مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
تمثل عملية انتقال التنظيمات المتطرفة وتمددها جغرافيًا من أهم التهديدات غير التقليدية التي تتعرض لها العديد من الدول حول العالم، خاصة تلك المناطق الهشة من حيث درجة التأمين الأمني وانتشار النزاعات والصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، وهو ما أوجد الحاضنة لهذه التنظيمات نحو تعزيز تواجدها وإعادة بناء أحزمة جغرافية جديدة لتوسيع انتشارها، كما لم يقتصر الأمر على التواجد في هذه المناطق ولكن توظيفها كمرتكز جيو – استراتيجي للانطلاق نحو الانطلاق والانتشار في مناطق جغرافية أخرى.
وبعد تضافر الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة تنظيم داعش ونجاح التحالف الدولي في إسقاطه داخل سوريا والعراق واسترجاع جميع الأراضي التي كان يسيطر عليها، تراجعت قدرات التنظيم على التخطيط للعمليات واجتذاب المقاتلين الأجانب والحصول على التمويل. وعلى الرغم من هذه الجهود والانتصارات التي تم تحقيقها في مواجهة التنظيم، إلا أن التنظيم ما يزال يمثّل تهديدًا للأمن الدولي بعدما تمكن من تكوين رابطة جيو أيديولوجية سمحت له بالانتشار في مناطق لم يكن منتشر بداخلها من قبل، بل أنه أصبح قادرًا على اختراق العديد من المناطق الجغرافية متفوقًا بذلك على قدرات التنظيمات المماثلة، والاستفادة من حالة غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في إيجاد حواضن مستقبلية لأفكاره المتطرفة دونما الاعتبار للتقسمات الإدارية والقانونية لحدود الدول.
وقد أظهرت دراسات سابقة أُجريت على حركات وتنظيمات إرهابية أن هزيمة تنظيم مسلح أو إرهابي -خاصة التنظيمات ذات الطابع الديني أو الأيديولوجي- نادرًا ما تفضي إلى انهيار التنظيم أو اختفائه، وهو الأمر الذي أكده التحولات التي مر بها تنظيم داعش بعد تعرضه للعديد من الهزائم التي أصابت مركزيته الأولى ومهد انتشاره ورمزيته الدينية، وقدرته على الانتشار وإعادة التواجد في مناطق أخرى وخاصة منطقة وسط أفريقيا التي تحتل موقعًا استراتيجيًا متميزًا يمتد من وسط القارة الأفريقية حتى الغابات الاستوائية والمحيط الأطلسي حيث خليج غينيا الغني بالنفط والغاز، وتتكون دول وسط أفريقيا من 11 دولة وتدخل تلك الدول تحت مظلة إقليمية وهي المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (إيكاس)، كما تتمتع دول وسط أفريقيا بإمكانات هائلة وموارد للطاقة المتجددة وغير المتجددة.
أولًا: نشأة داعش وسط أفريقيا the Islamic State’s Central Africa Province (ISCAP)
ينشط في وسط أفريقيا عدد من الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم داعش، التي تشكلت جميعها نتيجة انشقاق أو تحول عناصر وتنظيمات إرهابية نشطت سابقًا في المنطقة؛ فتنظيم ولاية الصومال تأسس عام 2015، إثر انشقاق مجموعات تابعة لحركة الشباب، وإعلانها مبايعة داعش، في حين تحولت تنظيمات مثل “القوات الديمقراطية المتحالفة” الأوغندية، و”أنصار السنة والجماعة” في موزمبيق إلى موالاة داعش وتكوين فرعين محليين هما ولاية وسط إفريقيا، وولاية موزمبيق.
وتشير العديد من التقارير الدولية والإقليمية المختصة بالإرهاب إلى أن قارة أفريقيا أصبحت المعقل الرئيسي لتنظيم داعش، نظرًا لتوافر كل مقومات البقاء المطلوبة لتمدده وانتشاره على نطاق واسع، مثل الهشاشة الأمنية وانتشار الصراعات القبيلة والعرقية والطائفة، وانتشار الفقر والجهل، التي تمثل فرصة جيدة للاستقطاب والتجنيد. بالإضافة إلى ذلك، أسهم الفراغ الأمني الناجم عن تقليص الوجود العسكري الغربي وتراجع قدرات الحكومات إلى تصاعد هجمات “داعش “في بعض المناطق خاصة وسط أفريقيا.
