مصطفى محمود عنتر
باحث في العلوم السياسية
يشهد قطاع غزة منذ سنوات واحدة من أعنف وأقسى الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق التي أدت إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين، ودمار هائل للبنية التحتية، وانهيار منظومة الخدمات الأساسية؛ ونتيجة لهذا التدهور لم تعد الأزمة مسألة محلية تخص الفلسطينيين، بل تحولت إلى قضية أخلاقية وسياسية تضع القوى الدولية أمام اختبار حقيقي، وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي.
ونتيجة لتطورات الأزمة، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه في موقف بالغ الحساسية؛ إذ يواجه ضغوطًا داخلية وخارجية تدعوه إلى الانتقال من مجرد الإدانة اللفظية إلى تبني إجراءات عملية للضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية، وفي هذا السياق برز مقترح أوروبي في 17 سبتمبر 2025 يقضي بتعليق جزء من الامتيازات التجارية الممنوحة لإسرائيل بموجب اتفاقية الشراكة الثنائية، وذلك في محاولة لممارسة ضغط سياسي عبر الأدوات الاقتصادية.
ويفتح هذا التطور الباب أمام جملة من التساؤلات حول أهمية المقترح، وما إذا كان يمثل تحولًا جذريًا في السياسة الأوروبية تجاه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي؟ أم أنه مجرد خطوة رمزية هدفها امتصاص الضغوط المتزايدة؟
أولًا: السياق العام للأزمة الإنسانية في غزة
تشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى أن أكثر من 70% من سكان القطاع نزحوا داخليًا، فيما انهارت معظم المستشفيات وعجزت عن استقبال الجرحى، كما أدى الحصار الممتد منذ سنوات إلى تفاقم الأزمة؛ حيث أصبح إدخال المواد الأساسية تحديًا وجوديًا. ولعل تطورات الأحداث في غزة أوجدت مجموعة من الانعكاسات من أهمها الانعكاسات الإقليمية؛ حيثلم تقتصر الأزمة الإنسانية في تداعياتها على الفلسطينيين، بل أثارت مخاوف من زعزعة استقرار المنطقة، سواء من خلال موجات لجوء محتملة أو تصعيد إقليمي أوسع. بالإضافة إلى ازدواجية المعايير الغربية؛ حيثتصاعدت الانتقادات في المنطقة العربية والعالم الإسلامي للسياسات الأوروبية التي أظهرت تضامنًا قويًا مع أوكرانيا في مواجهة روسيا، بينما بدت مترددة إزاء الانتهاكات الإسرائيلية في غزة، هذا التناقض جعل الاتحاد الأوروبي عرضة لاتهامات بفقدان المصداقية.
من ناحية أخرى، يتضمن المقترح الذي قدمته المفوضية الأوروبية تجميد بعض الامتيازات التفضيلية التي تتمتع بها إسرائيل في إطار اتفاقية الشراكة الموقعة عام 2000، فالهدف المعلن يتمثل في استخدام الأدوات الاقتصادية للضغط على إسرائيل من أجل الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وتحسين الوضع الميداني في غزة.في حين تم التركيز على قطاعات تجارية محددة، لتجنب الإضرار الكامل بالعلاقات الاقتصادية الثنائية باعتباره مقترح جزئي وقابل للتعديل وفقًا للتطورات السياسية والدبلوماسية.كما أن هذا المقترح لا يعني إلغاء الاتفاقية أو فرض عقوبات شاملة، لكنه يشكل سابقة مهمة؛ إذ يعتبر أول محاولة أوروبية ملموسة لربط الامتيازات الاقتصادية بسلوك إسرائيل السياسي والعسكري.
ثانيًا: أبعاد الموقف الأوروبي
1. البعد القيمي: منذ نشأته، حاول الاتحاد الأوروبي أن يقدم نفسه كقوة ناعمة، ترتكز على مبادئ حقوق الإنسان وسيادة القانون، ومع ذلك، أظهرت أزمات سابقة حدود التزامه بهذه المبادئ، المقترح الأخير يمثل محاولة لإعادة التوازن بين الخطاب القيمي والواقع السياسي.
