عصام البدري
باحث في الشئون الإسرائيلية

أسفر الأسبوع الأول من المواجهة بين إيران وإسرائيل عن بروز معضلة أمنية غير مسبوقة للمؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، تمثلت في استنزاف منظومات الدفاع الجوي، وهو ما أجبر الجيش الإسرائيلي على تبني سياسة جديدة تُعرف بـ”اقتصاد الاعتراض”. والتي ترتكز على مبدأ استخدام صواريخ الدفاع الجوي بشكل انتقائي، وفقًا لأهمية الهدف وطبيعة التهديد، خاصة في ظل تصاعُد وتيرة الهجمات الإيرانية بإطلاق أكثر من 400 صاروخ حتى الآن، على موجات متتالية، وبلغ تكلفة اعتراض الموجة الواحدة 287 مليون دولار. وقد دفع هذا الواقع الميداني الجديد سلاح الجو والدفاعات الجوية الإسرائيلية إلى اعتماد استراتيجية “الاعتراض الانتقائي” كنهج تكتيكي يراعي الحفاظ على القدرات الدفاعية وترشيد استخدامها.
وامتدادًا لذلك،أصبحت إدارة “اقتصاد الذخائر” إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية الدفاعية الإسرائيلية لمواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية خلال هذه المرحلة من الحرب، لا سيما في ظل تحول المواجهة مع إيران إلى حرب جوية مفتوحة يُتوقع أن تستمر لفترة غير معلومة. وتعتمد هذه السياسة على مجموعة من المؤشرات لتحديد أولويات الاعتراض، أبرزها الكثافة السكانية في المنطقة المستهدفة؛ إذ تكون احتمالات وقوع خسائر بشرية ومادية في مدينة كبرى وسط إسرائيل أعلى بكثير مقارنة بمنطقة نائية أو أقل كثافة سكانية، بجانب موقع المرافق الاستراتيجية، والضرورية لاستمرار قتال الجيش الإسرائيلي، والتكلفة الاقتصادية لعملية الاعتراض. وقد جاء تبنّي تل أبيب لهذه السياسة كجزء من محاولتها للتكيف مع الواقع العملياتي الجديد، مدفوعة بعدة عوامل يمكن تلخيصها على النحو التالي:
1. ارتفاع تكلفة الصواريخ الاعتراضية في المنظومة الإسرائيلية: تتباين مستويات الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية من حيث التكلفة وأولوية الاستخدام؛ إذ تُصنّف صواريخ “القبة الحديدية” على أنها الأقل تكلفة نسبيًا، وتُنتج بأعداد كبيرة لتغطية التهديدات قصيرة المدى. في المقابل، تُعد منظومات مثل “السهم 2″ و”السهم 3″ و”مقلاع داود” ذخائر استراتيجية عالية التكلفة وبالتالي يتم تُخصصيها وتوجيهها للتصدي للتهديدات الباليستية المتقدمة، كما يتم تصنيعها بأعداد محدودة نظرًا لتعقيدها وسعرها المرتفع.
وقد كشفت صحيفة “كالكاليست” الإسرائيلية في تقرير لها عن الارتفاع الحاد في التكلفة المباشرة للحرب مع إيران خلال أيامها الأولى؛ حيث قفزت من نحو 5.5 مليار شيكل (1.6 مليار دولار) إلى 9.5 مليار شيكل (2.75 مليار دولار)، دون احتساب الخسائر الاقتصادية غير المباشرة، كتوقف النشاط الاقتصادي، أو الأضرار الجانبية، أو حتى تكلفة عمليات الاعتراض التي تجري من قِبل الحلفاء.
2. التصدي لمحاولة إيران استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية: تشعر تل أبيب بقلق متزايد من محاولات طهران استنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، خاصة وأن الهجمات الحالية لا تمثل أقصى ما في حوزة إيران. وتشير التقديرات العسكرية إلى أن طهران لم تلجأ بعد بشكل أساسي إلى استخدام صواريخها الأشد فتكًا، مثل صاروخ “سجيل” و”خورمشهر 4″ القادر على حمل رأس حربي يزن نحو ألف كجم، بالإضافة إلى صواريخ كروز التي يصل مداها إلى 1700 كيلومتر. ووفقًا لخبراء عسكريين، فإن ما شهدته إسرائيل حتى الآن قد لا يكون سوى تمهيد لمرحلة أكثر تصعيدًا وخطورة في مجريات الصراع.
