روفان مجدي
باحثة في العلوم السياسية
في عالمٍ يتسم بتعقّد التفاعلات الدولية وتزايد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية وتصاعد الصراعات الدولية العابرة للحدود، لم تعد أدوات التأثير التقليدية كافية لفهم أو توجيه مسار هذه التفاعلات أو فيما يتعلق بالتعبير عن اتجاهات المجتمع وثقافة الدول ومواقفها السياسية على الساحة الدولية، وهو ما أفسح المجال لصعود أدوات غير تقليدية يتصدرها الفن بمختلف أقسامه الذي يعد الأداة الدبلوماسية الفعالة في التعبير عن الكثير من القضايا واتجاهات معالجتها.
كما لعب الفن دورًا مهمًا في المراحل التي هيمنت فيها الدبلوماسية التقليدية كأداة سياسية، مثل اللقاءات الثنائية والمعاهدات الرسمية؛ حيث ظلّ الفن وسيلة خفية لكنها فعّالة للتعبير عن التوجهات السياسية والهويات الثقافية والاجتماعية؛ إذ لم يكن مجرد انعكاس للحياة الاجتماعية، بل أداة تأثير عابرة للحدود، تتميز بكونها مرئية، مسموعة ومرنة تساهم في بناء الصورة الذهنية للأمم في مختلف القضايا.
ومع تحوّل ميزان التأثير في العلاقات الدولية من الهيمنة الصلبة إلى أدوات أكثر مرونة، برز مفهوم القوة الناعمة كوسيلة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية والدبلوماسية من خلال التأثير الثقافي والقيمي. ويُعد المفكر الأمريكي جوزيف ناي من أبرز من نظّر لهذا المفهوم؛ حيث عرّفه بأنه القدرة على الوصول إلى ما تريده عبر الجاذبية والإقناع، لا عبر القسر أو الدفع. وهكذا، لم تعد صورة الدولة ومواقفها تشكل فقط من خلال قوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل على مدى جاذبية نمط حياتها، فنونها التي أصبحت عملة مزدوجة تشكل الوعي كما تعكس وعي المجتمع في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق، برز الفن كفاعل رئيس يحقق مفهوم القوة الناعمة بشكل استثنائي، لما له من قدرة على إثارة المشاعر وتشكيل التصورات بصورة تتعدي الحدود الجغرافية وتعدد الثقافات واللغات بعيدًا عن الخطابات الرسمية أو الأدوات العسكرية؛ حيث يستهدف القيمة الفكرية المرتبطة بالإنسانية في المقام الأول، ومن ثم، تُعد الدبلوماسية الثقافية أحد أشكال هذه القوة؛ حيث يُستخدم الفن بمختلف أشكاله لتعزيز التفاهم الدولي وبناء العلاقات بين الشعوب. وقد تصاعدت أهمية الفن في هذا المجال داخل الدول النامية، التي باتت توظفه لإعادة صياغة صورتها الخارجية أو لإيصال قضاياها إلى المجتمع الدولي بوسائل أكثر تأثيرًا وشمولًا، بالإضافة إلى التعبير عن القضايا والأزمات الداخلية.
وامتدادًا لذلك، لم يعد الفنان مجرد ناقل لقيم ثقافية، بل أصبح أحد أدوات التأثير في مختلف التفاعلات الدولية وقضاياها مثل عمليات السلام، إعادة بناء الثقة، وتقديم روايات بديلة للصراع. ومن هنا، يهدف هذا التحليل إلى توضيح كيف تُستخدم المبادرات الفنية والثقافية كأدوات لدعم السلام والتعاون الدولي في الدول النامية، عبر استعراض حالات واقعية وقراءة أبعاد هذا التداخل بين الفن والدبلوماسية في السياق المعاصر.