2. البعد السياسي: يواجه الاتحاد الأوروبي انقسامًا داخليًا، دول مثل إيرلندا وإسبانيا وبلجيكا تميل إلى إجراءات صارمة ضد إسرائيل، ودول أخرى مثل ألمانيا والمجر والتشيك تتحفظ خوفًا من توتر العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهذا الانقسام يحد من قدرة الاتحاد على تبني سياسة موحدة، ويجعل أي مقترح عرضة للتسويات والاختزالات.
3. البعد الاقتصادي: تعد إسرائيل شريكًا تجاريًا مهمًا لأوروبا؛ حيث يبلغ حجم التبادل التجاري عشرات المليارات سنويًا، لذلك فإن أي قيود حتى لو جزئية، قد تحمل تكاليف اقتصادية للطرفين، وهو ما يجعل بعض الحكومات الأوروبية مترددة في دعم إجراءات متقدمة.
4. البعد الدولي: يضع المقترح الاتحاد الأوروبي في موقع حساس في علاقته بالولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي الذي يرفض أي ضغوط اقتصادية على إسرائيل، وفي المقابل قد يمنح الاتحاد الأوروبي قدرًا من الاستقلالية في سياسته الخارجية إذا ما مضى قدمًا في هذا التوجه.
ثالثًا: التقدير والسيناريوهات المحتملة
هناك مجموعة من الاتجاهات الأوروبية المقترحة للتعامل مع تطورات الأوضاع في غزة، وهذه المسارات تتعدد وتختلف في افتراضاتها فيما يتعلق بتحديد مخرجات هذا المقترح وذلك على النحو الآتي:
السيناريو الأول: اعتماد المقترح بصيغة مخففة
يعد هذا السيناريو الأكثر واقعية؛ حيث يتوقع أن يقر الاتحاد الأوروبي المقترح بصيغة رمزية أو جزئية، تتضمن على سبيل المثال تعليق امتيازات محدودة أو تجميد عدد من المشاريع الاقتصادية المشتركة ذات الطابع غير الاستراتيجي، كما يتيح هذا المسار للاتحاد الأوروبي تحقيق توازن مزدوج: فمن جهة يرسل إشارة سياسية واضحة إلى إسرائيل وإلى الرأي العام الدولي بأنه لا يقف موقف المشاهد إزاء التطورات الميدانية، ومن جهة أخرى يتجنب الانزلاق نحو مواجهة مباشرة مع واشنطن أو المساس بجوهر الشراكات الاستراتيجية القائمة مع إسرائيل في مجالات الأمن والطاقة والتكنولوجيا، وبعبارة أخرى يشكل هذا السيناريو مخرجًا توافقيًا يضمن للاتحاد الأوروبي الحفاظ على الأبعاد القيمية دون تحمل انعكاسات سلبية على مستوى المصالح الحيوية.
السيناريو الثاني: اعتماد المقترح بصيغة صارمة
يتمثل هذا السيناريو في تبني الاتحاد الأوروبي المقترح بصيغة أشمل وأكثر صرامة، بحيث يطال قطاعات ومجالات رئيسية مثل التكنولوجيا والزراعة، وربما بعض جوانب التعاون الأمني غير العسكري، وفي حال تحقق هذا الخيار سيكون بمثابة تحول نوعي في الموقف الأوروبي، يعيد رسم حدود العلاقة مع إسرائيل على نحو غير مسبوق، غير أن هذا السيناريو يظل أقل ترجيحًا نظرًا لما قد يثيره من انقسامات حادة داخل الاتحاد؛ إذ يتوقع أن تتحفظ بعض العواصم ذات الارتباط الوثيق بواشنطن أو تلك التي تتبنى مواقف أكثر تعاطفًا مع إسرائيل، إلى جانب ذلك ستتعزز الضغوط الأمريكية المضادة، وهو ما قد يضع الاتحاد أمام اختبار حقيقي لقدرة سياسته الخارجية المشتركة على الاستقلالية والصمود في وجه التحالفات التقليدية.
