محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الإيرانية
تشكل العلاقات الإيرانية الإريترية أحد القضايا الاستراتيجية بالغة الأهمية في التأثير على مجريات وتطورات الجغرافيا السياسية في منطقة القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر؛ فإريتريا الدولة الصغيرة المطلة على البحر الأحمر، تتمتع بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية؛ إذ تتحكم في المدخل الجنوبي لهذا للممر الحيوي عبر مضيق باب المندب الذي يُعد أحد أكثر الممرات المائية تأثيرًا على حركة التجارة العالمية وخطوط الإمداد البحرية وناقلات الطاقة. وهذه الأهمية جعلت من أسمرة نقطة ارتكاز استراتيجية لأي قوة كبرى أو إقليمية تسعى لتعزيز نفوذها في منطقة القرن الإفريقي أو التأثير في التوازنات البحرية الدولية داخل هذه المنطقة.
وبالنسبة لإيران، فقد أدركت منذ مطلع الألفية أن التمدد في هذه المنطقة لا يمثل مجرد خيار تكتيكي، بل ضرورة استراتيجية تفرضها حسابات ومتطلبات الحفاظ على أمنها القومي وبما يعزز من تأثير سياساتها الخارجية تجاه هذه المنطقة، خاصة في ظل اشتداد التنافس الإقليمي على سواحل البحر الأحمر، لذلك اتجهت طهران إلى توطيد حضورها في أسمرة عبر قنوات متعددة شملت التعاون الاقتصادي والاستثمارات المحدودة، والعلاقات الدبلوماسية، فضلًا عن شراكات أمنية وعسكرية ذات طابع استراتيجي تضمنت تدريبات عسكرية، وإمدادات تسليحية، وتنسيقًا استخباراتيًا في ملفات مرتبطة بالصراعات الإقليمية، وهو ما أتاح لها هامشًا إضافيًا للمناورة في مواجهة خصومها، وفي الوقت نفسه وضعها في قلب دائرة المنافسة المحتدمة بين القوى الإقليمية والدولية الباحثة عن موطئ قدم في الباب الجنوبي للبحر الأحمر.
وفيما يتعلق بإريتريا فلم يكن التقارب مع إيران خيارًا عابرًا، بل ارتبط بضرورات أمنية واقعية فرضتها بيئتها الإقليمية، فالدولة التي عانت من نزاعات حدودية مع جيبوتي وإثيوبيا واجهت تحديات في مراقبة سواحلها الممتدة على البحر الأحمر بطول 1,151 كم2، ومن هنا رأت في الخبرات الإيرانية فرصة لتعزيز أمنها البحري، خصوصًا في ظل تصاعد أنشطة التهريب والقرصنة، وقد جاء التقارب مع إيران في أحد جوانبه يرتكز على برامج تدريب قوات خفر السواحل الإريترية لتنفيذ مهام وتكتيكات الاعتراض البحري.
أولًا: الجذور التاريخية للعلاقات الإيرانية – الإريترية
تتمتع أفريقيا بأهمية كبيرة في استراتيجية إيران الخارجية والتي حاولت تأسيس وتوطيد علاقاتها مع العديد من الدول الأفريقية خاصة تلك التي تتمتع بأهمية جيوستراتيجية حتى تتمكن من تعزيز نفوذها في أمن الممرات البحرية والتحكم في حركة التجارة العالمية، وفي ضوء ذلك شهدت العلاقات الإيرانية – الإريترية اتجاهات مختلفة في مستويات تطورها وذلك منذ استقلال إريتريا.
1. مرحلة التأسيس وبداية التواصل
منذ إعلان استقلالها في عام 1993، عقب حرب استنزاف طويلة مع إثيوبيا تبنت إريتريا نهجًا دبلوماسيًا حذرًا يقوم على مبدأ “تنويع التحالفات” لتفادي العزلة الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق بدأت طهران تلتقط إشارات الانفتاح الإريتري، فبادرت إلى إقامة اتصالات دبلوماسية أولية مع أسمرة منتصف التسعينيات لشكيل قاعدة أولية لبناء الثقة وتوسيع مجالات التعاون. وقد بدأ التفاعل السياسي بين الجانبين ولعل أهمها زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في مايو 2008 لطهران، والتي أفرزت مجموعة من النتائج المهمة على مختلف الأصعدة.
