نشوى عبد النبي
باحثة في العلوم السياسية

شهدت أمريكا اللاتينية في السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في قطاع الطاقة المتجددة؛ حيث توسعت القدرة المثبتة للطاقة المتجددة غير الهيدروكربونية بأكثر من ثلاث مرات. ويعكس هذا النمو الكبير التوجه المتزايد نحو التحول إلى مصادر طاقة نظيفة ومستدامة لتلبية احتياجات المنطقة المتزايدة من الطاقة وتعزيز الأمن الطاقي. وعلى الرغم من أن مستويات النمو في هذا القطاع ظهرت في مجالات الطاقة الحيوية (مثل الوقود الحيوي) والطاقة الريحية البرية، إلا أن طاقة الشمس الفوتوضوئية شهدت أيضًا تقدمًا كبيرًا في بعض الدول مثل تشيلي، المكسيك، بيرو، وأوروغواي بعدما انتهجت سياسات ومشروعات مثل مشاريع للطاقة الشمسية بشكل واسع النطاق، وهو ما ساهم في زيادة حصتها من مزيج الطاقة الوطني وتحسين الاستدامة البيئية. كما تعد زيادة الاعتماد على الطاقة الشمسية الفوتوضوئية بمثابة خطوة مهمة نحو تحقيق أهداف الطاقة المستدامة وتقليل الانبعاثات الكربونية في المنطقة.
وتسعى دول أمريكا الجنوبية إلى وضع خطط عمل مناخية شاملة بهدف تعزيز الإنتاج المحلي للطاقة من مصادر نظيفة ومستدامة، وهذا التوجه يأتي في إطار التزاماتها البيئية التي تهدف إلى تقليل انبعاثات غازات الدفيئة والحد من التأثيرات السلبية للتغير المناخي. كما تعمل على تعزيز استخدام الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الكهرمائية، بالإضافة إلى تنفيذ مشروعات لتطوير بنية تحتية تدعم الانتقال الطاقوي المستدام.
وتهدف هذه الجهود إلى تحقيق هدف بيئي عالمي يتمثل في الحد من ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بما لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، كما جاء في اتفاقية باريس للمناخ. من خلال هذا التوجه، تسعى دول أمريكا الجنوبية إلى تحسين قدرتها على إنتاج الطاقة بشكل أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا على البيئة، مما يعزز في الوقت ذاته من أمن الطاقة المحلي ويعزز من الاستدامة الاقتصادية. وتقوم الحكومات بإطلاق الخطط للتخفيف من تداعيات تغير المناخ ووضع السياسات للتكييف مع أزمة المناخ وخلق سيناريوهات توظيف ونمو تتوافق مع تلك الجهود و تخدمها.

أولًا: الجهود اللاتينية والتغيرات المناخية
تُعتبر أمريكا اللاتينية من القوى الكبرى في مجال التنوع الحيوي؛ حيث تحتوي على حوالي 46.5% من الغابات في العالم، وهو ما يجعلها منطقة غنية بالموارد الطبيعية التي تُساهم بشكل كبير في الحفاظ على التوازن البيئي. في المقابل، تنتج القارة فقط 8.1% من إجمالي انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون عالميًا، بما يعكس دورها المتواضع نسبيًا في التأثير على التغير المناخي مقارنةً بحجمها الكبير في مجال التنوع البيولوجي.
هذه التناقضات تجعل أمريكا اللاتينية تمتلك إمكانات هائلة في مجال توليد الطاقة الخضراء، خصوصًا عبر الاستفادة من مواردها الطبيعية مثل الرياح، الشمس، والطاقة الحيوية. وبفضل هذه الإمكانات، يمكن للقارة أن تساهم بشكل كبير في تحديد سياسات وتوجهات عالمية نحو تسريع الانتقال إلى الطاقة المستدامة وتقليل الانبعاثات الكربونية.
ووفقًا لتقرير مشترك من البنك الإنمائي الأمريكي ومنظمة العمل الدولية، يُتوقع أن يؤدي مسار إزالة الكربون من منطقة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي إلى خلق حوالي 15 مليون وظيفة في مختلف القطاعات. وهذه الوظائف ستكون ناتجة عن التحول إلى أنماط طاقة أنظف وأكثر استدامة، بما في ذلك التوسع في مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية والرياح، بالإضافة إلى تعزيز جهود إعادة التحريج وحماية البيئة.([1])
علاوة على ذلك، يركز العمل في المنطقة على الحفاظ على التنوع البيولوجي وحماية الأنظمة البيئية الطبيعية التي تكتظ بها أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وهذه الأنظمة البيئية ليست مهمة فقط على المستوى المحلي، بل تعتبر أساسية في تعويض انبعاثات الغازات الدفيئة على الصعيدين الوطني والعالمي. فعلى سبيل المثال، الغابات الاستوائية، التي تنتشر في المنطقة، تعمل كمصارف للكربون، وهو ما يساعد في تقليل التركيزات الضارة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وبالتالي الحد من تأثيرات التغير المناخي.