السيناريو الثالث: التراجع عن المقترح
في هذا السيناريو، قد يختار الاتحاد الأوروبي التراجع عن تفعيل أي تدابير عملية والاكتفاء بإصدار بيانات دبلوماسية ذات طابع إدانة أو تحذير، وذلك تحت وطأة ضغوط اللوبيات المؤيدة لإسرائيل من جهة، والانقسامات الداخلية بين الدول الأعضاء من جهة أخرى، وفي حال تحقق هذا المسار، فإن ذلك سيؤكد مرة أخرى على محدودية قدرة الاتحاد الأوروبي على تبني سياسة خارجية متماسكة إزاء الملفات الشائكة، ويعزز الانطباع بأن البعد القيمي في السياسة الأوروبية يبقى خاضعًا للاعتبارات الواقعية والقيود البنيوية، كما سيعكس هذا السيناريو في جوهره استمرار حالة “العجز البنيوي” التي ترافق الاتحاد الأوروبي منذ عقود في محاولاته الظهور كفاعل دولي مستقل ومتوازن في قضايا الشرق الأوسط.
رابعًا: فرص وتحديات أمام العرب والفلسطينيين
يمكن للمقترح الأوروبي أن يفتح أمام العرب والفلسطينيين مجموعة من الفرص السياسية والدبلوماسية إذا ما تم استثمارها، فمن جهة يمثل تبني الاتحاد الأوروبي ولو بصيغة رمزية؛ حيث تعكس هذه الخطوة إمكانية تحويل الضغط السياسي والدبلوماسي إلى تدابير عملية، وهو ما يعزز قناعة المجتمع الدولي بجدوى التحركات العربية والفلسطينية المنظمة، كما يمكن لهذا التطور أن يشكل رافعة لإعادة إدراج القضية الفلسطينية على جدول الأولويات الدولية بعد أن تراجعت في السنوات الأخيرة لصالح قضايا إقليمية أخرى.
إلى جانب ذلك، يتيح الموقف الأوروبي فرصة لتوسيع قنوات الحوار مع بروكسل ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، بالتركيز على الأبعاد الإنسانية والقانونية للصراع، بما يمنح الجانب الفلسطيني والعربي مساحة أوسع للتأثير في صياغة المواقف الأوروبية المستقبلية، وقد يسهم ذلك أيضًا في فتح الباب أمام مبادرات أوروبية لدعم مسارات الإغاثة والتنمية أو مراقبة الانتهاكات الميدانية، وهو ما يعزز من الحضور العربي والفلسطيني في الساحة الأوروبية.
في المقابل، تواجه الدول العربية والفلسطينيون مجموعة من التحديات التي قد تحد من فاعلية استثمار هذا المقترح، أولها غياب موقف عربي موحد، وهو ما قد ينعكس سلبًا على القدرة على استثمار الموقف الأوروبي وتحويله إلى أدوات ضغط متسقة وفعالة. فالانقسامات العربية القائمة غالبًا ما تسمح لإسرائيل وحلفائها بإضعاف أي جهد جماعي منظم.أما التحدي الثاني فيكمن في هشاشة الموقف الأوروبي ذاته؛ حيث إن احتمالية التراجع عن المقترح أو تخفيفه تحت الضغط الأميركي أو بفعل الانقسامات الداخلية بين الدول الأعضاء تبقى قائمة، وهذا يجعل أي رهان عربي أو فلسطيني على الموقف الأوروبي محفوفًا بالمخاطر، ويستلزم بالتالي مقاربة واقعية تقوم على الاستفادة من أي مكاسب سياسية أو دبلوماسية دون تحويلها إلى رهانات استراتيجية طويلة الأمد.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن المقترح الأوروبي، بمختلف صيغه واحتمالات اعتماده، ينطوي على مجموعة من الدلالات الاستراتيجية التي تتجاوز بعده الإجرائي المباشر، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: يعكس المقترح بداية التحول في أدوات السياسة الخارجية الأوروبية؛ إذ يشير إلى نزوع تدريجي نحو تقليص الاعتماد المفرط على الخطاب القيمي والرمزي القائم على الإدانة اللفظية والتأكيد على القانون الدولي والانتقال نحو التفكير في أدوات اقتصادية أكثر صرامة، يمكن أن يكون لها أثر ملموس على سلوك الأطراف المعنية، هذا التحول حتى لو ظل جزئيًا أو محدودًا يمثل إشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي بات أكثر استعدادًا لاستخدام أدوات القوة الناعمة والاقتصادية في إدارة أزمات الشرق الأوسط.