أولًا: الدبلوماسية الثقافية: أنماط التحول والأدوار
شهد مفهوم الدبلوماسية تحولًا عميقًا على مدار العقود الماضية، فلم تعد يقتصر فقط على القنوات الرسمية التي يتولاها السفراء والدبلوماسيون، بل توسعت لتشمل أشكالًا جديدة تستجيب لواقع عالمي أكثر تعقيدًا وتنوعًا، وقدر برزت في هذا التطور مجموعة من الأنماط من أهمها الدبلوماسية التقليدية والمتعلقة بالعلاقات الرسمية بين الدول والتي تضع في أولوياتها المصالح الوطنية وقضايا الأمن والاقتصاد، بالإضافة إلى الدبلوماسية الإنسانية التي تنشط في أوقات الأزمات والحروب والاهتمام بقضايا حقوق الإنسان، بالإضافة إلى الدبلوماسية الفنية التي تقوم على استخدام الفنون –باختلاف أنواعها– المرئية والمسموعة كوسيلة لنقل الرسائل السياسية والاجتماعية، وبناء علاقات دولية مبنية على التفاهم الثقافي ضمن إطار تحقيق أهداف متعددة في مختلف المجالات. وقد تصاعدت أهمية هذا الدور باعتباره أحد العوامل المؤثرة في تعزيز مكانة الدولة ووزنها السياسي والثقافي في العالم كعنصر من عناصر القوة الناعمة؛ حيث يقدم صورتها بطريقة جاذبة وإنسانية، بعيدًا عن الهيمنة العسكرية أو الاقتصادية وتشابك العلاقات السياسية.
وفي ضوء ذلك، تُعد الفنون والثقافة من أبرز مصادر القوة الناعمة؛ إذ تُسهم في تحسين صورة الدول على المستوى الدولي، بالإضافة إلى دورها في تقديم رؤيتها لمختلف الأحداث وتعزيز قيمها في العالم بأقل تكلفة وأكثر فعالية. كما وجدت دراسات أن التبادل الفني والمهرجانات الثقافية يعزز من التقارب بين الشعوب ويسهم في ترسيخ الحوار الدولي. وفيما يلي أبرز الأدوار:
1. دور الفن في التعبير عن الهوية الوطنية
يعتبر الفن بمثابة مرآة نابضة للهوية الوطنية، فهو يعكس قيم المجتمع وتاريخه وثقافته واتجاهاته عبر الرموز الفنية على سبيل المثال لا الحصر تعد التطبيقات والأشكال المختلفة للفن المنبر الذي يمثل أصوات المجتمع ويعيد الانتماء الجماعي خاصة في فترات الأزمات أو بناء الدولة أو في إطار مواجهة التهديدات الخارجية. كما يُستخدم الفن في المناسبات الرسمية والاحتفالات الوطنية لتعزيز السرديات المشتركة. وفي سياق الدول النامية، تسهم الفنون الشعبية، كالعروض التراثية والأناشيد الوطنية، في تعزيز شعور الانتماء وتوثيق التاريخ واثبات الهوية.
2. الفن كأداة للقوة الناعمة في العلاقات الدولية
تساهم الأدوات الثقافية والفنون في بناء الجسور العابرة للحدود ومتجاوزة للقيود التي تفرضها الأنواع الأخرى من الدبلوماسية؛ حيث تمارس الثقافة والفنون دورًا محوريًا في تشكيل العلاقات الدولية والسياسات الخارجية للدول بالإضافة إلى تعزيز التنوع الثقافي العالمي بما يُمهّد الطريق للتعاون والحوار، كما يمكن للدبلوماسية الثقافية أن تكون تلعب دورًا في تعزيز السلام والاستقرار. فمن خلال دعم التفاهم المتبادل والثقة والتفاعل مع التنوع الثقافي، تُعزز الدبلوماسية الثقافية العلاقات الدولية في العديد من مجالات التعاون باعتبار أن هذا الشكل من الحوار بين الثقافات لديه القدرة على تعزيز وتجديد التعاون متعدد الأطراف، بما يتجاوز المصالح المتضاربة، لتقديم المنافع العامة العالمية، مع معالجة بعض القضايا الخلافية. وهو الأمر الذي تم تجاوزه إلى تركيز السياسة الخارجية لبعض الدول على العوامل الثقافية التعاون بين الدول في مجال الثقافة.
