محمود ناصر جويدة
باحث في العلوم السياسية

منذ أن فقدت إثيوبيا منفذها البحري في عام 1993 عقب انفصال إريتريا عنها، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة بلا أي موانئ مطلة على البحر، وهو ما أدى حينها إلى حل قواتها البحرية وتحول تجارتها الخارجية للاعتماد على موانئ الدول المجاورة، وخاصة جيبوتي. وعلى الرغم من أن الحكومات الإثيوبية المتعاقبة سعت لتعزيز علاقاتها الاقتصادية واللوجستية لتأمين تجارتها عبر تلك الموانئ، إلا أن وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى الحكم ينظر إليه كنقطة تحول في هذا الملف؛ إذ ظهرت لأول مرة بوادر توجه جاد لاستعادة الوصول إلى البحر، سواء عبر الوسائل الدبلوماسية أو حتى بالحديث –تصريحًا أو تلميحًا– عن خيارات عسكرية محتملة.
ولا يتوقف الأمر على إثيوبيا، فالدول الحبيسة تسعى إلى تأمين وصولها إلى البحر عبر مختلف الأدوات والتي دفعتها الجغرافيا إلى معركة البحر، فالمجر الواقعة في قلب أوروبا، فقدت منفذها البحري وموانئها عقب الحرب العالمية الأولى، تحديدًا في عام 1920 بعد توقيع معاهدة تريانون التي فرضتها الدول المنتصرة، متسببة في تقليص مساحة المجر بأكثر من 75%، وعزلها جغرافيًا عن أي ساحل. ومنذ ذلك الحين، ظلت بودابست تسعى بوسائل متنوعة لإيجاد منفذ بحري يربطها بالعالم. ويبدو أنها باتت على وشك تحقيق ذلك الهدف مع اقتراب افتتاح منفذ بحري لها في ميناء ترييستي الإيطالي العام المقبل، من خلال اتفاقيات استراتيجية تمنحها امتيازات لوجستية وتجارية دائمة. وبالتالي، يعكس هذا الواقع المتكرر لدى الدول الحبيسة معضلة جيوسياسية مزمنة؛ حيث يتحول الوصول إلى البحر من مجرد رفاهية اقتصادية إلى هدف وجودي واستراتيجي، قد يؤدي في بعض الأحيان إلى اندلاع حروب إقليمية وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في العالم.
وفي ضوء ذلك، سيتم تناول أبعاد هذه الإشكالية من خلال حالتي إثيوبيا والمجر، وتفسير السياقات التاريخية والدوافع السياسية، والسيناريوهات المحتملة التي قد تتبعها الدول الحبيسة في سعيها للوصول إلى البحر وامتلاك منفذ لحماية مصالحها سواء عبر الاتفاقيات والأدوات الدبلوماسية أو عبر استخدام القوة العسكرية.