وقد عمل تنظيم الدولة الإسلامية داعش على إنشاء أولى فروعه العالمية خلال الفترة التي أعقبت تراجعه في سوريا والعراق مثل تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا (IS-L) وتنظيم الدولة الإسلامية في خراسان (IS-K) من خلال زرع كبار المسئولين من خلافتها الإقليمية للمساعدة في توحيد وتوجيه المؤيدين المحليين والمنشقين عن التنظيمات الأخرى وخاصة تنظيم القاعدة واستمر هذا حتى عام 2015، مع انفصال بوكو حرام في نيجيريا وانشقاق قادة بارزون في منطقة الساحل والصومال مثل تنظيم المرابطون وحركة الشباب على التوالي وانضمامهم إلى تنظيم داعش، ليشكلوا ما سيصبح الولايات الرسمية لتنظيم داعش في تلك المناطق.
وعلى الرغم من تعدد الولايات الجديدة التي أقامها تنظيم داعش في أفريقيا إلا أن ولايته في وسط أفريقيا تميزت بسمات خاصة عن باقي الفروع فيما يتعلق بتكوينها وأسباب انضمامها للتنظيم، فعلى الرغم من طبيعتها الإسلامية الحالية، إلا أن أعضائها المؤسسين جاءوا من خلفيات مختلفة مثل حركة المناضلين الأوغنديين من أجل الحرية؛ حيث تشكلت في البداية لأسباب سياسية لكنها بدأت فيما بعد في استخدام الدعاية الإسلامية منذ عام 2001 لكنها سرعان ما انتقلت إلى إقليم شمال كيفو، وعادت للظهور في عام 2014، وهاجمت الجيش الكونغولي وكانت أهدافها تركز على البعد المحلي داخل أوغندا، دون ادعاء التمسك بتنفيذ أجندة عالمية وهو ما ساهم في تعايش تحالف القوى الديمقراطية معًا مع المجتمعات الكونغولية المحيطة بها في سلام نسبي، مقارنة بالمذابح التي يرتكبونها ضد هذه المجتمعات نفسها اليوم بعد انضمامها ومبايعتها لداعش وعلى الرغم من أن ولاية وسط أفريقيا، ذكرت للمرة الأولى في خطاب لأبو بكر البغدادي ألقاه في أغسطس 2018، إلا أن الفرع كان موجودًا من قبل، حيث نشر في أكتوبر 2017، مقطع فيديو لمسلحين في الكونغو الديمقراطية، مبايعين للتنظيم، إلى جانب ذكر الاتحاد الأفريقي في تقرير منتصف 2018، تسلل منتسبي داعش للصومال.
وفقًا لـ ACLED، تسببت ISCAP عن نحو 292، أسفرت عن وفاة 251 شخصًا على الأقل فخلال الفترة (مارس 2023 – مارس 2024):

ووزع نمط هذه الهجمات على النحو التالي:

ثانيًا: محددات تطور ولاية داعش وسط أفريقيا
ثمة مجموعة من العوامل التي أسهمت في نشأة وتحول التنظيمات المحلية في منطقة وسط أفريقيا إلى تنظيمات جهادية عالمية بعضها يتعلق بالظروف الداخلية المحيطة بنشأة هذه التنظيمات والبعض الآخر يتعلق بالتغيرات التي شهدها تنظيم داعش وقواعده التقليدية في سوريا والعراق، بالإضافة إلى ما أفرزته العوامل الإقليمية والدولية، وفيما يلي أبرز هذه الأسباب:
جاء أحد أهم أسباب التحول في ظهور داعش في منطقة وسط أفريقيا نتيجة التغير في السياسات الأمنية وزيادة الضغط العسكري من قبل القوات المسلحة الكونغولية (FARDC) في مواجهة القوات الديمقراطية المتحالفة Allied Democratic Forces (ADF)، كما أن تعديل قوة “صميم” التابعة لمجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (سادك) لنسق عملياتها في مناطق شمال شرق موزمبيق، وتركيزها على تطويق المناطق الساحلية بحصار مُحكم، أدى إلى إضعاف القدرات الداعشية على الانتقال عبر تلك المناطق، وشن هجمات على السكان المحليين فيها، وقد سُجلت حالات عدَّة لانسحاب خلايا تنظيم “ولاية موزمبيق” من تلك المناطق، نتيجة حصار قوات الأمن معاقله التقليدية عام 2023. إلا أن انسحاب قوة “صميم”، إضافةً إلى اختبار التنظيم فرص تمدد خلاياه نحو المقاطعات الوسطى الموزمبيقية، ومدى تهيؤ حالة جنوب تنزانيا لتكون ساحة توسع ميدانية، أو قاعدة خلفية للعمليات في مراحل لاحقة، قد ساهم في تنامي النشاط العملياتي بولاية داعش وسط أفريقيا، والتي أفضت في أحد أشكالها إلى تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية التي روعت المراقبين المحليين والدوليين على حد سواء. واستمرت المجموعة في تطوير عملياتها على مدى السنوات التالية.