فهناك بعض الدول مثل السنغال ركزت على انتهاج استراتيجية لسياساتها الخارجية قائمة على فكرة السلام الثقافي، بما في ذلك الحوار بين الثقافات كأحد ركائزها الرئيسية وكأولوية للقوة الناعمة على القوة الصلبة. أما في منطقة البحر الكاريبي، فقد كانت الثقافة حجر الزاوية في سياسات التنمية الوطنية، وبرز بُعد إقليمي متعدد الأطراف قوي من خلال جهود الدبلوماسية الثقافية، بما في ذلك من خلال مهرجانات مثل مهرجان الكاريبي للفنون الذي شكّل علاقات بين الدول من خلال الفنون، والذي سبق إنشاء الجماعة الكاريبية التي تتعاون في مجالات سياسية أخرى.
3. الدبلوماسية الفنية وتعزيز قاعدة الأطراف المشاركة
تقوم الدبلوماسية الفنية على مبدأ أساسي يميزها عن أشكال الدبلوماسية التقليدية، وهو “توسيع قاعدة المشاركة” لتشمل أطرافًا متعددة خارج حدود الدولة والأجهزة الرسمية. فهي لا تقتصر على السفراء أو المسؤولين الحكوميين، بل تنفتح على الفنانين والمبدعين، والمؤسسات الثقافية، ومنظمات المجتمع المدني، بل وحتى الجمهور العام. هذا الانفتاح يجعلها أكثر شمولية ومرونة، ويمنحها القدرة على الوصول إلى فضاءات اجتماعية وثقافية تتجاوز ما يمكن أن تحققه الأدوات الدبلوماسية الصلبة.
لقد أظهرت التجارب الدولية أن إشراك فاعلين متعددين في العملية الدبلوماسية عبر الفن يسهم في تعزيز القوة الناعمة للدولة وبناء صورة إيجابية عنها. ففي بريطانيا على سبيل المثال، لعب مهرجان إدنبرة للفنون دورًا بارزًا ليس فقط في تنشيط السياحة والثقافة، بل في تقديم صورة لبريطانيا كدولة منفتحة على التنوع والتفاعل الثقافي العالمي، بما يعزز مكانتها الدبلوماسية. وعلى نحو مشابه، استخدمت الولايات المتحدة برنامج “Jazz Ambassadors” خلال الحرب الباردة؛ حيث جابت فرق الجاز الأمريكية قارات العالم لنشر صورة لأمريكا كحاملة لقيم الحرية والإبداع، وهو ما حقق أثرًا يتجاوز حدود الخطاب السياسي المباشر.
أما في منطقة البحر الكاريبي، فقد مثّل مهرجان Carifesta نموذجًا للدبلوماسية الإقليمية القائمة على الفن؛ إذ جمع دول المنطقة في احتفالية دورية جعلت من الثقافة والفنون حجر الزاوية لبناء التعاون بين الشعوب، وفتحت الطريق لاحقًا لتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي داخل إطار “مجموعة الكاريبي”. وفي السياق نفسه، يقدم معرض بينالي البندقية في إيطاليا نموذجًا عالميًا آخر؛ حيث تتحول الأجنحة الفنية الوطنية إلى منصات غير رسمية للتعبير عن الهوية الثقافية للدول والتنافس على القوة الناعمة من خلال الفنون البصرية.
وبذلك، يتضح أن الدبلوماسية الفنية لا تُدار فقط عبر الدولة، بل عبر شبكة واسعة من الفاعلين الثقافيين والمجتمعيين، وهو ما يمنحها شرعية مضاعفة ويجعلها أكثر تأثيرًا على الرأي العام العالمي، خاصة أنها تنطلق من لغة الفن التي يفهمها الجميع وتتجاوز حدود السياسة التقليدية.
