آيه عصام السداوي
باحثة في العلوم السياسية

شهدت ليبيا في شهر مايو من عام 2025 اشتباكات مسلحة بين الميليشيات في العاصمة طرابلس وضواحيها عقب مقتل عبد الغني الككلي رئيس ما يسمى بجهاز دعم الاستقرار التابع للمجلس الرئاسي، وقد شهدت الاشتباكات مستوى كبير من العنف باستخدام مختلف أنواع الأسلحة والتي أدت إلى مقتل عدد كبير من المواطنين الليبيين، وهو ما أفضى إلى خروج المظاهرات الحاشدة للمطالبة بوقف القتال واستقالة حكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهو تطور يعكس تصاعد الاحتقان الشعبي وازدياد الضغوط السياسية على الحكومة.
كما كشفت الأزمة عن هشاشة الوضع الأمني في العاصمة، وأكدت أن المشهد الليبي لا يزال يتحكم به مجموعة من الميليشيات غير المتجانسة المدعومة من بعض القوى الإقليمية والدولية، ومن هنا برزت التساؤلات حول مستقبل المرتزقة والميليشيات المسلحة والمسارات المستقبلية التي يمكن أن يكون عليها النظام السياسي.
أولًا: الاتجاهات المستقبلية لمعالجة ملف المرتزقة في ليبيا
يشكل ملف المرتزقة في ليبيا أحد أعقد ملفات الصراع، نظرًا لتشابك أبعاده السياسية والعسكرية والأمنية، وتداخل مصالح قوى دولية وإقليمية فاعلة تستخدم هذا الوجود كأداة ضغط ونفوذ استراتيجي. فبينما تشهد ليبيا حالة من الهشاشة البنيوية في مؤسساتها السيادية، فإن استمرار وجود المقاتلين الأجانب يعمق الأزمة، ويحول دون بناء منظومة أمنية وطنية مستقلة. وتأسيسًا على ذلك، يمكن تصور عدد من السيناريوهات المستقبلية التي تعكس التفاعلات المحتملة لهذا الملف، نعرضها فيما يلي:
1. الخروج التدريجي عبر اتفاقات دولية ملزمة
يُعد هذا السيناريو من أكثر التصورات تفاؤلًا بشأن مستقبل وجود المرتزقة في ليبيا، ويقوم على افتراض إمكانية تفعيل مخرجات مؤتمري برلين (2020 و2021) بالتوازي مع المبادرات الأممية ذات الصلة، بهدف التوصل إلى اتفاق دولي ملزم يفرض على الفواعل الخارجية المعنية الانسحاب المنظم لقواتها غير النظامية من الأراضي الليبية. ويُشترط لتحقيق هذا السيناريو توفر حد أدنى من التوافق السياسي بين القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، ومتجاوزًا التوترات الجيوسياسية الحادة التي تشكل اتجاهات العلاقة بينهما. كما يُفترض هذا المسار ممارسة الاتحاد الأوروبي دورًا فاعلًا في الضغط على القوى الإقليمية المنخرطة في النزاع، خصوصًا تركيا، بالإضافة إلى إسهام الأمم المتحدة في تصميم وتنفيذ آلية رقابة محايدة وفعالة تضمن الإشراف الفني والعملياتي على الانسحاب المرحلي.
غير أن هذا السيناريو يواجه جملة من التحديات البنيوية، في مقدمتها ضعف قدرة الدولة الليبية على بسط سيادتها على كامل الإقليم الجغرافي، فضلًا عن غياب مؤسسة أمنية موحدة واحترافية قادرة على ملء الفراغ الأمني الناتج عن انسحاب المقاتلين الأجانب. كما تبرز احتمالية لجوء بعض الفواعل إلى إعادة تدوير المرتزقة في صيغ جديدة، من خلال دمجهم في شركات أمنية خاصة أو وحدات شبه نظامية، بما يُفرغ عملية الانسحاب من مضمونها.
