د. محمد حسني دره
خبير في الإدارة العامة
تُعدّ الانتخابات البرلمانية إحدى الركائز الجوهرية التي تُحدّد من خلالها طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فهي ليست مجرد عملية إجرائية لإنتاج ممثلين تشريعيين، بل هي آلية سياسية تعكس مدى تطور النظام السياسي وقدرته على إدارة التنافس العام وفق قواعد قانونية وسياسية واضحة ومتوافق عليها، فالانتخابات، في السياقات الديمقراطية الراسخة وغير الراسخة على السواء، تُعتبر معيارًا لقياس مستوى التزام الدولة بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص واحترام الإرادة الحرة للناخبين، فضلًا عن كونها مرآة تُظهر الحالة العامة للمؤسسات السياسية، ومدى قدرتها على تنظيم انتقال السلطة بشكل سلمي ومنضبط يعكس الإرادة الشعبية دون ضغوط أو تدخلات.
برزت في هذا الإطار انتخابات مجلس النواب المصرية لعام 2025 كحدث سياسي بالغ الأهمية، ليس فقط لأنها تمثل استحقاقًا دستوريًا، بل لأنها جاءت في ظل توقعات مجتمعية واسعة بإحداث نقلة نوعية في الأداء البرلماني وضمان تمثيل سياسي أكثر اتساعًا وتنوعًا، إلا أنّ المرحلة الأولى من هذه الانتخابات حملت معها مجموعة من المؤشرات التي أثارت نقاشًا واسعًا بين المتابعين والباحثين وصناع القرار، بعدما ظهرت ملاحظات تتعلق بمدى توافر الضمانات الإجرائية والتنظيمية اللازمة لتحقيق انتخابات تتسم بالنزاهة والعدالة، وقد تمثلت هذه المؤشرات في شكاوى ووقائع متفرقة ارتبطت بإدارة العملية داخل بعض اللجان الانتخابية، وبتوازن المنافسة بين المرشحين، ودور القوى الحزبية في تشكيل المشهد الانتخابي.
قد شكّلت هذه الوقائع محورًا للنقاش العام بعدما سلطت الضوء على وجود تحديات تتعلق بالجانب العملي لتطبيق القواعد القانونية الحاكمة للانتخابات، فبالرغم من وجود إطار تشريعي ينظم العملية بوضوح ورقابة الهيئة الوطنية للانتخابات، إلا أنّ تطبيق هذا الإطار أفرز تساؤلات حول مدى اتساق الممارسة مع القواعد، وهو ما ظهر بصورة جلية في حالات إبطال بعض صناديق الاقتراع، وانسحاب مرشحين ذوي ثقل سياسي، وغياب بعض المندوبين عن اللجان، إضافة إلى الشعور العام لدى قطاعات من المواطنين بأن ثمة اختلالات ينبغي التوقف أمامها لضمان سلامة العملية الانتخابية بأكملها.
وأمام هذا المشهد، كان لافتًا تفاعل مؤسسات الدولة مع ما أثير من تجاوزات وعلى رأسها مؤسسة الرئاسة؛ حيث أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي عن ضرورة مراجعة الطعون المقدمة، والتدقيق في كل واقعة أثّرت على مسار العملية الانتخابية، والتأكيد على استقلال الهيئة الوطنية للانتخابات في ممارسة صلاحياتها، وقد حمل هذا التفاعل دلالة سياسية مهمة مفادها حرص الدولة على الحفاظ على مصداقية العملية الانتخابية، وعدم السماح بأي خلل قد يؤثر على شرعية البرلمان القادم أو ثقة المواطن في أن صوته يحظى بالاحترام. فقد شدّد الرئيس على أهمية استقلال الهيئة الوطنية للانتخابات ودورها في فحص الطعون والوقائع بدقة، مؤكدًا على ضرورة إعلان الإجراءات المتخذة حيال المخالفات التي وصلت إلى الهيئة، ويهدف هذا التوجيه إلى تعزيز الشفافية وضمان إعلان المعلومات الأساسية أمام الرأي العام، بما يساعد على الحد من الجدل والمخاوف المرتبطة بنزاهة العملية الانتخابية.