4. الفن كمساحة للحوار وحل النزاعات
يمثل الفن فضاءً إنسانيًا فريدًا لخلق الحوار في البيئات التي تتسم بالانقسام والصراع. فبينما تُقيّد السياسة الرسمية غالبًا باعتبارات القوة والمصالح، يتمتع الفن بقدرة على تجاوز الحواجز السياسية واللغوية والعرقية، وفتح قنوات تواصل بديلة تعكس البعد الإنساني المشترك بين الأطراف المتنازعة. لذلك، كثيرًا ما استُخدم المسرح، والموسيقى، والفن البصري كوسائل لترميم الثقة، وتخفيف التوترات، وإيجاد أرضيات مشتركة للحوار.
في إفريقيا، شكّل مهرجان Ubumuntu في رواندا مثالًا بارزًا؛ إذ جاء في أعقاب الإبادة الجماعية عام 1994، ليمنح الناجين والجناة السابقين مساحة للتعبير الفني عن تجاربهم، ويخلق منصة للحوار المجتمعي تقوم على المسرح والفن التفاعلي بدلًا من لغة العنف. وبالمثل، في البوسنة والهرسك بعد حرب التسعينيات، لعبت الفنون البصرية والمسرحيات الوثائقية دورًا في استعادة الذاكرة الجماعية وفتح النقاش حول قضايا العدالة والمصالحة، ما ساهم في إعادة بناء النسيج الاجتماعي.
وفي العالم العربي، وظّفت الأغنية الفلسطينية والمسرح اللبناني أعمالها كقنوات حوار رمزي للتعبير عن قضايا الاحتلال والحرب الأهلية، لكنها في الوقت نفسه شكّلت جسرًا لخلق تعاطف عالمي واسع مع قضايا الشعوب.
فالقيمة الجوهرية للفن تكمن في أنه لا يفرض حلولًا سياسية مباشرة، بل يهيئ مناخًا يسمح بطرح الأسئلة، ومشاركة التجارب، وتبادل الرؤى الإنسانية بطريقة لا توفرها الدبلوماسية الرسمية. وبذلك يصبح الفن ليس فقط انعكاسًا للواقع، بل وسيلة لإعادة صياغته عبر بناء خطاب بديل يضع الإنسانية المشتركة في مركز الحوار، وهو ما يمنحه موقعًا محوريًا في مسارات حل النزاعات وصناعة السلام.
5. الفن كأداة لتعزيز التنمية الاقتصادية عبر الصناعات الإبداعية
لم يعد الفن مجرد وسيلة للتعبير الجمالي أو الثقافي، بل أصبح اليوم قطاعًا اقتصاديًا قائمًا بذاته، يُعرف بـ”الصناعات الإبداعية”، ويساهم في الناتج المحلي من خلال توفير فرص عمل، ومد الجسور بين الاقتصاد والثقافة، كما تضم هذه الصناعات مجالات متعددة مثل السينما، الموسيقى، المسرح، الفنون البصرية، الألعاب الإلكترونية، والأزياء، وهي قطاعات قادرة على تحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية ومورد استراتيجي للتنمية.
ومن أبرز النماذج العالمية في هذا السياق صناعة السينما الهندية “بوليوود”، التي تحوّلت إلى قوة ناعمة واقتصادية في آن واحد؛ إذ تنتج بوليوود سنويًا مئات الأفلام التي تُصدّر إلى آسيا، إفريقيا، والشرق الأوسط، بما يعزز مكانة الهند الثقافية ويُدرّ مليارات الدولارات من عائدات التوزيع والإعلانات والسياحة السينمائية. وقد أسهمت هذه الصناعة في جعل مومباي مركزًا عالميًا للسينما، وربطت صورة الهند في الخارج بالحيوية والتنوع الثقافي، فضلًا عن دعم الاقتصاد المحلي وتوفير مئات الآلاف من فرص العمل.
