محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الايرانية
شهد العقد الأخير توسعًا ملحوظًا في توجه السياسة الخارجية الإيرانية نحو شرق إفريقيا، وبخاصة كينيا وتنزانيا اللتين أصبحتا محورًا وركيزة في استراتيجية طهران في توظيف قوتها الناعمة وخاصة تلك التي ترتكز على الأبعاد الثقافية والدينية؛ حيث انتقل التركيز الإيراني من الاهتمام التقليدي بالتعاون الاقتصادي والمشروعات التنموية إلى توظيف منظم وممنهج للقوة الناعمة، عبر أدوات ثقافية ودينية متنوعة تستهدف البنية المجتمعية والوجدان الجماعي للشعوب. من بين هذه الأدوات يبرز نشر اللغة والثقافة الفارسية، وتوسيع شبكة المراكز والمؤسسات الثقافية، ودعم نشاطات دينية يقودها مجموعة من المداحين الذين يلعبون دورًا تعبويًا واجتماعيًا يتجاوز الطقوس الدينية ليصل إلى تحقيق مصالح سياسية واستراتيجية.
وفي ضوء ذلك، تعتمد منظومة صنع القرار الإيراني داخل المؤسسات الدينية والسياسية على افتراض أن الاستثمار الثقافي طويل الأمد قد يثمر شبكات نفوذ تؤسس لنفوذ أيديولوجي مستدام لا يتغير مع تبدل المصالح والاتجاهات، وفي ضوء ذلك، تُعد كل من كينيا وتنزانيا، بتركيبتهما الديموغرافية المتعدد والمجتمعات المنفتحة على المبادرات الثقافية الأجنبية أحد الساحات الخصبة لتنفيذ هذه الآليات وجعلها جزءً من النسيج الاجتماعي المحلي من خلال استهداف المؤسسات الرسمية والشعبية معًا، كما تسعى طهران إلى خلق مسارات تواصل جديدة تسمح لها بتعزيز نفوذها داخل الأحياء والمراكز الدينية والشباب من خلال الرموز والفعاليات الثقافية.
أولًا: النفوذ الشيعي في كينيا وتنزانيا
لا يتم التمدد الإيراني في شرق إفريقيا بصورة مباشرة أو صدامية، بل عبر خطوات محسوبة تتدرج من تقديم الخدمات الثقافية والتعليمية، إلى بناء حضور ديني وروحي، ثم الوصول إلى تأسيس شبكات اجتماعية محلية راسخة، كما يمنح هذا النهج قدرة إيران على تعزيز نفوذها داخل البيئات الشعبية، وصياغة سرديات ومضامين ثقافية قادرة على التأثير في الوعي الجمعي، خاصة في المناطق التي تعاني من الضعف والهشاشة المجتمعية، وبهذه الطريقة يتحول النفوذ الثقافي إلى بنية متماسكة يصعب تفكيكها، ويصبح لرموز إيران وشخصياتها الدينية نفوذ وحضور داخل الحياة اليومية هذه الدول.
1. الوجود الشيعي في كينيا
لم يكن للشيعة أي وجود يُذكر في كينيا قبل منتصف القرن التاسع عشر؛ إذ لم يظهر المذهب هناك إلا مع قدوم مجموعات من التجار والمهاجرين الشيعة القادمين من شبه القارة الهندية. ورغم محدودية أعدادهم آنذاك، إلا أن ثرواتهم الكبيرة مكنتهم من إنشاء مدارس ومراكز تعليمية كان يرتادها أيضًا طلاب من أهل السُّنة. ومع ذلك، ظل نشاطهم الديني محصورًا داخل الحسينيات دون أي محاولات واضحة لنشر مذهبهم.
