د. سامح الجارحي
أكاديمي وخبير في العلاقات الدولية
تعتبر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نقطة فاصلة ومنعطف جذري في تاريخ إيران المُعاصِر على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من المجالات، باعتبار إن هذه الحرب أول اختبار حقيقي لمدى قدرة النظام الإيراني ما بعد الثورة الإسلامية الإيرانية على التكيف والمواجهة وذلك بعد الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث لم تتعرض الجمهورية الإسلامية الإيرانية للحرب بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 سوى مرتين خلال أكثر من 47 عامًا الأمر الذي يُنْظَر له على أنه المرحلة الثانية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أسسها آية الله الخميني ونقطة فاصلة في تاريخ هذه الجمهورية منذ نشأتها.
وعند النظر إلى هذه الحرب غير المتكافئة من الناحية العملياتية العسكرية ومن الناحية الاقتصادية والسياسية يمكن القول إنها تحولت في أهدافها من كونها حرب عسكرية تقليدية إلى حرب وجودية للنظام الإيراني بالإضافة إلى حرب قومية للشعب الإيراني وحرب مذهبية عقائدية انتقامية للشيعة الإيرانيين بعد اغتيال عدد من الشخصيات المرجعية الشيعية في البلاد وأهمهم المرشد الأعلى للنظام الإيراني علي خامنئي وعدد من مستشاريه وعدد من القيادات البارزة في القيادة الإيرانية بالإضافة إلى اغتيال الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لعددٍ من القيادات العسكرية البارزة في القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج وبعض المجموعات شبه العسكرية الأخرى التي تعمل تحت مظلة الحرس الثوري الإيراني.
وعلى الرغم من التصعيد واتجاه المنطقة نحو مواجهة مفتوحة، فرض إعلان تعليق الهجوم الأمريكي على إيران لمدة أسبوعين واقعًا جديدًا، أعاد خلط الأوراق سياسيًا وعسكريًا، وفتح الباب أمام مسار تفاوضي ترعاه إسلام آباد، وسط شكوك عميقة حول مآلاته. وإن كان إعلان وقف إطلاق النار جاء كحل مرحلي، يمنح الطرفين فرصة لإعادة ترتيب الأولويات خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية؛ حيث أدى الإعلان إلى تراجع حاد في أسعار النفط وانتعاش الأسواق العالمية. وضمن سياق تفسير اتجاهات المفاوضات المحتملة بين الجانبين الأمريكي والإيراني يجب الحديث عن مكاسب وخسائر إيران ومحددات رؤيتها منذ اندلاع الحرب.
أولًا: خسائر النظام الإيراني على المدى القريب
منذ حرب الاثنتى عشر يومًا ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر والتي اندلعت في يونيو 2025 من الواضح أن القيادة الإيرانية بدأت بتهيئة نفسها والرأي العام الداخلي في البلاد إلى احتمالية وقوع اعتداءات وعدوان آخر في أي لحظة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وهو ما حدث بالفعل في مارس الماضي؛ حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بحملات وهجمات عسكرية ضد العديد من الأهداف داخل إيران منها الأهداف العسكرية التي تتمثل في مقرات تابعة للقوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني والباسيج بالإضافة إلى مصانع انتاج الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ ومصانع انتاج الطائرات المُسيرة الإيرانية بجانب المواقع النووية الإيرانية واستهداف القطع البحرية الإيرانية والعديد من الأهداف المدنية التي تتمثل في المباني السكنية والمصانع والمدارس والجامعات والمواقع التراثية والأثرية والثقافية في العديد من المناطق داخل إيران في محاولة لإضعاف النظام الإيراني من الداخل وتهيئة الأجواء من أجل إحداث فراغ أمني وعسكري كبير في المؤسسات القيادية والعسكرية الإيرانية لإحداث انتفاضة وثورة شعبية من الداخل وهو الأمر الذي لم يتم حتى الآن.