على نحو مشابه، تقدم كوريا الجنوبية نموذجًا استثنائيًا من خلال ما يُعرف بـ”الموجة الكورية” (Hallyu)، التي تشمل الدراما التلفزيونية، السينما، والموسيقى (K-pop). هذه الموجة لم تعزز فقط صورة كوريا كقوة ثقافية، بل حققت عوائد اقتصادية ضخمة عبر السياحة، المنتجات الثقافية، وصادرات الموسيقى والأزياء. فمجموعة مثل BTS، على سبيل المثال، أسهمت بمليارات الدولارات في الاقتصاد الكوري عبر الحفلات العالمية، مبيعات الألبومات، والتأثير في الصناعات المرتبطة مثل الموضة ومستحضرات التجميل.
أما في إفريقيا، فقد برزت صناعة الموسيقى النيجيرية (Afrobeats) كنموذج ناجح لتحويل الفنون إلى صناعة اقتصادية ذات امتداد عالمي، مما وضع نيجيريا على خريطة الصناعات الإبداعية وجعل الموسيقى وسيلة لتعزيز الاقتصاد والتأثير الثقافي معًا.
وفي العالم العربي، يمكن الإشارة إلى الدراما المصرية التي لطالما كانت صناعة مؤثرة في المنطقة؛ حيث لم تقتصر على دورها الفني، بل ساهمت في تنشيط السياحة، ودعم سوق الإعلانات، وتعزيز مكانة مصر الثقافية عربيًا. كذلك تشهد بعض الدول العربية حديثًا توجهًا لدعم الصناعات الإبداعية ضمن استراتيجيات التنمية الوطنية، مثل المملكة العربية السعودية التي أدرجت الثقافة والفنون ضمن رؤية 2030 كقطاع اقتصادي مستدام.
إن هذه النماذج تؤكد أن الاستثمار في الفنون لا يقتصر على المكاسب الرمزية أو الدبلوماسية، بل يمتد ليصبح رافعة اقتصادية وتنموية، قادرة على خلق وظائف جديدة، جذب الاستثمارات، وتعزيز مكانة الدول النامية في الاقتصاد العالمي من خلال موارد غير تقليدية قائمة على الإبداع.
6. الفن والذاكرة الجماعية
تلعب الفنون دورًا محوريًا في صياغة الذاكرة الجماعية للشعوب؛ إذ يلتقط لحظات تاريخية فارقة، ويحوّلها إلى رموز بصرية أو سمعية قادرة على البقاء في الوعي العام لعقود. فالذاكرة الجماعية لا تتشكل فقط عبر الكتب أو الخطابات الرسمية، بل يُعيد الفن إنتاجها بصورة وجدانية تُلامس العاطفة وتمنحها طابعًا مشتركًا، الأمر الذي يساعد المجتمعات على تجاوز الأزمات وتثبيت الهوية وبناء سردية وطنية موحدة.
على سبيل المثال، شكّلت الأغنية الفلسطينية مساحة مركزية لحفظ الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال والشتات. فالإنتاج الفني للمطربة فيروز مثل زهرة المدائن لم تكن مجرد عمل فني، بل وثيقة وجدانية ترسّخت في الوعي العربي كرمز للمقاومة والقدس، وأسهمت في تكوين وجدان جماعي داعم للقضية الفلسطينية. وبالمثل، ساعدت أعمال مارسيل خليفة بتلحينه قصائد محمود درويش مثل منتصب القامة أمشي في ترسيخ سردية النضال والهوية الفلسطينية في الذاكرة العالمية.
وفي رواندا، مثّلت الفنون المسرحية والسينمائية وسيلة لإعادة بناء الذاكرة الجماعية بعد الإبادة الجماعية عام 1994. فمهرجان Ubumuntu للفنون المسرحية لم يقتصر على تقديم عروض فنية، بل عمل كمساحة للتعبير عن الألم والصدمة، وأداة لإعادة سرد أحداث الماضي بطريقة تسمح بالاعتراف والتصالح، وهو ما عزّز من عملية المصالحة الوطنية وإعادة اللحمة للمجتمع.