لكن المشهد تغير بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979؛ حيث بدأ الشيعة إطلاق حملات منظمة للدعوة إلى التشيع داخل المجتمع السني الكيني. وفي عام 1982 وصل أول وفد من علماء الشيعة الاثني عشرية إلى كينيا، وتمكن من استمالة مجموعة من الشباب المتدين إلى المذهب. كما نجح دعاة التشيع في إقناع عدد من أئمة السنة بالتحول إلى المذهب الشيعي، بعد تقديم رواتب مغرية لهم في بلد يعاني من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة. وهو ما ساهم في توسيع رقعة التشيع والدعوة إليه، حتى تحولت بعض مساجد السنة إلى مساجد شيعية، ومن أبرزها مسجد الصفا في مدينة لامو، الذي أُعيد بناؤه بالكامل ليصبح مركزًا للطائفة بتمويل أحد الشيعة ويدعى “بهمن الكويتي”.
وعمومًا، فإن الدعم المالي واللوجستي المستمر الذي يحصل عليه الشيعة من الحكومة الإيرانية هو العامل الأبرز في توسعهم وانتشارهم داخل كينيا. وعلى الرغم من غياب إحصاءات دقيقة حول أعدادهم الحقيقية، إلا أن حضورهم ميدانيًا أصبح ملحوظًا بفضل التمويل الضخم الذي يتدفق من إيران.
2. الوجود الشيعي في تنزانيا
تُعدّ تنزانيا من أبرز مراكز الانتشار الشيعي في منطقة شرق أفريقيا، وتشكل العاصمة دار السلام المركز الرئيس لجماعة الخوجة، التي تتولى تنظيم شئون الطائفة وإدارة علاقاتها الداخلية. وقد تأسست جمعية الخوجة في دار السلام عام 1945 لهذا الهدف، وهو ما أعقبه توافد علماء الشيعة إلى البلاد والبدء تدريجيًا في ممارسة نشاطات دعوية بين السكان المحليين؛ حيث يُقدر عدد الشيعة الإمامية من أصول هندية في تنزانيا بنحو 12 ألف فرد، يعيش نصفهم في دار السلام، بينما يتوزع الباقون في مدن أخرى مثل تانكا، أروشا، موشي، موانزا، بكوبا، ليندي، سونكيا، وزنجبار.
وفي عام 1965 تم تأسيس مؤسسة بلال الإسلامية، التي أصبحت مركزًا لنشاط ديني وثقافي واسع يمتد إلى عدد من الدول الأفريقية، وبالتالي أصبحت تضم عددًا كبيرًا من المساجد والحسينيات وبعض المدارس الدينية في تدريس مواد مثل نهج البلاغة وشرائع الإسلام وغيرها، ويبلغ عدد طلابها حاليًا نحو 65 طالبًا.
كما تصدر مؤسسة بلال مجلة شهرية، بالسواحلية مرة وبالإنجليزية مرة أخرى، وقد نشرت حتى الآن أكثر من 80 كتابًا وعددًا كبيرًا من الكتيبات. وترتبط بالمؤسسة شبكة تضم نحو 25 ألف شخص في أفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وأسهمت منشوراتها في نشوء مجتمع شيعي في غويانا بأمريكا الجنوبية. وتمتلك المؤسسة نحو 16 فرعًا في دول مختلفة، وقد أدت أنشطتها إلى اعتناق أكثر من 20 ألفًا من أبناء تنزانيا الأصليين للمذهب الشيعي.
ثانيًا: آليات التأثير الإيراني في كينيا وتنزانيا
تتعدد مداخل التأثير الإيرانية في تعزيز نفوذها، وقد برزت الثقافة الدينية كأحد أبرز الأدوات التي توضح اتجاهات إيران في تعزيز نفوذها والتي تتضمن مجموعة من المسارات الفرعية على النحو الآتي:
1. بناء شبكات اجتماعية متعددة المستويات
تعمل إيران في كينيا وتنزانيا وفق بنية شبكية متدرجة تضم رجال دين محليين، ومداحين، ومثقفين عادوا من الدراسة في الحوزات الإيرانية، إضافة إلى نشطاء في جمعيات شيعية قديمة مثل جمعيات الخوجة المنتشرة في دار السلام ومومباسا. وهذا النسيج متعدد المستويات يتيح لطهران ممارسة نفوذ دائم حتى في الفترات التي يتراجع فيها الدور الدبلوماسي المباشر؛ إذ يعتمد على علاقات شخصية ومؤسسية يصعب تتبعها أو تعطيلها.
