مصطفى محمود عنتر
باحث في العلوم السياسية

لم يكن مشهد الصراع الذي جمع بين إيران وإسرائيل منذ 13 يونيو 2025 مجرد مشهد تقليدي مألوف ضمن سلسلة الاشتباكات والصراعات التي حكمت وشكلت علاقة الطرفين عبر العقود، بل كان مشهدًا فريدًا واستثنائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إلى درجة أنه بدا كاشفًا لما آلت إليه تحولات السياسة والصراع في المنطقة وخارجها. ففي لحظة متزامنة خرج كل من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، للإعلان أن كل دولة حققت أهدافها والانتصار في جولة الحرب الأخيرة، ولم تكن هذه التصريحات متضاربة فحسب، بل بدت وكأنها تعكس واقعين متوازيين لا يلتقيان، أو سرديتين متناقضتين تتصارعان على الهيمنة الرمزية في فضاء إقليمي مضطرب.
وقد اتسم هذا المشهد المزدوج بتزامن الاحتفالات الرسمية داخل كل دولة، وبخطابين يروجان على نحو يقيني لفكرة النصر الحاسم باعتبارها لحظة مفصلية في إدراك طبيعة الصراع وأدواته المعاصرة؛ إذ بدا واضحًا أن التساؤلات الجوهرية التي تفرض نفسها في أعقاب مثل هذه اللحظة لا تتعلق بالعدو المهزوم أو طبيعة النصر ذاته، بل تتجه إلى ما هو أعمق: من الذي خسر فعلاً؟ وعلى من يتحقق هذا “الانتصار” المعلن؟ وما المعايير التي باتت تستخدم في إعلان النصر والهزيمة في هذا العصر؟
وقد كشفت هذه اللحظة النادرة بكل ما تنطوي عليه من مفارقة رمزية عن تحول عميق وغير تقليدي في بنية الصراعات والحروب الدولية، وهو تحول لا يمكن فهمه أو تفسيره وفق الموازين الكلاسيكية للقوة أو منطق المكاسب والخسائر العسكرية على الأرض، كما لم تعد نتائج الحروب قاصرة على ركائز مثل المعارك العسكرية وحجم الخسارة في المعدات أو الحدود الجغرافية فقط، بل أصبح خاضعًا لما يمكن وصفه بتصاعد منطق “السردية” في مقابل تراجع منطق الحقيقة.
وفي ضوء ذلك، لم تعد الحرب توظف بوصفها أداة لحسم الصراع أو لإعادة رسم الخرائط السياسية وفق موازين القوى، وإنما غدت بشكل متزايد أداة رمزية تستثمر لإعادة إنتاج الخطاب السياسي الداخلي وتثبيت شرعية الأنظمة القائمة، فالهدف لم يعد الانتصار العسكري بحد ذاته، وإنما بناء سردية الانتصار وتعميمها، حتى وإن تطلب الأمر نفي الواقع أو إعادة تأويله بصورة انتقائية، ويشير هذا التحول إلى تحول جوهري في دور الحرب في النظام الدولي من وسيلة مادية للحسم إلى وسيلة رمزية للتبرير وإعادة التكيف السياسي.
أولًا: حين يصبح العدو ضرورة وجودية
إن اللافت في هذه المعادلة المركبة لا يكمن فقط في إعلان الانتصار من قبل طرفين يفترض أنهما في حالة خصومة وجودية، بل في الطبيعة العميقة للعلاقة التي تربط بينهما على مستوى الخطاب والشرعية، فكل من إيران وإسرائيل، وإن ظهرا كخصمين متواجهين في الساحة الإقليمية، إلا أن كل طرف منهما يعتمد على نحو غير مباشر على وجود الآخر كجزء من بنيته الخطابية ومن شرعيته السياسية الداخلية.
فالخطاب الثوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها في عام 1979، لا يكتمل دون حضور دائم وفاعل لما يسمى بـ”العدو الصهيوني”، الذي يشكل ركيزة أساسية في بناء الهوية السياسية والموقف الأيديولوجي للنظام، في المقابل، تعتمد إسرائيل بصورة لا تقل وضوحًا على تكريس صورة التهديد الإيراني باعتباره الخطر الوجودي الأول الذي يبرر استمرار سياسات العسكرة، ويؤمن إجماعًا وطنيًا حول قيادة الدولة، ويضمن تدفق الدعم الغربي، ولا سيما الأميركي.