أولًا: فقدان المنافذ البحرية ومعركة الاسترداد
منذ فرض اتفاقية تريانون عام 1920، التي جردت المجر من نحو ثلثي أراضيها ومنفذها الوحيد إلى البحر، دخلت البلاد في عزلة جغرافية فرضت عليها تحديات اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد. تزايدت حدة هذه العزلة بعد الحرب العالمية الثانية، حين خضعت المجر لنظام شيوعي صارم بين عامي 1947 و1989، ما عمّق من انفصالها عن المنظومة الغربية. ومع انهيار الكتلة الشرقية، شرعت المجر في إصلاحات جذرية على المستويين السياسي والاقتصادي، لتصبح من أوائل دول شرق أوروبا التي تبنت نموذج السوق الحر وسعت للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما تحقق في مايو 2004. وقد شكل هذا الانضمام نقطة تحول فارقة؛ حيث أتاح لها الانخراط في برامج أوروبية استراتيجية مثل الممرات الأوروبية متعددة الوسائط، والتي تهدف إلى ربط الدول الحبيسة بشبكات نقل عابرة للحدود، وتسهيل اندماجها في سلاسل التوريد الأوروبية والدولية.[1]
وفي إطار هذا التوجه، أبرمت بودابست سلسلة من الشراكات الثنائية مع دول الجوار للوصول إلى الموانئ الحيوية، كان أبرزها مع كل من كرواتيا وسلوفينيا. فقد عززت المجر من استخدام ميناء رييكا الكرواتي وميناء كوبر السلوفيني، باعتبارهما رئتيها البحرية في منطقة الأدرياتيكي، لنقل السلع والمواد الأولية، خاصة مع تطور البنية التحتية للسكك الحديدية التي تربط مباشرة هذه الموانئ بالمراكز الصناعية المجرية. كما سعت المجر إلى الاستثمار في مشاريع لوجستية مشتركة لتحسين كفاءة هذه الممرات، وجعلها بدائل استراتيجية عن الاعتماد على الموانئ الألمانية أو الهولندية.[2]
وبالنسبة لإثيوبيا وبعد انفصال إريتريا عنها في عام 1993، استمرت إثيوبيا في استخدام ميناء عصب الإريتري كممر رئيسي لتجارتها عبر البحر الأحمر. غير أن هذا الوضع تغير جذريًا مع اندلاع الحرب الحدودية بين البلدين عام 1998، ما أدى إلى إغلاق الميناء أمام الجانب الإثيوبي. نتيجة لذلك، بدأت إثيوبيا منذ مايو من نفس العام في البحث عن بدائل، فلجأت إلى جيبوتي التي تمتلك الميناء الأقرب إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إذ يبعد نحو 780 كيلومترًا. ومع ذلك، لم تتمكن إثيوبيا في البداية من التوصل إلى اتفاق رسمي لاستخدام الميناء الجيبوتي، ما شكل تحديًا استراتيجيًا كبيرًا لبلد حبيس لا يملك منفذًا بحريًا.
وفي عام 2002، توصلت إثيوبيا إلى اتفاقية رسمية مع جيبوتي لاستخدام مينائها على البحر الأحمر، وهو ما شكّل نقطة تحول مهمة في استراتيجيتها التجارية بعد سنوات من التوتر مع إريتريا. فقد أدى هذا الاتفاق إلى اعتماد إثيوبيا بشكل شبه كامل على ميناء جيبوتي، حيث يُقدّر أن نحو 95% من حجم تجارتها الخارجية تمر عبر ممر أديس أبابا–جيبوتي وهذا الاتفاق التي وصف بأنه حيوي لإثيوبيا نظرًا لقربه الجغرافي وسهولة الوصول إليه مقارنة بالموانئ الأخرى.[3]
وفي أكتوبر 2023، أثار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد جدلًا واسعًا في منطقة القرن الإفريقي بعد إعلانه الصادم الذي أكد فيه على ما وصفه بـ”الحقوق التاريخية” لبلاده في الوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر. وصرّح قائلًا: “إذا لم يتحقق ذلك، فلن يكون هناك عدل أو إنصاف، والأمر حينها سيكون مسألة وقت فقط قبل أن نضطر للقتال”. وقد قوبلت هذه التصريحات برفض قاطع من دول الجوار، بما في ذلك إريتريا، الصومال، وجيبوتي، التي عبرت عن قلقها الشديد من احتمال اندلاع صراع إقليمي جديد في منطقة تعاني في الأساس من هشاشة الاستقرار.
