فاروق حسين أبو ضيف
باحث سياسي متخصص في الشئون الإفريقية

لطالما كانت القارة الإفريقية طرفًا فاعلًا في التفاعلات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية؛ حيث عانت العديد من دولها من الاستعمار والاحتلال، وهو ما جعلها أكثر تفهّمًا لمعاناة الشعب الفلسطيني. وفي سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، واجهت إفريقيا بشكل غير مباشر تداعيات هذه الحرب، سواء عبر المواقف السياسية المناوئة لممارسات الاحتلال الإسرائيلي، أو من خلال المحاولات الإسرائيلية لإيجاد دول إفريقية تستقبل لاجئين فلسطينيين.
وضمن السياق ذاته، تسعى إسرائيل منذ سنوات لتعزيز علاقاتها مع بعض الدول الإفريقية لكسب دعمهم في المحافل الدولية؛ إلا أن مواقف الدول الإفريقية في غالبيتها لا تزال داعمة لحقوق الفلسطينيين؛ حيث رفضت أكثرية الدول الأفريقية وفي مقدمتها: مصر، وجنوب إفريقيا، والجزائر، أي محاولات لوضع شرعية للتهجير القسري للشعب الفلسطيني. بل إن البعض منهم اتجه إلى مقاضاة إسرائيل في محكمة العدل الدولية كما فعلت جنوب أفريقيا، ومصر، لمحاسبة إسرائيل على جرائم الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، ومن ثم بات واضحًا أن إفريقيا ليست مجرد طرف مراقب، بل أصبحت ساحة صراع سياسي ودبلوماسي لمحاولات إسرائيل التأثير على مواقف بعض الدول الإفريقية لصالح سياساتها في غزة
وفي ضوء ذلك يفسر التقرير اتجاهات خطط تهجير الشعب الفلسطيني إلى بعض الدول الإفريقية ومدى إمكانية تطبيق هذه الرؤية والتحديات المحتملة الناتجة، وذلك على النحو التالي:
أولًا: اتجاهات النظر إلى إفريقيا كوجهة بديلة لتهجير الفلسطينيين
برزت الدول الإفريقية كوجهة للتهجير بعد تجدد القصف الإسرائيلي على قطاع غزة وعودة العمليات العسكرية نتيجة انهيار الهدنة، كما تزايدت التساؤلات حول مصير السكان المدنيين الذين يعانون من تدهور كارثي في الأوضاع الإنسانية؛ حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع المحاصر وسط دمار واسع ونقص حاد في الغذاء والماء والدواء، وهو ما يجعل البحث عن حلول عاجلة أمرًا ملحًا.
ووفق هذا التصور، ظهرت تكهنات حول إمكانية نقل أعداد من سكان غزة إلى بعض الدول الإفريقية، خاصة مع تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تواصلتا مع بعض الدول في شرق إفريقيا لاستكشاف إمكانية استقبال اللاجئين الفلسطينيين، غير أن هذه الفكرة تواجه رفضًا واسعًا على المستويين الإقليمي والدولي، ويعتبرها الكثيرون محاولة لفرض تهجير قسري على الفلسطينيين، الأمر الذي يتعارض مع القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.
وعلى الرغم من هذه الاتجاهات، إلا إن احتمالية نجاح مخطط كهذا تبدو ضئيلة، فمعظم الدول الإفريقية المستهدفة والتي تمت الإشارة إليها مثل السودان والصومال وصوماليلاند، تعاني من أزمات داخلية حادة، تشمل حروبًا أهلية وصراعات سياسية واقتصادية مستمرة. علاوة على ذلك، فإن أي محاولة لإعادة توطين سكان غزة خارج أرضهم ستواجه معارضة شديدة من الدول العربية والمجتمع الدولي؛ إذ تعتبر خطوة كهذه تهديدًا للحق الفلسطيني في الأرض والعودة، وستؤدي إلى تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة وداخل الدول الإفريقية المستهدفة، فقد يؤدي استقبال عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين إلى توترات سياسية وأمنية، خاصة في ظل الأوضاع الهشة التي تعيشها تلك الدول. لذلك، فإن فكرة التهجير لا تبدو قابلة للتنفيذ في ظل هذه الظروف، وهو ما يجعل من الضروري البحث عن حلول أخرى أكثر واقعية لحماية سكان غزة وضمان حقوقهم.