وقد جاء هذا التوجيه في إطار إدراك متزايد لأهمية معالجة الجوانب التي أثارت الجدل، وتلبية تطلعات المواطنين في أن تكون الانتخابات القادمة أكثر انضباطًا وشفافية، بما يضمن أن تعكس النتائج النهائية الإرادة الشعبية الحقيقية في صورتها الشرعية، ومن هنا تكتسب دراسة هذه الملاحظات وتحليلها أهمية بالغة، سواء لفهم ما جرى خلال المرحلة الأولى من الانتخابات، أو لتقديم رؤية نقدية يمكن أن تُسهم في تطوير الممارسات الانتخابية في مصر مستقبلًا بما ينسجم مع أسس الجمهورية الجديدة.
كما حمل البيان الرئاسي دلالة مهمة تتمثل في إتاحة خيار الإلغاء الكامل أو الجزئي للمرحلة الأولى إذا تعذر التحقق من الإرادة الحقيقية للناخبين، وهو ما يعكس استعدادًا رسميًا لمعالجة الخلل بشكل مؤسسي وقانوني، ويُشير هذا التوجه إلى رغبة في إعادة ضبط مسار العملية الانتخابية وضمان أن تستكمل مراحلها التالية في إطار من النزاهة والموضوعية، بما يسهم في حماية شرعية البرلمان المقبل كما جاء هذا التدخل استجابة للمخاوف المجتمعية التي ظهرت خلال الأيام الأولى للعملية، وهو ما يعزز من قدرة الدولة على امتصاص التوتر وإعادة التأكيد على الالتزام بمبادئ العدالة الانتخابية.
أولًا: الإطار النظري لمعايير العملية الانتخابية
تستند العملية الانتخابية في أي نظام سياسي معاصر إلى مجموعة من المعايير الراسخة التي تمثل القواعد الأساسية لضمان نزاهة الانتخابات وشفافيتها، وتستمد هذه المعايير أهميتها من كونها تمثل الإطار الذي تُقاس من خلاله سلامة العملية الانتخابية وصدق تعبيرها عن الإرادة العامة للناخبين، وقد أكدت الأدبيات السياسية والممارسات الديمقراطية المقارنة أن احترام هذه المعايير ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو شرط جوهري لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فوجود قوانين منظمة لا يكفي ما لم تتجسد هذه القواعد في واقع الممارسة العملية؛ إذ إن جوهر العملية الانتخابية يكمن في مدى التزامها بروح تلك المعايير وليس بنصوصها فقط.
1. مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين: يشكل هذا المبدأ حجر الزاوية لأي منافسة سياسية صحيحة، فتكافؤ الفرص لا يعني فقط السماح لجميع الأفراد بالترشح، بل يشمل أيضًا توفير بيئة سياسية وإعلامية متوازنة تتيح لكل مرشح القدرة على عرض برنامجه والوصول إلى جمهور الناخبين دون تمييز أو قيود غير مبررة، وفي حال اختلال هذا المبدأ، تتأثر العملية برمتها؛ إذ يفقد الناخب إمكانيته الحقيقية في المقارنة بين البدائل المطروحة، كما يفقد المرشحون فرصًا عادلة في تمثيل أنفسهم أمام الرأي العام وعرض برامجهم الانتخابية.
2. مبدأ الشفافية والإفصاح عن الإجراءات: يعد من العناصر المركزية التي تُقاس بها نزاهة أي عملية انتخابية، فالشفافية تستلزم وضوح الإجراءات منذ لحظة فتح باب الترشح وحتى إعلان النتائج النهائية، ويشمل ذلك إتاحة المعلومات كافة للناخبين وللمرشحين ولوسائل الإعلام حول القواعد المنظمة، وحجم المشاركة، وإجراءات التصويت والفرز، وآليات الطعون، بما يضمن أن تكون العملية خاضعة للمراقبة، كما أن غياب الشفافية يُسهم في خلق بيئة حاضنة للشائعات والشكوك حول مجريات هذه العملية، وهو ما ينعكس سلبًا على الثقة العامة في النتائج.
3. استقلال الهيئات المنظمة للانتخابات: يمثل أحد أبرز مرتكزات الشرعية الانتخابية؛ إذ يفترض أن تعمل هذه الهيئات بصورة محايدة وبعيدة عن أي ضغوط سياسية أو مؤسسية، فالاستقلال المؤسسي والإجرائي هو الضامن الأول لنزاهة العملية الانتخابية، وهو ما يتطلب صلاحيات واسعة للهيئة، وقدرة فعلية على إدارتها دون تدخل من أي جهة.