ورغم اللهجة التصعيدية التي اتسم بها الخطاب الأول، عاد آبي أحمد في تصريحات لاحقة ليخفف من حدة موقفه، مشيرًا إلى أن بلاده تفضل الحلول السلمية والتعاون الإقليمي المشترك لتحقيق مصالحها الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن نبرة التهديد التي تضمنها خطابه الأول لا تزال تثير المخاوف من أن تتحول المطالب الإثيوبية إلى محور توتر مزمن في المنطقة، في ظل التنافس الجيوسياسي المتصاعد على سواحل البحر الأحمر.[4]
ثانيًا: اتجاهات متعددة: الدبلوماسية المجرية وسياسات القوة الإثيوبية
اتفقت المجر وإيطاليا في فبراير 2025 على مشروع إنشاء ميناء بحري في مدينة ترييستي شمال إيطاليا، وهو ما يمكن اعتباره تحولًا استراتيجيًا في السياسة الاقتصادية للمجر سلسلة من جولات المفاوضات المستمرة منذ عام 2019[5]، وبعد أكثر من قرن من الحرمان من الوصول إلى البحر عقب توقيع اتفاقية تريانون في عام 1920، وامتلكت المجر ميناء في رييكا (كرواتيا حاليًا) عندما كانت جزءً من الإمبراطورية النمساوية المجرية، لكنها فقدته بعد الحرب العالمية الأولى. ومنذ عام 2001، حصلت المجر على حق استخدام ميناء رييكا كمنطقة تجارة حرة، إلا أن الحاجة إلى استقلالية أكبر دفعتها لإنشاء ميناء خاص بها لتحاكي ميناء المجر على الأدرياتيكي.
وتستحوذ هذه الخطوة على أهمية غير مسبوقة لدولة حبيسة مثل المجر التي تهدف إلى تعزيز استقلالها الاقتصادي وتقليل اعتمادها على موانئ الدول المجاورة، والجدير ذكره أن هذا التحرك جاء في إطار شراكة شفافة مع إيطاليا، استندت إلى قواعد القانون الدولي واحترام السيادة، دون إثارة أزمات دبلوماسية أو توترات إقليمية، وهو ما يقدّم نموذجًا ناجحًا للدول غير الساحلية في تحقيق مصالحها الاستراتيجية عبر أدوات التعاون الدولي والدبلوماسية الرشيدة.
وضمن السياق ذاته، يأتي هذا التحرك المزدوج من جانب المجر –سواء عبر مشروع الميناء البحري في ترييستي شمال إيطاليا أو من خلال الاتفاقية اللوجستية مع بلغاريا– ليجسد رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى كسر العزلة الجغرافية التي فرضتها اتفاقية تريانون قبل أكثر من قرن، واستعادة الموقع الطبيعي للدولة في منظومة التجارة الإقليمية والدولية. وهذه الاتجاهات يمكن أن تعزز من نمو الاقتصاد المجري بمستوى ثلاث أضعاف، فبينما يوفر ميناء ترييستي منفذًا مباشرًا إلى البحر الأدرياتيكي ضمن شراكة قانونية متماسكة مع إيطاليا، يعزز الممر اللوجستي مع بلغاريا قدرات بودابست على الوصول إلى البحر الأسود، وهو ما يمنح الاقتصاد المجري تعددية في الخيارات ومرونة في مواجهة التحديات الجيوسياسية، كما تكشف هذه التحركات عن مقاربة متوازنة تمزج بين الطموح القومي والالتزام بالقواعد الدولية، في نموذج يُبرز أهمية الحوار والتكامل الإقليمي كوسيلة لتحقيق المصالح الاستراتيجية، وهو ما تفتقر إليه مقاربات أخرى أحادية الجانب في مناطق نزاع مشابهة، مثل ما يحدث في القرن الإفريقي.[6]