3. محاولة إسرائيل الوفاء بالتزاماتها العسكرية مع حلفائها: ترتبط الحكومة الإسرائيلية بسلسلة من الالتزامات العسكرية تجاه عدد من الدول الحليفة، وهو ما يضع عبئًا إضافيًا على قدراتها الدفاعية والإنتاجية في أوقات التصعيد. ففي هذا السياق، تواصل الصناعات الجوية الإسرائيلية تنفيذ تعاقدات خارجية، من أبرزها الصفقة الموقعة مع سلاح الجو الألماني بقيمة تقارب 4 مليارات دولار. ويمثل هذا الواقع تحديًا استراتيجيًا لإسرائيل؛ إذ تجد نفسها مضطرة للموازنة بين احتياجاتها الدفاعية العاجلة في ظل التهديد الإيراني، وبين الوفاء بالتزاماتها التصديرية التي ترتبط بالمكانة الدولية والثقة في صناعاتها العسكرية.
4. مخاوف من ارتفاع عجز الموازنة المالية: خصصت إسرائيل في بداية عام 2024 ميزانية قدرها 34.8 مليار دولار لوزارة الدفاع، استنادًا إلى توقعات بانتهاء وشيك لحرب غزة؛ إلا أن استمرار العمليات القتالية دفع الحكومة إلى رفع التقديرات تدريجيًا، أولًا إلى 39.2 مليار دولار، ثم إلى 46.4 مليار دولار، حتى بات من المتوقع أن تتجاوز الميزانية الدفاعية حاجز 58 مليار دولار بحلول عام 2025. ومن ثم يضع هذا التصاعد الحاد في حجم ومستوى الإنفاق العسكري وزارة الدفاع أمام معضلة مالية كبيرة؛ حيث سيكون من الصعب الحفاظ على سقف العجز المحدد بنسبة 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما ينذر بتأثيرات واسعة على السياسة المالية العامة، وقد يفرض تعديلات على أولويات الإنفاق المدني والاقتصادي في المرحلة المقبلة.
5. تنبؤات باتساع مستوى المواجهة مع إيران: راهنت إسرائيل على أن ضربتها الاستباقية ستنجح في شل القدرات العسكرية الإيرانية وتقييد نطاق ردّها، غير أن مجريات المواجهة كشفت عن قدرة إيران على امتصاص الضربة، والتكيّف السريع معها، بل والرد بشكل منسق وفعال. وهذا التطور فاجأ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي كانت تعوّل على حسم سريع. خاصة وأن المعطيات الميدانية تشير إلى أن هذه المواجهة لا تزال في مراحلها الأولى، مع وجود مؤشرات قوية على احتمال تصاعدها، سواء من حيث المدى أو نوعية الأسلحة المستخدمة. ويُخشى من أن تشمل المرحلة المقبلة هجمات بأسلحة دقيقة ومتطورة، قد تتجاوز قدرة أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية على اعتراضها، وهو ما يرفع من منسوب التهديدات ويعقّد حسابات الردع والاستعداد.
6. المحافظة على الجاهزية القتالية والقدرة على الردع: تسعى تل أبيب من خلال اعتماد سياسة “اقتصاد الذخائر” إلى الحفاظ على جاهزيتها القتالية واستمرار قدرتها على الردع، خصوصًا في ظل المؤشرات المتزايدة على إنهاك قواتها البرية بعد أكثر من عام ونصف من العمليات المتواصلة في قطاع غزة. وانطلاقًا من إدراكها لحساسية المرحلة، تركّز إسرائيل على حماية نقاط تفوقها الاستراتيجية، وعلى رأسها التفوق الجوي، باعتباره أحد أبرز أدوات الردع في المنطقة. ويأتي هذا التوجه في إطار الاستعداد لاحتمالات التصعيد مع أطراف إقليمية أخرى؛ حيث تسعى لتفادي استنزاف قدراتها الجوية في معركة واحدة، وهو ما يسمح لها بالحفاظ على توازن القوة على أكثر من جبهة.