1. “حوافز الأمازون” في بيرو
تغطي غابة الأمازون في بيرو أكثر من 780,000 كيلومتر مربع، وتركز الجهود المتعلقة بالمناخ بشكل رئيسي على حماية التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية، بالإضافة إلى دعم المجتمعات الأمازونية. ويُعتبر الحفاظ على غابة الأمازون أمرًا بالغ الأهمية خاصة أنها من أكبر مصارف الكربون في العالم، كما أنها تضم تنوعًا بيولوجيًا هائلًا يساهم في الحفاظ على التوازن البيئي، ليس فقط للمجتمعات المحلية ولكن أيضًا على الصعيدين الوطني والعالمي.
وتتضمن استراتيجية بيرو لمواجهة التغيرات المناخية التركيز في أهدافها على إدارة الغابات وموارد المياه والبحار بطريقة مستدامة ومسئولة، وهو ما يتضمن حماية النظم البيئية الحيوية، مثل الغابات الاستوائية والأنهار، التي تلعب دورًا كبيرًا في مكافحة التغير المناخي من خلال امتصاص الكربون. كما يتم العمل على تنفيذ سياسات لحماية الأراضي من قطع الأشجار غير القانوني، وتوسيع مناطق المحميات البيئية، وتعزيز دور المجتمعات المحلية في الإدارة المستدامة لهذه الموارد وتحقيق الهدف النهائي المتمثل في ضمان بقاء الأمازون كمصدر حيوي للنمو الاقتصادي المستدام وحماية الحياة البرية، مع تحسين ظروف المعيشة للمجتمعات التي تعتمد على هذه الموارد.
وضمن السياق ذاته، اتجهت بيرو إلى إطلاق إطار تنظيمي يهدف إلى تعزيز مشاركة المجتمعات الأصلية في مواجهة تحديات تغير المناخ. ويشمل هذا الإطار أدوات إدارية متنوعة وأداة حوكمة مخصصة حصريًا للمجتمعات الأصلية ضمن منصة الشعوب الأصلية للتعامل مع تغير المناخ.([2]) حيث تعمل هذه المبادرات على تفعيل دور الشعوب الأصلية في اتخاذ القرارات المتعلقة بحماية البيئة والتكيف مع آثار التغير المناخي، وتوفير بيئة مؤسسية تدعم هذه المجتمعات في تنفيذ المشاريع البيئية المستدامة.
بالإضافة إلى ذلك، نفذت الحكومة حوافز تهدف إلى حماية ثلاثة ملايين هكتار من الغابات في 260 مجتمعًا أصليًا. وهذه الحوافز تشمل تقديم الدعم المالي والتقني للمجتمعات الأصلية لتتمكن من الحفاظ على الغابات التي تعيش فيها خاصة أن الغابات تعتبر جزءً أساسيًا من ثقافاتهم وسبل عيشهم. كما تشمل المبادرات أيضًا تعزيز قدرة هذه المجتمعات على تنفيذ مشاريع تهدف إلى الحد من إزالة الغابات، والحد من التأثيرات السلبية للتغير المناخي، مثل تغير أنماط الطقس والجفاف. وهذه الجهود لا تقتصر فقط على حماية البيئة، بل تساهم أيضًا في تعزيز استدامة المجتمعات الأصلية نفسها من خلال توفير الفرص الاقتصادية المستدامة لهم.
2. أوروجواي وحدود استراتيجيات التكيف
تعتبر أوروجواي من بين الدول التي تواجه تأثيرات كبيرة نتيجة التغيرات المناخية، وذلك بسبب اعتمادها الكبير على الإنتاج الزراعي والصناعي كمصدر رئيسي للنشاط الاقتصادي، وهذا التوجه يجعلها عرضة لتقلبات المناخ مثل الجفاف، والتغيرات في نمط سقوط الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، التي تؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي الذي يعتمد عليه الاقتصاد بشكل كبير.
