أحمد جمال الصياد
باحث في العلوم السياسية

تشهد كوريا الجنوبية في عام 2025 لحظة فارقة في تاريخها السياسي الحديث؛ حيث تتجه البلاد إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في 3 يونيو الجاري في ظل فراغ دستوري غير مسبوق، وأزمة سياسية ألقت بظلالها على استقرار البلاد ومؤسساتها الديمقراطية، فبعد سلسلة من الأحداث، بدءً بإعلان الأحكام العرفية من الرئيس السابق يون سوك يول، وصولًا إلى عزله ومحاكمته، تجد سيول نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرة نظامها الديمقراطي على الصمود، وتجديد شرعيته في أعين المواطنين والعالم، وفي ظل هذا المشهد السياسي المعقد، تأتي الانتخابات المقبلة ليس فقط كاستحقاق دستوري، بل كلحظة حاسمة ستعيد رسم ملامح الحياة السياسية داخليًا، وتحدد بوصلة السياسة الخارجية لواحدة من أهم القوى الاقتصادية والسياسية في قارة أسيا.
أولًا: السياق السياسي لانتخابات الرئاسة 2025
شهدت كوريا الجنوبية في أواخر عام 2024 أحد أكبر أزماتها السياسية، وذلك بإعلان الرئيس الكوري السابق يون سوك يول الأحكام العرفية، وقد جاء هذا القرار كنتيجة لخسارة حزب الرئيس الكوري في الانتخابات البرلمانية في أبريل 2024 لصالح قوى المعارضة الليبرالية التي سيطرت على البرلمان بالأغلبية، تلك القوى التي شرعت في تقديم سلسلة من مشاريع القوانين والقرارات التي كانت تهدف بدورها لتقويض سلطة يون سوك يول، وهو ما عزز من الأزمة السياسية بين الرئيس الكوري والبرلمان، بما أدى إلى خروج المظاهرات الرافضة لهذا الإعلان؛ حيث تجمع المتظاهرون أمام مبنى البرلمان لرفض هذا القرار، وما تبعه من اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن الكورية، كما صادق أعضاء الهيئة التشريعية على رفض هذا القرار أيضًا، وهو الأمر الذي اضطر معه الرئيس الكوري بالتراجع عن قراره، وذلك بعد عدة ساعات من إعلانه للأحكام العرفية.[1]
وقد كان لهذا القرار غير الديمقراطي العديد من الآثار على المشهد السياسي في سيول؛ حيث أن رفض هذا القرار لم يقتصر فقط على المواطنيين وقوى المعارضة، بل أحدث هذا الإجراء انقسامات داخل حزب يون سوك يول الحاكم، وأعلن زعيم حزب قوة الشعب هان دونج هون أن إصدار هذا القرار كان خطوة خاطئة مع تعهده بإلغاء هذا القانون[2]، وبعد تراجع يون عن هذا القرار الذي نتج عن سوء تقديره السياسي، تم إلقاء القبض عليه في يناير 2025 ليتم عزله بقرار من المحكمة الدستورية في كوريا الجنوبية وذلك في أبريل من نفس العام، لتتجه كوريا الجنوبية إلى فترة انتقالية يتولى فيها هان دوك سو منصب الرئيس المؤقت، وذلك حتى إجراء انتخابات عاجلة، والتي ينص عليها الدستور في الفصل الرابع المادة 68 الفقرة 2 أنه ” في حال شغور منصب الرئيس، أو وفاة الرئيس المنتخب، أو صدور حكم من المحكمة يفقده الأهلية، أو لأى سبب آخر نتخب خلفه خلال ستين يوما”[3] وبذلك يجب أن تكون الانتخابات بداية يونيو 2025، والتي من المقرر عقدها بالفعل في اليوم الثالث من نفس الشهر.
وضمن السياق ذاته، تأتي الانتخابات في ظل تراجع معدلات النمو الاقتصادي، وتعقيدات المصالحة الداخلية لمعالجة انقسامات المجتمع ومواجهة التهديدات الخارجية، كما يأتي كل ذلك في الوقت الذي تحاول فيه كوريا الجنوبية التفاوض بشأن تخفيف التعريفات الجمركية الأمريكية الباهظة، والتهديد العسكري المتزايد من جانب كوريا الشمالية، وعدم اليقين بشأن مستقبل تحالفها مع واشنطن.