وبهذا المعنى، فإن ما يبدو صراعًا مفتوحًا بين الطرفين لا يتجه فعليًا نحو الحسم أو التسوية النهائية، بل نحو نمط من الاستمرار المنضبط أو الصراع المستدام؛ حيث يجري التحكم في منسوب التوتر وضبط إيقاع التصعيد وفق متطلبات الداخل السياسي لكل طرف، فالنزاع هنا لا يدار لتحقيق نصر نهائي على العدو، بل يوظف كأداة استراتيجية لإدامة حالة استنفار سياسي وأمني تسمح بإعادة إنتاج الشرعية وتعزيز التماسك الداخلي، لا سيما في لحظات التحديات الاقتصادية أو الاجتماعية أو تراجع الحاضنة الشعبية.
ولعل ما ظهر من خلال إعلان الطرفان النصر هو أشبه ما يكون بنظام توازن رمزي لا يهدف إلى كسر الطرف المقابل، بل إلى الحفاظ عليه كـ”آخر ضروري” يتيح تجديد وإنتاج الخطاب الرسمي باستمرار، في هذا السياق تصبح الحرب المحتملة والمناوشات الدورية واللغة التصعيدية وسائل لإطالة عمر النظامين، أكثر منها أدوات لحسم الصراع أو تحقيق تحول جوهري في موازين القوى.
ثانيًا: تراجع مفهوم النصر التقليدي
لطالما ارتكزت الأدبيات الكلاسيكية في حقل العلاقات الدولية على مفهوم واضح ومتماسك للنصر؛ حيث كان يعرف بوصفه حالة مادية ملموسة تحقق من خلال الحسم العسكري، وفرض الشروط على الطرف المهزوم، أو إسقاط نظام سياسي معادٍ، كما يُنظر إلى معايير ومؤشرات النصر وفق هذه الرؤية باعتباره نهاية منطقية للصراع ومقدمة لإعادة ترتيب ميزان القوى وفقًا لنتائج ميدانية قابلة للرصد والقياس، غير أن هذا التصور أخذ في التآكل التدريجي خلال العقود الأخيرة، إلى أن تهاوى بشكل صارخ في المشهد الراهن داخل الحروب الحديثة؛ حيث باتت معايير الانتصار خاضعة لمنطق سياسي إعلامي متحول لا يستند إلى وقائع الصراع بقدر ما يستند إلى سرديات تنتج لأغراض داخلية وخارجية.
وفي ظل هذا التحول لم يعد الانتصار فعلًا واقعيًا قابلًا للتحقق بالوسائل التقليدية، بل أصبح بدرجة متزايدة منتجًا رمزيًا يصاغ عبر خطاب سياسي محكم، ومشهد جماهيري معد بعناية، وعدسة إعلامية قادرة على تأطير اللحظة بما يخدم السردية الرسمية، فالإعلان عن الانتصار لم يعد يتطلب السيطرة على الأرض أو القضاء على العدو، بل يكفيه أن يقدم في إطار تعبوي، يلبي الحاجة النفسية للمجتمع، ويعزز من شرعية النظام السياسي، بصرف النظر عن التناقض بين هذا الخطاب وواقع الميدان.
إن أخطر ما يكشفه هذا التحول لا يتمثل فقط في اختزال النصر إلى مجرد أداة دعائية، بل في ما يترتب عليه من تحول في وظيفة الحرب نفسها، فبدلًا من أن تكون الحرب أداة من أدوات السياسة، وفق مقولة كلاوزفيتز الكلاسيكية، باتت تمارس بوصفها أداءً رمزيًا يحمل دلالات تتجاوز ساحة القتال، إلى الفضاءات الإعلامية والثقافية والسياسية، بهذا المعنى تنزلق الحرب إلى مستوى “الاستعراض السياسي”؛ حيث يعاد إنتاجها بما يتناسب مع الحاجات الداخلية، لا مع الحقائق الموضوعية. كما لا يقتصر هذا التحول على الحالة الإيرانية الإسرائيلية فحسب، بل يعبر عن نمط عالمي آخذ في التشكل، تتراجع فيه المعايير التقليدية للصراع والنصر، ليحل محلها منطق “السردية والتأويل السياسي، بما يضع الباحثين وصناع القرار أمام تحديات جديدة في فهم طبيعة الحرب والسلطة والشرعية في القرن الحادي والعشرين.