من ناحية أخرى، وفي ظل استمرار القتال وتصاعد العنف، يبقى الحل الأكثر عدالة يتمثل في وقف إطلاق النار فورًا والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين، بدلًا من التفكير في تهجيرهم قسرًا. ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع الدولي يتجسد في كيفية فرض تسوية عادلة تضمن حماية المدنيين الفلسطينيين وتضع حدًا للحرب التي تهدد مستقبل المنطقة بأسرها. وفق افتراض مفاده إن أي محاولة لنقل سكان غزة إلى خارج أراضيهم لن تكون سوى إعادة إنتاج لمآسي التهجير القسري التي شهدها التاريخ الفلسطيني منذ نكبة عام 1948. بالتالي، فإن الجهود يجب أن تتركز على إنهاء الحصار المفروض على غزة، وضمان حقوق الفلسطينيين في العيش بكرامة وأمان داخل وطنهم، بدلًا من البحث عن حلول تتجاهل جوهر القضية وتساهم في استمرار الظلم الواقع على هذا الشعب.
ثانيًا: مسارات واتجاهات العلاقات الإسرائيلية – الإفريقية بعد عملية طوفان الأقصى
تعرضت العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا لضغوط شديدة بعد اندلاع الحرب في غزة عقب عملية طوفان؛ حيث أبدت العديد من الدول الإفريقية خاصة تلك التي لديها تاريخ من الدعم للقضية الفلسطينية، مواقف حادة تجاه تل أبيب، وقد قادت جنوب إفريقيا هذا التيار بتقديمها دعوى ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية واتهمتها بارتكاب إبادة جماعية. كما قام الاتحاد الإفريقي بإدانة إسرائيل خلال قمته الأخيرة، ووصف رئيس مفوضيته موسى فقي الهجوم الإسرائيلي على غزة بأنه “انتهاك صارخ” لحقوق الإنسان. إضافة إلى ذلك، لم تتم دعوة أي وفد إسرائيلي لحضور القمة، بينما مُنح رئيس وزراء السلطة الفلسطينية مكانة شرفية.
وعلى الرغم من هذه الاتجاهات التصعيدية ضد إسرائيل، إلا أن هناك انقسامات كبيرة داخل القارة الإفريقية حول كيفية التعامل مع إسرائيل بعد الحرب؛ حيث تسعى بعض الدول إلى تصعيد الضغط السياسي، بينما لا تزال دول أخرى تحتفظ بعلاقات دبلوماسية هادئة مع تل أبيب، وهو ما يعكس تباين المصالح الوطنية داخل القارة.[1]
كما أن تصاعد التوتر السياسي بين بعض الدول الإفريقية وإسرائيل لم يصل إلى مستوى القطيعة الدبلوماسية بينهم كما حدث في أزمات سابقة مثل حرب 1973 أو الانتفاضة الفلسطينية الثانية. بالإضافة إلى أن بعض الدول الإفريقية ذات الأغلبية المسلمة لم تتجاوز مواقفها حدود الإدانة العلنية ولم تقدم على خطوات تصعيدية مثل قطع العلاقات أو طرد السفراء. في حين امتنعت عدة دول إفريقية مثل توغو والرأس الأخضر والكاميرون عن التصويت لصالح وقف إطلاق النار في الأمم المتحدة. في المقابل، وافقت كينيا ومالاوي على إرسال عمال إلى إسرائيل لتعويض النقص في العمالة الفلسطينية. ويشير هذا التباين في المواقف إلى أن إسرائيل لا تزال تمتلك أدوات دبلوماسية واقتصادية قوية تمكنها من الحفاظ على وجودها في القارة الإفريقية رغم الانتقادات العلنية المتزايدة من غالبية دول القارة.[2]
من ناحية أخرى، لم تتوقف العلاقات الإسرائيلية الإفريقية عند الجانب الدبلوماسي فقط، بل تمتد جذورها إلى تاريخ طويل من التعاون في مجالات التنمية والتكنولوجيا والزراعة، فقد سعت اسرائيل إلى تعزيز وجودها من خلال تقديم المساعدات التنموية. حتى بعد تراجع النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا خلال العقود الماضية، شهدت السنوات الأخيرة محاولات لإعادة بناء العلاقات، خاصة بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية التي ساعدت في تطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية والإفريقية. وهو ما جعل من الصعب على الدول الإفريقية اتخاذ قرارات حادة ضد إسرائيل، بالإضافة إلى أن إسرائيل لا تزال تُعتبر شريكًا مهمًا في مجالات حيوية مثل الأمن والتكنولوجيا والمياه، وهو ما يفسر سبب عدم اتخاذ العديد من الدول الإفريقية خطوات تصعيدية ضدها.[3]