2. مرحلة التوسع في التعاون الثنائي
بمرور الوقت، تطورت العلاقات تدريجيًا وتُوجت بتوقيع مذكرات تفاهم شملت مجالات حيوية متعددة، ومن أهمها التعدين تقديم إيران عروضًا لإنشاء محطات كهرباء تعمل بالوقود الإيراني، بهدف دعم شبكة الطاقة المحلية في إريتريا وتقليل اعتمادها على مصادر خارجية، وهو ما ظهر من خلال الاتفاقية التي توقيعها في عام 2008 لمنح إيران سلطة الإشراف على تطوير شركة تكرير النفط الإريترية، بالإضافة إلى ذلك فُتحت الجامعات الإيرانية أبوابها أمام الطلاب الإريتريين، بمنح دراسية في مجالات استراتيجية مثل الهندسة والعلوم البحرية، وهو ما عكس اهتمامًا خاصًا بارتباط التخصصات بالأمن البحري للبحر الأحمر. كما أرسلت طهران بعثات طبية متخصصة للمناطق الساحلية النائية، وقدّمت خدمات علاجية إلى جانب برامج تدريبية للكوادر المحلية. كما اتسع نطاق التعاون ليشمل جوانب إنسانية وعلمية، بما يضيف بعدًا ناعمًا إلى الحضور الإيراني.
3. مرحلة التمركز الجيوسياسي
مع تزايد التوترات الإقليمية واحتدام المنافسة في البحر الأحمر، تحولت إريتريا إلى “نقطة ارتكاز بحرية” في الاستراتيجية الإيرانية، خاصة أن موقعها الجغرافي على الضفة الغربية للبحر الأحمر، في مواجهة اليمن وبالقرب من مضيق باب المندب، يمكن أن يمنح طهران منصة استراتيجية لتعزيز وجودها البحري، وربط نفوذها في أسمرة بتطورات إقليمية كبرى، أبرزها المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك إدارة الصراع في اليمن عبر دعم الحوثيين، كما برزت بعض الاتجاهات التي تشير إلى تصاعد الروابط بين الحوثيين ومجموعات أخرى من التنظيمات المتطرفة في منطقة القرن الإفريقي ومن بينها إريتريا والتي تستند بالأساس على محددات حاكمة جديدة تتميز بكونها مصالحية أكثر من كونها روابط عقائدية.
من ناحية أخرى، اتضح أن الوجود الإيراني في إريتريا لم يكن هامشيًا بل جزءً أصيلًا من استراتيجية طهران البحرية الأوسع؛ حيث سعت إلى توسيع نطاق نفوذها البحري الممتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، بما يمنحها قدرة مناورة في مواجهة أي حصار أو إغلاق محتمل لمضائق الخليج.
بالإضافة إلى ذلك، تصاعد الاهتمام الإيراني بربط حضورها في القرن الإفريقي بعمقها الإقليمي في الخليج واليمن في إطار استراتيجية “الهلال البحري” الممتد على طول الخطوط المائية الحساسة، ومن ثم لم تعد أسمرة مجرد شريك دبلوماسي أو اقتصادي، بل تحولت إلى ورقة جيوسياسية تعزز من قدرة إيران على التكيف مع الضغوط الإقليمية والدولية، وتمنحها خيارات إضافية في إدارة الصراع مع خصومها.
ويستنتج مما سبق بأن تأسيس العلاقات بين إيران وإريتريا على كافة الأصعدة بدأت مع وصول الرئيس السابق أحمدي نجاد إلى سدُة الحكم في إيران، مستغلًا توتر العلاقات بين إريتريا والدول الغربية التي دعمت إثيوبيا بشأن مسألة ترسيم الحدود بينهما، ومن ثمّ اتجهت السياسة الخارجية لإريتريا تجاه طهران التي وطدت علاقاتها معها، وعلى الجانب الآخر رحبت إريتريا بهذا الوجود الإيراني.
ثانيًا: موقع إريتريا في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية
تأثرت السياسة الخارجية الإيرانية تجاه إريتريا بمجموعة من العوامل ضمن أهدافها الخاصة بتجنب فرض حصار خارجي عليها في محيطها الإقليمي، إضافة إلى رغبتها في إرسال إشارات لبعض خصومها في المنطقة من خلال تواجد قطع أسطولها البحري في بحر العرب وخليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وبالتالي لم يكن الحضور الإيراني في إريتريا مجرد انفتاح دبلوماسي عابر، بل جزءً من تصور استراتيجي شامل يهدف إلى تعزيز النفوذ الإيراني في البحر الأحمر وتأمين خطوط إمداد بديلة عن الخليج العربي. ومن خلال متابعة التقارير الدولية والوقائع الميدانية، ويمكن تحديد مجموعة من المؤشرات والأحداث التي تعكس مكانة أسمرة في الحسابات الإيرانية:
1. المؤشر البحري: باب المندب كعمق استراتيجي لإيران
وفق تقرير مجلس الأمن رقم (S/2011/433)، أشارت لجنة الخبراء إلى أن إيران استخدمت الموانئ الإريترية كقواعد خلفية لتمرير إمدادات عسكرية إلى الحوثيين في اليمن خاصة أن المسافة البحرية القصيرة بين ميناء عصب الإريتري والساحل الغربي لليمن (أقل من 350 كم) وهو ما جعل من إريتريا نقطة مثالية لإيران لتأمين خط إمداد بحري بعيدًا عن الرقابة المباشرة في منطقة الخليج، وهو ما ساهم في تضاعف نشاط البحرية الإيرانية في البحر الأحمر منذ 2008؛ حيث تم رصد أكثر من 20 مهمة بحرية سنويًا وفقًا لتقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS.