ويمكن القول إن الخسائر الإيرانية من هذه الحرب تنقسم إلى قسمين؛ الأول يتعلق بالخسائر الداخلية أو الخسائر على مستوى الداخل الإيراني والتي تتمثل في الدمار الهائل الذي لحق بالعديد من المناطق المدنية والصناعية والعسكرية الإيرانية والثقافية والأثرية والتي ستحتاج إلى سنوات من إعادة الإعمار خاصة إن إيران تمتلك خبرة وقدرة على التعافي السريع من الكوارث سواء الكوارث الطبيعية أو الكوارث الناتجة عن الحرب، وهو الأمر الذي يُعَزِز سردية الوحدة الوطنية الداخلية في البلاد الأمر الذي ظهر خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية.
1. المشكلات الاقتصادية والاجتماعية: تمثل عودة الأزمات الداخلية إلى الواجهة وصدارة المشهد مرةً أخرى من بين المشكلات والأزمات التي ستواجه إيران داخليًا بعد انتهاء الحرب والتي تتمثل في ارتفاع معدلات الفقر في البلاد وغياب العدالة الاجتماعية بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تواجه الشعب الإيراني بسبب عدد من المشكلات والأزمات الفرعية وأهمها ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الريال الإيراني بالإضافة إلى شُح المياه والانخفاض الحاد في معدلات الأمطار والانخفاض الحاد في الرواتب بالإضافة غلى القمع وغياب العدالة في الداخل والتي من الممكن أن تؤدي إلى حراك واحتجاجات وانتفاضات من جانب الشعب الإيراني.
2. الخسائر على مستوى العلاقات الخارجية: يتمثل في الخسائر الخارجية على مستوى العلاقات والسياسة الخارجية للبلاد خصوصًا العلاقات الإقليمية لإيران مع دول الخليج العربي والدول العربية الأخرى بالإضافة إلى دول الجوار وعلى رأسها تركيا وأذربيجان؛ حيث أن القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني استهدف العديد من المصالح الأمريكية والإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط ودول الجوار بالإضافة إلى استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في العديد من البلدان المجاورة لإيران وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق وقطر والبحرين والأردن بالإضافة إلى تركيا وأذربيجان وهو ما نَتَج عنه إدانة واسعة من هذه الدول تجاه إيران بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الغضب تجاه إيران نتيجة هذه التصرفات التي ترى فيها إيران أنها تُدافِع عن نفسها وأن تقوم باستهداف القوات الأمريكية والإسرائيلية والقواعد العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط ودول الجوار والتي انطلقت منها الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
ثانيًا: مكاسب استراتيجية إيرانية على المدى البعيد
على الرغم من الدمار الذي أصاب العديد من المؤسسات الإيرانية سواء العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، لكن هناك العديد من المكاسب التي يُحققها النظام الإيراني وإيران سواء خلال الحرب أو ما بعد الحرب على المدى القريب والبعيد؛ حيث يعتبر صمود النظام الإيراني وعدم تفكيكه أحد أهم المكاسب على المستوى القريب بالإضافة إلى احتفاظ إيران بالعديد من قدراتها العسكرية خلال الحرب ومن بينها الصواريخ الباليستية والمُسيرات سواء المُسيرات العادية أو المُسيرات الانتحارية بالإضافة إلى منصات إطلاق الصواريخ وبعض أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية محلية الصُنع أو تلك التي أمدتها بها روسيا والصين خلال الفترة ما بعد حرب الاثنتى عشر يومًا أو خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية. بالإضافة إلى بعض القطع البحرية والأسلحة البحرية التي تمتلكها إيران ومن أهمها الألغام البحرية والقطع البحرية الأخرى من زوارق انتحارية ومُسيرات وصواريخ تابعة للبحرية الإيرانية وغيرها من الأسلحة الأخرى. كما أن سيطرة إيران والحرس الثوري الإيراني على مضيق هرمز يُعد أحد أهم المكاسب بالإضافة إلى عدد كبير آخر من المكاسب التي سيُحققها النظام الإيراني وإيران من الحرب سواء على المدى القريب أو المدى البعيد وذلك على النحو الآتي:
1. إعادة انتاج النظام الإيراني داخليًا
يعمل النظام الإيراني على استثمار الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها في إعادة انتاج نفسه داخليًا عبر سردية الوحدة الوطنية بالإضافة إلى قمع العناصر الانفصالية في البلاد خصوصًا إذا خرج من الحرب دون هزيمة واضحة بعد مقتل آية الله علي خامنئي المرشد الأعلى للنظام الإيراني وسيطرة الحرس الثوري الإيراني على مقاليد الأمور في البلاد وانتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا عامًا جديدًا للبلاد خلفًا لوالده، وهو ما أوضح أنه أبرز مرشحي الحرس الثوري الإيراني في ظل إمكانية لجوء الحرس الثوري الإيراني إلى اتخاذ إجراءات أكثر تصعيدًا وقمعًا تجاه الحراك الشعبي أو الاحتجاجات المتوقعة من الشعب الإيراني بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وتردي الأوضاع المعيشية في البلاد وتضخم إمبراطورية الحرس الثوري الاقتصادية، وبالإضافة إلى تلك الإجراءات المتوقعة لن تستطع أمريكا أو أي قوة في العالم من التدخل لحماية الشعب الإيراني من القمع المتوقع من جانب الحرس الثوري الإيراني والباسيج.