وفي إطار لتقليل هذه المخاطر، وضعت أوروغواي خطة تكييف مع تغير المناخ على الصعيدين الوطني والدولي. فعلى الصعيد الوطني، عملت على تطوير استراتيجيات لمواجهة التحديات البيئية، مثل تحسين إدارة المياه، وتبني تقنيات زراعية مستدامة، وزيادة قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع التغيرات المناخية. أما على الصعيد الدولي، تتابع أوروجواي جدول أعمال المفاوضات المناخية العالمية، مثل اتفاقية باريس؛ حيث تسعى لتحقيق أهداف تقليل الانبعاثات وتكثيف الجهود للمساهمة في الحفاظ على البيئة العالمية، بالإضافة إلى التأكيد على أهمية التعاون الدولي لدعم سياسات التكيف في مواجهة تغير المناخ[3].
ويمكن القول إن أوروجواي تعد أحد الدول الرائدة في مجال التخفيف من آثار تغير المناخ؛ حيث تبنت سياسات مبتكرة لتحقيق استدامة بيئية، كما تمكنت من جعل 95% من شبكة الكهرباء تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة، وذلك من خلال دمج تقنيات مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والوقود الحيوي، بالإضافة إلى الطاقة الهيدروليكية. وهذا التحول ساعد في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو ما يساهم بشكل كبير في تقليل الانبعاثات الكربونية.
من ناحية أخرى، تركز أوروجواي على تحقيق إنتاج زراعي مستدام؛ حيث تأخذ في اعتبارها النظم البيئية الطبيعية والتنوع البيولوجي وحماية التربة، كما يشمل هذا التوجه تطوير أساليب زراعية تحافظ على الموارد الطبيعية وتحسن من قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع تحديات تغير المناخ. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الحكومة على تنفيذ مبادرات في مجالات متنوعة لتعزيز الاستدامة البيئية، وهو ما يعكس التزام البلاد بخطط التكيف والتخفيف في مواجهة تغير المناخ.
3. الأرجنتين ومسار خطط التكيف والاستدامة
تركز الأرجنتين على تنفيذ سياسات تكييفية تهدف إلى تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة وتحسين حياة مواطنيها في مواجهة تغير المناخ. في هذا السياق، أطلقت وزارة البيئة والتنمية المستدامة في الأرجنتين في عام 2022 خطة العمل المناخية 2030، والتي تركز على عدة جوانب رئيسية:
أ. تهدف الخطة إلى تسريع الانتقال الطاقي نحو مصادر طاقة أكثر استدامة، وذلك من خلال تعزيز التنقل المستدام وتكييف أنظمة الإنتاج الغذائي.
ب. تشمل الخطة المحافظة على الغابات والأنظمة البيئية، والعمل على تطوير مدن ومناطق مستدامة. ج. ضرورة معالجة التحولات المناخية من منظور النوع الاجتماعي والتنوع البيئي، وهو ما يعكس التزامها بتطوير حلول شاملة للتكيف مع تغير المناخ.
4. كولومبيا والتنوع البيولوجي
في خطوة هامة نحو تعزيز جهودها البيئية، أعلنت كولومبيا في سبتمبر 2023 عن إطلاق “صندوق الحياة والتنوع البيولوجي[4]” بقيمة تتجاوز 900 مليون دولار أمريكي. والذي يهدف إلى تمويل مشاريع بيئية تدعم الحفاظ على الغابات والأنظمة البيئية، بالإضافة إلى تقديم الدعم للعائلات التي تعتمد اقتصادها على التنوع البيولوجي. كما يساهم الصندوق في تشجيع مشاريع التعليم البيئي، مع التركيز على تحقيق هدف كولومبيا في تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 51% بحلول عام 2030. كما يمثل الصندوق الآلية المالية الرئيسية للنظام البيئي الوطني، وهو ما يعكس التزامها بتعزيز الاستدامة وحماية البيئة.
ثانيًا: آفاق العمل المناخي في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي
تُعدّ أزمة تغير المناخ واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الهيئات التنظيمية البيئية في العالم اليوم. فالتغير المناخي لا يؤثر فقط على البيئة، بل يطال الاقتصاد والصحة العامة والأمن الغذائي والسلامة والأبعاد الاجتماعية والإنسانية الأخرى. ومن هنا، تزداد الحاجة إلى تكاتف الجهود الدولية والمحلية لمواجهة هذه الأزمة المتفاقمة.