ويشترك كل عنصر من عناصر الشبكة في مهمة محددة؛ فالمثقفون والباحثون ينظمون ندوات فكرية عن الوحدة الإسلامية والثقافة الإيرانية، بينما يشرف المداحون على الفعاليات الشعائرية التي تستقطب مئات من الشباب سنويًا، أما الطلاب العائدون من قم ومشهد فيلعبون دورًا مهمًا في نشر المذهب الشيعي داخل المساجد الصغيرة أو المراكز المجتمعية. وقد رصدت تقارير محلية أن عدد الطلاب الكينيين الذين تلقوا منحًا دراسية في إيران تجاوز 300 طالب بين عامي 2005 و2020، وهو رقم يعكس توسع الشبكة التعليمية.
وتزداد قوة هذه الشبكات عندما تندمج في بيئات فقيرة تعاني من نقص التمويل، مثل بعض مناطق الساحل الكيني أو جزر تنزانيا؛ حيث يُنظر إلى الدعم الذي تقدمه المؤسسات الإيرانية من منح، ومواد غذائية في مناسبات دينية، وتمويل لتطوير المساجد باعتباره دعمًا اجتماعيًا أكثر منه عملًا سياسيًا. ومع الوقت، يتحول هذا الدعم إلى رأس مال رمزي يتيح لإيران بناء حضور اجتماعي يصعب تفكيكه.
2. الدمج بين العمل الثقافي والدبلوماسية الشعبية
تتبنى إيران استراتيجية مزدوجة تعتمد فيها على الدبلوماسية الرسمية عبر سفاراتها من جهة، وعلى الدبلوماسية الشعبية والثقافية من جهة أخرى. وقد ظهر هذا بوضوح في تنزانيا؛ حيث تم تنظيم أكثر من 20 فعالية ثقافية مشتركة بين عامي 2010 و2023، شملت معارض للخط الفارسي، وورش فنية، وبرامج لتعليم اللغة الفارسية في زنجبار. وفي كينيا، تُقيم السفارة الإيرانية برامج سنوية مثل أسبوع الفيلم الإيراني في نيروبي، وهو حدث يجذب فنانين وطلاب جامعات ويخلق مساحة للتواصل الثقافي.
وضمن هذا السياق، تساعد الجاليات الشيعية ذات الأصول الهندية خاصة في مومباسا ودار السلام في توفير قاعدة اجتماعية جاهزة للتعاون مع المؤسسات الإيرانية، نظرًا لعلاقتها التاريخية بالمراكز الدينية في قم. وفي المقابل تعمل المؤسسات الشعبية مثل المراكز الثقافية والمداحين على الوصول إلى الفئات التي لا تتعامل عادة مع السفارات، كالشباب في الأحياء الشعبية والطلاب في الحلقات الدينية. وهذا الدمج بين الأدوات الرسمية والشعبية يمنح إيران قدرة على الحركة في مستويات متعددة، ويجعل وجودها أقل اصطدامًا بالأنظمة الحكومية وأكثر التصاقًا بالمجتمع.
