عصام البدري
باحث في العلوم السياسية
لا تقتصر رياضة كرة القدم في أفريقيا على كونها لعبة شعبية أو منافسة رياضية داخل المستطيل الأخضر، بل تمتد في كثير من الأحيان إلى عوالم خفية تحيط بها المعتقدات الشعبية والأساطير والممارسات الروحية التي تشكل جزءًا من الثقافة المجتمعية في بعض البيئات الأفريقية. فخلف هتافات الجماهير، وخطط المدربين، ومهارات اللاعبين، تظهر تصورات راسخة حول الحظ، والبركة، والحماية من الحسد، والاستعانة بالقوى الغيبية لتحقيق الفوز أو تجنب الهزيمة. ومن هنا يفتح هذا الموضوع بابًا لفهم العلاقة المعقدة بين كرة القدم الأفريقية والموروث الثقافي، وكيف تحولت بعض الملاعب إلى فضاءات لا تتداخل فيها الرياضة فقط مع السياسة والاقتصاد، بل أيضًا مع الأسطورة والسحر والإيمان الشعبي.
أولًا: جذور الاعتقاد بالسحر في الملاعب الأفريقية
تعود جذور الاعتقاد بالسحر في الملاعب الأفريقية إلى الامتداد العميق للممارسات الروحية التقليدية داخل عدد من المجتمعات الأفريقية، حيث لا يُنظر إلى هذه الممارسات باعتبارها طقوسًا دينية أو شعبية فقط، بل كقوة قادرة على التأثير في مجريات الحياة اليومية، بما في ذلك المنافسات الرياضية. ومن هنا وجد الإيمان بـ “الفودو” والتمائم والبركات الروحية طريقه تدريجيًا إلى عالم كرة القدم؛ إذ يعتقد بعض اللاعبين والمدربين والمشجعين أن القوى الخفية قد تجلب الحظ الجيد، أو تدفع سوء الحظ، أو تحمي الفريق من الحسد والهزيمة. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم ما يمكن تسميته بـ “المنشطات الروحية”، وهو مصطلح يُستخدم لوصف توظيف الطقوس الخارقة للطبيعة، والتمائم الواقية، والتدخلات السحرية بهدف تحقيق أفضلية معنوية أو نفسية داخل المنافسة الرياضية، أو التأثير سلبًا على الخصوم. ويُنظر إلى هذه الممارسات في بعض البيئات الكروية الأفريقية باعتبارها وسيلة غير مرئية لتعزيز فرص الفوز، سواء عبر طلب الحظ والحماية من المعالجين التقليديين، أو استخدام تعاويذ وتمائم مرتبطة باللاعبين والفرق، أو تنفيذ طقوس داخل الملاعب قبل المباريات.[1]
في القارة الإفريقية، تمتزج كرة القدم بإرث “روحاني” إن لم نقل “شيطاني” عميق. فالثقافات المحلية، قبل الإسلام والمسيحية وما بعدهما، احتفظت بمفاهيم “الحماية” و”البركة” و”الحسد”. ومع صعود كرة القدم كمتنفس اجتماعي واستثمار اقتصادي، انتقلت هذه المفاهيم إلى الملاعب[2]. وقد ارتبط هذا النمط من الممارسات بصورة خاصة بعدد من الروايات عن “السحرة” أو المعالجين الروحانيين في غرب أفريقيا، ومن بينها صورة “الساحر الغاني” التي تكررت في الذاكرة الكروية من خلال حوادث قيل فيها إن طقوسًا روحية أُجريت داخل أرضية الملعب أو قرب أحد المرميين. ولا تقتصر هذه الطقوس على طلب الحظ الجيد للفريق، بل تمتد أحيانًا، وفق الاعتقاد الشعبي، إلى محاولة إرباك المنافسين أو تعطيل أدائهم عبر لعنات رمزية أو تدخلات سحرية تستهدف لاعبين أو فرقًا بعينها.[3]
وفي دول مثل نيجيريا وغانا والسنغال، تشير وسائل إعلام أفريقية إلى أن بعض الرياضيين يذهبوا قبل المباريات المهمة إلى المعالجين التقليديين أو رجال الروحانيات طلبًا للبركة والحماية النفسية والمعنوية. ولا يقتصر الأمر على اللاعبين فقط، بل يمتد أحيانًا إلى الأجهزة الفنية والجماهير، التي قد تنسب الفوز أو الخسارة إلى تدخلات روحية أكثر من نسبتها إلى العوامل الفنية والبدنية. وقد شهدت بطولات أفريقية عدة حوادث عكست حضور هذه المعتقدات داخل الملاعب. ففي عام 2000، دخل مسئول نيجيري إلى أرض الملعب أثناء مباراة أمام السنغال في ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية، بهدف إزالة ما اعتُبر “سحرًا” من أحد المرميين. وفي عام 2002، ضُبط أعضاء من الجهاز التدريبي الكاميروني وهم يضعون تعويذة في أرض الملعب قبل مواجهة مالي في نصف نهائي البطولة نفسها. كما شوهد مشجعون لغانا عام 2008 يحملون أوراقًا وسوائل يعتقدون أنها تطرد الأرواح الشريرة قبل مباراة منتخبهم أمام غينيا.[4]