4. ضمان الرقابة الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني: يُعد جزءً لا يتجزأ من الرقابة الشاملة على العملية الانتخابية، فالرقابة الداخلية التي تقوم بها الأحزاب، إضافة إلى الرقابة المجتمعية التي تمارسها منظمات المجتمع المدني، تشكل آلية مهمة للتحقق من التزام اللجان المختلفة بمعايير النزاهة، كما أن وجود المراقبين في اللجان الفرعية واللجان العامة يعزز من الشفافية ويوفر توثيقًا مباشرًا لأي خلل محتمل، وتعتبر هذه الرقابة عنصرًا جوهريًا داعم للرقابة الرسمية التي تُمارسها أجهزة الدولة، ويُسهم في إضفاء قدر أكبر من المصداقية على النتائج.
5. نزاهة مراحل التصويت والفرز وإعلان النتائج: تمثل الاختبار العملي الذي يوضح مدى التزام مراحل العملية الانتخابية بمعاييرها المعلنة، فالانتخابات لا تُقاس فقط بسلامة يوم الاقتراع، بل بمدى التزام اللجان بالفرز الدقيق للبطاقات، وضمان توثيق النتائج، وإتاحتها للمرشحين ومندوبيهم، وإعلانها بطريقة واضحة وقابلة للتحقق، وفي حال حدوث أي خلل في هذه المراحل، فإن ذلك ينتقص مباشرة من مصداقية العملية الانتخابية مهما كانت الإجراءات السابقة منظمة أو محكمة.
وعليه، فإن تقييم أي انتخابات يجب ألا يقتصر على النظر في النصوص القانونية التي تنظّمها، بل يتطلب كذلك فحصًا دقيقًا لمدى تحقق هذه المعايير على أرض الواقع، فالانتخابات التي تستوفي الأطر القانونية دون أن تترجم هذه القواعد إلى واقع عملي لا يمكن اعتبارها تجسيدًا حقيقيًا للإرادة الشعبية، ومن هنا تأتي أهمية التحليل العلمي للالتزام بهذه المعايير باعتباره خطوة ضرورية لفهم مدى سلامة العملية الانتخابية وفاعليتها.
ثانيًا: ملامح الانتخابات البرلمانية 2025
شهدت الانتخابات البرلمانية في جولتها الأولى مجموعة من السمات التي ساهمت في إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسي عن رغبته في إعادة النزر في هذه الإجراءات، وقد جاءت هذه الدعوة كمؤشر على اتجاهات الرئاسة المصرية بضرورة سير العملية الانتخابية في مختلف مراحلها وفق معايير النزاهة والشفافية نظرًا لتصاعد الشكاوى من بعض الممارسات التي مثلت تجاوزات وخروقات للعملية الانتخابية وفتح التحقيق حولها، ولعل هذا التوجه عزز من ثقة الناخبين في مجريات العملية الانتخابية، فهذه الدعوة الصريحة والمباشرة من مؤسسة الرئاسة جاءت لمعالجة بعض الاختلالات التي شابت العملية الانتخابية، وبالتالي فإن هذه السمات تمثل جوهر الجمهورية الجديدة التي يسعى الرئيس لبنائها، كما أن الاستجابة الواسعة التي أبدتها الأحزاب بمختلف توجهاتها عكست الزخم الكبير لضرورة العمل على إيجاد مناخ داعم للإرادة الشعبية، ومن المتوقع أن تساهم هذه الإجراءات في تعزيز نسب المشاركة في العملية الانتخابية وثقة الناخبين في نتائجها التي ستعكس نتائجها الإرادة الشعبية للناخبين.