وفي المنطقة العربية، كانت السينما المصرية مثالًا آخر على توثيق الذاكرة الجماعية؛ إذ جسّدت أفلام مثل الأرض (يوسف شاهين) صورة الفلاح المصري ونضاله ضد الاستعمار، فترسخت في وجدان الجماهير كجزء من الذاكرة الوطنية الجامعة التي تؤكد قيمة الأرض والانتماء.
ومن خلال هذه النماذج يتضح أن الفن لا يكتفي بكونه وسيلة للتعبير الفردي، بل يتحول إلى حامل للذاكرة الجمعية، ينقلها عبر الأجيال ويمنحها شرعية وجدانية ورمزية، ليصبح أداة لحفظ التاريخ، مقاومة النسيان، وبناء هوية متماسكة للشعوب.
ثانيًا: المبادرات الثقافية والفنية في الدول النامية: اتجاهات مقارنة
شهدت الدول النامية خلال العقود الأخيرة تناميًا لافتًا في توظيف المبادرات الثقافية والفنية كأدوات للتواصل الدولي وتعزيز التنمية المستدامة وبناء السلام. فالفن لم يعد مجرد انعكاس للهوية المحلية، بل تحوّل إلى وسيلة دبلوماسية ناعمة تُستخدم لتجاوز النزاعات، ترميم الذاكرة الجماعية، أو إعادة صياغة صورة الدولة على الساحة العالمية. وتتخذ هذه المبادرات أشكالًا متعددة، منها المهرجانات الدولية، والمعارض الفنية، والعروض المسرحية، والمبادرات الرمزية ذات الطابع التضامني، بالإضافة إلى الأغنية الوطنية التي مثّلت دائمًا رافعة وجدانية وهوية جامعة.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المبادرات الفنية في الدول النامية باعتبارها آليات دبلوماسية غير رسمية تعبّر عن قضايا التنمية والتعاون الدولي في سياقات متنوعة، سواء عبر إعادة وصل الجاليات التاريخية كما في الحالة المصرية، أو عبر الرموز الفنية التي تعكس الصمود كما في لبنان، أو من خلال المسرح والمصالحة كما في رواندا، أو باستخدام الأغنية كوسيلة للمقاومة الثقافية كما في فلسطين. إن استعراض هذه الحالات المتنوعة يسمح بفهم أعمق لدور الفن في إعادة صياغة العلاقات الدولية من منظور تنموي وثقافي، ويؤكد أن الإبداع الفني يمكن أن يشكّل رافعة للتغيير السياسي والاجتماعي في آن واحد.
1. مصر – مبادرة “العودة للجذور”
أُطلقت مبادرة “العودة للجذور” عام 2018 بمبادرة مشتركة بين مصر واليونان وقبرص في مدينة الإسكندرية، التي تُعد رمزًا تاريخيًا للتعددية الثقافية في منطقة البحر المتوسط.
جاءت المبادرة في إطار برنامج يهدف إلى لم شمل الجاليات اليونانية والقبرصية التي كانت تعيش في مصر سابقًا، وإحياء الروابط الثقافية والإنسانية العميقة التي تجمع الشعوب الثلاثة.
وتمثلت أهداف المبادرة في تعزيز التراث الثقافي المشترك، دعم الحوار بين الثقافات، وتكريس دور مصر كحلقة وصل حضارية. وقد شملت آليات التنفيذ تنظيم فعاليات فنية وتراثية، زيارات إلى مواقع تاريخية، لقاءات بين شباب الدول الثلاث، إلى جانب تغطية إعلامية دولية موجهة، كما تبلورت نتائج المبادرة في تعزيز الهوية المتوسطية لمصر، وتأكيد دور الفن والذاكرة المشتركة كأدوات دبلوماسية غير تقليدية، إلى جانب تنشيط السياحة الثقافية وربط الأجيال الجديدة بجذورها المتعددة وتأكيد الشعور بالهوية.