وتكررت مثل هذه المشاهد في مناسبات أخرى، منها ما حدث قبل نهائي كأس الأمم الأفريقية عام 2015، حين ظهر النجم الغاني “أندريه آيو” وهو يرش مسحوقًا أبيض على أرضية الملعب قبل مواجهة كوت ديفوار، في مشهد فُسر إعلاميًا باعتباره مرتبطًا بالمعتقدات الشعبية. كما تستحضر الذاكرة الكروية المصرية واقعة مواجهة الأهلي المصري وأشانتي كوتوكو الغاني في عام 1982، حين ترددت روايات عن استعانة الفريق الغاني بساحر نزل إلى أرضية الملعب قبل اللقاء، ونثر مساحيق على العشب، ثم دفن رأس خنزير داخل أحد المرميين. وتكررت الروايات ذاتها لاحقًا مع الزمالك أمام أشانتي كوتوكو على الملعب نفسه؛ حيث تحدث بعض لاعبي الزمالك عن طقوس غريبة وروائح كريهة انتشرت في أرجاء الملعب. كما تبرز واقعة أخرى مرتبطة بمنتخب مصر في مواجهة النيجر، حين جرى الحديث عن ساحر أدخل ماعزًا إلى أرضية الملعب وطاف بها قبل نزول اللاعبين، وبعد خسارة المنتخب، ربط البعض الهزيمة بتلك الطقوس.[5]
وتكشف هذه الوقائع أن الاعتقاد بالسحر في كرة القدم الأفريقية لا يظهر من فراغ، بل يرتبط ببنية ثقافية وشعبية أوسع ترى أن العالم المرئي يتداخل مع عالم غير مرئي من القوى الروحية. لذلك، تصبح المباراة في بعض السياقات أكثر من مجرد مواجهة بين فريقين؛ إذ تتحول إلى صراع رمزي بين الحظ والنحس، والبركة والحسد، والثقة والخوف، بما يمنح هذه الممارسات حضورًا نفسيًا واجتماعيًا يتجاوز حدود الملعب.[6]
ثانيًا: أبرز الممارسات السحرية المرتبطة بكرة القدم
تتنوع الممارسات السحرية والطقوس الروحية المرتبطة بكرة القدم في بعض البيئات الأفريقية، وتختلف صورها بين ما يهدف إلى جلب الحظ للفريق، وما يُعتقد أنه يحمي اللاعبين من الحسد أو الأرواح الشريرة، وما يُنظر إليه أحيانًا باعتباره محاولة لإضعاف الخصم أو التأثير على أدائه داخل الملعب. ورغم أن هذه الممارسات لا تستند إلى تفسير علمي، فإن حضورها يعكس جانبًا ثقافيًا ونفسيًا مهمًا في علاقة بعض المجتمعات بالرياضة والمنافسة. ومن أبرز هذه الممارسات الاستعانة بالمعالجين التقليديين أو رجال الروحانيات قبل المباريات المهمة؛ حيث يلجأ بعض اللاعبين أو مسئولي الفرق إلى طلب “البركة” أو الحماية المعنوية قبل خوض المنافسة. وقد يرتبط ذلك بتلاوة تعاويذ، أو تقديم طقوس رمزية، أو استخدام مواد معينة يعتقد أصحابها أنها تجلب التفوق وتطرد سوء الحظ.[7]
وتُعد التمائم والتعاويذ من أكثر المظاهر شيوعًا؛ إذ قد يحملها بعض اللاعبين في ملابسهم أو أحذيتهم، أو تُوضع داخل غرف الملابس، أو بالقرب من أرضية الملعب. ويُعتقد في بعض الحالات أن هذه التمائم تمنح اللاعب ثقة إضافية، أو تحميه من الإصابة، أو تمنع تأثير الحسد واللعنات. كما تظهر بعض الطقوس داخل أرضية الملعب نفسها، مثل رش مساحيق أو سوائل على العشب، أو نثر الملح، أو سكب مياه يُعتقد أنها مباركة، أو دفن أشياء رمزية قرب أحد المرميين. وغالبًا ما ترتبط هذه الطقوس بالاعتقاد في إمكانية “تحصين” المرمى أو إرباك الخصم أو تغيير مسار الحظ أثناء المباراة.[8]