على الرغم من أن الحرب في غزة أثرت سلبًا على صورة إسرائيل دوليًا، إلا أن الروابط الاقتصادية والسياسية التي بنتها مع الدول الإفريقية لا تزال متماسكة إلى حد كبير، فالانتقادات العلنية لم تتحول إلى عزلة دبلوماسية شاملة، بل إنها لا تزال تمتلك نفوذًا في القارة من خلال مشاريع التنمية والتعاون الأمني. كما أن تقاربها مع دول مثل المغرب والسودان عمل على تعزيز قدرتها على تجاوز تداعيات الحرب دون خسائر دبلوماسية كبيرة. ومع انتهاء الصراع في غزة، قد تعود إسرائيل إلى تعزيز وجودها في إفريقيا عبر مبادرات اقتصادية وأمنية جديدة، مستفيدة من التحالفات الإقليمية واتفاقيات التطبيع التي أبرمتها في السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل العلاقات الإسرائيلية – الإفريقية قادرة على الصمود أمام الأزمات السياسية المتكررة.
ثالثًا: الولايات المتحدة وإسرائيل وإعادة توطين سكان غزة
تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تنفيذ خطتهما الهادفة إلى إعادة توطين سكان غزة في دول إفريقية، في إطار مقترحات تسعى إلى تغيير التركيبة السكانية للقطاع. وتأتي هذه الجهود بعد صراع طويل في غزة؛ حيث يتم الترويج للفكرة على أنها وسيلة “لتحسين حياة الفلسطينيين”، وفقًا لتصريحات بعض المسئولين الأمريكيين والإسرائيليين. ومع ذلك، فإن هذه المساعي تُواجه بمعارضة شديدة على المستويين الدولي والإقليمي؛ إذ يُنظر إلى أي محاولة لتنفيذ عمليات التهجير القسري على أنها انتهاك واضح للقانون الدولي وحقوق الإنسان، وما يضيف من صعوبة تنفيذ مثل هذه الخطط يتمثل في أن الدول المستهدفة تعاني بالأساس من مشكلات داخلية عميقة، وهو ما يجعل قدرتها على استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين محل شك كبير.
وفي إطار تنفيذ هذه الخطة، تعتمد واشنطن وتل أبيب على اتصالات دبلوماسية مع بعض الحكومات الإفريقية في محاولة للحصول على قبول لاستقبال الفلسطينيين، مقابل وعود بتقديم مساعدات اقتصادية أو دعم سياسي لهذه الدول. وتشير التقارير إلى أن هذه المحادثات لا تزال في مراحلها الأولى؛ حيث لم يتم التوصل إلى اتفاقات رسمية بعد. رغم ذلك، فإن مجرد مناقشة مثل هذه الفكرة يثير قلقًا واسعًا، نظرًا لما قد يترتب عليها من تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة. كما يأتي هذا التحرك ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل مستقبل غزة وفقًا للمصالح الإسرائيلية، خاصة بعد الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للقطاع جراء الصراع المستمر.[4]
من الناحية الواقعية، تبدو فرص نجاح هذه الخطة محدودة للغاية؛ حيث تواجه تحديات قانونية وأخلاقية وسياسية. فإلى جانب المعارضة الدولية، يرفض الفلسطينيون أنفسهم أي محاولة لترحيلهم من وطنهم، معتبرين ذلك استكمالًا لسياسة التهجير القسري التي بدأت منذ عقود. كما أن الدول الإفريقية المستهدفة تعاني من مستويات عالية من الفقر وعدم الاستقرار، وهو ما يجعل استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين عبئًا غير محتمل. في ظل هذه العوامل، يبدو أن المشروع يواجه تحديات متصاعدة؛ حيث لم يُظهر أي طرف استعدادًا حقيقيًا لتنفيذه، وهو ما يجعله أقرب إلى ورقة ضغط سياسي أكثر منه خطة قابلة للتنفيذ.