2. لبنان – مبادرة “أرزة لبنان في باريس”
عقب انفجار مرفأ بيروت عام 2020، ظهرت مبادرات شبابية وفنية تعكس صمود الشعب اللبناني ومحاولاته لإعادة إعمار لبنان، من أبرزها نصب “أرزة لبنان” في العاصمة الفرنسية باريس عام 2021، وهو تمثال فني ضخم صمّمه فنانون لبنانيون وفرنسيون. وتمثلت أهداف هذه المبادرة في توصيل رسالة رمزية إلى العالم تُظهر قوة الشعب اللبناني في مواجهة الكوارث، وبناء جسور تضامن مع الجاليات اللبنانية في أوروبا. كما اعتمدت الآليات على الرمزية البصرية في الفضاء العام، وتوظيف الفن كنقطة تواصل بين الداخل اللبناني والشتات، بدعم من مؤسسات ثقافية فرنسية. أما النتائج، فقد ساهمت في إعادة بناء صورة لبنان في الخارج، وتعزيز العلاقات والتعاون الفني ولثقافي اللبناني – الفرنسي، والتأكيد على أن الفن يُستخدم كأداة دبلوماسية رمزية في أوقات الأزمات.
3. رواندا – مهرجان Ubumuntu ومشروع MAP
في أعقاب الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، برزت مبادرات فنية ثقافية بقيادة شباب وفنانين محليين لتعزيز المصالحة الوطنية. من أبرز هذه المبادرات: مهرجان Ubumuntu للفنون المسرحية ومشروع MAP الذي يعتمد على الحوار من خلال الفن. وقد تمثلت أهداف المبادرتين في معالجة الذاكرة الجماعية، وتشجيع التعبير الفردي كخطوة نحو الشفاء الوطني. وقد تم تنفيذ الآليات عبر تنظيم مهرجانات سنوية مفتوحة للجمهور، عروض مسرحية تجريبية، وورش عمل جماعية تضم ضحايا وجناة سابقين؛ حيث ساعدت على بناء الثقة بين فئات المجتمع المختلفة، كما نجحت في استخدام الفن المسرحي كوسيلة دبلوماسية إنسانية تركز على التلاقي والتسامح.
4. فلسطين – الأغنية كوسيلة مقاومة
في سياق الاحتلال والتشريد، أصبحت الأغنية الفلسطينية وسيلة فنية للمقاومة الرمزية. وتُعد فيروز رمزًا لهذا الاتجاه؛ إذ شكّلت أعمالها الفنية مثل “زهرة المدائن”، “رجعت الشتوية”، و”بكرا إنت وجاي”، نماذج للرفض الهادئ والمقاومة الثقافية؛ حيث تمثلت أهداف هذا الشكل من المقاومة في ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية، وتقديم الرواية الفلسطينية بصوت فني راقٍ يخترق الحواجز السياسية. وتمثلت الآليات في إنتاج أغانٍ ذات مضامين وطنية وإنسانية، وتقديمها في سياقات عربية وعالمية، وهو ما منحها طابعًا دبلوماسيًا وجدانيًا. وتضمنت النتائج تعزيز التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية، وتكوين ذاكرة وجدانية عربية موحدة حول القدس وفلسطين، دون اللجوء إلى العنف، بل عبر صوت الفن والأمل.