ومن ثم، تمثل هذه الانتخابات لحظة فارقة في التاريخ السياسي الحديث لكوريا الجنوبية، باعتبارها ليست مجرد انتقال تقليدي للسلطة، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا للنظام الديمقراطي الكوري على تجديد شرعيته، وعلى قدرته في العبور من أزماته السياسية، وجديرًا بالذكر أن هذه الانتخابات سيكون لها أثر كبير على المشهد السياسي داخليًا، كما سيحدد على إثرها اتجاهات السياسة الخارجية لسيول خلال السنوات المقبلة.
ثانيًا: أبرز المرشحون لانتخابات كوريا الجنوبية 2025
بعد عزل يون سوك يول في إبريل 2025، إثر الأزمة السياسية الناتجة عن إعلانه الأحكام العرفية، بدأ العديد من المرشحين الاستعداد لخوض سباق الانتخابات الرئاسية، وبقراءة المشهد السياسي الداخلي لكوريا الجنوبية يتضح أن المنافسة الرئيسية في هذه الانتخابات ستكون بين حزبين رئيسيين، وهما الحزب الديمقراطي الذي يمتلك توجهات ليبرالية يسارية، وحزب قوة الشعب الذي يمتلك توجهات يمينية محافظة -حزب الرئيس المعزول يون سوك يول-، بما يفرض على هذا الحزب تحدي كبير في تحسين صورته أمام الرأي العام، وهو الأمر الذي قد يعزز من فرص الحزب الديمقراطي بالمقابل، وأما عن أبرز المرشحين فهم:
1. لي جي ميونغ: مرشح الحزب الديمقراطي، والذي يعتبر أحد أبرز أعضاء التيار المعارض في البرلمان، كما سبق وأن خاض الانتخابات الرئاسية عام 2022 وخسرها بفارق 0.8%، وفي حال فوزه فإن توجهاته الليبرالية سيكون لها تأثير كبير على السياسة الكورية الجنوبية، سواء كان ذلك على المستوى الداخلي أو الخارجي.[4]
2. كيم مون سو: مرشح حزب قوة الشعب، وشغل منصب وزير العمل في حكومة يون سوك يول السابقة، وكان أحد المعارضين للأحكام العرفية، لكنه لم يكن مع قرار عزل يون من منصبه، وتجب الإشارة إلى أن كيم واجه عدة ضغوطات من الحزب لكي يتنحى عن ترشحه لصالح هان دوك سو رئيس الوزراء السابق صاحب الشعبية الأكبر، ذلك الأمر الذي كان سيخلق نوعًا من الانقسام داخل صفوف التيار اليميني المتمثل في حزب قوة الشعب الذي حاول الحفاظ على وحدته في مواجهة الحزب الديمقراطي، لتستقر الأمور بإعلان هان دوك سو انسحابه من الترشح لهذه الانتخابات، ليصبح كيم المرشح الرسمي لحزب قوة الشعب.[5]
3. كوون يونغ جوك: محامي متخصص في قضايا حقوق الإنسان، وترشح من قبل بعض الأحزاب اليسارية مثل حزب الخضر الكوري، وحزب العدالة، وحزب العمال الكوري، ويشمل برنامجه الانتخابي على فرض سياسات خضراء تحافظ على البيئة مثل إعلانه على فرض ضريبة على الكربون، بالإضافه لإعلانه عن سن قوانين لمكافحة كافة أنواع التمييز، بالإضافة لرفضه لسياسات ترامب التجارية، والتي تتمثل في الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على سيول، وجديرا بالذكر أن نسبة فوزه في هذه الانتخابات ضئيلة وتقدر بنسبة 1% حسب أكثر من استطلاع رأي .[6]
ثالثًا: السيناريوهات المتوقعة للانتخابات وتأثيرها على سياسات سيول
تشير أغلب استطلاعات الرأي، أن التوجه الليبرالي ممثلًا في المرشح لي جي ميونغ هو الأقرب للفوز في هذه الانتخابات، فحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب يتمتع المرشح الليبرالي بنسبة تأييد تصل إلى 49% وهي النسبة الأكبر في التأييد، يليه كيم مون سون المرشح اليميني بنسبة تأييد شعبي تصل إلى 35%[7]، أما عن السيناريوهات المتوقعة للانتخابات فإنها من المرجح أن تكون كالآتي:
1. السيناريو الأول: فوز المرشح الليبرالي لي جي ميونغ وهو السيناريو الأقرب؛ حيث تشير معظم استطلاعات الرأي بأنه المرشح صاحب نسبة التأييد الشعبي الأكبر، كما أنه أحد أبرز أعضاء المعارضة، والذي كان له دور بارز في رفض إعلان الأحكام العرفية من الرئيس الكوري السابق.