وفي المقابل، تبرز إثيوبيا كمثال مغاير في انتهاج مقاربتها لمعالجة قضية الوصول إلى البحر، بعد توقيعها في يناير 2024 اتفاقًا مع “أرض الصومال” –الإقليم الذي أعلن انفصاله من جانب واحد عن جمهورية الصومال– للحصول على منفذ بحري استراتيجي بدون توافق إقليمي. وهو ما أثار موجة من الصراع مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، التي لا تزال تعتبر أرض الصومال إحدى ولاياتها، وأكدت أن هذا الاتفاق يُعد تعديًا على السيادة الصومالية. وهو ما يعكس مخاطر النهج الأحادي في بيئة إقليمية معقدة وهشة. وعلى الرغم من احتياج إثيوبيا وطموحاتها في الانفتاح الجغرافي والاقتصادي والوصول إلى البحر، إلا أن تحركاتها تطرح تساؤلات حقيقية حول جدوى المقاربات التي تتجاوز السيادة الوطنية للدول الأخرى.[7]
ويمكن القول إنه على الرغم من الخطاب التصعيدي في المواقف الإثيوبية التي أسهمت في توتر العلاقات مع عدد من دول الجوار، فإن إثيوبيا في مستهل حكم رئيس الوزراء آبي أحمد عام 2018، كانت قد اتبعت نهجًا تصالحيًا واستراتيجيًا كالذي تتبعه المجر مع جيرانها بهدف كسر العزلة الإقليمية والسعي للوصول إلى المنافذ البحرية الحيوية؛ حيث بادرت بعقد اتفاقيات تعاون مع دول مثل السودان وكينيا وجيبوتي والصومال، بهدف الحصول على حصص في موانئها والاستفادة من موقعها على البحر الأحمر والمحيط الهندي. وفي خطوة لاقت ترحيبًا دوليًا، وقّعت إثيوبيا اتفاقية سلام مع إريتريا في العام ذاته، وهو ما أنهى سنوات طويلة من النزاع الدموي بين البلدين، وفتح آفاقًا جديدة للتكامل الإقليمي. وفي العام التالي، أعلنت أديس أبابا عن خطط لإعادة بناء قواتها البحرية التي تم حلّها منذ انفصال إريتريا في التسعينيات، وذلك بدعم وتمويل غربي، خاصة من فرنسا، في إطار رؤية استراتيجية لإثبات حضورها كقوي إقليمية في المنطقة.[8]
غير أن البيئة المحيطة بإثيوبيا تختلف جذريًا عن تلك التي واجهتها المجر في مرحلة إعادة بناء الدولة، فبينما لا تعاني المجر من حركات انفصالية داخلية تهدد وحدة أراضيها، واجهت إثيوبيا تحديات بنيوية عميقة تمثلت في النزعة الانفصالية المتصاعدة في إقليم تيجراي، الذي يُعد شريانًا اقتصاديًا حيويًا؛ إذ تمر من خلاله نحو 95% من تجارة البلاد إلى ميناء جيبوتي، المنفذ البحري الرئيسي لإثيوبيا. وقد عادت التوترات للاشتعال مجددًا في تيجراي، وسط اتهامات إثيوبية لإريتريا بدعم عسكري غير معلن للحرب في الإقليم، وهو ما يُعد تهديدًا مباشرًا لاتفاقية السلام التي وُقعت بين الجانبين في عام 2018، ويضعف من فرص إثيوبيا في الوصول الآمن إلى ميناء عصب الإريتري، الذي كان يُنظر إليه كأحد البدائل الاستراتيجية لتعزيز حضورها البحري وتأمين طرق التجارة الخارجية.[9]
ثالثًا: دبلوماسية أبي أحمد وخيارات إثيوبيا بين التفاوض والتصعيد
إن ما يُميّز المجر عن إثيوبيا في المرحلة الأخيرة لا يقتصر على السياسات والمواقف، بل يتجاوز ذلك إلى الفروق الجذرية في الأيديولوجيا الحاكمة. فبينما اعتمدت المجر تاريخيًا نهجًا دبلوماسيًا قائمًا على التعاون والحلول التوافقية، يتجسد النهج الإثيوبي في رؤية مختلفة تمامًا تتّسم بالنزعة الصراعية والاندفاع نحو الحسم بالقوة حين تستعصي الأدوات السياسية التقليدية.