2. إعادة تعريف الدول الإيراني إقليميًا ودوليًا: على الرغم من سوء العلاقات السياسية بين إيران ودول الخليج العربي خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي أسفرت عن طرد المستشارين العسكريين الإيرانيين من سفارات بلادهم في الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية بالإضافة إلى ترحيل المواطنين الإيرانيين من دبي وغيرها من المدن العربية في الخليج العربي، بجانب تدهور العلاقات مع بعض دول الجوار مثل تركيا وأذربيجان إلا أنه فور انتهاء الحرب ستكثف إيران من دبلوماسيتها من أجل تدارك العقبات في العلاقات مع دول الخليج ودول الجوار، وهذا الأمر سيكون على المدى الطويل وفي ظل تعقيدات بالغة الصعوبة لاستعادة الثقة؛ حيث ستعمل إيران على إعادة علاقاتها الدبلوماسية مع دول الخليج العربي ودول الجوار خصوصًا إذا ظلت مُسيطرة على مضيق هرمز فحينها ستضطر دول الخليج العربي في تطبيع جزئي للعلاقات مع إيران.
بالإضافة إلى ذلك فإن الضعف الإسرائيلي خلال هذه الحرب سيُشجع هذه الدول على التطبيع الجزئي مع إيران خصوصًا إذا انتهت الحرب دون انتصار واضح للولايات المتحدة الأمريكية في الحرب. الأمر الآخر هو أن إيران ستُعيد انتاج نفسها دوليًا خصوصًا على المستوى الاقتصادي بعدما أثبتت قدرتها على فرض سيطرتها في إدارة مضيق هرمز.
3. لا تفاوض تحت القصف والنار: من أهم الشروط الإيرانية للتفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هو أنه لا تفاوض تحت القصف والنار وذلك حسبما نقل الوسطاء –مصر وتركيا وباكستان– هذه الرسائل من طهران وذلك بعد جولات من الوساطة بطلب أمريكي أكثر من مرة لوقف إطلاق النار أو إقرار هدنة وهو الأمر الذي رفضته طهران مرارًا وتكرارًا وهو الأمر الذي سوف تنتهي به الحرب في النهاية سواء على المدى القريب أو حتى إذا أقر ترامب غزوًا بريًا لإيران على المدى البعيد هذا الأمر الذي ستكون تكلفته البشرية والمادية في كبيرة وعالية الخطورة على أمريكا والجيش الأمريكي وفي نهاية المطاف أيضًا سيتوقف القصف من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران وستستمر إيران في قصفها للمصالح الأمريكية في الخليج العربي وقصف إسرائيل ثم تتوقف الحرب دون إعلان الفائز سواء تمت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية سواء بشكلٍ مُباشر أو غير مُباشر وهو ما قد يؤدي إلى إمكانية تكرار الحرب مرةً أخرى ولكن إذا تهيئت الظروف لهذا الأمر.