3. توظيف الرمزية والثقافة البصرية لتعزيز الحضور الإيراني
تعتمد إيران بشكل كبير على الرموز الشيعية كجسر ثقافي، مثل راية عاشوراء السوداء وصور العتبات المقدسة في كربلاء والنجف، إضافة إلى الزخرفة الفارسية المستخدمة في الفعاليات والمراكز الثقافية. هذه الرموز تنتشر في محيط المساجد والمواكب وفي المدارس الدينية الممولة إيرانيًا، والتي تصبح جزءً من المشهد البصري اليومي في بعض أحياء دار السلام ومومباسا. كما تحمل هذه الرموز دلالات تتعلق بالثورة والظلم والتضحية، وهي قيم تلقى صدى واسعًا في المجتمعات التي عاشت فترات طويلة من الاستعمار أو الصراع، وهو ما يجعل الرمز الإيراني قادرًا على امتلاك تأثير وجداني سريع.
وتعد تنزانيا على سبيل المثال أحد النماذج على هذا الدمج الرمزي؛ حيث احتفلت سفارة إيران في دار السلام باليوم الوطني للجمهورية الإسلامية الإيرانية بحضور وزراء ومسئولين تنزانيين وعدد من السفراء، وهو ما يعكس قبولًا رسميًا للأنشطة الثقافية الإيرانية التي يوفر لها المداحون والمراكز الدينية غطاء شعبيًا واسعًا.
4. الإعلام المحلي والتواصل المرئي
تركز المؤسسات المرتبطة بإيران على بناء حضور إعلامي تدريجي داخل كينيا وتنزانيا، عبر التعاون مع محطات محلية صغيرة تُغطي الفعاليات الدينية أو تبث برامج قصيرة حول الثقافة الإيرانية. وفي السنوات الأخيرة ازداد الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث تُنشر مقاطع قصيرة للمداحين وهم يؤدون اللطمية بالفارسية أو السواحلية، وهو ما يخلق جمهورًا جديدًا من الشباب.
ولا تحتاج إيران إلى بنية إعلامية ضخمة في شرق أفريقيا؛ فمجرد تكرار الظهور في الإعلام المحلي مع إنتاج محتوى مرئي يكفي لتطبيع وجودها وترسيخ صورتها كدولة ذات حضور ثقافي إيجابي. كما إن هذا النوع من الاتصال الهادئ يساهم في خلق بيئة تتقبل النفوذ الإيراني دون ضجيج أو حساسية سياسية.
5. دور المراكز الثقافية الإيرانية في نشر الثقافة الدينية
تعد المراكز الثقافية الإيرانية في منطقة شرق إفريقيا حجر الزاوية في استراتيجية طهران لتعزيز قوتها الناعمة. ففي كينيا وتنزانيا تعمل هذه المراكز على تنظيم فعاليات دينية، وإحياء المناسبات الشيعية الكبرى، وإقامة ندوات حول التاريخ الإسلامي من منظور إيراني. كما تلعب هذه المراكز دورًا مزدوجًا، فهي من جهة تروج للثقافة الفارسية بوصفها امتدادًا للحضارة الإسلامية، ومن جهة أخرى تعمل على جذب شرائح واسعة من الشباب المهتمين بالدراسة الدينية، من خلال تقديم منح أكاديمية أو دورات علمية في الفكر الإسلامي واللغة الفارسية. وهذا الزخم الثقافي يمنح إيران قدرة على التواصل مع مجتمعات محلية عبر رموز دينية يجري إعدادها فكريًا داخل إطار يتوافق مع التوجه الإيراني.
ومن الناحية العملية، يتحول المركز الثقافي إلى منصة تجمع بين التدريس، والأنشطة الاجتماعية، والدعم الروحي، وهو ما يجعل تأثيره عميقًا وطويل المدى، كما تتصاعد فعالية هذه المؤسسات في المناطق التي تشهد تعددًا مذهبيًا أو ضعفًا في التمويل الديني المحلي، وهو ما يوفر فراغًا تستغله إيران لتعزيز حضورها.
