الدول؛ ففي تونس 64% وسيشل 64% والمغرب 64%، كما يسود الاعتقاد بأن الدول المتقدمة ينبغي أن تتولى زمام المبادرة. وعلى النقيض من ذلك، ينظر المواطنون بالدرجة الأولى إلى حكوماتهم الوطنية باعتبارها المسؤولة في نيجيريا 64% وغينيا 60% وتشاد 57%.
في الختام: إن الصورة الأكثر وضوحًا التي يقدمها التقرير تتمثل في إن إفريقيا لا تبحث عن الانعزال عن النظام العالمي ولا عن الاندماج فيه بشروط الآخرين، بل تسعى إلى إعادة تحديد موقعها داخله بما يحقق مصالحها ويمنحها قدرة أكبر على التأثير والتفاوض. وهو ما يجعل الاستجابة لتطلعات المواطن الإفريقي وتعزيز التكامل القاري وتحويل الوزن الديموجرافي والاقتصادي للقارة إلى نفوذ سياسي شروطًا لا غنى عنها لانتقال إفريقيا من مجرد ساحة للتنافس الدولي إلى فاعل أكثر استقلالًا وتأثيرًا في تشكيل النظام العالمي المتغير.