ويتضح هذا التباين بشكل أكبر عند التمعن في الخلفية التكوينية لآبي أحمد، والتي اتسمت بطابع صراعي معقّد، تجلى داخليًا في صراعات حادة على السلطة وتراكم مظالم إثنية مزمنة، وتكرس إقليميًا بفعل أزمات القرن الإفريقي المرتبطة بالنزاعات الحدودية وتدخلات القوى الخارجية. ورغم أن فلسفته السياسية أفرزت في بدايتها حالة من التهدئة النسبية، إلا أن تحوله السريع من “رجل السلام” إلى طرف مباشر وفاعل في الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية كشف عن ازدواجية بنيوية في منهجه.
ويمكن النظر إلى هذا التحول بشكل أوضح من خلال خطابه أثناء تسلمه جائزة نوبل للسلام، حين أقر بأن الحرب تمثل “صورة مصغرة للجحيم”، لكنه في الوقت ذاته دافع عنها كأداة ضرورية أحيانًا لتحقيق السلام، مستندًا إلى تجربته في إنهاء الحرب الإثيوبية الإريترية. وهذا التبرير، وإن بدا عقلانيًا في الظاهر، إلا أنه لم يُخفِ التناقض العميق بين خطابه وممارساته على أرض الواقع؛ حيث بات العنف أداة مركزية في تعامله مع الخصوم السياسيين داخليًا، وفي إعادة تشكيل ميزان القوى إقليميًا.[10]
كما تصاعدت التعقيدات الصراعية حين يُنظر إلى الركائز الأيديولوجية التي تقوم عليها هذه الرؤية؛ حيث تكشف عقيدة آبي أحمد عن ارتباط وثيق بين مصادر الصراع وقضايا الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها المياه والممرات البحرية التي تستند على أساس أن نهر النيل والبحر الأحمر يشكّلان دعامة حيوية لمستقبل إثيوبيا، ويؤمن بأحقية بلاده في منفذ بحري، حتى وإن تطلب ذلك اللجوء إلى استخدام أدوات القوة العسكرية. وهذا التصور لا يندرج فقط ضمن حسابات الجغرافيا السياسية، بل يمثل أيضًا تعبيرًا عن طموح قومي يتجاوز الوسائل الدبلوماسية نحو خيارات أكثر حدة ومواجهة.
وهو ما أكدته صحيفة The Conversation؛ إذ أشارت إلى أن مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر لا يمكن أن تعتمد فقط على الاتفاقية الموقعة مؤخرًا مع أرض الصومال، بل تستند بالأساس إلى التوصل إلى تفاهمات إقليمية شاملة. فرغم أن القانون الدولي يتيح للدول غير الساحلية حق الوصول إلى السواحل، فإن هذا الحق يظل مشروطًا بإبرام اتفاقات مع الدول المجاورة، ولا يُضمن بشكل تلقائي.
وفي هذا الإطار، تُعد الاتفاقية مع أرض الصومال خطوة قانونية أولية بالنسبة لإثيوبيا، إلا أن النزاع القائم بين الصومال وأرض الصومال يُعد عقبة محتملة أمام تنفيذها. وعليه، فإن الحلول المستدامة لهذا الملف تتطلب اتفاقًا شاملًا يضم جميع الأطراف المعنية، على غرار ما قامت به المجر التي رغم فقدانها لسواحلها، نجحت في التوصل إلى اتفاقات استراتيجية مكنتها من استخدام موانئ الدول المجاورة.[11]
وبالتالي، فإن الفارق الجوهري بين التجربتين الإثيوبية والمجرية لا يكمن فقط في طبيعة القيادة، بل في عمق الأيديولوجيا التي توجه هذه القيادة، والتي في حالة آبي أحمد تميل إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة والهيمنة الإقليمية من منظور تصادمي، قد يعيد رسم خرائط النفوذ في منطقة تعجّ بالتحديات والتقلبات الجيوسياسية.