6. استخدام المناسبات الدينية الكبرى لتقديم النموذج الإيراني
من بين الأدوات الأكثر تأثيرًا اعتماد إيران على المناسبات الدينية الكبرى كعاشوراء وأيام الفاطمية. وفي كينيا وتنزانيا، شهدت هذه الفعاليات توسعًا ملحوظًا بفضل دعم مباشر من السفارات والمراكز الثقافية؛ حيث تتحول هذه المناسبات إلى مواسم للتواصل مع الجمهور المحلي من خلال تنظيم الحفلات والمحاضرات، والورش الفنية حول الخط الفارسي والإنشاد الديني. والأهم من ذلك توظيف إيران هذه المناسبات للترويج لخطاب المظلومية، ولتقديم السردية الشيعية التي تستند إلى التضحية والمقاومة، وهي رسالة قادرة على التأثير في المجتمعات التي عانت من تاريخ طويل من الاستعمار والصراعات الداخلية. كما تقدم هذه الاحتفالات نموذج للتدين المنظم القائم على رمزية قوية وحضور اجتماعي متماسك، وهو ما يعزز الجاذبية لدى قطاعات شبابية تبحث عن معنى وهوية وانتماء.
7. التعليم والتبادل الثقافي كأدوات للنفوذ الناعم
تقدم إيران منحًا دراسية لكثير من الطلاب من كينيا وتنزانيا للدراسة في الحوزات العلمية في قم أو في جامعات ذات توجه ديني، وهذه المنح هي أحد أكثر أدوات النفوذ تأثيرًا لأنها تنتج أفرادًا تلقوا تعليمهم داخل دولة ذات نظام أيديولوجي متكامل. وعند عودة هؤلاء الطلاب، يصبحون أئمة، أو معلمين يساهمون في نقل المعرفة التي اكتسبوها، ويؤسسون حلقات جديدة من التأثير خاصة إن هذه المنح تشمل التركيز على بعض الموضوعات مثل عناصر الهوية الشيعية، والسردية الثورية، والجوانب الثقافية الفارسية، وهو ما يجعلها مشروعًا لإعداد كوادر متعاطفة مع إيران على المدى الطويل.
وضمن السياق ذاته، تعمل المراكز الثقافية الإيرانية على تدريس اللغة الفارسية في نيروبي ودار السلام، وهو ما يفتح الباب أمام التواصل المباشر مع الثقافة الإيرانية دون وسيط. كما تنظم هذه المراكز رحلات ثقافية، ومعارض كتب، ومهرجانات للسينما الإيرانية التي تقدم صورة حضارية عن المجتمع الإيراني.
ثالثًا: المداحون كأداة تأثير ونفوذ ايراني
يؤدي المداحون دورًا محوريًا في منظومة القوة الناعمة الإيرانية من خلال نشر الهوية الشيعية وربطها بالهوية السياسية المرتبطة بالمشروع الإقليمي الإيراني، فعلى الرغم من إن نشاطهم يبدو دينيًا في ظاهره، إلا إن مدائحهم ومروياتهم وقصائدهم تدمج فيها سرديات مرتبطة بولاية الفقيه ومبادئ الثورة الإسلامية، وهو ما يجعل خطابهم قناة مهمة لترسيخ الانتماء العقائدي المرتبط بإيران داخل المجتمعات الشيعية في الداخل والخارج. ويظهر هذا بشكل خاص في البيئات ذات الحضور الشيعي في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا؛ حيث تُستثمر المجالس الدينية في تعزيز ارتباط الجمهور بالمراكز الدينية الإيرانية مثل قم ومشهد، وهو ما يمنح إيران نفوذًا ثقافيًا غير مباشر.
1. التعبئة الشعبية: تُوظف إيران المداحين في عمليات التعبئة الجماهيرية؛ إذ يمتلك العديد منهم قاعدة شعبية واسعة تُستخدم لدعم توجهات الدولة في مناسبات سياسية ودينية مختلفة، كما تستغل السلطات الإيرانية شعبية هؤلاء لإنتاج خطاب يربط بين الولاء الديني والالتزام السياسي، وهو ما يظهر خلال المواسم الانتخابية أو مناسبات الدعم الشعبي لسياسات الدولة. وبفضل التأثير العاطفي القوي للمداحين؛ حيث يتحول بعضهم إلى رموز جماهيرية قادرة على التأثير في المزاج العام، وهو ما يجعلهم أدوات فعالة في إدارة الوعي الشعبي وتوجيهه.