- كان التغير في مصادر التمويل أحد أهم العوامل التي ساعدت على حدوث تحولات جذرية في خريطة انتشار داعش في منطقة وسط أفريقيا، والتي أفضت إلى أنه منذ منتصف عام 2019 أصبحت القوات الديموقراطية المتحالفة هي جوهر ولاية أفريقيا الوسطى التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (ISCAP). فبعد أن كان التنظيم يعتمد في تمويله بصورة كبيرة على جميل موكولو، زعيم تحالف القوى الديمقراطية، إلا أن بعد اعتقاله في أبريل 2015 بدأت تلك الشبكات في التفكك، وبحلول عام 2017، كانت الجماعة في حاجة إلى الأموال والدعم، وقد كان هذا العامل بمثابة المحفز الذي دفع موسى بالوكو، خليفة جميل موكولو، إلى قبول مبادرات تنظيم الدولة الإسلامية؛ حيث حصل على التمويل لإنقاذ التنظيم مقابل التعهد بالولاء لقيادة تنظيم داعش.
- تعتبر شبكات التمويل أحد أهم دعائم وجود واستمرار تنظيم داعش في وسط أفريقيا، فبالتوازي مع خسارة تنظيم الدولة الإسلامية خلافته الإقليمية في العراق وسوريا، اضطر التنظيم لأن يصبح أكثر لامركزية في تمويله للفروع التابعة له من خلال الاعتماد على الوسطاء الماليين أو الشبكات المالية العالمية المترابطة، والتي غالبًا ما تكون تحت إشراف القيادة المركزية لتنظيم داعش، وهو ما ساعد على تنشيط هذه التنظيمات؛ ويمكن الإشارة إلى أنه بمجرد مبايعة موسى بالوكو للتنظيم، بدأت قوات الدفاع الديمقراطية في امتلاك أسلحة أكثر قوة وعززت من قدرتها على تجنيد عناصر جديدة للقتال في صفوفها.
- وقد ظهرت هذه المؤشرات في حملات التفجيرات عام 2021 داخل أوغندا والكونغو ومحاولة تفجير أخرى في رواندا؛ حيث سمح تمويل تنظيم داعش للتنظيم بإعادة بناء القوات الديموقراطية المتحالفة، وتوفير الضروريات الأساسية للحياة وتقديم الدعم المالي للعائلات التي تركها المقاتلون وراءهم، كما حولت هذه الأموال التنظيم من جماعة متمردة صغيرة نسبيًا تشن هجمات في المناطق النائية بالكونغو، إلى فصيل مسلح يشار إليه بأنه الأكثر دموية في الكونغو ومركزًا للإرهاب الإقليمي في مناطق وسط وشرق أفريقيا.

4. طور تنظيم داعش وسط أفريقيا شبكات التمويل الخاص به من الاعتماد على البنية المالية العالمية لتنظيم داعش إلى نموذج هجين أكثر اعتمادًا على المستوى الإقليمي. ومن خلال هذا التطور ظهرت سلسلة من الشبكات ذات البنية الأفقية التي لم تكن عالمية بالكامل ولا محلية بالكامل، وهو ما يمكن تسميته بالتمويل المجمع إقليميًا الذي قدم نموذجًا لكيفية تمويل وإدارة التنظيم لولاياته تحت إشراف ولاية الصومال التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، وهو مجرد واحد من العديد مما يسمى بالمكاتب الإقليمية للتنظيم ساعدت الشبكات والخلايا المالية في الصومال وكينيا وأوغندا وتنزانيا وجنوب أفريقيا على تجميع الموارد والأموال لدعم التنظيم داخل الكونغو التي تحولت من جماعة متمردة أوغندية غامضة نسبيًا إلى أكبر مصادر التهديد الإقليمي.