وعليه، فإن النتيجة الأكثر ترجيحًا ضمن هذا السيناريو تتمثل في تحسن نسبي في البيئة الأمنية، إلا أن هذا التحسن يظل هشًا ومعرضًا للانتكاس في غياب مشروع متكامل لإعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس وطنية ومهنية تضمن الاستقرار المستدام.
2. إعادة التموضع كبديل عن الخروج
يستند هذا السيناريو على اعتماد مقاربة تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الميدانية؛ حيث لا يُفضي المسار إلى انسحاب فعلي للمرتزقة من الأراضي الليبية، وإنما إلى إعادة توزيعهم ضمن مناطق النفوذ الجغرافي والسياسي، إما من خلال دمجهم في تشكيلات أمنية أو عسكرية شبه رسمية تتبع حكومة معترف بها دوليًا، أو عبر إعادة تصنيفهم ضمن أطر محلية باعتبارهم عناصر “أمنية شرعية” تحت مسميات استشارية أو فنية. ويُلاحظ في هذا السياق أن الفاعلين الدوليين الرئيسيين، لا سيما روسيا وتركيا، يلعبون دورًا محوريًا في هندسة هذا التموضع الجديد؛ إذ تقوم موسكو على سبيل المثال بإعادة هيكلة تواجد مجموعة فاغنر عبر نقل عناصرها إلى شركات أمنية بديلة ذات طابع تجاري، دون الإخلال بوظائفها الأصلية. في المقابل، تعمل أنقرة على الحفاظ على تموضعها الاستراتيجي عبر دعم الفصائل المتحالفة معها، من خلال إرسال مستشارين عسكريين وعناصر أمنية تحت غطاء الاتفاقيات الثنائية.
وتنبع دوافع هذا السيناريو من رغبة القوى المتدخلة في الإبقاء على نفوذها الميداني دون التعرض لضغوط دولية مباشرة، فضلًا عن استخدام المرتزقة كأداة تفاوضية مرنة في أية تسويات مستقبلية محتملة. إلا أن هذه المقاربة تكرّس بنية أمنية مزدوجة، وتُعيد إنتاج ظاهرة “الدولة داخل الدولة”، وهو ما يُفضي في النهاية إلى فرض نوع من أنواع السلام المسلح بدلًا من التمهيد لتسوية مستقرة وشاملة. كما تُشير بعض الاتجاهات إلى أن استمرار هذا السيناريو سيُفضي إلى تثبيت اختلالات ميزان القوى القائم، مع بقاء احتمالات التصعيد العسكري قائمة، خصوصًا في حال حدوث تغيرات مفاجئة في طبيعة التموضع العسكري أو في أنماط الدعم الخارجي لأي من الأطراف المتصارعة.
3. التصعيد العسكري نتيجة لفشل الخروج
يُمثل هذا السيناريو أحد أخطر المسارات المحتملة في حال تعثرت الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى تفكيك الوجود المرتزق في ليبيا، وتراجع مستوى التنسيق الدولي حول آليات الحل. ففي هذا السياق، يُعاد تفعيل المرتزقة بوصفهم أدوات مواجهة عسكرية مباشرة، وهو ما قد يؤدي إلى تجدد الاشتباكات بين الفصائل المتنازعة والمدعومة من أطراف خارجية، مع توظيف المرتزقة في تنفيذ عمليات عسكرية نوعية، أو في إدارة أنشطة غير مشروعة كتهريب السلاح والبشر، أو حتى الانخراط في شبكات متطرفة ذات امتدادات في الجنوب الليبي ومنطقة الساحل الإفريقي.
وفق هذا المسار فإنه بذلك يتجاوز الطابع المحلي للصراع، ليقترب من نماذج الصراعات الأوسع نطاقًا، كما شهدتها الصومال أو سوريا خلال سنوات النزاع المفتوح (2014–2016)؛ حيث تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية عبر أدوات غير نظامية، ويغدو المرتزقة جزءً من معادلة الاشتباك الاستراتيجي متعدد الأطراف، وقد يؤدي هذا النمط من التصعيد إلى خلق بيئة أمنية متدهورة، يتفكك فيها الحد الأدنى من النظام، وتُصبح الدولة رهينة لأجندات عسكرية خارجية تُدار من خلال وكلاء محليين.