رابعًا: البدائل القانونية والنموذج المجري: استراتيجيات إثيوبيا السلمية للوصول إلى البحر
ثمة مجموعة من الاستراتيجيات والبدائل التي يمكن أن تعزز من النهج السلمي في استخدام حق الدول الحبيسة للوصول إلى البحر بعيدًا عن أدوات القوة العسكرية التي من شأنها تهديد الأمن والاستقرار الإقليمي وفيما يلي أبرز هذه البدائل:
1. اتفاقية تقاسم الموانئ مع الدول المجاورة: في أعقاب تصاعد التوتر الإثيوبي الصومالي في عام 2024، عرضت جيبوتي على إثيوبيا اتفاقية لتقاسم استخدام ميناء تاجورة، دون أن يشمل العرض تسليمًا كاملًا للسيادة أو الإدارة، بل في إطار ترتيب تشغيل مشترك يضمن لإثيوبيا منفذًا بحريًا مؤقتًا أو مخصصًا ضمن السيادة الجيبوتية. وتشكل هذه الصيغة بديلًا عمليًا للتملك المباشر، كما تُعد امتدادًا لممارسات قانون البحار الذي يسمح بإنشاء مناطق حرة أو منشآت جمركية دون تغيير في السيادة. ويعكس هذا النموذج ما قامت به المجر في تعاملها مع موانئ دول الجوار، لا سيما مع ميناء كوبر في سلوفينيا؛ حيث عقدت بودابست اتفاقية طويلة الأمد مع ليوبليانا تتيح استخدام المجر لمساحات مخصصة في الميناء، بما في ذلك مستودعات ومرافق شحن، دون أن تمتلكها فعليًا. وقد سعت المجر من خلال هذا الترتيب إلى ضمان وصول دائم وآمن إلى البحر الأدرياتيكي، دون الاصطدام بحساسيات السيادة أو المطالبة بتعديلات حدودية.[12]
2. الاستفادة من اتفاقية الأمم المتحدة
توفر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 قاعدة قانونية تُمكن الدول غير الساحلية، مثل إثيوبيا، من ضمان حرية المرور العابر إلى البحار، وهو ما يشكل إحدى أدواتها الاستراتيجية في كفاحها للوصول إلى البحر. غير أن هذه الحرية مشروطة باتفاقيات ثنائية أو إقليمية مع دول العبور. وقد استفادت المجر، بوصفها دولة حبيسة في وسط أوروبا، من هذه الاتفاقية بشكل فعال، عبر سلسلة من الترتيبات مع دول الجوار، وهو ما يبرز إمكانية إثيوبيا في الاستفادة من النموذج المجر من خلال:
أ. حرية مرور البضائع دون فرض ضرائب أو رسوم غير مبررة: تنص الاتفاقية على ضرورة الامتناع عن فرض رسوم غير مبررة على مرور البضائع، وهو ما استغلته المجر في علاقاتها التجارية عبر نهر الدانوب وموانئ أوروبا الشرقية؛ حيث ضمنت مرور صادراتها ووارداتها دون أعباء مالية تعرقل التجارة. يمكن لإثيوبيا بالمثل التفاوض لضمان إعفاء مرورها البحري من الرسوم غير العادلة عبر موانئ جيبوتي أو غيرها، استنادًا إلى هذا المبدأ.
ب. إمكانية إنشاء مناطق حرة أو منشآت جمركية في موانئ الدول الساحلية: تمكنت المجر من إنشاء مناطق لوجستية ومراكز تخزين حرة في موانئ كبرى مثل هامبورغ الألمانية وكوبر السلوفينية، وهو ما سهّل عملية التبادل التجاري رغم بعدها عن السواحل. وبنفس المنطق، يمكن لإثيوبيا أن تسعى لإقامة منشآت مماثلة في موانئ الدول المجاورة لتأمين سلاسل التوريد وتقليل اعتمادها على ديناميكيات سياسية متقلبة.
ج. ضمان عدم فرض ضرائب أعلى على وسائل النقل الوطنية مقارنة بالنقل المحلي: من خلال الاتفاقيات الإقليمية، ضمنت المجر أن تعامل وسائل نقلها بنفس معاملة نظيراتها في دول العبور، وهو ما منحها قدرة تنافسية في السوق الأوروبية. كما يمكن لإثيوبيا أن تستند إلى نفس القاعدة لضمان ألا تواجه شاحناتها أو قطاراتها البحرية تمييزًا سلبيًا في الأراضي والموانئ التي تمر بها.