5. عززت هذه الجماعات روابطها التنظيمية الإقليمية وارتكزت على أبعاد محددة في بناء تحالفاتها في هذه المنطقة، وهو ما ظهر من خلال وجود روابط بين تحالف القوى الديمقراطية في الكونغو والتمرد الإسلامي في موزمبيق (أنصار السنة)،([1]) المعروفة سابقًا باسم أهل السنة والجماعة ومحليًا باسم الشباب، هو الاسم الرسمي للجهاديين السلفيين في مقاطعة ديلجادو في موزمبيق، ومن شأن هذه التحالفات تصدير العنف إلى خارج حدود تواجد وانتشار هذه التنظيمات كما حدث في رواندا بعدما تم تفكيك خلية تتكون من 13 شخصًا كانوا يخططون لهجوم إرهابي في كيجالي للرد على الحملة العسكرية الرواندية ضد تنظيم داعش في موزمبيق.([2]) ويهدد هذا النشاط النوعي الذي يرتكز على استراتيجيات الدمج والترابط مناطق أعالي النيل في البحيرات العظمى والجنوب الأفريقي وتنزانيا وأوغندا.
وامتدادًا لذلك تمثل ولاية داعش في وسط أفريقيا نموذجًا مختلفًا يجسد استراتيجيات التنظيم التي اعتمدت إلى حد كبير على شبكات التنظيم المترابطة عبر وسط وشرق وجنوب أفريقيا، وفي الواقع، فإن الطريقة التي يتم بها تمويل ودعم تنظيم داعش الآن تعمل كنموذج ملهم لكيفية تنظيم داعش لأفرعه إداريًا وتمويل أجنحته العالمية.
وفي ضوء تعزيز ولاية وسط أفريقيا لنطاق عملياتها، فقد عملت التنظيمات التابعة له على تصاعد رغبتها في الدخول إلى أراضي جديدة، ويمكن الإشارة هنا إلى تنامي طموح ولاية الصومال إلى التمدد نحو الداخل الإثيوبي مستغلة السخط الكبير داخل الأوساط الإسلامية الإثيوبية، نتيجة رفضها بعض مشروعات التحديث العمراني في العاصمة أديس أبابا خلال النصف الأول من عام 2023، وعزز هذا الطرح تجنيد التنظيم لعناصر إثيوبية محلية وبث بياناته باللغة الأمهرية. ومن هذا المنطلق يرجح أن يتجاوز تنظيم ولاية الصومال حالة الهدوء المرحلي في طبيعة عملياته التي انتهجها في الأعوام الماضية، ويشرع في تطوير هياكل عملياتية عبر بلدان الشرق الأفريقي، مستغلًّا فرصة استقطاب الفارين من حركة الشباب، وشبكات تجنيده النشيطة في وسط أفريقيا وجنوبها وذلك بعد أن أصبح التنظيم أقل فروع داعش الإقليمية نشاطًا في عام 2023 داخل منطقة وسط أفريقيا بعدما نفذ 7 هجمات فقط في إشارة إلى حدوث تحولات في مراكز ثقل نشاط ولاية وسط أفريقيا بعدما ارتفعت مستويات نشاط تنظيم ولاية وسط إفريقيا إلى 235 هجومًا في العام ذاته.
6. إن التكامل الإقليمي بين ولايات تنظيم داعش في وسط أفريقيا عزز من قدرتها على الاستمرارية والحفاظ على ولائها للتنظيم المركزي، كما أنه على الرغم من أن اتخاذ القرارات الاستراتيجية في كل فرع إقليمي سيظل محددًا وقائمًا ومرتبطًا إلى حد كبير بالدوافع المحلية، إلا أن الروابط بين ولايات داعش تساعد في تعزيز بنك الأهداف الإقليمي المشترك بالإضافة إلى ذلك فقد عززت استراتيجيات التمويل الإقليمية مزيدًا من التماسك بين هذه الولايات، بالإضافة إلى أنها عززت من استراتيجيات التدريب العسكري المشترك وأحيانًا اللجوء إلى الوساطة بين الولايات لتجنب حدوث الانشقاقات.
7. يمثل ضعف القدرات الأمنية والعسكرية للدول في وسط أفريقيا وفي أفريقيا بصورة عامة دون غيرها من المناطق الأخرى حول العالم أحد العوامل المهمة التي ساعدت تنظيم داعش على تعزيز تواجده وتكثيف هجماته خاصة مع تواضع القدرات الأمنية والعسكرية في المناطق التي ينتشر بها، بالإضافة إلى ذلك، هناك دولًا لا تملك جيوشًا نظامية بالمعنى الحديث على غرار الصومال، أو أن جيوشها منهمكة في صراعات داخلية بجانب افتقارها إلى التدريب الجيد والمهارات اللازمة القدرات اللوجستية اللازمة للقيام بعمليات مكافحة الإرهاب.