تتمثل النتيجة النهائية لهذا السيناريو في انهيار شبه كلي لمسارات التهدئة، وعودة البلاد إلى مربع الفوضى الأمنية، مع تصاعد خطر تحول ليبيا إلى مركز عبور واستقطاب لجماعات الإرهاب العابر للحدود، بما يهدد الأمن الإقليمي ويُعقد فرص الحل السياسي على المديين المتوسط والبعيد.
4. تدويل الملف عبر القرارات الدولية
ينطلق هذا السيناريو من فرضية تحول ملف المرتزقة في ليبيا إلى أولوية دولية تُهدد الأمن والسلم الإقليميين، بما يستدعي تدخلًا حازمًا من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، عبر إصدار قرارات مُلزمة تُجرم الوجود غير الشرعي للمرتزقة وتؤسس لآلية مراقبة دولية فعالة. ويتضمن هذا المسار إنشاء نظام عقوبات في مواجهة الأطراف والدول المتورطة في جلب المرتزقة أو تمويلهم، إلى جانب تفعيل أدوات المحاسبة الأممية والقانونية.
غير أن هذا السيناريو يصطدم بعقبة بنيوية تتمثل في صعوبة تحقيق توافق بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن، لاسيما في ظل إمكانية استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو) بالنظر إلى مصالحها المباشرة في ليبيا من خلال شركات أمنية مثل فاغنر أو بدائلها. ورغم ذلك، فإن تصاعد الضغوط الإقليمية، ولا سيما من جانب الاتحاد الإفريقي القلق من اختراق الحدود الجنوبية، إلى جانب الانخراط النشط للمحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة الانتهاكات، قد يمنح هذا المسار زخمًا جزئيًا يرفع كُلفة استمرار الظاهرة.
وفي حال تحقق هذا السيناريو فإن النتيجة المرجحة تتمثل في تقليص نسبي لحركة وانتشار المرتزقة على المدى المتوسط، وخلق بيئة سياسية أكثر توازنًا من حيث الخطاب والتعاملات الدولية. إلا أن هذا التدويل لن يُفضي بالضرورة إلى تحول جذري في المعادلة الأمنية الليبية ما لم يُقرن بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، وبناء جهاز سيادي قادر على استيعاب تداعيات الانسحاب ومواجهة تحديات ما بعد المرتزقة.
5. دمج محدود مقابل تسوية سياسية شاملة
يتأسس هذا السيناريو على افتراض التوصل إلى تسوية سياسية كبرى تُعيد رسم معادلات السلطة بين الأقاليم والفواعل الرئيسيين في ليبيا، وتفتح المجال أمام خيار دمج انتقائي ومحدود للمرتزقة ضمن مؤسسات الدولة، لا سيما الجهاز الأمني. ويُفترض أن يجري هذا الدمج تحت إشراف دولي مباشر، وبشروط صارمة تضمن عدم انحراف المسار عن أهدافه الوطنية. كما يستند هذا المسار إلى تجارب مقارنة مثل ما حدث في البوسنة عقب اتفاق دايتون، أو ضمن بعض نماذج إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية في دول غرب إفريقيا ما بعد النزاعات.
ويستوجب تحقيق هذا السيناريو توافر حزمة من الشروط المؤسسية والسياسية، وفي مقدمتها بناء جهاز أمني موحد يتمتع بالاحترافية والاستقلالية، ويتم إدارته بعيدًا عن الولاءات الجهوية أو الحزبية. كما تُعد آليات الرقابة والمحاسبة ضرورة حيوية لضمان عدم تحول هؤلاء العناصر إلى أدوات موازية تُعيد إنتاج نفوذ خارجي عبر قنوات رسمية.
وتتمثل النتيجة المتوقعة لهذا المسار في خفض ملموس لمستويات العنف والانفلات الأمني على المدى القصير، إلا أن هذا الانفراج يظل هشًا وقابلًا للانتكاس ما لم يُستكمل بإصلاحات هيكلية عميقة في بنية الدولة الليبية، تضمن توطين الأمن وترسيخ احتكار العنف المشروع بيد الدولة وحدها.