د. التزام دول العبور بعدم تعطيل مرور البضائع والتعاون في حال وجود صعوبات فنية: اعتمدت المجر على آليات تسوية المنازعات والتنسيق الفني ضمن الاتحاد الأوروبي لضمان انسيابية مرور البضائع حتى في حالات الأزمات أو الأعطال. وبالنسبة لإثيوبيا، فإن بناء شبكة تعاون موثوقة مع دول العبور، وتضمين آليات لحل النزاعات في الاتفاقيات الثنائية، سيكون ضروريًا لتأمين هذا الحق وضمان فعاليته في أوقات الأزمات.
ه. عدم اشتراط المرور عبر أقصر الطرق فقط: استخدمت المجر مرونة الاتفاقية في اختيار طرق عبور مختلفة بحسب الاعتبارات الاقتصادية والأمنية، فتارة تمر عبر سلوفاكيا وتارة عبر النمسا أو كرواتيا، وفقًا للتكلفة والظروف. وإثيوبيا بدورها يمكن أن تطبق هذا المبدأ في اختيار طرق مرور متعددة عبر جيبوتي والصومال والسودان أو حتى إريتريا مستقبلًا بما يحقق مصلحتها الوطنية في كل مرحلة.
ومع أن الاتفاقية تضمن هذه الامتيازات من حيث المبدأ، إلا أن التطبيق العملي يتوقف على السياقات الجيوسياسية ومدى استقرار العلاقات مع دول الجوار. فالقانون لا يُجبر دول العبور على فتح أراضيها دون اتفاقات واضحة، وتحتفظ هذه الدول بحق اتخاذ التدابير اللازمة لحماية مصالحها السيادية. وهنا تظهر براعة المجر في توظيف القانون ضمن منظومة إقليمية مستقرة (الاتحاد الأوروبي)، وهو ما تفتقده إثيوبيا في محيطها، بما يضيف مجموعة من التعقيدات في سعيها للوصول إلى البحر.[13]
3. الاستفادة من عقود إيجار طويلة المدى
يمكن لإثيوبيا أن تستفيد من نموذج المجر في استئجار جزء من ميناء ترييستي الإيطالي، عبر التفاوض على عقد إيجار طويل الأمد مع إحدى الدول الساحلية المجاورة، بما يمنحها حق استخدام مرفق مينائي دون التعدي على سيادة الدولة المضيفة. فكما وفّر هذا النموذج للمجر منفذًا بحريًا فعّالًا رغم كونها دولة حبيسة، يمكن لإثيوبيا عبر عقد مماثل أن تضمن الوصول المستقر إلى طرق التجارة العالمية، دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة أو الدخول في نزاعات، وهو ما يجعل عقد الإيجار أداة استراتيجية فعالة لتحقيق أهدافها الاقتصادية والجيوسياسية. وتجدر الإشارة إلى أن المجر أبرمت عقد امتياز لمدة 60 عامًا بدءً من عام 2019، للحصول على قطعة أرض داخل ميناء ترييستي الإيطالي، بمساحة 32 هكتارًا.[14]
خلاصة القول: تكشف مقارنة المسارين المجري والإثيوبي عن واقع معقّد تعيشه الدول الحبيسة؛ حيث تتشابك الطموحات الجيوسياسية مع التحديات الإقليمية والدولية. فبينما نجحت المجر في تحويل موقعها الجغرافي إلى نقطة عبور استراتيجية عبر شراكات قائمة على القانون والتكامل، لا تزال إثيوبيا تبحث عن منفذ بحري يُترجم وزنها السكاني والاقتصادي إلى نفوذ إقليمي. لكن الاختلاف الجوهري يكمن في اختيار الأدوات ما بين الحوار والتعاون إلى الضغط والتصعيد. ومن هنا، تبرز أهمية الاتزان بين تطلعات السيادة ومقتضيات التعايش من خلال الشراكات الذكية التي تولي اعتبارًا للجغرافيا وتعيد تشكيلها في آن واحد.