إن دعوة الرئيس تتماشي مع التوجهات الشعبية المطالبة بتحقيق أكثر معايير الالتزام بالشفافية في التعامل مع هذا الاستحقاق التشريعي المهم، خاصة أن المجلس لديه دور كبير في معالجة القضايا الداخلة وتزداد أهميته في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها مصر والإقليم، ومن المتوقع أن تفرز هذه الدعوة مناخ أكثر استقرارًا في التعامل مع هذا الملف، كما أنه سيمنح التيارات والقوى السياسية المؤيدة والمعارضة فرصة كبيرة لاستغلال هذا المناخ للاستحواذ على ثقة المواطن. وفيما يلي أبرز الملامح التي شكلت المناخ المحيط بالانتخابات:
1. استبعاد الكفاءات وتراجع مبدأ تكافؤ
شهدت انتخابات مجلس النواب المصرية لعام 2025 بروز ظاهرة لافتة تمثلت في غياب عدد من الشخصيات ذات الخبرة السياسية والمهنية عن المشهد الانتخابي، سواء من خلال عدم إدراجهم ضمن القوائم الانتخابية أو عدم خوضهم المنافسة الفردية، أو من خلال بروز بدائل انتخابية لا تمتلك ذات الخبرة أو القدرة التنظيمية، وقد أثار هذا التحول تساؤلات في الأوساط السياسية والأكاديمية حول الأسس والمعايير التي تم الاعتماد عليها في تشكيل القوائم وتوزيع فرص الترشح، خاصة في ظل تاريخ انتخابي يشهد عادة حضورًا أوسع لهذه الشخصيات.
وتشير التحليلات إلى أن استبعاد الكفاءات السياسية لا يؤثر فقط على خريطة المنافسة داخل الدوائر الانتخابية، بل ينعكس كذلك على مستوى التنافسية العامة، فحين يغيب المرشحون ذوو الخبرة أو الحضور المجتمعي والبرلماني، تتراجع القدرة على خلق منافسة سياسية متكافئة، ويصبح المجال الانتخابي أقل تعددية، وهو ما يؤدي بطبيعته إلى تقليص الفرص التي يملكها الناخب في المفاضلة بين بدائل متباينة من حيث الخبرة والقدرة على تمثيل المصالح العامة، وفي هذه الحالات، تميل العملية الانتخابية إلى فقدان أحد عناصرها الجوهرية وهو “التنوّع السياسي” الذي يُعدّ الضامن الأهم لتقديم خيارات حقيقية للناخبين.
كما أن غياب الكفاءات عن القوائم، سواء بسبب اعتبارات سياسية أو تنظيمية أو ترتيبات تتعلق بطبيعة التحالفات، من شأنه أن يُضعف مستوى الثقة المجتمعية في العملية الانتخابية؛ إذ يربط كثير من الناخبين بين وجود شخصيات مألوفة ومشهود لها بالكفاءة والشفافية وبين مصداقية الانتخابات نفسها، الأمر الذي يجعل خروج مثل هذه الشخصيات من المشهد سببًا محتملًا لإيجاد انطباعات عامة حول عدم وضوح المعايير المستخدمة في اختيار المرشحين، ولا يرتبط ذلك بتقييم أشخاص بعينهم بقدر ما يرتبط بتصوّر عام حول طريقة إدارة المشهد الانتخابي ومدى استنادها إلى أسس موضوعية ومعلنة.
ومن زاوية مؤسسية، فإن استبعاد أصحاب الخبرة قد يترتب عليه تأثيرات مستقبلية على طبيعة الأداء التشريعي والرقابي داخل مجلس النواب، نظرًا لأن وجود عناصر خبيرة يسهم عادة في تعزيز جودة العمل البرلماني، سواء في صياغة القوانين أو في مراقبة السياسات العامة، وعلى العكس من ذلك، فإن تراجع مستوى الكفاءة التمثيلية قد يؤثر سلبًا على فعالية السلطة التشريعية، ويقلل من قدرتها على صياغة سياسات أكثر توازنًا أو ممارسة رقابة فعّالة على السلطة التنفيذية، وهو ما يجعل مسألة اختيار المرشحين قضية تتجاوز الانتخابات نفسها لتطال بنية النظام السياسي وقدرته على تطوير أدواته المؤسسية.
ومن المهم الإشارة، في سياق هذا التحليل، إلى أن تفسير هذه الظاهرة يتراوح بين عدة فرضيات؛ بعضها يتعلق بطبيعة التحالفات الانتخابية التي تُبنى عادة وفق حسابات سياسية معقّدة، وبعضها يرتبط باعتبارات تنظيمية داخل الأحزاب أو بمتطلبات المرحلة السياسية القائمة، وبالتالي لا يمكن الجزم بوجود دوافع محددة دون بيانات رسمية، غير أن المؤشرات التي ظهرت خلال الانتخابات تعكس وجود ضرورة واضحة إلى مراجعة آليات اختيار المرشحين لضمان توافقها مع المعايير الديمقراطية المتعارف عليها.