في هذا السياق، تعمل الأمم المتحدة للبيئة في دول منطقة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بالتعاون مع الحكومات، المجتمع المدني، والقطاع الخاص على معالجة أولويات تغير المناخ وتعزيز الفهم حول الأسباب والآثار المحتملة لهذا التغير على الاقتصاد ورفاهية الإنسان. كما تسعى المنظمة إلى تعزيز القدرات المحلية والوطنية لتصدي آثار التغير المناخي من خلال وضع استراتيجيات وسياسات لإدماج هذه الإجراءات في عمليات التخطيط والتنمية والاستثمار، بالإضافة إلى تنفيذ مشاريع رائدة لتحفيز العمل المناخي مع التركيز على الجهود وتحويل نظم الطاقة المعتمدة على الكربون وتنفيذ برامج التكيف، مع توفير التمويل الكافي لتجنب الكوارث والهجرة الناتجة عن التغير المناخي. وبالرغم من أن الأدوات اللازمة لمكافحة تغير المناخ متاحة، إلا أنه من الضروري تطبيقها بشكل فوري وبقوة للحد من الآثار السلبية التي قد تهدد الاستقرار البيئي والاجتماعي. وفيما يلي أبرز هذه المشروعات:
1. البوابة الإقليمية لنقل التكنولوجيا وإجراءات تغير المناخ: تعتبر البوابة الإقليمية لنقل التكنولوجيا وإجراءات تغير المناخ في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي المنصة الإقليمية التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في مجال مواجهة تحديات تغير المناخ من خلال تبادل المعرفة والتقنيات المستدامة. تسعى هذه البوابة إلى تسهيل الوصول إلى التكنولوجيا النظيفة وتعزيز القدرات الوطنية والإقليمية في مجالات التكيف والتخفيف من آثار تغير المناخ، كما تساعد في تبادل أفضل السياسات المناخية وتطوير مشاريع مشتركة، والحصول على الدعم الفني والمالي اللازم لتنفيذ استراتيجيات فعّالة لمكافحة تغير المناخ، كما تسهم في تعزيز التنسيق بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لتحقيق أهداف التنمية المستدامة والامتثال للالتزامات الدولية المتعلقة بتغير المناخ.
2. مشروع التكيف القائم على النظم الإيكولوجية الجبلية “مشروع جبل إيبا”: تهدف هذه المبادرة إلى تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع تغير المناخ من خلال اعتماد نهج قائم على النظم الإيكولوجية؛ حيث يركز المشروع على استغلال التنوع البيولوجي والخدمات التي تقدمها النظم الإيكولوجية الجبلية لتحسين القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية دون التأثير السلبي عليها، بل على العكس، يسعى المشروع إلى تحسين هذه النظم كلما كان ذلك ممكنًا.
كما يعمل المشروع على تعزيز صمود السكان في المناطق الجبلية من خلال حماية وتحسين النظم البيئية التي تدعم استدامة الموارد الطبيعية. تتضمن هذه النظم البيئية الغابات، والمراعي، والمياه الجوفية، التي تعد مصادر أساسية للعيش في هذه المناطق. من خلال استراتيجيات مثل تعزيز التنوع البيولوجي، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، ومن ثم يسعى المشروع إلى تقليل تعرض المجتمعات للمخاطر المرتبطة بتغير المناخ مثل الفيضانات، والجفاف، والانهيارات الأرضية. إضافةً إلى ذلك، المساهمة في تعزيز التوعية بين السكان المحليين حول أهمية الحفاظ على هذه النظم البيئية وكيفية استخدامها بشكل مستدام، وهو ما يعزز قدرتهم على التكيف مع التحديات المستقبلية ويضمن استدامة هذه النظم البيئية للأجيال القادمة.
3. الشراكة الإقليمية بشأن تغير المناخ بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية: وتهدف المبادرة إلى تعزيز التعاون بين الجانبين في مواجهة تحديات تغير المناخ. تهدف هذه الشراكة إلى دعم دول أمريكا اللاتينية في إدماج استراتيجيات فعالة للتخفيف من حدة تغير المناخ والتكيف معه في السياسات العامة وعمليات التخطيط على مستوى المنطقة. كما تتمثل أهداف الشراكة في توفير الدعم الفني والمالي لدول أمريكا اللاتينية لمساعدتها في تطوير وتنفيذ سياسات وبرامج متكاملة للتعامل مع تغير المناخ. ويشمل ذلك تعزيز قدرات الحكومات والمؤسسات المحلية في المنطقة لوضع استراتيجيات طويلة الأمد للتكيف مع التغيرات المناخية والتخفيف من آثارها، مثل خفض الانبعاثات الكربونية وتحسين استخدام الطاقة المتجددة.
كما تسعى الشراكة إلى تعزيز التعاون بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية في مجالات البحث والتطوير المتعلق بتغير المناخ، من خلال تبادل المعرفة والتقنيات المبتكرة التي يمكن أن تساعد في تحسين استدامة النظم البيئية في أمريكا اللاتينية. وهذا التعاون يساهم في تعزيز قدرة المنطقة على مواجهة الآثار السلبية لتغير المناخ، مثل زيادة درجات الحرارة، تزايد الكوارث الطبيعية، وارتفاع مستويات المياه. كما أنه من خلال هذه الشراكة، يتم تمكين دول أمريكا اللاتينية من تعزيز جهودها في تحقيق أهداف اتفاقية باريس لتغير المناخ، ويُتوقع أن تؤدي إلى نتائج ملموسة في تحسين الظروف البيئية والاقتصادية في المنطقة.