وقد اعتمدت الخطة الأمريكية – الإسرائيلية على وضع 3 دول إفريقية من أجل تنفيذ هذا المخطط، الذي من شأنه سوف يسلب الحق التاريخي والإنساني لأهالي سكان القطاع، من أجل خدمة المصالح الشخصية الأمريكية:
1. السودان
في أطار سعي واشنطن لإيجاد دول تستقبل الفلسطينيين المهاجرين من قطاع غزة كجزء من الخطة الأمريكية الإسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة بعد الحرب، تواصلت الإدارة الأمريكية مع السودان لبحث إمكانية استقبال أعداد من الفلسطينيين المهجرين. ووفقًا لمسئولين سودانيين، فقد جرت هذه الاتصالات حتى قبل تنصيب “دونالد ترامب”؛ حيث عرضت واشنطن حوافز مختلفة على حكومة الخرطوم مقابل الموافقة على استقبال الفلسطينيين. لكن هذا المسعى قوبل بالرفض القاطع من قبل القيادة السودانية، التي أكدت في محافل دولية، مثل القمة العربية الأخيرة في القاهرة، أنها ترفض بشكل مطلق أي محاولات لإجبار الفلسطينيين على مغادرة أرضهم، معتبرة ذلك انتهاكًا لحقوقهم المشروعة، ومؤكدة أن الفلسطينيين لهم الحق في البقاء على أرضهم، وأن السودان لن يكون جزءً من أي مخطط لترحيلهم قسرًا.[5]
كما أن الأوضاع الأمنية والسياسية في السودان تجعل من الصعوبة بمكان تنفيذ مثل هذا المشروع، فالبلاد غارقة في صراع دموي بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهو ما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية وفرار الملايين من السودانيين أنفسهم. إضافة إلى ذلك، هناك رفض شعبي واسع لفكرة استقبال الفلسطينيين كجزء من خطة أمريكية إسرائيلية؛ حيث يُنظر إلى ذلك على أنه خيانة للقضية الفلسطينية وانخراط في تهجير قسري للفلسطينيين. كما أن السودان يعاني أيضًا من أزمة اقتصادية خانقة تجعله غير قادر على استيعاب المزيد من اللاجئين.