وبالتالي، يُمكن القول إن مسألة استبعاد الكفاءات الوطنية، سواء كان نتيجة خيارات تنظيمية أم سياقات سياسية، تمثل تحديًا مهمًا لمبدأ تكافؤ الفرص داخل العملية الانتخابية، ولجودة التمثيل السياسي الذي يشكل جوهر العملية الديمقراطية، كما تؤكد هذه الظاهرة أهمية تعزيز الشفافية في تشكيل القوائم، وضمان وجود معايير موضوعية معلنة تتيح للمواطنين فهم آليات اختيار ممثليهم داخل البرلمان بما يعزز الثقة العامة في العملية السياسية ككل.
2. ضعف الأحزاب وتضييق مساحة العمل الحزبي
تشير المعطيات المرتبطة بانتخابات مجلس النواب المصرية لعام 2025 إلى وجود تحولات في خريطة المشاركة الحزبية؛ إذ أظهرت القوائم الانتخابية نمطًا من الاقتصار على عدد محدد من الأحزاب ضمن التحالفات السياسية الرئيسية، مقابل غياب أو تراجع تمثيل أحزاب أخرى لها سجل سياسي أو نشاط تنظيمي ملحوظ، وقد أدى هذا الوضع إلى بروز تساؤلات حول آليات اختيار الأحزاب المشاركة في التحالفات الانتخابية، والمعايير التي بُني عليها هذا الاختيار، خاصة في ظل البيئة القانونية التي تتيح تعددية حزبية واسعة نسبيًا.
ومن ثم، فإن تقليص مساحة المشاركة لبعض الأحزاب انعكس بشكل واضح على التوازن الحزبي داخل العملية الانتخابية؛ إذ بدا المشهد السياسي أقل تنوعًا مما كان متوقعًا، وهو ما أثّر بصورة مباشرة في مستوى التنافس داخل القوائم وفي قدرة الناخب على رؤية تمثيل حقيقي لمختلف التيارات، كما أنّ هذا التضييق النسبي لم يؤثر فقط على الأحزاب المستبعدة، بل امتد ليشمل أداء العملية الانتخابية ككل؛ حيث عمل على تراجع التعددية السياسية التي تُعدّ أحد الشروط الأساسية لضمان برلمان قادر على تمثيل مختلف شرائح المجتمع بصورة عادلة ومتوازنة.
ومن زاوية أكثر اتساعًا، فإن هذا النمط من المشاركة الحزبية المحدودة أسهم في إرباك المشهد السياسي من حيث وضوح الأدوار وفاعلية الأحزاب في التعبئة السياسية، وهو ما قد ينعكس على مستويات المشاركة الشعبية، خاصة لدى فئات ترى أن غياب بعض الأحزاب أو تراجع حضورها الانتخابي يقلّص الخيارات المتاحة أمامها، ويكشف هذا الوضع عن وجود إشكالات هيكلية داخل النظام الحزبي المصري، سواء على مستوى القدرة التنظيمية للأحزاب أو على مستوى البيئة السياسية التي تتحرك فيها، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى إعادة النظر في أسس تشكيل التحالفات الانتخابية وتعزيز المعايير التي تضمن مشاركة أوسع وأكثر تنوعًا.
3. الخروقات الإجرائية وغياب الشفافية في عدد من لجان المرحلة الأولى
برزت خلال المرحلة الأولى من الانتخابات مجموعة من الوقائع التي وثّقتها وسائل الإعلام ومتابعون للعملية الانتخابية، والتي أشارت إلى وجود خروقات ذات طبيعة إجرائية وتنظيمية أثارت اهتمامًا واسعًا، فقد جرى إبطال عدد من صناديق الاقتراع في بعض اللجان بعد الكشف عن مخالفات واضحة تم توثيقها بالصوت والصورة، وهو تطور يعكس وجود خلل في إدارة عناصر أساسية من يوم الاقتراع، كما شهدت بعض الدوائر انسحاب مرشحين يتمتعون بحضور سياسي قبل ساعات من بدء التصويت، في مؤشر على وجود اعتراضات تتعلق بمدى تكافؤ المنافسة أو سلامة الإجراءات.