6. المزج بين إعادة التموضع والتدويل الجزئي(مرجح)
استنادًا إلى المؤشرات الراهنة وتشابك العوامل الداخلية والخارجية، يُرجّح أن يتبلور مستقبل ملف المرتزقة في ليبيا ضمن سيناريو هجين يجمع بين إعادة التموضع داخل الهياكل المحلية وشبه الرسمية، وبين محاولات تدويل جزئية ذات أثر محدود. فغياب الإرادة السياسية الوطنية الموحدة، وتعقد شبكة المصالح الدولية المتضاربة، يُضعف من فرص التوصل إلى تسوية شاملة يمكن أن تنتج سياسات من شأنها إخراج المرتزقة بشكل كامل ونهائي.
وفي هذا الإطار، يُتوقع استمرار بعض الفواعل الإقليمية والدولية في توظيف المرتزقة كأداة نفوذ غير مباشرة، سواء عبر دمجهم ضمن أجهزة أمنية محلية موالية، أو عبر إبقائهم كقوة احتياط استراتيجية يمكن تحريكها عند الحاجة. وفي المقابل، قد تسعى بعض الأطراف الدولية إلى فرض آليات رقابية محدودة من خلال أدوات أممية أو إقليمية، دون أن ترقى تلك المبادرات إلى مستوى الحسم الكامل بسبب الانقسام الدولي حول مشروعية التدخل، وتعدد المسارات التفاوضية غير المتزامنة بين الفرقاء الليبيين. وعليه، فإن مستقبل المرتزقة في ليبيا سيظل رهنًا بتقلبات التوازنات الجيوسياسية، وهو ما يكرس وضعًا انتقاليًا هشًا يُراوح بين حالة “السلام المسلح” واستمرار النفوذ الأجنبي غير المباشر داخل البنية الأمنية الليبية.
ثانيُا: الاتجاهات المطروحة للنظام السياسي الليبي
استجابة لتظاهرات المواطنين برحيل الحكومة، قدم بعضًا من الوزراء استقالتهم من الحكومة لتنقسم الآراء حول مستقبل الأوضاع الليبية إلى اتجاهين يرى الأول أنها خطوة تعبر عن التضامن مع الشارع في حين يرى الآخر أنها محاولة لتبرئة النفس من الإخفاقات المتراكمة؛ حيث سلطت استقالة الوزراء الضوء على تنامي التصدع الداخلي في بنية الحكومة وأن هذه المواجهات نتيجة طبيعية لتغول التشكيلات المسلحة التي تبتز مؤسسات الدولة وتتحكم في منافذها، في ظل غياب مؤسسة أمنية موحدة بعقيدة مهنية التي أسهمت في ترسيخ حالة الفوضى، وأظهرت ضعف التماسك السياسي في ظل الأزمة المتصاعدة؛ حيث تحاول حكومة الدبيبة إعادة توزيع النفوذ الأمني في العاصمة لصالحها قبل أي استحقاق سياسي قادم. في حين تخشى قوات الردع فقدان شرعيتها ونفوذها ومواقعها التي حصلت عليها منذ سنوات الثورة، فضلًا عن مخاوف تعرضها لمحاكمات دولية بشأن الانتهاكات الإنسانية التي قامت بها. وفيما يلي أبرز السيناريوهات المطروحة حول مستقبل النظام السياسي الليبي:
1. استمرار الانقسام السياسي وتعدد السلطات
يشير هذا المسار إلى استمرار الانقسام السياسي في ليبيا؛ حيث تتنافس حكومتان أو أكثر على الشرعية والسيطرة الإقليمية، وهو ما يحول دون وجود سلطة مركزية موحدة قادرة على فرض السيادة الوطنية بشكل فعال. في هذا السياق، تستفيد دول إقليمية ودولية من هذا الانقسام عبر دعم أطراف تتبعها للحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية، بينما توسع شركات المرتزقة والجهات المسلحة المحلية نفوذها في ظل الفراغ الأمني والسياسي. كما تستغل هذه الدول المتنافسة ليبيا كساحة نفوذ جيوسياسي تتيح لها التأثير الإقليمي دون تحمل تبعات التدخل المباشر.