ثانيًا: تكشف الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة عن كونها اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الاتحاد الأوروبي على المسرح الدولي، ففي ظل الانتقادات المتكررة لضعف قدرته على صياغة سياسة خارجية مستقلة وفعالة، يجد الاتحاد نفسه أمام استحقاق استثنائي: إما أن يبرهن على جديته في استثمار ما يملكه من أدوات سياسية واقتصادية لتخفيف معاناة المدنيين، أو أن يرسخ صورة العجز والانصياع للضغوط الأميركية والإسرائيلية، وهو ما سيؤثر على مكانته كفاعل دولي يفترض أنه يقوم على القيم والشرعية الدولية.
ثالثًا: بالنسبة للعرب والفلسطينيين، يحمل المقترح فرصة نادرة لإعادة توجيه السياسة الأوروبية نحو قدر أكبر من التوازن في مقاربة الصراع، غير أن تفعيل هذه الفرصة يستلزم صياغة رؤية جماعية وواقعية تستند إلى الحد الأدنى من التوافق العربي، وتستثمر البعد الإنساني والقانوني الذي يعد منطلقًا أساسيًا في الخطاب الأوروبي، ومن دون هذا التنسيق قد تضيع هذه اللحظة الاستراتيجية في خضم الانقسامات الداخلية العربية أو في ظل الانكفاء الأوروبي أمام الضغوط الخارجية.
في الختام: يعد مقترح الاتحاد الأوروبي بتعليق جزء من اتفاقية التجارة مع إسرائيل خطوة رمزية من حيث المضمون، إلا أنه يحمل في طياته دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز حدود الإجراء ذاته، فهو يكشف عن إدراك متنامي داخل المؤسسات الأوروبية بأن الاكتفاء بخطاب القيم والتمسك بالشرعية الدولية لم يعد كافيًا في ظل ضغوط الرأي العام الأوروبي، وتصاعد الانتقادات الأممية والدولية لسياسة الصمت أو الاكتفاء بالإدانة اللفظية، كما يعكس محاولة أوروبية لإعادة صياغة أدوات سياستها الخارجية عبر إدخال البعد الاقتصادي كوسيلة ضغط محتملة، وإن كانت بشكل تدريجي ومحدود.
ومع ذلك، فإن قدرة الاتحاد الأوروبي على المضي في هذا المسار تبقى رهينة لاعتبارات بنيوية تتعلق بالانقسامات بين الدول الأعضاء، وكذلك لحسابات التوازن في العلاقة مع الولايات المتحدة، بما يجعل من الصعوبة بمكان تصور تحول جذري وسريع في هذا الإطار، ومن ثم فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو تبني صيغة مخففة من المقترح، تتيح للاتحاد الأوروبي الحفاظ على صورته الأخلاقية أمام مجتمعاته الداخلية والرأي العام العالمي، دون أن يعرض مصالحه الاستراتيجية أو تحالفاته التقليدية لاهتزازات عميقة.
وعليه، فإن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في حدود القرار الأوروبي، بل في مدى قدرة العرب والفلسطينيين على استثمار هذه اللحظة لفتح صفحة جديدة في علاقاتهم مع بروكسل، تقوم على رؤية جماعية وواقعية، وتوازن بين خطاب القيم والمصالح المشتركة، إن نجاح هذا المسعى قد يشكل بداية لتأسيس علاقة أكثر توازنًا وعدالة بين الطرفين، بينما سيؤدي غياب التنسيق العربي إلى تبديد هذه الفرصة النادرة وإعادة إنتاج نمط التبعية السياسية الذي طالما حكم التفاعل العربي الأوروبي.