2. المؤشر العسكري: التدريب والدعم اللوجستي
أشار تقرير مجموعة الأزمات الدولية لعام 2016 إلى أن إيران أقامت معسكرات تدريب مشتركة على الأراضي الإريترية، مستفيدة من حاجة أسمرة لدعم عسكري في ظل العقوبات الغربية؛ حيث تم تسجيل حالات شحنات أسلحة إيرانية عبر الموانئ الإريترية باتجاه السودان والصومال كما وثقته تقارير الأمم المتحدة 2009–2012. وبذلك ظهرت اتهامات تفيد بارتفاع وتيرة ضبط الأسلحة الإيرانية المهربة عبر البحر الأحمر بنسبة 30% بين 2012 – 2015 وفق تقارير البحرية الأمريكية.
وضمن السياق ذاته، كشفت تقارير استخباراتية وأممية – مثل تقرير مجموعة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن لعام 2024، وتقارير Carnegie Endowment وInstitute for Security Studies (ISS) – عن وجود إشارات متزايدة لتقارب عملياتي بين الحوثيين وفواعل مسلحة في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث تأتي هذه التطورات في ضوء مشهد عام يرتبط بالتحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر التي تنشط بها مجموعة من الفواعل المسلحة من غير الدول.
3. المؤشر الاقتصادي والإنساني: أداة النفوذ الناعم
ظهرت عروض إيرانية لإنشاء محطات كهرباء عاملة بالوقود الإيراني في أسمرة عام 2009، بحسب تقارير Middle East Economic Digest، كما تم تسهيل تقديم منح دراسية لعشرات الطلاب الإريتريين في تخصصات مرتبطة مباشرة بالبحرية والهندسة، وبعثات طبية إيرانية منتظمة إلى المناطق الساحلية، وهو ما وثقته وكالة فارس الإيرانية عام 2013، لتسويق صورة طهران كـ “شريك إنساني”. وقد انعكست نتائج ذلك في زيادة عدد الطلاب الإريتريين في الجامعات الإيرانية بنسبة 40% خلال العقد الأول من الألفية.
4. المؤشر الإقليمي: ورقة ضغط في الصراع مع الخصوم
اتجهت إيران إلى التدخل في إريتريا في سعيها للحصول على نقطة ارتكاز للضغط على الدول الخليجية ومواجهة العمليات العسكرية ضد الحوثيين في حرب اليمن، كما برزت اتجاهات في الصحف الإسرائيلية تحدثت عن مخاوف من استخدام إيران للموانئ الإريترية كقواعد مراقبة إلكترونية ضد الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر خاصة في ظل ارتفاع وتيرة المناورات البحرية الإيرانية في البحر الأحمر بنسبة 50% خلال الفترة 2012–2020 مقارنة بالعقد السابق.
5. الساحل الإريتري: موقع استراتيجي لموازاة النفوذ
تملك إريتريا ساحلًا يمتد على طول 1,151 كيلومترًا على الضفة الغربية للبحر الأحمر، وهو امتداد يمنحها قدرة استثنائية على التأثير في أمن الملاحة البحرية، وتكمن أهمية هذا الساحل في قربه المباشر من اليمن؛ حيث تسيطر جماعة الحوثي المدعومة من إيران على أجزاء واسعة من الساحل الغربي، وهو ما يجعل الموانئ الإريترية، وعلى رأسها ميناء عصب نقاط ارتكاز حيوية لتأمين الإمدادات أو مراقبة خطوط التجارة البحرية، وقد أشار تقرير الأمم المتحدة (S/2020/326) إلى أن هذه الموانئ يتم استخدامها كمراكز لوجستية سرية لدعم عمليات بحرية إيرانية غير مباشرة. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية خلال الفترة 2015–2017 نشاطًا غير اعتيادي في ميناء عصب، تزامن مع اتهامات أمريكية لطهران بتهريب شحنات أسلحة إلى الحوثيين، وهو ما يعكس حساسية هذا الساحل في إدارة الصراعات الإقليمية.