4. الهيمنة على أحد أهم الممرات البحرية العالمية: يعتبربسط إيران هيمنتها على مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية والمائية في العالم من أهم أرباح ومكاسب إيران على المستوى الاستراتيجي؛ حيث سيجعل من إيران قوة إقليمية قادرة على التحكم في أحد المحركات الرئيسية في الاقتصاد العالمي؛ حيث بدأت إيران بالفعل في السيطرة على مضيق هرمز ومنع عبور السفن التابعة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبدأت أيضًا في تحصيل رسوم عبور من بعض السفن التابعة للدول الأخرى مثل الهند والفلبين واليابان وغيرها من الدول الأخرى لكن هذا الأمر يبدو غير منطقيًا حيث أن مضيق هرمز ممر مائي دولي يقع في المياه الإقليمية والدولية وليس داخل الأراضي الإيرانية مثله مثل قناة السويس التي تقع داخل الأراضي المصرية وهو الأمر الذي يتعارض مع القانون الدولي، إلا إنه من المرجح أن يتم فتح المضيق دبلوماسيًا فقط وليس عسكريًا.
5. تحقيق أقصى استفادة اقتصادية: من بين مكاسب إيران في الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، يتمثل في تعزيز سيطرتها على مضيق هرمز الذي سمح لها بتصدير عدد كبير من براميل النفط الخام إلى الصين والهند خلال الحرب، وهو الأمر الذي سيمثل نقلة اقتصادية لإيران من الممكن أن تُساهِم في تعافيها من آثار الحرب والدمار بالإضافة إلى ذلك قامت إيران بتحصيل رسوم عبور من بعض السفن في المضيق وحققت استفادة مادية أيضًا. لكن مسألة دفع تعويضات لإيران عن الحرب يبدو غير متوقع بسبب الرفض الأمريكي الإسرائيلي الخليجي لهذا الأمر وهو أمر مستبعد لعدد كبير من الأسباب أيضًا. لكن استفادة إيران الاقتصادية بعد الحرب من الممكن أن تكون من خلال عقد شراكات واتفاقيات عابرة للقارات مع عدد من الدول بالإضافة إلى تصدير النفط واحتمالية رفع العقوبات كليًا أو جزئيًا إذا تم التوصل إلى اتفاق شامل مع الولايات المتحدة الأمريكية سواء بعد الحرب مباشرةً أو على المدى البعيد.
6. إعادة انتاج الملف النووي الإيراني بوجه جديد: من بين الخطوات التي ستُسارِع بها إيران إذا ظل النظام قائمًا بعد الحرب هو التسريع في تنمية البرنامج النووي الإيراني لأغراض سلمية والتوصل إلى اتفاق بشأن هذا البرنامج يضمن لإيران حرية العمل طالما البرنامج سلميًا. ومن الممكن على الطرف الآخر خصوصًا وأن إيران يحكمها الآن الحرس الثوري الإيراني وعناصره المتشددة من المحافظين في النظام الإيراني، وبالتالي من المحتمل أن تفكر في اقتناء القنبلة النووية ويتحول البرنامج النووي الإيراني من برنامج سلمي إلى برنامج لأغراض عسكرية لتحقيق الردع خصوصًا وأن إسرائيل لديها برنامج نووي لأغراض عسكرية ولكن هذا الأمر يبدو صعبًا بسبب الرفض العالمي لهذا الأمر خصوصًا من حلفاء إيران مثل روسيا والصين.
7. كسر هيبة الولايات المتحدة وهيمنتها عالميًا: من أهم مكاسب إيران خلال هذه الحرب إذا استمر صمود إيران، يتمثل في كسر هيبة الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنتها عالميًا بشكلٍ كبير خصوصًا في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى دخول الولايات المتحدة الأمريكية حالة من الركود والضعف سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي بالإضافة إلى أن هذا الأمر سوف ينعكس على التحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط؛ حيث ستظهر الصين وروسيا كحليف استراتيجي لكل دول الشرق الأوسط بالإضافة إلى أن فقدان أمريكا لهيبتها وهمينتها عالميًا بشكلٍ أو بآخر سوف ينعكس على العديد من القضايا الأخرى أهمها مستقبل حلف الناتو ومستقبل الحرب الروسية الأوكرانية والتي من الممكن حينها أن تنتهي باتفاقات أوربية مع روسيا أو يمتد الصراع إلى عدد من الدول الأوروبية الأخرى. بالإضافة إلى انعكاساتها على قضية تايوان والصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين سواء في تايوان أو الصراع الاقتصادي أو الصراع التكنولوجي الذي سيصب في النهاية في مصلحة الصين وحينها من الممكن أن نرى تحالفات أمريكية أكثر صلابة في بحر الصين الجنوبي من أجل الاستعداد لجولات عسكرية مرتقبة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين فيما يخص تايوان بالتحديد.