وفي حال فوزه في هذه الانتخابات ستتأثر السياسة الكورية على كافة الأصعدة بتوجهاته الليبرالية، والتي من المتوقع أن تكون مختلفة عن الرئيس اليميني السابق، فمن المرجح أن يقوم لي جي ميونغ حال فوزه بإجراء تعديلات دستورية تشمل تعديل مدة الفترة الرئاسية والتي تقدر بخمس سنوات حاليًا، فحسب تصريحات للمرشح الليبرالي اقترح بأن تكون مدة الفترة الرئاسية أربع سنوات بدلًا من خمس سنوات، مع السماح بالترشح لفترتين رئاسيتين متتاليتين، بالإضافة إلى اعتماد الترشيح البرلماني لمنصب رئيس الوزراء[8]، بالإضافة إلى محاسبة المسئولين عن إصدار الأحكام العرفية.
وعلى صعيد السياسة الخارجية فمن المحتمل أنها ستتجه وفق تصريحات المرشح اليساري لي جي ميونغ إلى العمل على التقارب مع بكين وكوريا الشمالية وموازنتها مع علاقات كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية، مع التأكيد على الحفاظ على العلاقات بين سيول وواشنطن، وذلك لأن العلاقات مع الولايات المتحدة تمثل أحد أهم ركائز السياسة الخارجية الكورية الجنوبية، بالإضافة لإمكانية فتح مجال للتواصل مع كوريا الشمالية، وإذا حاولت واشنطن استعادة إعادة التواصل مع بيونج يانج سيكون أحد أهم دوافع عودة العلاقات بين كوريا الشمالية والجنوبية[9].
ووفق ما سبق، يتضح أن المرشح الليبرالي سيسعى في حالة فوزه لإجراء إصلاحات دستورية في البلاد، من شأنها أن تعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، تلك الثقة التي تأثرت بسبب الإجراءات غير الديمقراطية التي اتبعها الرئيس اليميني السابق، كما يتضح أن السياسة الخارجية لسيول تتجه أكثر نحو الاتزان والاعتدال علاقاتها سواء مع الصين أو جارتها الشمالية.
2. السيناريو الثاني: فوز المرشح اليميني كيم مون سون، وفي هذه الحالة فإنه من المتوقع وحسب تصريحاته أيضا أن يقوم كيم بإصلاحات دستورية تتمثل في إجراء مشابه للإصلاح الليبرالي، والذي يتمثل في تعدل فترة ولاية الرئيس لتكون أربع سنوات مع السماح بالترشح لفترة أخرى، كما صرح كيم بأنه في حالة فوزه سيقلص مدة ولايته إلى 3 سنوات بما يمكن معه إجراء الانتخابات العامة والرئاسية في نفس العام والتي ستكون عام 2028.