وضمن السياق ذاته، تعمقت العلاقات الأمنية والعسكرية بين الجانبين منذ عام 2024، كما تعززت المؤشرات على اتساع الحضور العسكري الإيراني في إريتريا؛ حيث رصد تقرير Lloyd’s List Intelligence (2024) ارتفاع عدد زيارات القطع البحرية الإيرانية إلى ميناء عصب بنسبة 40% مقارنة بالسنوات السابقة، كما أُجريت تدريبات مشتركة ركزت على مواجهة الهجمات غير المتناظرة في البحر الأحمر، بالتوازي مع تصاعد التوترات الناتجة عن استهداف الحوثيين للسفن الدولية. ولعل هذا التطور وضع العلاقة بين طهران وأسمرة في قلب شبكة النفوذ الإيراني الممتدة من مضيق هرمز حتى باب المندب وعزز من قدرتها على التأثير في معادلة الأمن البحري داخل هذه المنطقة.
6. إيران واستراتيجية الضغط البحري
ترى إيران في البحر الأحمر مسرحًا مثاليًا لتطبيق ما يُعرف بـ”استراتيجية الضغط البحري”، وهي سياسة تستند إلى توظيف القوة البحرية – أو مجرد التهديد باستخدامها – كأداة ضغط سياسي واقتصادي ضد الخصوم، ومع اندلاع الحرب اليمنية في عام 2015، اكتسبت إريتريا أهمية متزايدة في هذه الاستراتيجية، نظرًا لقربها الجغرافي من مناطق سيطرة الحوثيين، ومن خلال تعزيز حضورها غير المباشر عبر الموانئ الإريترية تمكنت طهران من إيجاد بدائل لخطوط الإمداد في حال تعرض الخليج العربي لأي حصار أو إغلاق، وقد أشار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن معدل انتشار السفن الإيرانية في البحر الأحمر ارتفع بنسبة 40% بعد عام 2015 مقارنة بما قبله، وهو ما يؤشر على أن البحر الأحمر لم يعد ساحة ثانوية بل أصبح ركيزة أساسية في الحسابات البحرية الإيرانية في مواجهة العوامل المهددة لمصالحها.
7. إيران واستراتيجية التغلغل عبر “مكافحة القرصنة”
استخدمت طهران شعار “مكافحة القرصنة” كغطاء لتعزيز نفوذها في خليج عدن والبحر الأحمر، ورغم الطابع الإنساني لهذه المهمة، إلا أن الهدف الأعمق كان تثبيت موطئ قدم دائم في هذه المنطقة الاستراتيجية، وقد أشار تقرير مجموعة الأزمات الدولية International Crisis Group (2021) إلى أن إيران زودت أسمرة بزوارق سريعة وأجهزة مراقبة ساحلية، إضافة إلى إنشاء ورش صيانة بحرية بإشراف فنيين إيرانيين، وهو ما وفر لها قدرة لوجستية لدعم عملياتها الإقليمية، كما يعكس هذا الاتجاه أحد أنماط استراتيجية “الضغط البحري” التي طورتها طهران كأداة موازية لسياسة “الضغط القصوى” الأمريكية.
في الختام: تكشف مسيرة تطور العلاقات الإيرانية – الإريترية عن نموذج معقد للتفاعل بين دولة تبحث عن مساحة للحركة وسط إقليم متقلب، وقوة إقليمية تسعى لتوسيع رقعة نفوذها في أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، ومن استخدام الدبلوماسية الناعمة إلى التعاون العسكري واللوجستي والحسابات الجيوسياسية في البحر الأحمر، ظل الخيط الناظم للعلاقة بين إيران وإريتريا يستند على المصالح الاستراتيجية المتبادلة، وإن اختلفت أولويات الطرفين مع مرور الزمن. ومع تصاعد الصراع على أمن الممرات البحرية وتعدد القوى المتنافسة في القرن الإفريقي، ستبقى إريتريا بالنسبة لإيران أكثر من مجرد شريك عابر، بل منصة متقدمة في معادلة النفوذ البحري، وورقة تفاوضية في صراع مفتوح على التحكم في طرق التجارة العالمية؛ حيث تلتقي طموحاتها في منطقة الشرق الأوسط مع رهانات القرن الإفريقي.