2. ترسيخ خطاب المقاومة: تستخدم إيران المداحين كجسر ثقافي لتعزيز نفوذها خارج حدودها، خاصة في الدول التي تشكل الحساسية السياسية فيها عائقًا أمام التمدد الرسمي. فمن خلال مشاركتهم في الفعاليات الدينية داخل العراق ولبنان وسوريا وشرق أفريقيا، تنجح إيران في ترسيخ خطاب ثقافي مذهبي يكرس أهدافها كمرجع روحي للشيعة، وهو ما يؤدي إلى تشكيل حواضن اجتماعية قادرة على استقبال حضورها السياسي. ويمثل هذا النفوذ الثقافي إحدى أدوات القوة الناعمة لخروجه عن المسار الرسمي والتحرك خارج الإطار السياسي المباشر، إلا إنه يترك آثارًا عميقة في بنية الوعي الجمعي للفئات المستهدفة.
3. تعزيز خطاب المقاومة: يشكل المداحون جزءً من آلة إنتاج خطاب المقاومة الذي تعتمد عليه إيران في سياستها الخارجية؛ إذ يتضمن أداؤهم مفردات ترتبط بالشهادة والبطولة والعداء للغرب وإسرائيل. ويسهم هذا الخطاب في بناء حالة وجدانية تُروج للرؤية الإيرانية للعالم، وتخلق حالة تعاطف واسعة معها بين الشعوب. وقد عملت إيران على تدريب أجيال جديدة من المداحين في مؤسسات رسمية مثل مجلس شورى المداحين والمعاهد الفنية الدينية، بهدف ضمان استمرار هذا الدور وتطويره بما يخدم أهدافها الاستراتيجية في المجالين الثقافي والسياسي.
وفي ضوء ذلك، يبرز في المشهد الديني الإيراني مجموعة من المداحين الذين يمتلكون تأثيرًا واسعًا داخل إيران وخارجها باعتبارهم أحد الأدوات الحيوية داخل منظومة القوة الناعمة التي تعتمد عليها طهران في ترسيخ خطابها الديني والثقافي ومن أشهرهم سعيد حداد ومحمود كريمي الذي يحظى بشعبية كبيرة بين الشباب بأسلوبه العاطفي، ومحمد رضا طاهري ونجله حسين طاهري اللذين يُعدان من أكثر الأصوات تأثيرًا في مواسم محرم. كما يبرز حسين سازور بأسلوبه الحماسي، وسيد رضا نريماني الذي برز في السنوات الأخيرة بخطاب يرتبط بمفهوم المقاومة والشهادة. أما على مستوى العالم الشيعي، فيبرز باسم الكربلائي كأشهر مداح شيعي في العالم، إلى جانب جليل الكربلائي وعلي الدلفي وملا حسين الأكرف، وجميعهم يمتلكون حضورًا قويًا في المجتمعات الشيعية بالعراق والخليج وشرق أفريقيا، وهو ما يعزز تأثير هذا الفن الشعائري كأداة من أدوات النفوذ الثقافي الإيراني.