ثالثًا: الحرب كأداة لإدارة الداخل
لا يمكن فهم ما جرى في كل من إيران وإسرائيل في جولة الحرب الأخيرة بمعزل عن السياقات الداخلية المعقدة التي تشكل الخلفية الحقيقية للاستعراض بين الجانبين، فعلى الرغم من الاختلاف الجذري في طبيعة النظامين السياسيين وطبيعة التحديات التي يواجهها كل منهما، إلا أن القاسم المشترك بينهما هو استخدام الحرب أو التلويح بها كأداة لإعادة إنتاج النظام السياسي من الداخل، وتجاوز أزماته البنيوية من خلال توجيه الأنظار نحو الخطر الخارجي.
ففي الحالة الإسرائيلية، تعيش الدولة أزمة غير مسبوقة على المستوى الداخلي، تمثلت في انقسامات سياسية ومجتمعية عميقة، وخلافات حادة حول قضايا تتصل بطبيعة النظام الديمقراطي نفسه، لا سيما في ظل محاولات الحكومة تمرير إصلاحات قضائية أثارت احتجاجات واسعة النطاق، وشكلت تهديدًا جديًا لتماسك النخب والمؤسسات، وقد ترافقت هذه الأزمة مع تراجع حاد في ثقة المواطنين في القيادة السياسية، وتصاعد الانتقادات لنتنياهو وتحالفاته، وفي هذا السياق مثلت الحرب أداة فعالة لتحويل الانتباه من الداخل المأزوم إلى الخارج المهدد، ولإعادة صياغة لحظة تعبئة وطنية مؤقتة تستثمر لتوحيد الجبهة الداخلية واستعادة الهيبة القيادية.
أما في إيران، فإن الضغوط الاقتصادية المتفاقمة نتيجة العقوبات الغربية، والانكماش الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، فضلًا عن تصاعد التوترات الاجتماعية والاحتجاجات الشعبية المتقطعة، وهذه العوامل ساهمت في جعل الاستقرار الداخلي هدفًا خاصة مع تآكل القاعدة الشعبية للنظام، وتراجع زخم الخطاب الثوري التقليدي، وقد جاءت الحرب لتعيد إحياء مقولات المقاومة والمواجهة، كما توفر إطارًا تعبويًا لإعادة بناء الاصطفاف الشعبي حول النظام، ولو بصورة مؤقتة ومصطنعة.
وفي الحالتين، تخرج الحرب من إطارها التقليدي كأداة للمواجهة مع الآخر، لتتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وإدارة الأزمة بدلًا من حلها، إنها ليست فقط صراعًا مع الخارج، بل أيضًا عملية رمزية لإعادة إنتاج الشرعية، وصياغة سردية جديدة للنظام في مواجهة تآكل المشروعية، وتحديات الانقسام أو الغضب الشعبي. وبهذا المعنى، تصبح الحرب أداة داخلية بامتياز، يتم توظيفها وفق منطق الضرورة السياسية، لا وفق منطق الاستراتيجية العسكرية البحتة.
رابعًا: ما بعد الحقيقة في العلاقات الدولية
في السنوات الأخيرة، بات من الواضح أن النظام الدولي لم يعد يدار استنادًا إلى الحقائق الموضوعية والبينات القابلة للتحقق فحسب، بل وفق منطق جديد يمكن وصفه بـ”زمن ما بعد الحقيقة(Post-truth)، الذي تتراجع فيه الحقيقة كمعيار جامع لصالح تعددية السرديات التي ينتجها الفاعلون الدوليون وفق مصالحهم وهواجسهم السياسية، وما شهدته جولة الحرب في الحالة الإيرانية الإسرائيلية لا يعدو كونه تجليًا صارخًا لهذا التحول البنيوي في العلاقات الدولية المعاصرة.
فكل طرف من الطرفين يصوغ روايته الخاصة عن الحرب والنصر والهزيمة، متجاهلًا ليس فقط الوقائع الميدانية، بل أيضًا السردية المقابلة للطرف الآخر، هكذا، تقدم الخسائر بوصفها إنجازات، ويعاد تأويل الفشل باعتباره انتصارًا تكتيكيًا، ويعاد تشكيل الوعي الجمعي من خلال أدوات إعلامية وخطابية تشتغل على صناعة المعنى أكثر مما تشتغل على نقل الحقيقة، إن الفضاء العام الدولي لم يعد ميدانًا للنقاش العقلاني بين روايات متقاربة، بل بات ساحة صراع سردي، تتنافس فيها التصورات والتأويلات، دون الحاجة إلى مرجعية مشتركة تتيح التقويم الموضوعي.