وضمن السياق ذاته يعتبر تراجع أو غياب أو تشتت استراتيجيات مكافحة الإرهاب في هذه المناطق أحد العوامل المؤثرة في نشاط العمليات الإرهابية لتنظيم داعش في منطقة وسط أفريقيا ومدى قدرته على التوسع والانتشار الجغرافي في مناطق جديدة، ويؤشر على ذلك التحولات التي شهدها التنظيم في حدود انتشاره في ظل استراتيجيات المواجهة وتراجعها، فبعد سيطرة داعش على أجزاء من محافظة كابو ديلغادو الشمالية الشرقية من عام 2019 إلى عام 2021، تراجعت تدريجيًا السيطرة الإقليمية للتنظيم في موزمبيق نتيجة حملات مكافحة الإرهاب التي أطلقها الجيش الرواندي وبعثة الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي في موزمبيق. ولكن مع إعلان انسحاب قوات هذه البعثة في يوليو 2024، اتجه التنظيم إلى بإعادة بناء نفسه؛ حيث استولى على مدينتَي موكوجو وكويسانغا في كابو ديلغادو وتوسع جنوبًا إلى منطقة شيوري. وهو ما قد ينعكس على تعاظم قدرات التنظيم فيما يتعلق بحشد المقاتلين الأجانب، وفرص السيطرة على المناطق الحيوية واستخراج الموارد، وربما حتى القيام بعمليات خارجية ضد مصالح الدول الغربية. كما تؤشر عودة ولاية داعش في وسط أفريقيا لممارسة نشاطها بوتيرة متصاعدة مؤخرًا على نجاحه في تنويع استراتيجيته وتكتيكاته العسكرية لتتواكب مع المستجدات والضربات الميدانية التي يتعرض لها.
8. عمل تنظيم داعش في وسط أفريقيا على اتباع استراتيجية مزدوجة في تطوير نشاطه وتعزيز موارده الذاتية التي أتاحت له قدرات كبيرة في التوسع والانتشار، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال المواقع التي يسيطر عليها التنظيم وفيما يتعلق باتجاهات عملياته؛ حيث تصاعدت وتيرة استهدافه لمجموعة من المناطق في دول منطقة وسط أفريقيا كما حدث في تنزانيا باستهدافه المناطق الغنية بالثروات والمناطق الحدودية بالنظر إلى أن تنزانيا هي حلقة الوصل جغرافيًا التي تربط بين شرق الكونغو الديمقراطية وشمال موزمبيق الغني بالغاز، وهو نفس الأمر الذي تكرر بسيطرة التنظيم على مدينة بالما في بدايات عام 2021 والتي تبعد كيلومترات قليلة عن مشروع غاز عملاق تديره إحدى الشركات الفرنسية (مجموعة توتال) كما. شن هجمات على إقليم إيتوري الغني بالذهب والنفط الواقع على الحدود بين أوغندا وشرق الكونغو.
وبصورة عامة استغل تنظيم “ولاية وسط إفريقيا” احتدام الصراعات المسلحة في مقاطعة كيفو الشمالية بعد تصاعد نشاط حركة 23 مارس([3])؛ حيث اتجه التنظيم إلى تكثيف هجماته في مناطق سيطرته منذ ذلك الحين؛ إذ شن نحو 85 هجومًا في الربع الأول من عام 2024، مقارنةً بتنفيذ خلاياه 28 هجومًا فقط في الربع الأخير من عام 2023، كما عزز التنظيم من نطاق عملياته باتجاه مناطق غرب أوغندا المجاورة، وتنفيذه 11 هجومًا عام 2023، بعد انقطاع نشاطه عنها، بجانب ذلك اتجه تنظيم “ولاية موزمبيق” إلى توسيع نطاق هجماته وأهدافه كمًّا وكيفًا، بعد انسحاب قوات صميم من هناك بعد انتهاء ولايتها، وظهر ذلك بوضوح في تحولات عملياتية عدة، أهمها تركيز التنظيم على تفريغ القرى المسيحية من سكانها الداعمين للقوات الحكومية. وتطوير التنظيم لنشاطه ليشمل مناطق ظلت خارج النطاق المركزي لعملياته مدة طويلة، مثل الهجوم على منطقة “ماكوميا” التي تحتضن قاعدة رئيسية للجيش، ولم يسجل فيها نشاط هجومي كبير لداعش منذ منتصف عام 2020.