وعلى الرغم من الرفض السوداني؛ عرضت واشنطن تقديم حوافز كبيرة لإقناع الخرطوم، منها مساعدات عسكرية في مواجهة قوات الدعم السريع، ودعم اقتصادي يشمل تخفيف الديون وإعادة الإعمار. كما تسعى الولايات المتحدة لتقديم امتيازات دبلوماسية، مثل تعزيز العلاقات الدولية للسودان وتخفيف العقوبات المفروضة عليه. ومع ذلك، لم تنجح هذه العروض في تغيير الموقف السوداني واستمرت الحكومة على موقفها الرافض، معتبرة أن أي قبول بهذا المخطط سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على أمن واستقرار السودان نفسه.[6]
2. جمهورية الصومال الفيدرالية
اتخذ الصومال مواقف وسياسات داعمة للقضية الفلسطينية، وعلى الرغم من أنه لم يتلقَّ أي طلب رسمي من الولايات المتحدة أو إسرائيل بشأن استقبال الفلسطينيين المهجرين من غزة، وهو ما يعكس إدراك واشنطن لصعوبة تنفيذ هذا السيناريو في بلد أعلن بوضوح رفضه لأي محاولات لإجبار الفلسطينيين على مغادرة وطنهم. كما أن الحكومة الصومالية شاركت في القمة العربية التي رفضت خطة ترامب، وهو ما يؤكد موقفها الراسخ ضد أي مشاريع تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا.[7]
كما أن هناك العديد من العوائق التي تجعل تنفيذ هذه الخطة في الصومال أمرًا غير واقعي؛ حيث يواجه الصومال تحديات أمنية كبيرة بسبب استمرار هجمات حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، وهو ما يجعله غير آمن لاستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين، بالإضافة إلى أن الوضع الاقتصادي هش ومنهار وهو ما دفع الحكومة للاعتماد بشكل كبير على المساعدات الدولية، وهذه العوامل تشير إلى أنه من الصعوبة بمكان تحمل أعباء إضافية، كما أن هناك رفض شعبي ورسمي لأي خطوة قد تُفسَّر على أنها دعم لمخططات تهجير الفلسطينيين، وفي هذا الإطار شهد الصومال سلسلة من مظاهرات الداعمة لحقوق الفلسطينيين، وهو ما يشير إلى استحالة قبول الحكومة الصومالية لهذا المشروع.
على الجانب الآخر، تمتلك واشنطن وسائل ضغط وإغراء قد تستثمرها لإعادة النظر في موقف الصومال، ومن بين هذه التسهيلات إمكانية زيادة الدعم العسكري لمواجهة حركة الشباب، إضافة إلى تقديم مساعدات اقتصادية وتحسين العلاقات الدبلوماسية. كما أن الصومال يعتمد على الدعم الأمريكي في مجالات الأمن والتنمية، وهو ما قد يكون ورقة ضغط تستخدمها واشنطن. ومع ذلك، يبقى من غير المرجح أن يغير الصومال موقفه الرافض، خاصة في ظل الإجماع العربي والدولي ضد أي محاولات لإعادة توطين الفلسطينيين خارج أراضيهم.[8]
3. إقليم أرض الصومال
تسعى واشنطن إلى فتح قنوات تواصل مع إقليم أرض الصومال كجزء من خطتها لنقل الفلسطينيين المهجرين من غزة؛ حيث تحاول إقناع القيادة هناك بقبول استقبالهم مقابل مكاسب سياسية واقتصادية، وبرزت في هذا السياق اتجاهات ترى بأن هناك محادثات غير معلنة مع حكومة الإقليم حول عدد من مجالات للتعاون، بما في ذلك إمكانية الاعتراف الأمريكي الرسمي باستقلال أرض الصومال. ويُعتقد أن هذه الخطوة قد تكون مغرية للرئيس الجديد، عبد الرحمن محمد عبد الله، الذي جعل من الاعتراف الدولي أولوية لحكومته. ورغم موقف الإقليم السابق الداعم للقضية الفلسطينية، فإن احتمالية الاعتراف الأمريكي قد تدفع قيادته لإعادة النظر في موقفها.[9]
ورغم هذه الافتراضات، إلا أن الإقليم لم يتلقَّ أي طلب رسمي بشأن استقبال الفلسطينيين ولم تجرِ أية محادثات حول هذا الأمر. بالإضافة إلى ذلك، هناك عدة عوائق قد تمنع تنفيذ هذا المخطط، أبرزها عدم الاعتراف الدولي بأرض الصومال، وهو ما يجعل أي اتفاق من هذا النوع غير ملزم قانونيًا. كما أن التوترات مع الحكومة الصومالية، التي لا تزال تعتبر الإقليم جزءً من أراضيها، قد تعقد أي محاولة لتنفيذ مثل هذا المشروع. علاوة على ذلك، يواجه الإقليم تحديات اقتصادية كبيرة تجعله غير قادر على تحمل أعباء اللاجئين.