4. مبادرة الأمم المتحدة التعاونية بشأن خفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الأحراج وتدهور الغابات: بدأت “مبادرة الأمم المتحدة التعاونية بشأن خفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الأحراج وتدهور الغابات” في عام 2008، بهدف تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن إزالة الغابات وتدهورها في المناطق الاستوائية. ويشمل هذا البرنامج دورًا محوريًا للعديد من الوكالات التابعة للأمم المتحدة مثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للبيئة، التي تتعاون لتقديم الدعم الفني والتقني للمشاريع التي تعالج قضايا الغابات في مختلف الدول النامية.
كما يركز البرنامج على تقليل انبعاثات الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية التي تؤدي إلى إزالة الأحراج وتدهور الغابات، بما في ذلك الزراعة غير المستدامة، وقطع الأشجار غير القانوني، والنشاطات الحراجية المكثفة. من خلال تعزيز مشاريع إدارة الغابات المستدامة، يدعم البرنامج الدول النامية في تحسين طرق استغلال الغابات التي تُسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية. بالإضافة إلى ذلك، يعزز البرنامج الشراكات بين الحكومات، والشركات الخاصة، والمجتمعات المحلية في البلدان النامية، ويشجع على استخدام الحوافز المالية لتشجيع الدول على الحفاظ على غاباتها وزيادة مساحات الغابات الطبيعية. هذه الحوافز تعتمد على التدابير الخاصة بالحد من انبعاثات الكربون، مثل الدفع مقابل الحفاظ على الغابات وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة. وتسعى الأمم المتحدة من خلال هذه المبادرة إلى توفير التمويل والتقنيات اللازمة لدعم الحفاظ على الغابات، وبالتالي تقليل الانبعاثات الكربونية والمساهمة في تحقيق أهداف اتفاقية باريس الخاصة بتغير المناخ، وهو ما يعزز جهود العالم في مواجهة أزمة المناخ العالمية.
في الختام: يشكل تغير المناخ في أمريكا اللاتينية واحدًا من أكبر التحديات التي تواجه الهيئات التنظيمية البيئية. كما أنها أزمة متزايدة مع الاقتصاد والصحة والسلامة، وإنتاج الأغذية، والأمن، وأبعاد أخرى. ويمكن القول إنه دول أمريكا اللاتينية اتجهت إلى مواجهة التغيرات المناخية عبر مجموعة من السياسات الداخلية وشبكة من التعاون الإقليمي والدولي والشراكات الفعالة بين مختلف الجهات والقطاعات التي تسعى جاهدة إلى تعزيز القدرات المحلية والوطنية للتصدي لآثار تغير المناخ، ووضع استراتيجيات وسياسات عامة لإدماج تغير المناخ في تخطيط التنمية والاستثمار، وتنفيذ مشاريع رائدة لتحفيز العمل بشأن تغير المناخ.
[1] Javier Moreno, Latin America’s Renewable Energy Impact: Climate Change and Global Economic Consequences, 12 November 2023, https://2u.pw/q1UTE
[2] “منصة الشعوب الأصلية للتعامل مع تغير المناخ” هي مبادرة تهدف إلى تعزيز دور المجتمعات الأصلية في مواجهة تحديات تغير المناخ وحماية البيئة. تم تصميم هذه المنصة لتوفير إطار تنظيمي وتنفيذي يسمح للمجتمعات الأصلية بالمشاركة الفعّالة في اتخاذ القرارات البيئية المتعلقة بتغير المناخ، وضمان أن تكون حقوقهم واحتياجاتهم موضع اعتبار في السياسات البيئية.
[3] Maria Monica Monsalve, Latin America’s energy transition: Complex and Uncertain, 11.12.2023, https://2u.pw/GPxnk
[4] “صندوق الحياة والتنوع البيولوجي“ هو مبادرة أطلقتها حكومة كولومبيا في سبتمبر 2023، بهدف تمويل مجموعة من المشاريع البيئية التي تسهم في حماية الموارد الطبيعية وتعزيز التنوع البيولوجي في البلاد. تبلغ قيمة هذا الصندوق أكثر من 900 مليون دولار أمريكي، ويعتبر الآلية المالية الرئيسية للنظام البيئي الوطني في كولومبيا.