ثالثًا: إلى أي مدى تلعب الصراعات العرقية دورًا في نشأة وتمدد داعش في وسط أفريقيا؟
يعتبر التنوع الإثني أحد أهم سمات الدول الأفريقية، وتتعدد أشكال هذا التنوع سواء على المستوى القبلي أو الديني وأيضًا اللغوي، فالقارة الأفريقية تحتوي على 33% من إجمالي لغات العالم، وهو ما شكل أزمة هوية داخل الكثير، خاصة مع اتجاه حكومات هذه الدول إلى انتهاج سياسات إقصائية ضد بعض المكونات الإثنية أو القوميات، وقد ساهمت هذه العوامل في غياب الاندماج الوطني وهشاشة الدولة التي قد تتطور في مستويات أخرى إلى اندلاع الحروب الأهلية، وكل ذلك يجعل من الدول ملجأ آمن للجماعات الإرهابية.
ونظرًا لأهمية هذا العامل في التأثير على استقرار أو عدم استقرار دول القارة الأفريقية، يمكن الجزم بأن المحفز الرئيسي وراء توغل التنظيمات الإرهابية وانتشارها بوتيرة سريعة داخل الدول الأفريقية ناتج بالأساس من حالة الانقسامات القبلية والإثنية والعرقية والدينية التي ساهمت بصورة أو بأخرى في إيجاد البيئة الخصبة والحاضنة للتنظيمات الإرهابية، ويمكن إرجاع ذلك إلى انتهاج هذه الدول سياسات اقصائية تستند على توجيه سياساتها التنموية نحو المراكز الحضرية وتهميش الأقاليم الأخرى وخاصة الحدودية منها الأمر الذي ساهم في تصاعد الصراعات والمواجهات بين الحكومات وزعماء هذه القبائل، وهو الصراع القائم في ركائزه على الحرمان الممنهج لبعض القبائل من الحصول على حصتهم من الموارد، وأيضًا حرمانهم من المشاركة السياسية والاقتصادية، كما لا يمكن إغفال البعد الديني الذي يلعب دورًا مهمًا في تغذية هذه الصراعات، وقد أفرزت هذه المتغيرات اختلالات في العلاقة بين أقاليم المركز والحدود، لذا أصبح هناك حالة من الاستياء العام، والغضب الشعبي إزاء الحكومات، الأمر الذي أدى لاتساع الفجوة بينهم وبما سمح بانتشار التنظيمات الإرهابية في هذه المناطق. فالنزاعات المحلية والصدامات القبلية ذات الطابع الديني تزداد بشكل واضح في ظل وجود حكومات مركزية هشة غير قادرة على صهر مكونات المجتمع وإدارة هذا التنوع الديني، كما أدى ضعف المؤسسات وانعدام عدالة التوزيع والقدرة على الوصول إلى الخدمات الضرورية إلى تطور المنافسة على الموارد، وتحولها لصراعات وصولًا لحروب أهلية دامية ذات أبعاد عقيدية، وهو ما حدث بين جماعتي “السيليكا” و”أنتي بلاكا” المسلحتين في جمهورية أفريقيا الوسطى.
وضمن السياق ذاته، تتسم الصراعات في منطقة شرق الكونغو على سبيل المثال بالبعد الطائفي والديني باعتبار أن غالبية السكان هناك من الروم الكاثوليك في حين لا تزيد نسبة المسلمين على عشرة في المئة من السكان، وهو ما يفسر اتجاه تنظيم داعش إلى تعزيز استهدافه للكنائس وهي أحد سمات تنظيم داعش هناك الذي عادة ما يشعل صراعات محلية ليقوي ذريعته في تعزيز انتشاره وتجنيد عناصر جديدة بزعم حماية الأقليات المسلمة، كما تخدم هذه الصراعات التنظيم في تحقيق انتشار في مناطق أخرى؛ حيث تخلق الفراغات الأمنية الناشئة عن إعادة توزيع السلطات لقواتها العسكرية في هذه المناطق إلى ضعف سيطرتها على مناطق أخرى، وهو ما حدث في عام 2021 واتباع هذه الاستراتيجية في السيطرة على مدينة بالما الغنية بالموارد النفطية. وما تبع ذلك من اتساع رقعة سيطرة التنظيم ففي 31 يناير 2024 سيطر على بلدة موكوجو. وتعد هذه المرة الأولى التي يفرض فيها التنظيم سيطرته على بلدة مُهمة منذ طرد عناصره على يد قوات الأمن الرواندية من موسيمبوا دا برايا ومباو في أغسطس 2021، كما سيطر التنظيم في 16 مارس 2024 على بلدة كيسانجا الساحلية على بعد 25 ميلًا جنوب موكوجو استنادًا على نفس الاستراتيجية.