رابعًا: التداعيات المحتملة لإعادة توطين أهالي غزة داخل الدول الإفريقية
تواجه خطة الولايات المتحدة وإسرائيل لنقل سكان غزة إلى دول إفريقية تحديات معقدة قد تؤثر سلبًا على استقرار القارة. فمع أن بعض الدول قد تُغرى بالمساعدات الاقتصادية، إلا أن استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين قد يؤدي إلى اضطرابات سياسية وأمنية، ويزيد الضغوط على اقتصادات هذه الدول الهشة بالفعل. كما أن رفض الفكرة دوليًا وإفريقيًا يجعلها أداة ضغط سياسي أكثر منها حلًا عمليًا للأزمة الإنسانية في غزة، ولعل أبرز التداعيات المحتملة على القارة، ما يلي:[10]
1. تنامي التوترات السياسية والدبلوماسية، والتي سوف تتمثل في:
- تزايد الخلافات بين الدول الإفريقية حول قبول اللاجئين الفلسطينيين.
- توتر العلاقات مع الدول العربية الرافضة للخطة.
- تعزيز الانقسام بين الحكومات الإفريقية تجاه إسرائيل والولايات المتحدة.
2. الانعكاسات الأمنية
- تأجيج أو خلق النزاعات الداخلية في الدول المستهدفة.
- خلق بيئة خصبة للجماعات المسلحة لاستغلال الأوضاع.
- تصاعد مشاعر العداء تجاه الحكومات التي قد تقبل تنفيذ الخطة.
3. تزايد الضغوطات الاقتصادية
- تفاقم الأزمات الاقتصادية في الدول المستقبلة بسبب نقص الموارد.
- زيادة العبء على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية.
- احتمالية ارتفاع معدلات البطالة والفقر نتيجة التدفق السكاني الكبير.
4. التداعيات الاجتماعية[11]
- تصاعد المشاعر المناهضة للاجئين في المجتمعات المحلية.
- إمكانية اندلاع احتجاجات ضد الحكومات المؤيدة للخطة.
- تعقيد عملية دمج الفلسطينيين في مجتمعات تعاني أصلًا من مشكلات اجتماعية.
5. الأثر القانوني والحقوقي
- انتهاك القانون الدولي عبر فرض التهجير القسري.
- احتمال رفع دعاوى ضد الدول المتورطة في تنفيذ المخطط.
- تقويض حقوق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة لرد الفعل الأمريكي بعد رفض إفريقيا استقبال أهالي غزة
برزت مجموعة من المسارات المختلفة التي تفسر اتجاهات تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع سياسات الرفض لخطة التهجير القسر للفلسطينيين والتي تعددت مساراتها بين السياسة والاقتصاد والأمن، وفيما يلي الاتجاهات المحتملة لتعامل واشنطن مع سياسات الرفض الإفريقية:
1. الضغط الدبلوماسي والاقتصادي: قد تلجأ الولايات المتحدة إلى استخدام نفوذها السياسي والاقتصادي لممارسة الضغط على الدول الإفريقية الرافضة للخطة. ويمكن أن يشمل ذلك:
- تخفيض أو تعليق المساعدات الاقتصادية لبعض الدول الإفريقية، خاصة التي تعتمد على الدعم الأمريكي.
- الضغط عبر المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لفرض شروط اقتصادية أصعب على الدول الرافضة.
- استخدام نفوذها داخل الاتحاد الإفريقي لإضعاف مواقف بعض الحكومات المعارضة للمخطط.
2. خلق تحالفات مضادة داخل إفريقيا: في حال استمرار الرفض، قد تحاول واشنطن استقطاب بعض الحكومات الإفريقية لإضعاف الموقف الجماعي ضد الخطة عبر مجموعة من الإجراءات منها:
- تقديم حوافز اقتصادية مغرية مثل استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة والزراعة.
- إبرام اتفاقيات أمنية وعسكرية مع بعض الدول مقابل قبولها التفاوض حول استقبال لاجئين فلسطينيين.
- استخدام حلفائها مثل إسرائيل والإمارات للتأثير على بعض الدول التي ترتبط بعلاقات وثيقة معهم.
3. فرض عقوبات أو زعزعة استقرار الحكومات الرافضة: في حالة الرفض الجماعي للتهجير، قد تلجأ واشنطن إلى تكتيكات أكثر عدوانية مثل:
- فرض عقوبات على الحكومات الرافضة بحجة “انتهاكات حقوق الإنسان” أو “الإخلال بالتزامات دولية”.