على الرغم من تباين السياقات المحلية والأهداف الخاصة لكل مبادرة من المبادرات الثقافية والفنية التي تم تناولها، إلا أن الفاعلية المتشابهة للفن كأداة للتأثير والدبلوماسية الثقافية قد تجسدت في قدرة هذه المبادرات على توصيل رسائل إنسانية عميقة عبر استخدام الفن كوسيلة مرنة تتجاوز الحواجز الجغرافية والسياسية. بذلك، يظل الفن أداة دبلوماسية فعالة في إيصال رسائل تساهم في بناء التفاهم المتبادل وتعزيز السلام بين الأمم، كما يظهر في المبادرات المختلفة التي انطلقت من دول متعددة مثل مصر، لبنان، رواندا، وفلسطين
في الختام: يمكن القول إن الدبلوماسية الفنية لم تعد مجرد ترف ثقافي أو نشاط نخبوي، بل أصبحت أداة فاعلة في تشكيل العلاقات الدولية وتجاوز الحواجز السياسية والثقافية. من خلال دراسة المبادرات والممارسات الفنية في سياقات مختلفة، يتضح أن الفن يمتلك قدرة فريدة على إحداث التواصل الإنساني العابر للحدود، سواء عبر الموسيقى أو المسرح أو الفنون البصرية، وهو ما يجعله وسيطًا دبلوماسيًا غير تقليدي لكنه فعال.
وقد أظهرت التجارب المستعرضة في هذا البحث، من العالم العربي وإفريقيا، أن الفن لم يكن مجرد تعبير فردي أو ثقافي فحسب، بل أصبح مسارًا لتبادل الرسائل الرمزية، ووسيلة لبناء صورة الدولة، والتأثير في الرأي العام العالمي، ومخاطبة الضمير الإنساني. كما برزت أهمية الفاعلين غير الحكوميين، من فنانين مستقلين ومؤسسات مدنية، في توسيع نطاق هذه الدبلوماسية وتحريرها من الطابع الرسمي الجامد.
وانطلاقًا من ذلك، فإن دعم المبادرات الفنية يجب أن يُدرج ضمن أولويات صانعي القرار، لا سيما في الدول النامية التي تسعى إلى تحسين صورتها الدولية وتعزيز قوتها الناعمة. ويتطلب هذا الدعم سياسات ثقافية مرنة، واستثمارات استراتيجية في الفنون، وتوفير منصات للتبادل الثقافي العابر للحدود. كما أن تعزيز الشراكات بين الفنانين المحليين والجهات الدولية قد يساهم في توسيع الأثر وتحقيق تواصل أعمق بين الشعوب.
المراجع:
- Ang, I., Isar, Y. R., & Mar, P. (2015). Cultural diplomacy: Beyond the national interest? International Journal of Cultural Policy, 21(4), 365–381. https://doi.org/10.1080/10286632.2015.1042474
- Cummings, M. C. (2003). Cultural diplomacy and the United States government: A survey. Center for Arts and Culture.
- Isar, Y. R. (2010). Cultural diplomacy: An overplayed hand? Public Diplomacy Magazine, (3), 18–23.
- Liu, J. (2015). Soft power and cultural diplomacy: Emerging education hubs in Asia. Comparative Education, 51(3), 353–374. https://doi.org/10.1080/03050068.2015.1037551
- Marca, I. (2019). Around the world: France’s new popular music diplomacy. Modern & Contemporary France, 28(3), 253–270. https://doi.org/10.1080/09639489.2019.1682533
- McPherson, M., & McGillivray, D. (2017). Events, the arts and social change: Communities, identities and place. Routledge.
- Muscat, M. M. (2020). The art of diplomacy: Museums and soft power. E‑International Relations, November 2020. https://www.wathi.org/the-art-of-diplomacy-museums-and-soft-power-e-international-relations-november-2020/
- Nye, J. S. (2004). Soft power: The means to success in world politics. PublicAffairs.
- Rawnsley, G. D. (2021). Cultural diplomacy in the age of the Internet. The British Journal of Politics and International Relations, 23(1), 153–171. https://doi.org/10.1177/1369148120956412
- الحسن، يوسف. (2017). القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية. مجلة السياسة الدولية، العدد 210.
- خطاب، عبد الله. (2019). الفنون الشعبية والهوية الثقافية. المجلة الثقافية العربية، العدد 34، صـ 55–67.
- نجم الدين كرم الله، أنج. (2020). الدبلوماسية الثقافية: المفهوم والتطبيق في الوطن العربي. مركز دراسات الوحدة العربية.