وفي ضوء هذه العوامل يمكن الإشارة إلى إن تأجيج النزاعات المحلية والصراعات الإقليمية القائمة على العرق والطائفة أحد التكتيكات المفضلة لتنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية بصورة عامة، وهو ما يأتي ضمن استراتيجيتهم لتعزيز انتشارهم في هذه المناطق وتجنيد العناصر الجديدة وتفكيك المجتمعات؛ حيث ساهمت هذه الاستراتيجية في تحويل أفريقيا، من مالي غربًا إلى الصومال شرقًا وصولًا إلى موزمبيق في الجنوب، إلى ساحة اقتتال متواصل بين الجماعات المتطرفة والدول وحلفائها المحليين. وهناك طريقتان يمكن من خلالهما فهم وتفسير انتشار التنظيمات المتطرفة استنادًا على عامل الصراعات الإثنية وذلك من خلال معياري الانتشار والتصعيد، فالانتشار يحدث عندما يزداد مع تصاعد احتمالية وقوعه في دولة أخرى مثل انتقال العنف من رواندا إلى جمهورية الكونغو الديموقراطية، أما التصعيد فيشير إلى إمكانية اجتذاب العنف الإثني فواعل أخرى وهو ما حدث في جمهورية الكونغو الديموقراطية في عام 1999 عندما تسبب العنف في تورط الدول المحيطة بها لدعم أطراف الصراع المختلفة.
وبجانب ذلك وفي ظل التداخل بين الصراعات الإثنية والقبلية وارتباطها بالمناطق الحدودية، فقد أسهمت التوترات الحدودية في تعزيز انتشار تنظيم داعش في منطقة وسط أفريقيا؛ حيث كشفت هجمات داعش المختلفة في هذه المنطقة عن قدرة عناصر التنظيم على التنقل بين حدود بعض الدول لشن الهجمات ثم العودة إلى أوكارها الرئيسية مرة أخرى. على سبيل المثال، تستطيع عناصر داعش في نيجيريا عبور الحدود إلى الكاميرون وتنفيذ بعض الهجمات الإرهابية ثم العودة إلى معاقلها مرة أخرى، على غرار الهجوم الذي استهدف مدخل بلدة مورا في أقصى شمال الكاميرون، على بعد نحو 30 كيلومترًا من الحدود مع نيجيريا نهاية مايو 2023. كما عمل التنظيم على استهداف مناطق الجنوب الغربي من الكاميرون والمعروف باسم “الكاميرون الإنجليزي” الذي تتصاعد بداخله النزعة الانفصالية بسبب التهميش الحكومي لهذه المناطق.
وإلى جانب هذه العوامل، فقد تأثر وجود ونشاط ولاية داعش في وسط أفريقيا بطبيعة العلاقات الإقليمية السائدة وتطوراتها التاريخية على عكس مناطق أخرى سواء في أفريقيا أو خارجها، وهو ما ساهم في تداخل العوامل المحفزة لوجود هذه التنظيمات بجانب العوامل الأخرى مثل الصراعات الإثنية، ويمكن الإشارة هنا إلى أن الصراعات الإثنية في شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية أسفرت منذ عام 1996 (عند اندلاع حرب الكونغو الأولى) عن مقتل ما لا يقل عن ستة ملايين مواطن، وارتبطت جزئيًّا بتداعيات الإبادة الرواندية، ولا تزال هذه الآثار ماثلة في العلاقات الكونغولية الرواندية وتصاعد التوترات بينهما في ظل اتهام كل طرف للآخر بدعم جماعات إرهابية مناوئة لنظامي بول كاجامي في رواندا وفيليكس تشيسيكيدي في الكونغو، وبالتالي ساهم هذا التداخل في ظهور التنظيمات المتطرفة في منطقة وسط أفريقيا. ووفق هذا التصور، فهناك ارتباط وثيق بين الصراعات الإثنية والعرقية والطائفية والعلاقات الإقليمية كما حدث في إقليم شرق الكونغو الديمقراطية؛ حيث كشفت بعض التقارير عن وجود اتفاق بين نخب سياسية محلية وبين ولايات تنظيم داعش المتمركز في بعض دول شرق إفريقيا، وهو ما نتج عنه قيام تنظيم داعش باستقطاب مواطني الإقليم وتأجيج مشاعر الغضب ضد النظام السياسي، ودفعهم لمواجهات مع الأجهزة الأمنية، مقابل تقديم تسهيلات لانتشار التنظيم وسيطرته على الموارد.