8. انتاج نظام عالمي مُتعدد الأقطاب: من بين الرهانات التي تحاول إيران تحقيقها هو محاولة تشكيل أو إعادة تشكيل تحالفات عالمية بعيدة عن الولايات المتحدة الأمريكية إذا لم تنتصر الولايات المتحدة بشكلٍ صريح في الحرب عليها؛ حيث ستظهر تحالفات عالمية تتجه نحو الصين وروسيا لما لهما من قوة اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية في العالم.
9. مواجهة مشروع الهيمنة الإسرائيلي في الشرق الأوسط: من بين المكاسب والأرباح الإيرانية بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هو كسر مشروع الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط خصوصًا فيما يتعلق باتفاقيات إبراهام التي من الممكن أن تمتد إلى دول أخرى في الشرق الأوسط، إلا إن هاجس الحرب والضعف الإسرائيلي سيستمر أمام الدول التي ستقوم بالتطبيع مع إسرائيل على المدى القريب والبعيد وخصوصًا الإخفاقات العسكرية الإسرائيلية في مواجهة إيران خلال الحرب وهو الأمر الذي سيشمل استمرار الدعم الإيراني لوكلائها في الشرق الأوسط وعلى رأسهم حزب الله في لبنان والجماعات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن؛ حيث ستحاول إيران إدراج وكلائها في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الحفاظ على مكاسبها في استثمار الوكلاء في الشرق الأوسط كما ستقوم إيران بمحاولة تهديد استقرار بعض الأنظمة فيس الشرق الأوسط وعلى رأسها سوريا من خلال دعم بعض الجماعات العلوية أو الجماعات الأخرى الموالية لها في سوريا من أجل إعادة تمركزها مرةً أخرى في سوريا بالإضافة إلى محاولات إيرانية مستقبلية من أجل كبح جماح إسرائيل وقطع يدها الطولى في منطقة الشرق الاوسط من خلال عقد تفاهمات مع عدد من دول المنطقة سواء بشكلٍ علني أو سري.
10. تجميد المشروعات الانفصالية الداخلية في إيران: من بين أهم المكاسب الإيرانية سواء خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية أو بعد انتهاء الحرب على إيران هو تجميد او تدمير مشروعات الجماعات الانفصالية في البلاد خصوصًا البلوش والأكراد والأحواز؛ حيث تحالفت تركيا مع إيران وقدمت معلومات استخباراتية لإيران فيما يتعلق بمعسكرات الانفصاليين الأكراد في كردستان العراق خلال الفترة التي حاول فيها ترامب استمالة أكراد إيران وأكراد سوريا وأكراد الشرق الأوسط من اجل دعمهم للتدخل البري في إيران وهو الأمر الذي انتهى بالفشل وذلك بسبب التحالف بين تركيا وإيران. بالإضافة إلى ذلك تتعاون كل من إيران وباكستان فيما يتعلق بالانفصاليين البلوش على الحدود الإيرانية الباكستانية وسوف يستمر التعاون فيما بينهما في المستقبل لتدمير أي مشروع انفصالي للبلوش في إيران أو باكستان.
في الختام: على الرغم من التحول في المشهد السياسي في الشرق الأوسط، وتراجع حدة المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدنة، إلا إن هذا الاختراق الذي تقوده وساطة باكستانية، أطلق موجة ترحيب دولية واسعة رأت في الاتفاق فرصة لإنقاذ المنطقة من صراع شامل، كما إن اتساع الفجوة بين مواقف الجانبين لا تزال كبيرة، وهو ما يتطلب جهودًا مضنية لتقريبها في محاولة لقبول الطرفين بمناقشة مقترحات بعضهما يشكل خطوة أولى، لكنها لا تعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق نهائي خاصة في ظل غياب الضمانات والتي سيتم صياغتها لاحقا عبر آليات دولية، قد تشمل مجلس الأمن أو قوى كبرى مثل الصين، في حال تم التوصل إلى أرضية مشتركة حول إنهاء الحرب.