والنتيجة هي مشهد دولي يزداد ضبابية وتفككًا، مشهد تتآكل فيه معايير التحليل الرصين، ويستبدل فيه الفهم النقدي بالتلقي العاطفي، وتتراجع فيه القدرة على التمييز بين الفعل والخطاب، بين النصر الميداني والانتصار الإعلامي، كما أن هذه التحولات تفضي إلى إضعاف متسارع لدور المؤسسات الدولية، التي باتت عاجزة إن لم تكن مهمشة عن فرض رواية موحدة أو حتى صياغة إطار تفسيري مشترك للصراعات.
وفي هذا الإطار، أصبحت العلاقات الدولية مجالًا مفتوحًا للمزايدة في إنتاج السردية؛ حيث تحل الأساطير السياسية محل التحليل العقلاني، ويعاد تشكيل الوقائع بما يخدم أهدافًا ظرفية، وهنا تكمن خطورة لحظة “ما بعد الحقيقة”، فهي لا تقود فقط إلى تضليل الجمهور أو تزييف الوعي، بل تؤسس لنظام دولي مفكك، تغيب فيه أسس التفاهم والتفاوض، ويصبح فيه الصراع أكثر استعصاءً على الحل.
في الختام: حينما يحتفل طرفان متحاربان بإعلان “النصر الكامل” في نفس الحرب، لا بد أن تبرز إلى الواجهة تساؤلات وجودية حول طبيعة هذا النصر ومعناه، ومن هو الطرف الذي خسر فعليًا؟ من دفع التكلفة الإنسانية والسياسية والاجتماعية لهذه المواجهة؟ إن الإجابة العميقة عن هذه التساؤلات لا تكمن، على الأرجح، لا في طهران ولا في تل أبيب، بل في المساحات المنسية من الجغرافيا السياسية، وفي المجتمعات التي تتحمل أوزار هذا الصراع المزمن دون أن تكون طرفًا فيه.
إن الخسارة الحقيقية غالبًا ما تتجلى في الأطراف الهشة التي تزج عنوة في معارك لا تملك فيها قرار الحرب ولا خيار السلام، وتستهلك فيها كوسائط رمزية لصراعات أكبر منها بكثير؛ حيث تختلط الجغرافيا بالتهميش وتتآكل البنى الاجتماعية بصمت لا يتم تسليط الضوء عليه، وهو أمر لا يدخل في حسابات النصر الإعلامي.
إن هذا المشهد لا يجب أن يقرأ كمجرد مفارقة إعلامية أو تناقض سطحي في السرديات، بل ينبغي النظر إليه كمؤشر على تحول عميق في بنية النظام الدولي المعاصر، فالحرب لم تعد فعلًا عسكريًا موجهًا لتحقيق أهداف سياسية قابلة للتفاوض أو القياس، بل أصبحت جزءً من منظومة رمزية تنتج الانتصار كخطاب وسردية إعلامية، وتهمش الخسارة كواقع غير مرئي.
ووفق هذا التصور، يمكن القول إن النظام الدولي يشهد مرحلة جديدة في إعادة التعريف نصر الحروب والذي يمكن وصفه بزمن النصر بلا حرب، والحرب بلا نصر؛ حيث يصبح منطق “الخسارة الصامتة” هو الحاكم الفعلي للمعادلات الاستراتيجية وإعادة صياغة موازين القوى في مراكز القرار، وحيث تتداخل السردية السياسية مع العجز الأخلاقي في تبرير استمرار الصراعات والحروب. ومن هنا، فإن مسئولية التحليل الأكاديمي لا تقتصر على تفكيك الشعارات أو كشف التناقضات، بل تمتد إلى مساءلة البنية الكامنة وراء هذا النمط من حروب السرديات، وتفكيك أبعاده السياسية والرمزية والإنسانية، بما يتيح إعادة الاعتبار لتوصيف النصر أو الخسارة في الحروب ونقل رواية الفئات والقطاعات المهمشة في هذه التطورات ويشاركون في تحمل نتائجها.