- دعم المعارضة الداخلية لبعض الأنظمة الإفريقية الرافضة عبر تمويل جماعات سياسية معارضة أو الضغط إعلاميًا ضدها.
- إثارة قضايا داخلية حساسة مثل دعم انفصال بعض الأقاليم أو تأجيج التوترات العرقية داخل الدول التي تعارض الخطة.
في الختام: يمكن الإجابة عن التساؤل الرئيس الذي طرحه التقرير، بأن إفريقيا ليست الوجهة المحتملة لاستقبال أهالي غزة، لا سيما في ظل استمرار الرفض الشعبي والحكومي داخل الدول الإفريقية المطروحة؛ حيث تواجه هذه الفكرة رفضًا واسعًا على المستويين الإقليمي والدولي، فضلًا عن التحديات الأمنية والاقتصادية التي تعاني منها معظم الدول الإفريقية.
وعلى الرغم من محاولات إسرائيل والولايات المتحدة لتمرير هذا المخطط عبر تقديم حوافز اقتصادية وسياسية لبعض الدول الإفريقية، إلا أن دول القارة لا تزال تُظهر مواقف داعمة للقضية الفلسطينية، كما أن أي محاولة لفرض تهجير قسري ستكون انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وستؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي.
كما إن المخطط الأمريكي – الإسرائيلي لا يهدف إلى إيجاد حل إنساني، بل يسعى إلى تغيير التركيبة السكانية لقطاع غزة وتحقيق مكاسب سياسية لإسرائيل على حساب الحق الفلسطيني في الأرض والعودة. وبالنظر إلى الرفض القاطع من الدول المستهدفة، فإن واشنطن قد تلجأ إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية أو حتى خلق تحالفات جديدة داخل القارة، لكن نجاح هذه الخطوات يظل مشكوكًا فيه. لذلك، فإن الحل الحقيقي لا يكمن في تهجير الفلسطينيين، بل في إنهاء العدوان ورفع الحصار وضمان حقوقهم المشروعة داخل وطنهم.
[1] Anne-Sophie Sebban-Bécache and Simon Seroussi, Why Israel’s ties with Africa will survive the war in Gaza, Atlantic council. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/africasource/why-israels-ties-with-africa-will-survive-the-war-in-gaza/
[2] فاروق حسين أبو ضيف، مستقبل الوجود الإسرائيلي في القارة الإفريقية بعد حرب غزة، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار. https://www.idsc.gov.eg/Article/details/9132
[3] Why Israel’s ties with Africa will survive the war in Gaza, ibid.
[4] US and Israel approach African countries to resettle Gazans, The Financial Times. https://www.ft.com/content/dca62783-8bfd-404e-92dc-0f1d4e6410f5
[5] US and Israel approach African countries to resettle Gazans, ibid.
[6] JOSEF FEDERMAN, MATTHEW LEE and SAMY MAGDY, AP Exclusive: US and Israel look to Africa for moving Palestinians uprooted from Gaza, The Associated Press. https://apnews.com/article/israel-palestinians-gaza-trump-somaliland-sudan-somalia-575e03aaa0c487bae2fbadfdef8f5ca3
[7] AP Exclusive: US and Israel look to Africa for moving Palestinians uprooted from Gaza, ibid.
[8] Basma El Atti, Horn of Africa: a new front in the US-Israel push to uproot Gaza’s Palestinians, The New Arab’s. https://www.newarab.com/news/discontent-somaliland-over-trumps-gaza-displacement-plan
[9] AP Exclusive: US and Israel look to Africa for moving Palestinians uprooted from Gaza, ibid.
[10] US and Israel approach African countries to resettle Gazans, ibid.
[11] U.S. and Israel look to Africa for permanent relocation of Palestinians from Gaza, PBS NewsHour. https://www.pbs.org/newshour/world/ap-report-u-s-and-israel-look-to-africa-for-permanent-relocation-of-palestinians-from-gaza