وعلى مستوى السياسة الخارجية، فإن سياسات حزب قوة الشعب المحافظ، تنطوي على تبني سياسة خارجية مؤيدة لواشنطن، وهو ما يعكس مدى التقارب بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، والحرص على الحفاظ على هذا التقارب، أما عن العلاقات مع الصين فإنها كانت علاقات متوترة على الرغم من أن الصين تمثل أحد أكبر الشركاء التجاريين لكوريا الجنوبية، بما يعني أن استمرار سيول في علاقاتها المتوترة مع بكين سيكون له مخاطر كبيرة على اقتصادها، بالإضافة للتعامل مع كوريا الشمالية بنهج أكثر صرامة بعيدا عن النهج التفاوضي، بما يعزز من توتر العلاقات بين سيول وبيونغ يانغ، ولا تشير التوقعات أن فوز كيم في هذه الانتخابات سيغير من ملامح السياسة الخارجية السابقة لسيول، والتي كان يتبناها الرئيس المعزول يون سوك يول، وهذا السيناريو سيكون مرجح في حالة استمرار منح الدستور صلاحية إدارة الشؤون الخارجية بشكل يحد من تأثير البرلمان على هذا الملف.[10]
في الختام: إن انتخابات كوريا الجنوبية 2025 ليست مجرد تنافس بين مرشحين أو أحزاب سياسية، بل هي اختبار لثبات الديمقراطية الكورية أمام واحدة من أعقد الأزمات السياسية التي مرت بها البلاد في تاريخها الحديث، فنتائج هذه الانتخابات لن تقتصر على إحداث تغيير في منصب الرئيس، بل ستمتد آثارها إلى تحديد طبيعة العلاقة بين السلطات، والتي يمكن أن تتغير بشكل كبير حسب نوع وشكل التعديلات الدستورية التي تزعم التيارات السياسية المختلفة بأنها ستقوم بها، وتوجهات سيول الإقليمية والدولية في السنوات المقبلة، وبين صعود التيار الليبرالي الباحث عن الإصلاح والانفتاح، واستمرار التيار المحافظ الساعي لإعادة التوازن والحفاظ على الثوابت، تبقى إرادة الناخب الكوري هي العنصر الحاسم في صياغة مستقبل البلاد، والمحدد الأهم في عبور سيول من أزمتها السياسية المعقدة.
[1] bbc عربي، قرار الأحكام العرفية ينقلب على الرئيس الكوري الجنوبي، في ماذا يفكر سوك يول؟ تاريخ النشر 4/12/2024، تاريخ الوصول 30/5/2025.
[2] العربية، كوريا الجنوبية.. لماذا أعلنت الأحكام العرفية في رابع أكبر اقتصاد بأسيا؟ تاريخ النشر 3/12/2024، تاريخ الوصول 30/5/2025.
[3] دستور كوريا الجنوبية.
https://shorturl.at/pQG1m
[4] محمد صلاح الدين، المرشحون المحتملون والقضايا الرئيسية في الانتخابات الرئاسية الكورية المبكرة، مركز المستقبل، تاريخ النشر 10/4/2025، تاريخ الوصول 31/5/2025.
[5] Jac Kim, South Korea presidential hopeful Kim turned from activist to right-wing maverick, Reuters, 31/5/2025
الشرق الأوسط، كوريا الجنوبية: حزب سلطة الشعب يختار كيم مون سو مرشحا لانتخابات الرئاسة، تاريخ النشر 10/5/2025، تاريخ الوصول 31/5/2025.
https://shorturl.at/blFdp
[6],Park Ung, Presidential dark horse? Debate puts former rights lawyer in spotlight, The Korea Times, 1/6/2025.
https://shorturl.at/MMiQP
[7] Reuters, South Korea’s presidential election by the numbers, 1/6/2025.
https://shorturl.at/cpP1f
[8] الجزيرة، التعديلات الدستورية تتصدر اهتمامات مرشحي الرئاسة في كوريا الجنوبية، تاريخ النشر 26/5/2025، تاريخ الوصول 1/6/2025.
https://shorturl.at/izh0b
[9] الجزيرة، التعديلات الدستورية تتصدر اهتمامات مرشحي الرئاسة في كوريا الجنوبية، مرجع سابق.
محمد صلاح الدين، المرشحون المحتملون والقضايا الرئيسية في الانتخابات الرئاسية الكورية المبكرة، مرجع سابق.
[10] الشرق الأوسط، حدود تأثير الانتخابات على حسابات السياسة في كوريا الجنوبية، تاريخ النشر 19/4/2024، تاريخ الوصول 1/6/2025.
https://shorturl.at/sziop