في المقابل، سيعاني الشعب الليبي من تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية وانعدام الاستقرار السياسي، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الحياة والخدمات الأساسية. كما ستظل الدولة عاجزة عن بناء مؤسسات قوية وموحدة بما يضعف سيادتها الوطنية ويعزز هشاشة المشهد الداخلي. وهذا الانقسام لا يقتصر أثره على الداخل فقط، بل يمتد إلى الدول المجاورة التي تواجه تداعيات أمنية خطيرة، مثل انتقال النزاعات، تدفق اللاجئين، وعمليات التهريب، وهو ما يزيد من تعقيد التحديات الإقليمية ويهدد استقرار الجوار.
2. توحيد السلطة السياسية عبر تسوية شاملة
يرتكز هذا السيناريو على إمكانية توحيد السلطة السياسية في ليبيا عبر تسوية شاملة تتم بدعم دولي وإقليمي يتيح للأطراف الليبية التوصل إلى اتفاق سياسي جامع بما شأنه أن يؤدي إلى دمج المؤسسات السيادية وتوحيدها، إضافة إلى إدماج الفصائل المسلحة ضمن إطار رسمي ومنظم(دمج محدود مقابل تسوية سياسية شاملة وفق السيناريو الخامس)، وهو ما يمهد الطريق نحو استقرار نسبي وبداية بناء دولة فعالة وقادرة على فرض سيادتها. ويمثل هذا السيناريو نقطة تحول استراتيجية تفتح الباب أمام إصلاحات مؤسساتية وتحسين بيئة الأمن والخدمات الأساسية.
ومن حيث الفواعل، يستفيد الشعب الليبي بشكل مباشر من هذا الاستقرار السياسي والأمني، مع تحسن ملموس في جودة الحياة والمؤسسات الحكومية. كما تستفيد الدول الإقليمية المعتدلة مثل مصر والجزائر، التي تعزز مصالحها من خلال دعم الاستقرار الإقليمي والحد من التدخلات الخارجية والقضاء على الفوضى.
على المستوى الدولي، سيعزز هذا المسار أهداف الاتحاد الأوروبي في مكافحة الهجرة غير الشرعية وتعزيز الأمن في منطقة حوض البحر المتوسط، بينما تسجل الأمم المتحدة نجاحًا دبلوماسيًا يعزز من مكانتها كوسيط دولي فعال. في المقابل، يتضرر من هذا السيناريو بعض الفواعل المحلية والإقليمية التي كانت تستفيد من حالة الانقسام والفوضى، بما في ذلك الشركات العسكرية الخاصة والأطراف التي تدعمها قوى خارجية جزءً من نفوذها التقليدي الذي يعتمد على وجود المرتزقة والدعم غير الرسمي للفصائل، وهو ما سيقلص حضورها العسكري والسياسي في المشهد الليبي.
3. عودة الصراع المفتوح واستمرار التصعيد العسكري
يقوم هذا المسار على فشل الجهود السياسية الرامية إلى تحقيق توافق وطني، وهو ما قد يؤدي إلى عودة الصراع إلى مرحلة تصعيد عسكري مفتوح بين الفصائل المتناحرة داخل ليبيا. كما يتسم هذا التصعيد بدعم مباشر من فواعل إقليمية ودولية، مع اتساع دور المرتزقة وتزايد التدخلات الخارجية، بما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي ويعمق حالة الانقسام والفوضى في البلاد.
وعلى مستوى الفواعل من دون الدولة، فإن صعود هذا السيناريو يكشف عن استفادة شركات المرتزقة والمرتزقة أنفسهم من هذه البيئة المتوترة لما لذلك من أهمية في تعزيز فرص عملهم ونفوذهم بشكل ملحوظ. ومن ثم، قد تستغل بعض الدول الإقليمية والدولية الأزمة الليبية كورقة ضغط في صراعات نفوذها الإقليمي والدولي.