4. تعزيز الروابط الاجتماعية: يلعب المداحون دورًا يتجاوز الإحياء الشعائري إلى بناء دوائر تواصل اجتماعي تمتلك تأثيرًا داخل المجتمعات في شرق أفريقيا. فوجودهم المتكرر في الأحياء والمناسبات المختلفة يضعهم في موقع أشبه بالقائد الشعبي القريب من المجتمعات، وهو ما يمنحهم قدرة على الوصول إلى شرائح واسعة بلا حساسية سياسية، وتستفيد المؤسسات الثقافية الإيرانية من هذا الموقع عبر ربط المداحين بأنشطتها التعليمية والخيرية، ليصبحوا نقطة اتصال تُسهل انتشار البرامج الإيرانية داخل المجتمعات الفقيرة أو المهمشة. ومع الوقت، يتشكل حولهم مجتمع محلي يشعر بالانتماء إلى الفضاء الثقافي المرتبط بإيران، وهو ما يعمل على إيجاد نفوذ متراكم يُضاف إلى أدوات النفوذ الناعمة الأخرى التي تعتمد عليها طهران في المنطقة.
وبالتالي، تقدم إيران لنفسها هوية فريدة تختلف عن المنافسين التقليديين في منطقة شرق إفريقيا؛ حيث تستخدم إيران المداحين بوصفهم أدوات فعالة لتمرير رسائلها الثقافية داخل شرق أفريقيا ويتحول حضورهم في المناسبات الدينية إلى مساحة لإعادة إنتاج الرموز الشيعية بصياغة تتماشى مع المزاج الشعبي المحلي. كما يقدم هؤلاء أداءً يجمع بين اللطمية والإنشاد والسرد الوجداني، وهو ما يجعلهم قادرين على جذب جمهور واسع، خاصة في البيئات والمجتمعات التي تُقدر الفن الشفهي وتتعامل مع الصوت والسرد بصفتهما عناصر مركزية في الثقافة اليومية. ومن خلال مشاركتهم المستمرة في المواكب والمجالس داخل كينيا وتنزانيا، يعمل المداحون على خلق مناخ ديني يحمل بصمة إيرانية واضحة، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، بل عبر محتوى شعائري قادر على تشكيل خيال جمعي ينسجم مع الرؤية الثقافية الإيرانية.
في الختام: تُظهر التجربة الإيرانية في كينيا وتنزانيا نموذجًا واضحًا للقوة الناعمة التي تُمارس بتدرج وصبر، بعيدًا عن الأدوات الصلبة أو التدخلات العسكرية. فإيران تبني نفوذها من خلال شبكة اجتماعية واسعة تضم رجال دين، ومداحين، ومراكز تعليمية، وجمعيات شيعية، إضافة إلى النشاط الدبلوماسي الرسمي؛ حيث تتكامل هذه العناصر لتشكل فضاءً ثقافيًا متماسكًا يسمح لطهران بالوجود داخل مجتمعات شرق أفريقيا دون إثارة حساسية أو مقاومة مباشرة. وعلى عكس الدول الأخرى التي تعتمد على النفوذ الاقتصادي أو العسكري لتحقيق حضور خارجي، تراهن إيران على البعد الثقافي والشعائري والديني، وهو رهان أثبت فعاليته خصوصًا في المجتمعات التي تمنح قيمة كبيرة للرمز والشعائر الجماعية والحكاية الصوتية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الأنشطة الثقافية الإيرانية في شرق أفريقيا زادت بنسبة 40% خلال العقد الأخير، وهو ما يفسر توسع حضور المراكز الثقافية وارتفاع عدد الطلاب المتخرجين من الحوزات الإيرانية.
إن نجاح إيران في شرق أفريقيا يعود إلى قدرتها على فهم النسيج الاجتماعي المحلي، واستخدام أدوات تأثير بسيطة لكنها ذات أثر تراكمي كبير، مثل حلقات الذكر، والمواكب، والرموز البصرية، والأنشطة التعليمية. وبذلك لا تنجح فقط في نشر ثقافتها الدينية، بل في خلق بيئة اجتماعية أكثر استعدادًا لتقبل حضورها السياسي في المستقبل. وهذا النموذج الذي يجمع بين العمل الشعبي والدعم الرسمي يؤكد أن القوة الناعمة، حين تُستخدم بذكاء واستمرارية، قد تتفوق على أي نفوذ اقتصادي أو عسكري مهما كان حجمه.