كما تشمل الممارسات أيضًا الطواف حول الملعب أو المرمى بالحيوانات أو الأدوات الرمزية، وهي طقوس تثير عادة اهتمام الجماهير ووسائل الإعلام بسبب غرابتها وارتباطها بالموروث الشعبي. وفي بعض الروايات الكروية، جرى الحديث عن استخدام حيوانات أو أجزاء منها في طقوس قبل المباريات، باعتبارها وسيلة رمزية لاستدعاء القوة أو طرد النحس. ولا تقتصر هذه الظاهرة على اللاعبين أو الأجهزة الفنية، بل تمتد أحيانًا إلى الجماهير، التي قد تحمل أوراقًا أو زجاجات سوائل أو رموزًا شعبية داخل المدرجات، اعتقادًا منها بأنها تساعد فريقها أو تخيف الخصم أو تطرد الأرواح الشريرة. وبهذا تتحول المباراة من مواجهة رياضية فقط إلى مشهد ثقافي تتداخل فيه العاطفة الجماهيرية مع الخيال الشعبي.[9]
وتكشف هذه الممارسات، في مجملها، عن أن السحر في كرة القدم لا يُفهم فقط كفعل غيبي مزعوم، بل كأداة نفسية ورمزية تُستخدم لتخفيف التوتر، وتعزيز الثقة، وتفسير النتائج غير المتوقعة. فحين يعجز الجمهور أو اللاعبون عن تفسير الهزيمة فنيًا، قد تصبح الطقوس السحرية شماعة جاهزة لتبرير الفشل، أو وسيلة لبناء شعور زائف بالسيطرة على لعبة شديدة التقلب مثل كرة القدم.
ثالثًا: المعتقدات الخرافية في كرة القدم الأوروبية
لا تقتصر المعتقدات الخرافية المرتبطة بكرة القدم على القارة الأفريقية وحدها؛ إذ عرفت الملاعب الأوروبية بدورها حضورًا واضحًا لطقوس وعادات يلجأ إليها بعض اللاعبين والمدربين طلبًا للحظ أو تعزيزًا للثقة قبل المباريات. فرغم اختلاف السياق الثقافي بين أوروبا وأفريقيا، فإن القاسم المشترك يتمثل في الإيمان بأن بعض السلوكيات الرمزية قد تمنح اللاعب شعورًا بالاطمئنان أو تساعده نفسيًا على خوض المنافسة بصورة أفضل. وقد تناول عالم الحيوان والأنثروبولوجيا البريطاني “ديسموند موريس” هذه الظاهرة في كتابه The Soccer Tribe الصادر عام 1981؛ حيث أشار إلى مجموعة من الطقوس الغريبة التي ارتبطت بكرة القدم الأوروبية، مثل تقبيل عارضتي المرمى، أو فرك مقدمة الحذاء بمشروب الويسكي، أو الحرص على عدم مغادرة الملعب في آخر الصف. ورغم أن هذه التصرفات تبدو غير منطقية من الناحية الرياضية، فإن موريس رأى أنها قد تؤدي دورًا نفسيًا مهمًا؛ إذ تمنح اللاعب إحساسًا بالسيطرة والثقة وتزيد من حماسه قبل المواجهة.[10]
وتظهر أمثلة أخرى على هذا الحضور في سلوك بعض المدربين الأوروبيين؛ فقد صُور المدرب الإيطالي “جيوفاني تراباتوني” وهو يسكب ماءً مباركًا على أرضية الملعب قبل إحدى مباريات منتخب إيطاليا في كأس العالم 2002، وهو مشهد أثار جدلًا إعلاميًا في ذلك الوقت. كما عُرف عن المدرب الفرنسي “لويس فرنانديس” قيامه برش الملح داخل المرمى قبل بداية المباريات، في ممارسة تحمل دلالة رمزية مرتبطة بطرد النحس أو استدعاء الحظ الجيد. أما على مستوى اللاعبين، فتبدو الأمثلة أكثر تنوعًا. فقد اعترف المدافع الإنجليزي “جون تيري” عام 2005 بأنه يلتزم بعدد كبير من الطقوس الخرافية قبل المباريات، قيل إنها تصل إلى نحو خمسين عادة مختلفة. وكان قائد تشيلسي السابق يحرص على الجلوس في المقعد نفسه داخل حافلة الفريق، وركن سيارته في المكان ذاته بمرآب ملعب ستامفورد بريدج، بل واستخدام المكان نفسه داخل غرفة الملابس قبل مباريات النادي اللندني.[11]
وتكشف هذه النماذج أن المعتقدات الخرافية ليست حكرًا على بيئة كروية بعينها، بل تمثل ظاهرة عابرة للثقافات داخل عالم كرة القدم. غير أن الفارق الأساسي يكمن في طبيعة التفسير؛ ففي أوروبا تُقرأ هذه الممارسات غالبًا بوصفها عادات نفسية فردية أو طقوسًا لجلب الحظ، بينما ترتبط في بعض السياقات الأفريقية بموروث روحي أعمق يتداخل فيه الشعبي والديني والأسطوري مع التنافس الرياضي.