من ناحية أخرى، تستغل الجماعات المتطرفة الفراغ الأمني للتمدد وتعزيز وجودها العملياتي في حين يتكبد الشعب الليبي أثمانًا باهظة تتمثل في تصاعد العنف والدمار وتدهور الأوضاع الإنسانية، فيما تفقد الدولة الليبية القدرة على استعادة وحدتها أو تحقيق الاستقرار. كما يعاني الجوار الإقليمي والدولي من تداعيات هذا الصراع، عبر انتشار الإرهاب، وتصاعد موجات الهجرة غير الشرعية، وتهديد الأمن الإقليمي بصورة عامة.
4. فرض نظام سياسي جديد بتدخل دولي مباشر
يستند هذاالسيناريو، يتدخل مجلس الأمن أو تحالف دولي عسكري وسياسي لفرض نظام سياسي جديد في ليبيا عبر آليات ضغط متعددة، تشمل الإدارة المباشرة أو فرض حكومة انتقالية قوية بهدف إعادة الاستقرار وضمان تحكم دولي في مسار الحل السياسي. ويهدف هذا التدخل إلى خلق بيئة أكثر استقرارًا على المدى المتوسط، من خلال تعزيز المؤسسات الوطنية وإعادة بناء الدولة وفق رؤية دولية مدعومة بالقدرة التنفيذية اللازمة.
ومن ناحية القوى الأخرى، سيعزز هذا المسار من مصالح الدول الإقليمية والدولية الهادفة إلى ضمان استقرار الأوضاع في ليبيا وتحقيق مصالحها الاستراتيجية من هذا التدخل المباشر، بينما تعزز الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية دورها في إدارة الأزمات وحفظ السلام. نظريًا، قد يستفيد الشعب الليبي من استقرار مفروض وتحسن في الخدمات والمؤسسات. بالمقابل، يتضرر من هذا السيناريو الفاعلون المحليون الذين يفقدون نفوذهم وسيطرتهم، بالإضافة إلى الدول التي تعارض التدخل أو تتأثر سلبًا بإعادة توزيع موازين النفوذ. علاوة على ذلك، يبرز خطر تصعيد المقاومة المسلحة داخليًا ضد النظام المفروض، وهو ما قد يقوض الاستقرار على المدى الطويل ويعقّد مسارات التسوية السياسية.
في الختام: في ضوء التقييم الشامل للاتجاهات المطروحة للنظام السياسي الليبي ومستقبل الجماعات الإرهابية والمرتزقة، يتبين أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب هو استمرار الانقسام السياسي وتعدد السلطات، نتيجة التعقيدات المتشابكة للمصالح الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى هشاشة البنية السياسية الداخلية. كما سيعزز هذا الانقسام نفوذ الفواعل الخارجية والمحلية المستفيدة من الفوضى، بينما يفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية للشعب الليبي، ويضعف قدرة الدولة على فرض سيادتها، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار البلاد والمنطقة المجاورة.
على الجانب الآخر، يبقى خيار توحيد السلطة السياسية عبر تسوية شاملة هو السيناريو الأمثل استراتيجيًا، رغم تحدياته الكبيرة التي تتطلب إرادة سياسية محلية وإقليمية ودولية قوية وتوافق نادر. في حال تحقق هذا الخيار، سيؤدي إلى استقرار نسبي وبناء دولة فاعلة، مع استفادة واسعة للشعب الليبي والدول الإقليمية المعتدلة والمؤسسات الدولية. بالمقابل، يظل التصعيد العسكري المفتوح والعودة للصراع مسارات تهدد السلام، خصوصًا في حال فشل الجهود التفاوضية، فيما يشكل التدخل الدولي المباشر احتمالًا محدودًا لكنه قائم في ظل تدهور الوضع الأمني والسياسي، مع مخاطره المرتبطة بالمقاومة الداخلية وتحديات إعادة توزيع النفوذ. وبذلك، يبقى المشهد السياسي الليبي معقدًا ومتقلبًا، يتطلب حلولًا متوازنة تتماشى مع ديناميات المصالح المحلية والإقليمية والدولية.