المراجع:
1. Aliyu Dahiru, ISCAP: How Islamic State Is Expanding In Central Africa, HumAngle, available At: https://humanglemedia.com/iscap-how-islamic-state-is-expanding-in-central-africa/
2. Katharine Houreld, As ISIS affiliate expands in central Africa, escapees recount horrors, August 12, 2023, at: https://www.washingtonpost.com/world/2023/08/12/congo-uganda-adf-isis/
3. Jacob Zenn, ISIS in Africa: The Caliphate’s Next Frontier, new lines institute, May 26, 2020, at: https://newlinesinstitute.org/nonstate-actors/terrorism-and-counterterrorism/isis-in-africa-the-caliphates-next-frontier/
4. Caleb Weiss, Ryan O’Farrell, Tara Candland, and Laren Poole, Fatal Transaction: The Funding Behind the Islamic State’s Central Africa Province, George Washington University, June 2023, at: https://extremism.gwu.edu/sites/g/files/zaxdzs5746/files/2023-06/fatal-transaction-final.pdf
5. حمدي عبدالرحمن، تحدي المكافحة: دلالات تمدد “داعش” في أفريقيا الوسطي، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، بتاريخ 20 يونيو، 2021، على الرابط: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/6367/%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%AF%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D9%85%D8%AF%D8%AF-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%8A
6. أميرة عبدالحليم، الهجوم على المدرسة الأوغندية.. وتمدد ولاية وسط أفريقيا، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بتاريخ 23 يونيو 2023، على الرابط: https://acpss.ahram.org.eg/News/20938.aspx
[1] – تأسست جماعة أنصار السنة عام 2015 في مدينة موكيمبوا دا برايا الساحلية شمال موزمبيق وهي منظمة إسلامية سلفية تعارض ممارسات الطرق الصوفية المحلية في المنطقة، وفي محاولتها لإقامة دولة إسلامية، لجأت الجماعة إلى تفسير راديكالي للشريعة الإسلامية لتبرير وتنفيذ هجمات على أهداف عسكرية ومدنية؛ حيث تمكنت من السيطرة على مساحة من الأراضي والموانئ في موكيمبوا دا برايا من خلال الدعاية الدينية واستغلال المظالم المحلية وضعف الحكومة الوطنية، والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، والتهميش العرقي والديني. كما أن البنية الاجتماعية القبلية في تلك المنطقة الحدودية، إلى جانب سيطرة الزعماء المحليين على الكثير من الجغرافيات، بما يتجاوز سلطات الدولة الرسمية نفسها، مع هشاشة مؤسسات الحُكم والمراقبة، سمح للتنظيم القدرة على شراء الذمم والولاءات وارتكاب أعمال عنف إجرامية.
[2] – عبارة عن جماعة متمردة تشكلت في أوغندا، وتتواجد في مناطق شرق الكونغو الديمقراطية منذ تسعينيات القرن الماضي، وبايع داعش في أبريل 2019، وأخذ داعش يشير إليه باسم ولاية تنظيم الدولة الإسلامية في وسط إفريقيا، وفي أغسطس من نفس العام اعترفت داعش بجماعة أهل السنة والجماعة بأنها من الجماعات الموالية لها وأشارت إليها على أنها فرع من ولاية وسط إفريقيا.
[3] – هي جماعة مسلحة تنشط في مقاطعة نورد كيفو بجمهورية الكونغو الديمقراطية، والقوة الحالية هي ما تبقى من حركة M23 الأصلية التي تشكَّلت في أبريل 2012م. وقد انبثقت حركة M23 عن المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب، والمعروف باسمه المختصر CNDP، وهي جماعة متمردة قاتلت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية بين عامي 2006 و2009م. وتعتمد كلتا المجموعتين على ادعاء أن التوتسي الكونغوليين وغيرهم من المجتمعات العرقية في شمال وجنوب كيفو يتعرَّضون للتمييز. وهم يُعتبرون من أصل رواندي، ويُشار إليهم عادة باسم “الرواندوفون”. لذلك ادعى المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب، أنه يحمي التوتسي الكونغوليين، ولذلك حصل على دعم من رواندا.