في الختام: تكشف الأساطير والممارسات السحرية المرتبطة بكرة القدم الأفريقية أن اللعبة لا تُمارس داخل حدود الملعب فقط، بل تتحرك أيضًا داخل فضاء واسع من المعتقدات الشعبية والرموز الثقافية والضغوط النفسية. فالسحر، أو ما يُنظر إليه باعتباره “تنشيطًا روحيًا”، لا يمكن فهمه بمعزل عن البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها؛ حيث تختلط الرغبة في الفوز بالخوف من الهزيمة، ويتداخل الحماس الجماهيري مع البحث عن الحظ والحماية. ورغم أن النتائج داخل الملعب تظل في النهاية محكومة بعوامل فنية وبدنية وتكتيكية، فإن حضور هذه المعتقدات يكشف جانبًا خفيًا من علاقة الإنسان بالرياضة؛ علاقة لا تقوم على الأداء وحده، بل على الأمل والرهبة ومحاولة السيطرة على المجهول. كما أن وجود طقوس مشابهة في كرة القدم الأوروبية يؤكد أن المعتقدات الخرافية ليست حكرًا على قارة أو ثقافة بعينها، بل هي ظاهرة إنسانية أوسع تظهر كلما زادت الضغوط وارتفعت قيمة الفوز. ومن ثم، فإن دراسة هذا الجانب لا تهدف إلى ترسيخ الخرافة أو تبريرها، بل إلى فهمها بوصفها تعبيرًا عن تداخل الرياضة مع الثقافة والمجتمع والنفس البشرية. فخلف كل مباراة لا توجد فقط أقدام تركض وكرات تُسدد، بل أيضًا مخاوف وأحلام وأساطير تصنع جزءًا من السحر الحقيقي لكرة القدم.
[1] The ‘Ghana Juju Man’ – Spiritual Doping, West African Black Magic, and the Devil of Wednesday in The 2026 World Cup, Young pioneer tours, available at: https://www.youngpioneertours.com/ghana-juju-man/
[2] السحر والشعوذة في ملاعب الكرة.. إفريقيا نموذجا، Midddle east online، 10 فبراير 2026، متاح على: https://middle-east-online.com/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%
[3] Football Stories, The Literal Magic of Football, Niche Football Journalism, 2 Sep 2025, available at: https://www.nichefootballjournalism.co.uk/writings/rwanda
[4] حسن المستكاوي، السحر في الكرة الإفريقية داء أم دواء وهمي؟ Koora، 10 يناير 2024، متاح على: https://www.kooora.com/%D9%83%D8%B1%D8%A9
[5] حسن المستكاوي، المرجع السابق.
[6] Wycliffe W. Simiyu Njororai, Culture of magic and sorcery in African football, Africa’s Elite Football, Published 2019, Pages18.
[7] ما حقيقة السحر الأسود في كرة القدم الأفريقية؟ الجزيرة نت، 12 يناير 2026، متاح على: https://www.ajnet.me/sport/2026/1/12/%D9%85%D8%A7
[8] Carl Anka, AFCON and juju – an attempt to explain African football and superstition, the athletic, Feb. 6, 2024, available at: https://www.nytimes.com/athletic/5189893/2024/02/06/juju-afcon-magic-witchcraft/
[9] Imane Lechheb, AFCON grows more professional, but belief in magic still follows the game,
HESPRESS English, 12 January 2026, available at: https://en.hespress.com/129246-afcon-grows-more-professional-but-belief-in-magic-still-follows-the-game.html
[10] الشعوذة والسحر الأسود: عادات قديمة في كرة القدم الأفريقية، France24، 03 مارس 2012، متاح على: https://www.france24.com/ar/20120302-african-cup-black-magic-football
[11] الشعوذة والسحر الأسود: عادات قديمة في كرة القدم الأفريقية، المرجع السابق.