7. اعتماد خيارات بديلة: بالرغم من أن تل أبيب تدرس بدقة عمليات الاعتراض بهدف إدارة مخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية، إلا أنها تبنّت عدة بدائل لتقليل كلفة التصدي للهجمات الإيرانية. ومن أبرز هذه البدائل: اعتماد سلاح الجو الإسرائيلي على الطلعات الجوية لاعتراض المسيّرات والصواريخ ضعيفة التهديد، وهو خيار أقل تكلفة من استخدام أنظمة الدفاع الجوي. كما دفعت تل أبيب شركة “رافائيل للأنظمة الدفاعية المتطورة” إلى تطوير منظومة “مقلاع داود”، التي لم تكن مصممة في الأصل لاعتراض الصواريخ الباليستية الثقيلة، لكنها خضعت لتحديثات مكّنتها من أداء هذا الدور ضمن منظومة الدفاع متعددة الطبقات، ونجحت بالفعل في اعتراض بعض الصواريخ الباليستية مؤخرًا. وفي سياق متصل، يواصل سلاح الجو تنفيذ ضربات استباقية داخل إيران، تستهدف منصات الإطلاق ومصانع إنتاج الصواريخ والوقود الصلب، في مسعى لإضعاف قدرة طهران على التصنيع والإطلاق.
في ضوء ما سبق، تعكس سياسة “اقتصاد الذخائر” تحولًا لافتًا في العقيدة الدفاعية الإسرائيلية، مدفوعة بتعقيدات ميدانية ومالية واستراتيجية فرضها التصعيد مع إيران. فبين ضغط استنزاف الموارد، وارتفاع تكلفة المواجهة، وسعي إسرائيل للحفاظ على قدرتها الردعية وتوازناتها الإقليمية، تصبح سياسة الاعتراض الانتقائي ضرورة وليست خيارًا. وتكشف هذه الاستراتيجية عن إدراك متزايد لدى صانع القرار الإسرائيلي بأن المواجهة مع إيران قد تكون طويلة ومعقّدة، وتتطلب إدارة دقيقة للموارد العسكرية والاقتصادية على حد سواء، بما يضمن الاستمرارية العملياتية دون الإخلال بجاهزية الدولة لأية تطورات مستقبلية أكثر خطورة.
قائمة المراجع:
- كالكاليست: إسرائيل تتحول إلى “اقتصاد الاعتراض” لمواجهة صواريخ إيران، الجزيرة، 18 يونيو 2025م، متاح على الرابط التالي: https://www.ajnet.me/news/2025/6/18/%D9%83%D8%A
- كالكاليست: إسرائيل تتجه إلى عجز مالي وتضخم في الدين العام، الجزيرة، 17 يونيو 2025م، متاح على الرابط التالي: https://www.aljazeera.net/amp/ebusiness/2025/6/17/
- Yaniv Kubovich, Israeli Army Economizing on Weapons Use Amid Arms Embargoes, Sources Say, Haaretz, Oct 13, 2024, Retrieved from: https://www.haaretz.com/israel-news/2024-10-13/ty-article/.premium/israeli-army-economizing-on-weapons-use-amid-arms-embargoes-sources-say/00000192-8573-d988-a3ba-ddf397bc0000
- Assaf Gilead, Can Israel handle all of Iran’s ballistic missiles? Globes, 19 Jun, 2025, Retrieved from: https://en.globes.co.il/en/article-can-israel-handle-all-of-irans-ballistic-missiles-1001513313
- How Much Does It Cost Israel to Intercept Each Wave of Iranian Missiles? Sunna Files Observatory, June 18, 2025, Retrieved from: https://www.sunnafiles.com/71228-2/
- Hagai Amit and TheMarker, Interceptions Don’t Come Cheap: Iran’s Missile Barrage Spikes Israel’s Air Defense Costs, Haaretz, 16 june 2025, Retrieved from: https://www.haaretz.com/israel-news/2025-06-16/ty-article/.premium/interceptions-dont-come-cheap-irans-missile-barrage-spikes-israels-air-defense-costs/00000197-78e3-db44-a7f7-f8f77a950000