ومن بين العناصر التي لفتت الانتباه كذلك غياب مندوبي أحزاب ومنظمات رقابية عن عدد من اللجان، وهو أمر يؤثر بشكل مباشر على مستوى الشفافية، نظرًا لأن وجود هؤلاء المندوبين يمثل أحد أهم الضمانات العملية لمراقبة سير الانتخابات بشكل لحظي، وقد أسهم هذا الغياب في زيادة الشعور بوجود فجوات تنظيمية.
وتشير هذه الوقائع مجتمعة إلى وجود فجوات مؤسسية في إدارة العملية الانتخابية، سواء على مستوى الإشراف المباشر داخل اللجان أو على مستوى آليات الرقابة والمتابعة، ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خلل بنيوي شامل، إلا أنه يكشف عن حاجة ملحة إلى مراجعة آليات الإدارة الميدانية للانتخابات، وتعزيز قدرات اللجان، وضمان تطبيق القواعد المنظمة بشكل ينسجم مع المعايير الدولية ذات الصلة.
4. غياب المراقبة الحزبية والمدنية على شرعية العملية الانتخابية
يُعدّ وجود المراقبين من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني داخل اللجان الانتخابية أحد أهم الركائز التي تعتمد عليها الانتخابات في تعزيز الشفافية وبناء الثقة، وفي هذا السياق مثّل غياب المندوبين عن عدد من اللجان خلال المرحلة الأولى من انتخابات 2025 تحديًا واضحًا لسلامة العملية؛ إذ أدى إلى تقليص القدرة على التحقق من سلامة إجراءات الفرز والتصويت بشكل مباشر، فالرقابة الحزبية والمدنية توفر عادة قنوات موازية للمراقبة الرسمية، تسهم في توثيق النتائج وتدعيم الثقة بها.
كما إن فقدان هذه الآليات الرقابية لا ينعكس فقط على لحظة الفرز، بل يؤثر أيضًا على ضمانات التوثيق الفوري لمحاضر اللجان، والتي تُعدّ من أهم الأدوات التي يستند إليها المرشحون في تقييم نتائج دوائرهم، ومع غياب هذه المستويات من الرقابة، قد تتزايد الشكوك لدى المرشحين والأحزاب بشأن دقة النتائج، الأمر الذي يُضعف القبول العام بنتائج العملية الانتخابية، ويؤثر في تفسيرها السياسي داخل المجتمع.
وعليه، فإن غياب الرقابة الحزبية والمدنية يظل مؤشرًا مهمًا على مدى شفافية العملية الانتخابية، ويستدعي إعادة النظر في آليات اعتماد المراقبين، وتنظيم دخولهم للجان، وضمان وجودهم الفعّال خلال مختلف مراحل العملية.
في الختام: تكشف الوقائع المرتبطة بانتخابات مجلس النواب المصرية لعام 2025 عن وجود فجوة بين الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية وبين التطبيق العملي، خاصة في ظل بروز تحديات تتعلق باستبعاد بعض الكفاءات السياسية، وتراجع التمثيل الحزبي المتنوع، وظهور خروقات إجرائية، وغياب المراقبة الحزبية ومن جانب مؤسسات المجتمع المدني في بعض اللجان، وتُظهر هذه التحديات الحاجة إلى تطوير آليات إدارة العملية الانتخابية وتعزيز الضمانات المؤسسية التي تكفل نزاهتها.
وقد جاء تدخل رئيس الجمهورية ليؤكد على مركزية سيادة القانون وأهمية ضمان احترام الإرادة الحقيقية للناخبين، بما يشير إلى التزام رئاسي بمعالجة الاختلالات التي وقعت، ويظل نجاح المرحلة المقبلة مرهونًا بمدى قدرة المؤسسات المعنية على تنفيذ إصلاحات انتخابية شاملة تُعيد الثقة العامة في العملية وتعزز من جودة التمثيل السياسي، بما يتسق مع تطلعات دولة تسعى لبناء نموذج مؤسسي حديث ومتوازن على أسس الجمهورية الجديدة.