[1] American Hungarian Federation. “Treaty of Trianon: AHF Statement on Historic Injustice.” American Hungarian Federation. Published June 4, 2020. Accessed April 16, 2025. https://www.americanhungarianfederation.org/news_trianon.htm.
[2] OSW Centre for Eastern Studies, Adriatic Ports: A Silent Expansion into Central European Markets, October 2, 2023, https://www.osw.waw.pl/en/publikacje/osw-commentary/2023-10-02/adriatic-ports-a-silent-expansion-central-european-markets.
[3] The New Humanitarian, “Djibouti-Ethiopia Accord Signed for Use of Djibouti Port,” The New Humanitarian, March 20, 2002, https://www.thenewhumanitarian.org/report/31135/djibouti-ethiopia-accord-signed-use-djibouti-port.
[4] SWI swissinfo.ch. “رئيس وزراء إثيوبيا يستبعد الحرب مع إريتريا بسبب مسألة الوصول للبحر الأحمر.” SWI swissinfo.ch, 20 مارس 2025. https://www.swissinfo.ch/ara/رئيس-وزراء-إثيوبيا-يستبعد-الحرب-مع-إريتريا-بسبب-مسألة-الوصول-للبحر-الأحمر/89039556.
[5] Orbán Cabinet: Trieste Port to Strengthen Hungary’s Strategic Position.” Daily News Hungary, July 27, 2019. https://dailynewshungary.com/orban-cabinet-trieste-port-to-strengthen-hungary/.
[6] Hungarian Conservative. “Schengen Accession of Bulgaria Opens Up New Chapter in Future Cooperation with Hungary.” Hungarian Conservative, April 2, 2024. https://www.hungarianconservative.com/articles/current/schengen-accession-bulgaria-hungary-future-cooperation/.
[7] Mohamed, Mohamed. “Somalia-Ethiopia Deal: Why a Port Agreement Has Caused Anger.” BBC News, January 4, 2024. https://www.bbc.com/news/world-africa-67858566.
[8] مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. “إثيوبيا والبحث عن بدائل جيواستراتيجية: أبعاد التوجه نحو البحر الأحمر.” مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية, 31 مارس 2023. https://acpss.ahram.org.eg/News/18849.aspx.
[9] إريتريا تنفي الاتهامات بالتورط في هجوم بوصاصو.” AJ Net، 19 مارس 2025. https://www.ajnet.me/news/2025/3/19/إريتريا-تنفي-الاتهامات-بالتورط-في
[10] ربيع محمد محمود، “آبي أحمد: عقيدة سياسية على حافة الصراع”، مركز الجزيرة للدراسات، 20 أغسطس 2024، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6001.
[11] Jalata, Asafa. “Ethiopia’s Quest for Access to the Sea: Success Rests on Good Relations with Its Neighbours.” The Conversation, February 7, 2024. https://theconversation.com/ethiopias-quest-for-access-to-the-sea-success-rests-on-good-relations-with-its-neighbours-219621.
[12] France 24. “Djibouti Says Offering Port-Sharing Deal to Ethiopia.” France 24, September 10, 2024. https://www.france24.com/en/live-news/20240910-djibouti-says-offering-port-sharing-deal-to-ethiopia?utm_source
[13] South African Institute of International Affairs. “The Law of the Sea and Landlocked States.” SAIIA, March 8, 2024. https://saiia.org.za/research/the-law-of-the-sea-and-landlocked-states/.
[14] Modern Diplomacy, “Ethiopia’s Risky Maritime Ambitions: Undermining International Law for Sea Access,” Modern Diplomacy, July 7, 2024, https://moderndiplomacy.eu/2024/07/07/ethiopias-risky-maritime-ambitions-undermining-international-law-for-sea-access/.

